الحذفُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، الرضي
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
- المؤلف
- محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
- الناشر
- دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من عُجْبِكِ به وحبك له، فقالت: والله ما أبغضت ذا نسمة قط بغضي له، ولا رأيت رجلاً قط أحزم منه نائماً ومستيقظاً، إن كان لتنام عيناه وبعض أعضائه حيّ لا ينام، وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عُسّاً 1 مملوءاً لبناً، فبينما هو ذات ليلة نائم وأنا قريبة منه أنظر إليه إذ أقبل أسود سالخ (2) فمال إلى العس فشربه ثم مجه، فقلت: يستيقظ فيشرب فأستريح منه، فانتبه من نومه فقال: عليَّ بالإناء، فناولته فشمه فاضطربت يداه حتى سقط الإناء فأريق، وكل هذا يسمعه سدوس، فلما نامت الأحراس خرج يسري ليلته حتى صبح حُجْراً، فقال: (من الوافر) أتَاكَ الْمُرْجِفُونَ بِرَجْمِ غَيْبٍ عَلَى دَهَشٍ وَجِئْتُكَ بِالْيَقِينِ فَمِنْ يَكُ قَدْ أتَاكَ بِأمْرِ لَبْسٍ فَقَد آتِي بِأمْرٍ مُسْتَبِينِ ثم قص عليه ما سمع، فأسف ونادى في الناس بالرحيل، فساروا حتى انتهوا إلى عسكر ابن الهَبُولة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم ابن الهَبُولة وعرفه سدوس فحمل عليه فاعتنقه وصرعه فقتله، وبصر به عمرو بن أبي ربيعة (3) فشد عليه فأخذ رأسه منه وأخذ سدوس سلبه وأخذ حُجْر هنداً فربطها بين فرسين ثم ركضا بها حتى قطعاها قطعاً، هذه رواية ابن الكلبي وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أن ابن الهبولة لما غَنِمَ عسكر حُجْر غَنِمَ مع ذلك زوجته هند بنت ظالم وأُم أُناس بنت عوف بن محلم الشيباني - وهي أم الحارث بن حُجْر - وهند بنتَ حُجْر، قال: وكان ابن الهبولة بعد أن غَنِمَ يسوق ما معه من السبايا والنعم ويتصيد في المسير لا يمر بوادٍ إلا أقام به يوماً أو يومين حتى أتى
على ضَريَّة 1 فوجدها معشبة فأعجبته فأقام بها أياماً، وقالت له أم أُناس: إني لأرى كأني قد نظرت إلى رجل أسود أدْلَمَ 2 كأن مشافره مشافر بعير آكلِ مُرار قد أخذ برقبتك، فسمي حجر آكل المُرار بذلك، وذكر باقي القصة نحو ما مضى، وروي أيضاً أنه إنما سمي آكل الْمُرَار لأن سدوساً لما أتاه بخبر ابن الهَبُولة ومداعبته لهند وأن رأسه كان في حجرها وحدثه بقولها له، جعل يسمع ذلك وهو يعبث بالمُرار - وهو نبت شديد المرارة - وكان جالساً في موضع فيه منه شئ كثير، فجعل يأكل من ذلك المرار غَضَباً وهو يسمع من سدوس وهو لا يعلم أنه يأكله من شدة الغضب، حتى انتهى سدوس إلى آخر الحديث فعلم حينئذٍ بذلك، ووجد طعمه، فسمي يومئذٍ آكل الْمُرار، قال ابن الكلبى:
وقال جحر في هند: إنَّ مَنْ غَرَّهُ النساء بشئ... الابيات " انتهى ما ساقه صاحب الأغاني باختصار قليل.
ولا يخفى أن المشهور أن أُم أُناس زوجة عمرو المقصور بن حُجْر بن الحارث ابن عمرو 3، وإنما سميت أم أُناس لأن أباها عوف بن مُحَلِّم أمر أمَّها لما ولدتها أن تئدها، فقالت: قد فعلت، فربتها حتى أدركت فنظر إليها عوف يوماً مقبلة فأعجبه شبابها فقال: من هذه يا أمامة؟ قالت: وصيفة لنا، ثم قالت: أيسرك أنها ابنتك؟ فقال: كيف لي بذلك؟ قالت: فإنها التي أمرتني أن أئدها، فقال: دعيها فلعلها أن تلد لنا أُناساً، فسميت أم أُناس، وهي أم الحارث بن عمرو المقصور بن حُجْر.
وابن الهَبُولة - بفتح الهاء وضم الموحدة -: هو عمرو بن عوف بن ضُجْعُم، وهو بطن، وهم الضجاعمة، وكانوا الملوكَ بالشام قبل غسَّان، وضجعم هو حَمَاطَةُ كما تقدم وأنشد بعده أيضاً - وهو الشاهد الرابع والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 184 - درس المنا بتمالع فَأَبَانِ فَتَقَادَمَتْ بالحُبْسِ فَالسُّوبَانِ على أن أبان فيه قيل: وزنه أفْعَلُ، وقيل: وزنه فَعَال والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي، وأراد المنازل جمع منزل، وهو حذف قبيح، ودرس يكون فعلا لازما ومتعديا، والمراد هنا الأوّل، يقال: درس المنزلُ يدرُس درُوساً: أي عفى وانمحى أثره، ودرسته الريح، ومُتالع - بضم الميم بعدها مثناة فوقية واللام مكسورة والعين مهملة - قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: هو جبل لغني بالحِمي قاله الخليل، وأبانُ قال ياقوت في معجم البلدان: " أبانُ الأبيضُ وأبان الأسودُ: فأبان الأبيضُ شرقي الحاجر فيه نخل وماء يقال له: أكْرَةُ - وهو العلم - لبني فزارة (وعبس، وأبانُ الأسودُ: جبل لبني فزارة) 1 خاصة وبينه وبين الارض ميلان، وقال أبو بكر بن موسى: أبانُ جبل بين فَيْدَ والنبهانية أبيض، وأبان جبل أسود: وهما أبانان وكلاهما محدد الرأس كالسنان، وهما لبني مناف بن دارم بن تميم بن مُرّ، وقال الأصمعي: وادي الرّمة يمر بين أبانين، وهما جبلان يقال لأحدهما: أبان الأبيض، وهو لبني فزارة ثم لبني جُرَيْد منهم، وأبان الأسود لبني أسد، ثم لبني والبة بن الحارث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أسد، وبينهما ثلاثة أميال، وقال آخرون: أبانان تثنية أبانٍ ومتالع، غلب أحدهما
كما قالوا: القمران، في الشمس والقمر، وهما بِنَوَاحِي البحرين، واستدلوا على ذلك بقول لبيد: دَرَسَ الْمَنَا بِمُتَالِعٍ فَأَبَانِ أراد درس المنازل، فحذف بعض الاسم ضرورة، وهو من أقبح الضرورات وقال أبو سعيد السكري في قوله 1: (من الوافر) تَؤَمُّ بِهَا الْحُدَاةُ مِيَاهَ نَخْلٍ وَفِيهَا عَنْ أبَانَيْنِ ازْوِرَارِ " أبان جبل معروف، وقيل: أبانين، لأنه يليه جبل نحو منه يقال له: شَرَوْرَى، فغلبوا أبانا عليه فقالوا: أبانان " انتهى.
و" الحبس " قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: " بكسر الحاء المهملة، وقد نضم، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة: موضع في ديار غطفان، قال لبيد: دَرَسَ الْمَنَا... البيت وقال لحارث بن حلزة: (من الكامل) لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَوْنَ بالْحُبْسِ آياتُهَا كَمَهَارِقِ الْفُرْسِ والأعرف في بيت الحارث ضم الحاء، كما أن الأعرف في بيت لبيد كسرها، ولعلهما موضعان " انتهى، والسُّوبان - بضم السين المهملة وبعد الواو باء موحدة - اسم واد، كذا في الصحاح، وفي بعض نسخه وسوبان اسم واد، وصوبه ياقوت في هامشه باللام كما في البيت.
وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد الخامس والثمانون بعد المائة -: (من الرجز) 185 - يَا عَجَباً لِهَذِهِ الْفَلِيقَهْ هَلْ تَغْلِبَنَّ الْقُوَبَاءَ الرّيقَهْ على أن القوباء داء يعالج بالريق قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: " هذا الشعر لأعرابي أصابته القوباء فقيل له: اجعل عليها شيئاً من ريقك وتعهدها فإنها تذهب، فتعجب من ذلك واستغربه، وروي " هل تُذْهِبَنَّ الْقُوْبَاء " قال ابن السيرافي: " عجب هذا الشاعر من تفل الناس على القوباء ورقيتها لتذهب، قال: كيف تغلب الريقة القوباء؟ ومن روي القوباء بالرفع فقد أفسد المعنى " وقال التبريزي: ورواية الرفع على القلب، وقال التُّدْميريِّ: هو على جهة المفاعلة
كأن القوباء والريقة يتغالبان، وكل من غالب شيئاً فقد غالبه ذلك الشئ، فكل واحد منهما في المعنى فاعل ومفعول، وقال الشمني: أو على معنى أن الأعرابي كان يعتقد أن الريقة تبرئ من القوباء فسمع قائلاً يقول: إن الريقة لا تبرئها، فأنكر ذلك، وفيه نظر، لاقتضائه أن يكون المنكر المتعجب منه أن لا تبرئ، وقال اللخمي في شرح أبيات الجمل: هذا البيتان مجهولا لا يعلم قائلهما والفليقة: الداهية، والريقة: القطعة من الريق، يقول: إن من العجب أن تُذْهِب هذه القوباء الريقة، لأنهم يزعمون أن ريقة الصائم إذا نفث بها على القوباء أزالتها وقال الصاغاني في العباب: " الفليق والفليقة: الداهية، والعرب تقول: يا للفليقة: وتقول في مثل هذا: " يا عَجَبِي لهذه الفليقة إلخ " ويروى " يا عَجَباً وهذه الفليقة " قال أبو عمرو: معناه أنه يعجب من تغير العادات، لأن الريقة تُذْهِب القوباء على العادة فتفل على قوبائه فما برئب، فتعجب مما تعهده، وجعل القوباء على الفاعلة والريقة على المفعولة " انتهى.
وقال اللخمي: " يروي يا عجباً بالتنوين ويا عَجَباً بغير تنوين "
أقول: التنوين على وجهين: أحدهما أن يكون عجباً منادى منكراً أو مطولاً لطوله بما اتصل به، والثاني أن يكون مفعولاً مطلقاً والمنادى محذوف، كأنه قال: يا قومَ اعجبوا عجبا، وروايته بلا تنوين له أيضاً وجهان: أحدهما أن يكون منادى مضافاً على لغة من يَقُول: يا غلاماً أقبل، بإبدال ياء المتكلم ألفاً، وثانيهما أن يريد يا عجباه، وأكثر ما يستعمل مثل هذا في الندبة، وقد جاء في غير الندبة، كقول الآخر: (من الرجز) يَا مَرْحَبَاهُ بحِمَار نَاجِيَهْ إذَا أتَى قرَّبْتُه لِلسَّانِيَهْ
وقال ابن هشام في المغنى: " ألف يا عجبا لمدّ الصوت بالمنادى المتعجب منه، ولا يخفى أن المتعجب منه إنما هو قوله: هَلْ تَغْلِبَنَّ الْقُوَبَاءَ الرِّيقَهْ " وأنشد الشارح - وهو الشاهد السادس والثمانون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) 186 - أنا اللّيْث مَعْدِيًّا عَلَيْهِ وعَادِيا على أن أصله معدُوًّا عليه، وهو القياس، وقلب الواو ياء في مثله نادر، لأنه غير جمع، قال الأعلم: " الشاهد فيه قلب معدو إلى معدي استثقالاً للضمة والواو تشبيهاً له بالجمع، وبعض النحويين يجعل معدياً جارياً على عُدِيَ في القلب والتغيير، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من شذوذه تشبيهاً بالجمع، لأن مفعولاً يجري على فَعَلْتُه كما يجري على فُعِل، تقول: عَدَوْت عليه فهو معدو عليه كما يقال: عُدِي عليه فهو معدو عليه، وقد استويا في التغيير مع اختلاف فعليهما فيه " انتهى.
وكذا في شرح تصريف المازني لابن جني قال: " وينبغي أن تكون الألف
في آخر أرطىً فيمن قال: مَرِطِيٌّ منقلبة عن ياء، لأنه لو كان من الواو لقالوا: مرطو، وإنما مرطى كمرمى، ولانحمله على قوله: أنَا اللَّيْثُ مَعْدِيّاً عليه وعاديا وهو يريد معدوا عليه، ولا على مَسْنِيَّةٍ، وهم يريدون مَسْنُوَّة، لأن هذا شاذ لا يقاس عليه " انتهى.
وكذا قال في سر الصناعة وجعل الزمخشري في المفصل المفرد والمصدر شيئاً واحداً مقابلاً للجمع، قال ابن يعيش: " ويجوز القلب في الواحد فيقال: مَغزِيّ ومَدْعِيٌّ قال:
أنَا اللَّيْثُ مَعْدِيًّا عَلَيْهِ وَعَادِيَا أنشده أبو عثمان مَعْدُوّاً بالواو على الاصل، ورواه غير مَعْدِياً " انتهى.
وفيه أن أبا عثمان إنما أنشده في تصريفه بالياء لا غير والمصراع عجزه، وصدره: وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةُ أنَّنِي والعرس - بالكسر -: زوجة الرجل، ومُلَيْكة بالتصغير والبيت من قصيدة لعبد يغوث الحارثي الجاهلي، قالها لما أسرته تَيْم الرِّباب، وقد أوردناها برمتها مع سببها في شواهد المنادى من شواهد شرح الكافية.
وقد وقع هذا المصراع عجزاً في شعرٍ لحنظلة بن فاتك، وصدره: تُسَائِلُنِي مَاذَا تَكُونُ بَدَاهَتِي والْبُداهة - بضم الموحدة -: الفجاءة والمباغتة، والأول هو المشهور، وقد أنشده سيبويه وغيره.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والثمانون بعد المائة -: (من البسيط) 187 - مَوَالِيٌ كَكِبَاشِ الْعُوس سُحَّاحُ على أن تحريك الياء بالرفع شاذ، كذا في المفصل، وفي فرحة الأديب: وروي مواليٌّ بالهمز، وفيهما ضرورة أخرى وهي صرف ما لا ينصرف.
قال ابن المستوفي: أنشده أبو بكر السراج في كتابه لجرير رضي الله عنه: قد كاد يَذْهَبُ بالدُّنْيَا وَلَذَّتِهَا مَوَالِئٌ كَكِبَاشِ الْعُوسِ سُحَّاحُ مَا مِنْهُمُ وَاحِدٌ إلاَّ بحُجْزَتِهِ لِبَابِهِ مِنْ عِلاَجِ الْقَيْنِ مِفْتَاحُ وقال: أبدل الهمزة في موالئ من الياء في الشعر ضرورة، لأنهم يبدلون الحرف من الحرف في الشعر في الموضع الذي لا يبدل مثله في الكلام لمعنى يحاولونه: من
تحريك ساكن، أو تسكين متحرك، ليصح وزن الشعر، أورد شئ إلى أصله أو تشبيه بنظير، لأنه لو فُعل بها ما فُعل بالياء في المنقوص لانكسر البيت.
أقول: يريد لو قال في البيت: موالي، بتسكين الياء، لا نكسر، ولو حركت بالضمة لاستثقلت، قال ابن السيرافي: همزة الياء من موالئ لاستقامة البيت وكذا في الضرائر لان عصفور، قال: " ومنه إبدال الهمزة من الياء حيث لا يجوز ذلك في الكلام نحو قوله: قَدْ كَادَ يَذْهَبُ بِالدُّنْيَا وَبَهْجَتِهَا مَوَالئٌ كَكِبَاشِ الْعُوسِ سُحَّاحُ وقوله: (من الطويل) كمُشْتَرئٍ بالْخَيْلِ أحْمِرَةً بُتْرا وإنما أبدلت الياء من موالى ومشتر للاضطرار إلى التحريك واستثقال الضمة والكسرة في الياء، وكان المبدل همزة إجراء لها في ذلك مُجرى الألف لمشابهتها لها في الاعتلال واللين " انتهى.
قوله " قد يذهب إلخ " قال بعض فضلاء العجم: مواليٌ فاعل يذهب وفي كاد ضمير الشأن، و " موالي " جمع مولى، وله معان: المولى السيد والمولى ابن العم، والمولى العصبة، والمولى الناصر، والمولى الحليف وهو الذى يقال له: مولى الموالاة، والمولى المعتِقُ، وهو مولى النعمة، والمولى العتيقُ، وهم موالي بني هاشم: أي عتقاؤهم، وكأنه يريد المعنى الأول، يذم رؤساء زمانه، و " كباش " جمع كبش، وهو الفحل من الضأن، و " العوس " بضم العين المهملة، قال الزمخشري في مناهي المفصل: العوس مكان أو قبيلة، يقال: كبش عوسيٌّ، وقال أبو سهل الهروي في شرح فصيح ثعلب: يقال كبس عوسيٌّ، إذا كان قوياً يحمل عليه، وقيل: بل هو منسوب إلى موضع يقال له العُوس بناحية الجزيرة، وقيل: بل هو
السمين، وما في البيت لا يوافق المعنى الأخير، وفي الصحاح: العوس بالضم ضرب من الغنم و " سحاح " بالضم جم ساح، يقال: سحت الشاة تِسحّ - بالكسر - سُحوحاً وسُحوحة: أي سمنت، وغنم سُحَّاحٌ: أي سِمان، وهو - بالرفع - نعت لموالي، شبههم بهذه الكباش لطول رعيهم في مراتع اللذات، و " بحجزته " جار ومجرور خبر مقدم، ومفتاح مبتدأ مؤخر، والحُجْزة - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاي معجمة -: هي مَعْقِدِ الإزار، وحجزة السراويل التي فيها التِّكّة، يريد أنهم يحملون مفاتيح أبوابهم، فهي مقفلة لا يدخلها أحد من الضيوف، والقَيْن - بفتح القاف: الحداد، وأراد بعلاج القَيْن صنيعه، يقال: عالجت الشئ معالجة وعلاجاً، إذا زاولته فإذا كان المفتاح مما يزاوله القين بعمله فقفله محكم.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 188 - كَجَوَارِيٍ يَلْعَبْنَ بِالصَّحْرَاءِ
على أن قوماً من العرب يجرون الياء مجرى الحرف الصحيح في الاختيار فيحركها بالجر والرفع، وقال في شرح الكافية: إن هذا ضرورة، وهو المشهور، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " فيه ضرورتان: إحداهما إثبات الياء وتحريكها وكان حقه أن يحذفها فيقول: كجوار، والثانية أنه صرف ما لا ينصرف، وكان الوجه لما أثبت الياء إجراء لها مجرى الصحيح أن يمنع الصرف، فيقول: كجواري " انتهى.
وهذا المصراع عجز، وصدره: مَا إنْ رَأَيْتُ وَلاَ أرَى فِي مُدَّتي و " إن " زائدة، وجملة " ولا أرى في مدتي " أي في مدة عمري معترضة
بين أرى البصرية وبين مفعولها، وهو الكاف من قوله كجواري، فإنها اسم، ولا يجوز أن تكون هنا حرفاً، والجواري: جمع جارية وهي الشابة، والصحراء: هي البرية والخلاء وقد تكلمنا عليه بأكثر من هذا في الشاهد الواحد والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والثمانون بعد المائة -: (من الطويل) 189 - أبى الله أنْ أسْمُو بِأُمٍّ وَلاَ أبِ على أن تسكين الواو من أسمو مع الناصب شاذ.
قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: حذَفَ الفتحة من آخر أسمو إجراء للنصب مجرى الرفع.
والمصراع عجز وصدره:
وَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ والبيت من قصيدة لعدو الله ورسوله عامر بن الطُّفْيل العامريّ، وقوله: " وما سودتني عامر " أي: ما جعلتني سيد قبيلة بني عامر بالإرث عن آبائهم، بل سدت بأفعالي، وقوله " أبى الله " أبى له معنيان: أحدهما كره، وهو المراد هنا، والثانى امتنع، و " أن أسمو " في موضع المفعول لأبَى، والسموُّ: العلو والشرف وقد شرحناه شرحاً وافياً في الشاهد الثاني والثلاثين بعد الستمائة هناك.
وأنشد بعده - وهو الشاهد التسعون بعد المائة -: (من الطويل) 190 - وَلَوْ أنَّ وَاشٍ بِالْيَمَامَةِ دَارُهُ وَدَارِي بِأَعْلَى حَضْرَمُوتَ اهْتَدَى لِيَا على أن تسكين الياء من واشٍ مع الناصب شاذ، وحذفت لالتقائها ساكنة
مع نون التنوين، وروي " فلو كان واش " فلا شاهد فيه ولا ضرورة، والواشي: النَّمَّام الذي يُزَوِّق الكلام ليفسد بين شخصين، وأصله من وشى الثوب يَشِيه وشياً، إذا نقشه وحسنه، واليمامة: بلد في نجد، وحضرموت: مدينة في اليمن، والبيت من قصيدة طويلة لمجنون بني عامر أوردنا مع هذا البيت بعضا منها في الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد بعد المائة -: (من الرجز) 191 - كَأَنَّ أيْدِيهِنَّ بِالْقَاعِ القرق أيدي جوار 1 يتعاطين الورق
على أن تسكين الياء مع الناصب شاذ، كما تقدم.
قال ابن الشجري: " قال المبرد: هذا من أحسن الضروروات، لأنهم ألحقوا حالة بحالتين، يعني أنهم جعلوا المنصوب كالمجرور والمرفوع، مع أن السكون أخف من الحركات، ولذلك اعتزموا على إسكان الياء في ذوات الياء من المركبات، نحو معدي كرب وقَالِي قَلا " انتهى والبيتان من الرجز نسبهما ابن رشيق في العمدة إلى رؤبة بن العجاج، ولم أرهما في ديوانه 1 وضمير " أيديهن " للإبل، والقاع: المكان المستوي، والْقَرِق - بفتح القاف وكسر الراء -: الأملس، وقال الشريف المُرْتَضَى: هو الخشن الذي فيه الحصا، وجَوَار - بفتح الجيم -: جمع جارية، ويتعاطين: يناول بعضهن بعضاً، والورق - بكسر الراء -: الدراهم، شبه حَذْف مناسم الإبل للحصى بحذف جَوارٍ يلعبن بدراهم، وخص الجواري لأنهن أخف يداً من النساء
وقد شرحناه بأكثر مما هنا في الشاهد الثالث والثلاثين بعد الستماية من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة -: (من البسيط) 192 - هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ معتذرا من هجو زبان لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ على أنه سكنت الواو من تهجو شذوذاً مع وجود المقتضى لحذفها وهو الجازم، قال ابن جني في سر الصناعة: " يجوز أيضاً أن يكون ممن يقول في الرفع: هو
يَهْجُو، فيضم الواو ويجريها مجرى الصحيح، فإذا جزم سكنها، فيكون علامة الجزم على هذا القول سكون الواو من يهجو، كما أسكن الآخر ياء يأتي في موضع الجزم، فقال: ألَمْ يَأْتِيْكَ وَالاَنْبَاءُ تَنْمِي وكأنه ممن يقول: هو يأتِيُكَ، بضم الياء، وقد يتوجه عندي أن يكون على إشباع لاضمة، وكأنه أراد لم تهجُ فحذف الواو للجزم، ثم أشبع ضمة الجيم فنشأت بعدها واو " انتهى.
و" هجوت " بالخطاب من الهجو، وهو الذم، و " زَبَّان " - بالزاي المعجمة والباء الموحدة -: اسم رجل، واشتقاقه من الزَّبَبِ وهو كثرة الشعر وطوله، وثم للترتيب وتراخي الزمان، أشار إلى أن اعتذاره من هجوه إنما حصل بعد مدة، و " من " متعلقة بالحال وهو معتذر، وقوله " لم تهجو ولم تدع " مفعلولهما محذوف: أي لم تهجوه ولم تدعه، وتدع مجزوم، وكسرت العين للقافية، والمعنى أنك هجوت واعتذرت فكأنك لم تهج، على أنك لم تدع الهجو، وقال العيني: والجملتان
كاشفتان لما قبلهما، فلذا ترك العاطف بينهما وأراد بهذا الكلام الإنكار عليه في هجوه ثم اعتذاره عنه، حيث لم يستمر على حالة واحدة.
والبيت مع شهرته لم يعرف قائله 1 والله أعلم:
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الوافر) 193 - ألَمْ يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لَبُونُ بَنِي زِيَادِ لما تقدم قبله قال ابن جني في شرح تصريف المازني: قدَّر الشاعر ضمة الواو في " لم تهجو " فأسكنها للجزم كما أسكن الياء في ألم يأتيك للجزم، وهذا في الياء أسهل منه في الواو، لأن الواو وفيها الضمة أثقل من الياء وفيها الضمة، و " ما " فاعل يأتي، والباء زيدت فيه ضرورة، والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر، وتنمى: تشيع من نمى الشئ ينمي إذا ارتفع وزاد، والجملة معترضة بين الفعل وفاعله، واللبون: الإبل ذوات اللبن، وهو اسم مفرد أراد به الجنس، وبنو زياد: هم الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد بن سفيان الْعَبْسِي، والمراد لَبُون الرَّبيع ابن زياد، وكان سيد عَبْس.
والبيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسي، وكان سيد قومه، وحصل بينه
وبين الربيع عداوة في شأن دِرْع ساومه فيها، فلما نظر إليها الربيع وهو على ظهر فرسه وضعها على الْقَرَبُوس 1 ثم ركض بها فلم يردها عليه، فنهب قيس بن زهير إبله وإبل إخوته، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جُدْعَان التيمي القرشي معاوضة بأدراع وسيوف، فافتخر بهذا وبما بعده، وهو: ومَحْبِسُهَا عَلَى الْقُرَشِيِّ تشرى بأدراع وأسياف حداد ومحبسها: معطوف على فاعل يأتيك، وهو - بكسر الباء - مصدر ميمى، والقرشي: هو ابن جدعان
وقد شرحناهما مع القصيدة شرحاً لا مزيد عليه في الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والتسعون، بعد المائة -: (من الرجز) 194 - وَلاَ تَرَضَّاهَا وَلاَ تَمَلَّقِ لما تقدم، وقبله: إذَا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّق قال ابن جني في شرح تصريف المازني: " شبهت الألف بالياء في أن ثبتت في موضع الجزم، فإنه قدر الحركة هنا وحذفها للجزم، وهذا بعيد، لأن الألف لا يمكن تحريكها أبداً " انتهى.
ويجوز تخريجه على أن " لا " فيه نافيه لا ناهية، والتقدير فطلِّقها غير مترضٍ لها، ويكون قوله " ولا تملق " معطوفاً على قوله فطلق، قاله ابن عصفور في كتاب الضرائر.
وقد شرحناه بأكثر من هذا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد الستمائة من
شواهد شرح الكافية.
وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة -: (من الطويل) 195 - كَمُشْتَرِيٍ بِالْخَيْلِ أحْمِرَةً بُتْرَا لما تقدم في قوله: مَوَاليٌ كَكِبَاشِ الْعُوسِ سُحَّاحُ
والقياس فيهما كمشترٍ ومَوَالٍ، بحذف الياء والتنوين، ورواهما ابن عصفور في كتاب الضرائر كمشترئ وموالئ، بالهمز والتنوين، كما تقدم، والمعنى كمن أعطى الخيلَ وأخذ الحمير بدلها، وهو جمع حمار، والبتر: جمع أبتر، وهو المقطوع الذنب وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 196 - يادار هِنْدٍ عَفَتْ إلاَّ أثَافِيهَا هو صدر، وعجزه: بَيْنَ الطَّوِيِّ فَصَارَاتٍ فَوَادِيهَا على أنه كان حق " أثافيها " النصب على الاستنثاء، وسكنت الياء شذوذاً قال سيبويه: " وسألت الخليل رحمه الله عن الياءات لَمْ تنصب في موضع النصب، إذا كان الأول مضافاً، وذلك قولك: رأيت معدي كرب، واحتملوا أيَادِيَ سَبَا، فقال: شبهوا هذه الياءات بألف مثنى حيث عَرَّوْها من الجر والرفع، فكما عَرَّوُا الألف منه عَرَّوْها من النصب أيضاً، فقالت الشعراء حيث اضطروا، قال بعض السعديين:
- يَا دَارَ هِنْد عَفَتْ إلاَّ أثَافِيهَا ونحو ذلك، وإنما اختصت هذه الياءات في هذا الموضع بذا لانهم يجعلون الشيئين ههنا اسماً واحداً، فتكون الياء غير حرف الإعراب، فيسكنونها بياء زائدة ساكنة، نحو ياء دردبيس " إلى آخر ما ذكره قال الأعلم: " الشاهد فيه تسكين الياء من الأثافي في حال النصب، حملاً
لها عند الضرورة على الألف، لأنها أختها، والألف لا تتحرك " انتهى.
وقال صدر الأفاضل: " يحتمل أن يكون قوله: إلا أثافيها، من باب الحمل على المعنى، كأنه قال: لم يبق إلا أثافيها، وحينئذٍ لا يكون البيت شاهدا لا سكان الياء، وهذا تحسر على اندراس الدار معنى، وإن كان لفظه خبراً " انتهى.
وكذا قال ابن المستوفي في شرح أبيات المفصل، وقال: " ولو نصب أثافيها على أن يكون البيت غير مُصَرَّع لجاز، وهذا على لغة من يقول: أثافِيَ، بتخفيف الياء، وفيها لغتان: تخفيف الياء، وتشديدها، قال الجوهري: الأثْفِيَّة لِلْقِدْر، تقديره أُفْعُولَة، والجمع الأثَافيُّ، وإن شئت خففت، وثَفَّيْتُ القدر تَثَفِية: أي وضعتها على الأثافي، وأثفيت القدر: جعلت لها أثافي، وقال الأخفش: قولهم أثافٍ، لم يسمع من العرب بالتثقيل، وقال الكسائي: سمع، وأنشد: (من الطويل) أُثَافِيَّ سُفْعاً فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلِ والطوِيّ: البئر المطوية بالحجارة، والصارة - بالصاد والراء المهملتين -: رأى الجبل والوادي، معروف، و " بين الطوِيِّ " نصب على الحال، والعامل فيها ما في النداء من معنى الفعل، مثل قول النابغة: (من البسيط) يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد السابع والتسعون بعد المائة -: (من البسيط)
197 - يَا بَارِيَ الْقَوْسِ بَرْياً لَيْسَ يُحْكِمُهُ لاَ تُفْسِدِ الْقَوْسَ أعْطِ الْقَوْسَ بَارِيهَا على أنه سكن ياء " باريها " شذوذاً، والقياس فتحها، لأن باريها المفعول الثاني لأعْطِ.
قال الزمخشري في أمثاله: " أعْطِ الْقَوْسَ بِارِيها، قيل: إن الرواية عن العرب بَارِيها بسكون الياء لا غير، يضرب في وجوب تفويض الامر من يحسنه وَيَتَمَهَّر فيه " انتهى.
وكذا أورده في المفصل بعد البيت السابق.
وقال الميداني في أمثاله: أي اسْتعِنْ على عملك بأهل المعرفة والحذق فيه، وينشد: يَا بَارِيَ الْقَوْسِ بريا ليست تُحْسِنُهَا لا تُفْسِدَنْهَا وَأعْطِ الْقَوْسَ بَارِيهَا قال ابن السيرافى: " قرأت هذا البيت على شيخنا أبي الحرم مكي بن زيان في الأمثال لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني: أعْطِ الْقَوْسَ بِارِيَهَا، بفتح الياء، وكان في الأصل " ليس يحسنه " وجعله " برياً ليست تحسنها "، وهو كذلك في نسخ كتاب الميداني، ولعل الزمخشري إنما أراد بالمثل آخر هذا البيت المذكور فأورده على ما قاله الشاعر، لا على ما ورد من المثل في النثر فإنه ليس بمحل ضرورة، ويروى: يَا بَارِيَ الْقَوْسِ بَرْياً لَيْسَ يُصْلِحُهُ لاَ تَظْلِمِ الْقَوْسَ أعْطِ الْقَوْسَ بَارِيهَا والأول أصح، ويجوز أن يُسَكَّنَ ياء باريها - وإن كان مثلاً - برأيه " هذا كلامه.
ولو رأى ما في أمثال الزمخشري لاستغنى عما أورده
وقال المفضل بن سلمة في كتاب الفاخر: يقال: إن أول من قال ذلك المثل هو الحطيئة، وساق حكايته مع سعيد بن العاص أمير المدينة في آخر الفاخر.
وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة -: (من الكامل)
198 - مَا أَنْسَ لاَ أنْسَاهُ آخِرَ عيشتى مالاح بِالْمَعْزَاءِ رَيْعُ سَرَابِ على أنه أثبت الياء 1 في أنساه شذوذاً، كما ثبت الواو في لم تهجو ولم تدع، والقياس لا أنسه ولم تَهْجُ، بحذفهما.
و" ما " اسم شرط يجزم فعلين، وهو هنا منصوب بشرطه، والمعنى مهما أنس من شئ من الأشياء لا أنس هذا الميت، وهو كثير في الأشعار وغيرها، قال ابن ميَّادة: (من الطويل) مَا أنْسَ مِ الأَشْيَاءِ لاَ أنْسَ قَوْلَهَا وَأَدْمُعُهَا يُذْرِينَ حَشْوَ الْمَكَاحِلِ تَمَتَّعْ بِذَا اليَوْمِ الْقصِيرِ فَإِنَّهُ رَهِينٌ بِأَيَّامِ الشُّهُورِ الأَطَاوِلِ ومعناه مهما أنس من شئ لا أنس قولها، والمكاحل: مواضع الكحل، وآخر عيشتي: منصوب على الظرف، والعيشة: الحياة، والمعنى إلى آخر عيشتي، وما: مصدرية دوامية، والتقدير: مدة دوام لوح الْمَعزَاء، وهو ظرف لقوله: لا أنساه، والمراد التأبيد، وهو أعم من قوله آخر عيشتي، وجوز ابن المستوفي أن يكون بدلاً من آخر، والْمَعْزاء - بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها زاي معجمة - الأرض الصُّلْبة الكثيرة الحصا، ومكان أمعزبين المعز، بفتح العين، والريع - بمهملتين -: مصدر رَاعَ السَّرَابُ يَريع: أي جاء وذهب، وكذلك تَرَيَّع السَّرَابُ تَرَيُّعاً.
وقال ابن السيرافى: " وأنشده ابن الأعرابي ريع
- بكسر الراء - والريعُ: الطريق، وكأنه أراد بريع سراب بياضه، وقال ابن دريد: الريع: العلو في الأرض حتى يمتنع أن يسلك، وكذلك هو في التنزيل "
هذا ما سطره..وأورده ابن الأعرابي في نوادره مع بيت قبله، وهو بَكَرَ النَّعِيُّ بِخَيْرِ خِنْدَفَ كُلِّهَا بُعُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شهاب وقال: هما لحصين بن قَعْقَاع بن معبد بن زرارة، وبَكَر هنا: بمعنى بادر وسارع، والنَّعِيُّ فعيل بمعنى الناعي، وهو الذي يأتي بخبر الميت، ويكون النعيُّ بالتشديد أيضاً مصدراً كالنَّعْي بسكون العين وهو إشاعة مت الميت، قال الأصمعي: كانت العرب إذا مات فيهم ميت له قدر ركب راكب فرساً وجعل يسير في الناس، ويقول: نَعَاءِ فُلاَناً، أي انْعَهُ وأظهر خبر وفاته، وهي مبنية مثل نَزَالِ، بمعنى انزل، وعُتَيْبَة بالتصغير: فارس من فرسان الجاهلية، وهو ابن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن الْكُبَاس بن جعفر بن يربوع، اليربوعي وكان قد رأس بيت بني يربوع، وقتله ذؤاب بن ربيعة لما قاتل بني نصر بن قُعَيْن، وكانت تحت عتيبة يومئذٍ فرس فيها مَرَاح واعتراض، فأصاب زُجُّ غلام من بني أسد يقال له: ذؤاب بن ربيعة، أرْنَبَةَ عتيبة، فنزف حتى مات، فحمل ربيع بن عتيبة على ذؤاب فأخذه من سرجه، وقتلوا ثمانية من بني نصر وبنى غاضرة، واستنقدوا النعم، وساروا إلى منزلهم فقتلوه، فقال ربيعة أبو ذؤاب: (من الكامل) إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَللْتَ عُرُوشَهُمْ بعُتَيْبَةَ بِنْ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابِ بأشدهم ضرار عَلَى أعْدَائِهِمْ وَأعَزِّهِمْ فَقْداً عَلَى الأَصْحَابِ والحصين بن القعقاع صاحب الشعر من بني حنظلة بن دارم التميمي.
الإبدال أنشد فيه الجاربردي في أوله - وهو الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة -: (من الكامل)
199 - تَرَّاكَ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أرْضَهَا أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا على أن أبا عبيدة قال: " بعض " في البيت بمعنى كل، واستدل به لقوله تعالى: (وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يعدكم) ولم يرتضه الزمخشري، قال القاضي: هو مردود، لأنه أراد بالبعض نفسه، وقال في الآية: فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وفيه مبالغة في التحذير وإظهار الانتصاف 1 وعدم التعصب، ولذلك قدم كونه كاذباً، أو يصيبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا، وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالاً عندهم، وقال الزمخشري في سورة المائدة عند قوله تعالى (فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم ببعض ذنوبهم): " يعني بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك، وأراد أن لهم ذنوباً جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمة بعظها واحد منها، وهذا الابهام لتظيم التولي، ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد: أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا أراد نفسه، وإنما قصد تفخييم شأنها بهذا الامام، كأنه قال: نفسا كبيرة ونفسا أيَّ نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو في معنى البعضية فكذلك إذا صرح بالبعض " انتهى.
وكذا قال القاضي والبيت من معلقة لبيد بن ربيعة العامري الصحابي رضي الله عنه، قال الزوزني في شرحه: " أراد ببعض النفوس هنا نفسه، ومن جعل بعض النفوس
بمعنى كل النفوس فقد أخطأ، لأن بعضاً لا يفيد العموم والاستيعاب " انتهى.
و" ترَّاك " مبالغة تارك، وأمكنة: جمع مكان، و " إذا " ظرف لتراك لا شرطية - وَالحِمام - بكسر الحاء المهملة - الموت وهو فاعل يرتبط، و " بعضَ " مفعوله
ويرتبط بمعنى يعلق، وأو بمعنى إلا، والفعل بعدها ينتصب بأن، وسكن يرتبط هنا لضرورة الشعر، والمعنى أني أترك الأمكنة إذا رأيت فيها ما أكره، إلا أن يدركني الموت فيحبسني.
قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " ومنه حذفهم الفتحة التي هي علامة الإعراب من آخر الفعل المضارع كقول لبيد: أو يرتبط، ألا ترى أنه أسكن يرتبط وهو في الأصل منصوب لأنه بعد أو التي بمعنى " إلا أن " وإذا كانت بمعنى " إلا أن " لم يكن الفعل الواقع بعدها إلا منصوباً بإضمار أن وحذفها من آخر الفعل المعتل أحسن، كقوله: أبى الله أنْ أسْمُو بِأمّ وَلاَ أبِ انتهى وهذا مرضيّ الزوزني، قال: " معناه إني تراك أمكنة إذا لم أرضها إلا أن يرتبط نفسه حمامها، فلا يمكنها الْبَراح، هذا أوجه الأقوال وأحسنها، وتحرير المعنى: إني لاترك الاماكن التى أجتويها وأقليها إلا أن أموت ".
وقال أبو جعفر النحوي في شرحه: " جزم يرتبط عطفاً على قوله إذا لم أرضها، وهذا أجود الاقوال، والمعنى على هذا إذا لم أرضها، وإذا لم يرتبط بعض النفوس حِمامها، وقيل: إنّ يرتبط في موضع رفع إلا أنه أسكنه لأنه رد الفعل إلى أصله، لأن أصل الأفعال أن لا تعرب وإنما أعربت للمضارعة، وقيل: يرتبط في موضع
نصب، ومعنى " أو " معنى " إلا أن " أي: إلا أن يرتبط بعض النفوس حمامها، إلا أنه أسكن، لأنه رد الفعل أيضاً إلى أصله، وإنما اخترنا القول الأول، وهو أن يكون مجزوماً، لأن أبا العباس قال: لا يجوز للشاعر أن يسكن الفعل المستقبل لأنه قد وجب له الإعراب لمضارعته الأسماء وصار الإعراب فيه يفرق بين المعاني " هذا كلامه وعلى مختاره لا ضرورة فيه، إلا أن علة اختياره واهية، لأن تسكين المرفوع
والمنصوب ثابت في أفصح الكلام نثراً ونظماً، ومحصل الجزم بالعطف أنِّي إذا لم يكن أحد الأمرين: الرضا والموت، فالترك حاصل، أما إذا رضيت بها بأن رأيت فيها ما أحب فلا، وأما إذا مت فلعدم الإمكان، وهذا يدل على شهامة نفسه في أنه لا يقيم في موضع ذل.
وتراك: خبر بعد خبر " لأنّ " في البيت قبله، وهو: أو لم تَكُنْ تَدْرِي نَوَارُ بِأَنَّنِي وَصَّالُ عَقْدِ حَبَائِلٍ جذامها الالف للاستفهام، ونوار - بفتح النون - اسم امرأة، و " وصّال " خبر أنَّني، و " جذّامها " خبر ثان و " ترّاك " خبر ثالث، و " وصّال " مبالغة واصل، و " وجذامها " بالجيم والذال المعجمة مبالغة جاذم وهو القطع، والحبائل: جمع حِبَالَة، وحِبَالة: جمع حَبْل، وهو هنا مستعار للعهد والمودة، يقول: أليست تدرى نوار أني واصل عقد العهود والمودات وقطَّاعها؟ يريد أنه يصل من استحق الوصل ويقطع من استحق القطع.
وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد الموفى المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 200 - يَسْتَنُّ في عَلْقَى وَفِي مُكُورِ على أن من رواه علقى - بلا تنوين - جعل ألفه للتأنيث ولم يقل في واحده:
علقاة، ومن نونه جعل ألفه للالحاق وجعل واحده علقاة، وهذا جواب ما استشكله أبو عبيدة.
قال الصاغاني في العباب: " قال سيبويه العلقى نبت يكون واحدا وجمعا وألفه للتأنيث، قال العجاج يصف ثورا:
فحط في عَلْقَى وَفِي مُكُورِ بَيْنَ تَوَارِي الشَّمْسِ والذروو وقال غيره: ألفه للإلحاق وينون، الواحدة علقاة، وقال أبو نصر: العَلقي شجرة تدوم خضرتها في القيظ، ومنابت العلقى الرَّمْل والسهول، وقال أبو حنيفة الدَيْنَوَرِيّ: أراني بعض الأعراب نبتاً زعم أنه العْلْقَى له أفنان طوال دقاق وورق لِطاف يسمى بالفارسية " خلواه " يتخذ منه الْمُجْتَلُّون مكانس الْجِلَّة 1، وعن الأعراب الأوائل: العلقاة.
شجرة تكون في الرمل خضراء ذات ورق، قالوا: ولا خير فيها " انتهى.
والمكور: جمع مَكْر - بفتح الميم وسكون الكاف - قال الجوهري والصاغاني: هو ضرب من الشجر، وأورده سيبويه في باب ما لحقته الألف فمنعته من الانصراف، قال الأعلم: " الشاهد فيه ترك صرف عَلْقَى، لأنها آخره ألف التأنيث، ويجوز صرفه على أن تكون للالحق، ويؤنث واحده بالهاء، فيقال: علقاة وصف ثوراً يرتعِي في ضروب الشجر، ومعنى يَسْتَنُّ يرتعِي، وسَنُّ الماشية: رعيها، وأصله أن يقام عليها حتى يسمن وتَمْلاَسّ جلودها، فتكون كأنها قد سنت وصُقلت كما يسن الحديد " انتهى وهذا خلاف ما فسره الجاربردي (2)، والعجاج وصف ثوراً وحْشيّاً شبه جمله به وقوله " حط في عَلقَى وفي مكور "، أي: اعتمدهما في رعيه، قال شارح شواهد أبي علي الفارسي: " وسمع عَلْقَى في هذا البيت من رؤبة غير منون، وكذا
رَوَى عن أبيه، فدل على أن ألفه للتأنيث، ولو كان للإلحاق لنون " انتهى.
وفي رواية الصحاح والعباب " فَحَطَّ " والفاعل في الروايتين ضمير الثور،
وتواري الشمس: غيبوبتها، وذرورها: طلوعها وإشراقها، يريد أنه يستن من طلوع الشمس إلى غروبها وأول الارجوزة: جارى لا تسنكرى عَذِيرِي يريد يا جارية، والعجاج تقدمت ترجمته في الشاهد الأول.
وأنشد الشارح - وهو الشاهد الواحد بعد المائتين -: (من الرجز) 201 - تَضْحَكُ مِنِّي أنْ رَأَتْنِي أحْتَرِشْ وَلَوْ حَرَشْتِ لَكَشَفْتِ عَنْ حِرِشْ على أن الشين في حِرِش شين الكشكشة، وهي بدل من كاف المؤنث، وأصله حِرِكِ، وهي لغة بني عمرو بن تميم، وقوله " أن رأتني إلخ " بدل اشتمال من الياء " في منّي " والاحتراش: صيد الضب خاصة، والعرب تأكله، يقال: حَرَشَ الضب يَحْرِشه حَرْشاً، من باب ضرب، وكذلك احترشه، وهو أن يحرك الحارش يده على جحره فيظنه حية فيخرج ذنبه ليضربها فيأخذه، وإنما ضحكت منه استخفافاً به، لان الصب صيد العجزة والضعفاء، وقوله " ولو حرشت " التفات من الغيبة إلى الخطاب، يعني لو كنت تصيدين الضب لأدخلته في فرجك دون فمك إعجاباً به وإعظاماً للذته.
وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد السادس والخمسين بعد التسعمائة من آخر شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني بعد المائتين -: (من الرجز)
202 - ينفحن منه لهبا منفوحا لمعا يُرَى لا ذَاكياً مَقْدُوحا على أنه قد جاء في الشعر شذوذاً إبدال الخاء المعجمة حاء مهملة.
قال ابن جني في سر الصناعة: " الحاء حرف مهموس يكون أصلاً لا غير، ولا يكون بدلاً ولا زائداً، إلا فيما شد عنهم، أنشد ابن الأعرابي: يَنْفُحْنَ مِنْهُ لَهَباً مَنْفُوحَا إلخ قال: أراد منفوخاً، فأبدل المعجمة حاء، قال: ومثله قول رؤبة: (من الرجز) غَمْرُ الأَجَارِيِّ كَرِيمُ السِّنْحِ أبْلَجُ لَمْ يُولَدْ بِنَجْمِ الشُّحِّ قال: يريد السِّنْخ، وأما حثث تحثيثاً وحَثْحَثَ حَثْحَثَةً فأصْلاَن، قال أبو علي: فأما الحاء فبعيدة من الثاء وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها.
وإنما حثحثت أصل رباعى، وحثث أصل ثلاثي، وليس واحد منهما من لفظ صاحبه، إلا أن حثحث من مضاعف الأربعة، وحثث من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا بالتضعيف الذي فيهما اشتبه على بعض الناس أمرهما، وهذا هو حقيقة مذهب البصريين.
ألا ترى أن أبا العباس قال: ليس ثَرَّة عند النحويين من لفظ ثرثارة، وإن كانت من معناها، هذا هو الصواب، وهو قول كافة أصحابنا، على أن أبا بكر محمد بن السَّرِيِّ قد كان تابع الكوفيين، وقال في هذا بقولهم، وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها فتوافقت معانيها، وهي مع ذلك مضعفة، ونظيرها من غير التضعيف قولهم: دَمْثٌ ودِمَثْرٌ، وسَبْط وسِبَطْرُ،
ولُؤْلُؤٌ ولئَّال، وحيّة وحواء، ودِلاص ودُلامِص، وله نظائر كثيرة، وإذا قامت الدلالة على أن أصل حَثْحَثَ ليس من لفظ حَثَّثَ، فالقول في هذا وفي جميع ما جاء منه واحد، نحو تَمَلْمَلَ وتَمَلَّلَ ورَقْرَقَ ورَقَّقَ وصَرْصَرَ وصَرَّ " انتهى كلام ابن جني.
وينفُحْن أيضاً أصله بالخاء المعجمة، ولهب النار معروف، و " لَمْعاً " بفتح اللام وسكون الميم، و " يُرى " بالبناء للمفعول.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث بعد المائتين -: (من الرجز) 203 - غَمْرُ الأَجَارِيِّ كَرِيمُ السِّنْحِ أبْلَجُ لَمْ يُولَدْ بِنَجْمِ الشُّحِّ لِمَا تقدم قبله، فإن المعروف السِّنخ - بكسر السين وسكون النون، وآخره خاء معجمة - ومعناه الأصل، والحاء المهملة بدل من المعجمة.
وجعل الصاغانى في العباب السنخ - بالمهملة - لغةً أصلية كالسنخ بالمعجمة من غير إبدال، قال في مادة سنح بالمهملة: " والسنح الأصل، قال رؤبة: عمر الأَجَارِيِّ كَرِيمُ السِّنْحِ وبعضهم يروي السنخ - بالخاء المعجمة - ويجعله إكفاء، والصحيح أنه ليس بإكفاء " انتهى.
وقد أنشده ابن قتيبة في أدب الكاتب في أبيات الإكفاء، قال شارح بياته ابن السيد: " السنخ والسنج - بالخاء والجيم - الأصل، وقد روي السنح بالحاء غير المعجمة " انتهى، ولم أر في الصحاح والعباب السنج - بالجيم - بهذا المعنى وممن أورده في الإكفاء قدامة في فصل عيوب القافية من نقد الشعر، قا شارحه عبد اللطيف البغدادي: " وما كان من هذا التغيير في موضع التصريع فقد يمكن
أن لا يكون عيباً وأن يكون الشاعر لم يقصد التصريع، لكن أتى بما يشبه التصريع " هذا كلامه.
ولا يخفى أن التصريع إنما يكون في أول بيت من القصيدة أو عند الخروج
في القصيدة من معنى إلى معنى غيره، وبيتا رؤبة من آخر القصيدة لم يخرج بهما من معنى إلى غيره هذا، وقد أورد يعقوب بن السكيت اثني عشر كلمة من هذا النمط في كتاب القلب والإبدال، قال 1: " باب الخاء والحاء، قال: الخَشِيُّ والحَشِيُّ اليابس، ويقال: خَبَجَ وحَبَجَ إذا ضرط، وقد فاحت منه رائحة طيبة وفاخت، أبو زيد، قال: ويقال: خَمَصَ الْجُرْح يَخْمُص خُموصاً وَحَمَصَ يَحْمُص حُموصاً وانْحَمَصَ انحماصاً إذا ذهب ورمه، أبو عبيدة: المخسول والمحسول المرذول، وقد خَسَلْتُهُ وحسلته، أبو عمرو الشيباني: الْجُحَادِيُّ والجُخَادِيُّ الضخم، قال: ويقال: طحرور وطخرور للسحابة، قال الأصمعي: الطّخارير من السحاب قطع مستدقة رقاق والواحدة طُخْرورة، والرجل طخرور إذا لم يكن جلدا ولا كثيفا، ولم يعرف بالحاء، وسمعت الكلابي يقول: ليس على السماء طُحْرور وليس على الرجل طحْرُور، ولا يتكلم به إلا مع الجحد، والطخارير (من السحاب) شئ قليل في نواحي السماء واحدها طُخْرور يتكلم به بجحد وبغير جحد، اللحياني، يقال: شرب حتى اطْمَحَرَّ وحتى اطْمَخَرَّ: أي امتلأ، وقد دَرْبح ودَرْبخ إذا حنى ظهره، ويقال: هو يتحوف مالي ويتخوفه: أي يتنقصه ويأخذ من أطرافه، قال تعالى: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ) أي: تنقص، ويقال: قرئ (إنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً) وَ (سَبْخاً) قرأها يحيى بن يَعْمَرَ قال الفراء: معناهما واحد، وقال غيره: سَبْحاً: فراغاً، وَسَبْخاً: نوماً، ويقال: قد سبخ الحر إذا حاد وانكسر، ويقال: اللهم سَبَّحْ عنه الحمى: أي خَفِّفْها، ويقال لِمَا يسقطُ من ريش الطائر: السبيخ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله تعالى عنها حين دعت على سارق سرقها (لا تُسَبِّخي عنه) لا تخففى
عنه إثمه، ويقال: زاخ عن كذا وزاح " هذا ما أورده ابن السكيت ببعض اختصار وأورد الزجاجي في أَمالية الكبرى في باب المعاقبة والإبدال كلماتٍ أُخر لم يذكرها ابن السكيت، قال: " باب الحاء والخاء: يقال: رحمته ورخمته ومرحوم ومرخوم، ومنه نضحته ونضخته، قال تعالى (فِيهِمَا عَيْنَانِ نضاختان) وقال الأعشى: (من الكامل) وَوِصَالِ ذى رحم نضحت بلالَها ويروى نضخت، ويقال: صَمَحَتْهُ الشمس وَصَمَخَتْهُ: أي غيّرت لونه، وأحرقته، يقال: مُخٌّ 1 وَمُحٌّ، ولَحْم ولخْم، وَشَحْم وشَخْم، ومَطَرٌ سَحٌّ وسخ كثير الماء، قال الراجز: (من الرجز) يَا هِنْدُ أُسْقِيتِ السَّحَابَ السُّخَّخَا لا تجْعَلِنِّي كَهِجَانٍ أبْزَخَا ويقال: رجل رحُوثٌ وَرَخُوثٌ: أي كبير البطن، وأورد كلمتين مما أورده ابن السكيت، وهما فاح ريح المسك يفوح وفاخ يفوخ فيحانا وفيخانا، وفوحانا وفوخانا، وتخوفت الشئ وَتَحَوَّفْتُه: أي تنقصته " هذا جميع ما أورده الزجاجي.
والبيتان وقعا في أدب الكاتب كذا: أزْهَرُ لَمْ يُولَدْ بِنَجْمِ الشُّحِّ مُيَمَّمُ الْبَيْتِ كَرِيمُ السِّنْحِ وقال شارحه ابن السيد: " هذا الرجز يروى لرؤبة بن العجاج، ولم أجده
في ديوان شعره، وَالميَمَّمُ: المقصود لكرمه " هذا كلامه وهذا من قصيدة ثابتة في ديوانه من رواية الأصمعي 2 مدح بها أبان بن
الوليد البَجَليّ، وهي طويلة، إلى أن قال: مِنْهُ فُرَاتٌ فَاضَ غَيْرُ مِلْحِ غَمْرُ الأَجَارِيِّ كَرِيمُ السنح إذا فتام الْبَاخِلِينَ الْبُلْحِ أغْبَرَ فِي هَيْجٍ كَذُوبِ اللَّمْحِ أمْطَرَ عَصْرَاً مُدْجِنٍ مِسَحِّ أبْلَجَ لَمْ يُوْلَدْ بِنَجْمِ الشح وهذا آخر القصيدة، وقوله " غمر الأجَارِيِّ " الْغَمْر - بفتح الغين المعجمة - الماء الكثير الساتر، وَالأَجَارِيُّ جمع إجْرِيّاً - بكسر الهمزة والراء - بمعنى الجري وَالقَتام - بفتح القاف والمثناة الفوقية -: الغبار، والبلج: جمع أبْلح من بَلَح الرجل بُلوحاً: أي أعيا، قال الأصمعي: الْبُلْحُ الْمُعْيُونَ (2)، وأراد البُخْل و " أغبر " بالغين المعجمة والموحدة، قال الأصمعي: هو من قولك: أغْبَرَ في أمرك فهو مُغْبِر إذا جد، و " الهَيْجُ " قال الأصمعي: هو سحاب لا ماء فيه، والكذوب: مبالغة الكاذب، واللَّمح: مصدر لَمَحَ البرق والنجم لَمْحاً: أي لَمَعَ، وأمطر: فعل ماض جواب إذا، وَ " عَصْراً " فاعله وهو مثنى عُصْرٍ حذفت نونه للإضافة قال الأصمعي: العصران الغدوة والعشية، و " أبلج " مفعول أمطر، في الصحاح: مَطَرَتِ السماء وأمطرها الله، والْمُدْجِنُ - بالجيم -: اسم فاعل من أدجنت السماء دام مطرها، وسحابة داجنة ومدجنة، والدجن المطر الكثير، كذا في الصحاح، وَالمِسَحُّ - بكسر الميم -: الكثير السَّح، مِفْعَل من سَحَّ المطر سَحَّا: أي سال، والأبلج بالجيم: المشرق المضئ، والشح بالضم البخل مع حرض، والنجم الوقت المعين وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع بعد المائتين: (من الرجز)1
204 - يا ابن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتنا إلَيْكَا لنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا على أنه قد جاء الكاف بدلاً من التاء كما في عصيكا، والأصل عَصَيْتَ قال ابن جني في سر الصناعة: " أبدل الكاف من التاء، لأنها أختها في الهمس وكان سحيم إذا أُنْشِد شعراً قال: أحسَنْكَ والله، يريد أحسنت " انتهى وسحيم هذا عبد حبشي كانت 1 في لسانه لُكْنة، وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تعرف له صحبة وقد أورد الزجاجي هذا الشعر في أماليه الكبرى في بحث إبدال الحروف بعضها من بعض، قال في باب التاء والكاف في المكنى: " يقال: ما فَعَلْتَ وما فَعَلْكَ قال الراجز: يا بن الزُّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا وَطَالَمَا عَنَّيْكَنَا إلَيْكَا لِنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قفيكا يريد عصيتا وعنيتنا " انتهى.
ولم يذكر ابن السكيت هذا الإبدال في كتاب القلب والإبدال.
قال الشارح: " ويجوز أن يكون من وضع الضمير المنصوب مقام المرفوع " وكذا جوز الوجهين أبو علي في المسائل العسكرية عن الأخفش، قال: إن شئت قلت: أبدل من التاء الكاف لاجتماعهما في الهمس، وإن شئت قلت:
أوقع الكاف - وإن كان في أكثر الاستعمال للمفعول لا للفاعل - (موقع التاء) لإقامة القافية، ألا تراهم يقولون: رأيتك أنت، ومررت به هو، فيَجْعلون علامات الضمير المختص بها بعض الأنواع في أكثر الأمر موقع الآخر، ومن ثم
جاء لولاك، وإنما ذلك لأن الاسم لا يصاغ معرباً، وإنما يستحق الإعراب بالعامل " انتهى.
ورد ابن هشام في بحث " عَسَى " من المغني الوجه الثاني، قال: " إنابة ضمير عن ضمير إنما ثبت في المنفصل (نحو): ما أنا كانت ولا أنت كأنا، وأما قوله: يَا بْنَ الزُّبَيْرِ طَالَمَا عَصَيْكَا فالكاف بدل من التاء بدلا تصريفيا، لامن إنابة ضمير عن ضمير كما ظن ابن مالك " ولم يكتب الدماميني هنا شيئاً، وقال ابن المُنْلاَ: " قيل: كيف يكون هذا البدل تصريفياً ولم يُذكر في كتب الصرف؟ وأجيب بأن التصريفي ما شأنه أن يذكر في كتب التصريف ذكر أو لم يذكر " هذا ما كتبه، وقد نقلنا لك عن الفارسي وابن جني وغيرهما أنه بدل تصريفي، وكذا قال الشارح وقول ابْنِ المُنْلا - بعد قول ابن هشام: لا من إنابة ضمير عن ضمير، ما نصه: إذ لو كان من باب الإنابة لم يسكن آخر الفعل، إذ لا تسكين لاتصال الضمير المنصوب " انتهى - ساقط، لأن الكاف قامت مقام التاء فأعطيت حكمها.
وقوله: " وطالما عنَّيْتَنا إليكا " أي: أتعبتنا بالمسير إليكا، وقوله: " لنَضْرِبَنْ " بنون التوكيد الخفيفة، واللام في جواب قسم مقدّر، وقوله: " قفيكا " أصله قفاكا، فأبدلت الألف ياء عند الإضافة إلى الكاف، وخصه الشارح في شرح
الكافية في باب الإضافة بالشعر، وإنما كان سبيله الشعر لانه ليس مع ياء المتكلم، فإنها تقلب معه ياء نثراً ونظماً في لغة هذيل، يقولون: هَوَيّ وقَفَيَّ في إضافة الْهَوَى والْقَفَا إلى الياء، وإنما قيد بالكاف لأن السماع جاء معه.
وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الحادي والعشرين بعد الثلثماية من شواهد شرح الكافية.
وهذا الرجز أورده أبو زيد في نوادره ونسبه لراجز من حمير، والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس بعد المائتين -: (من البسيط) 205 - أعَنْ تَرَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً مَاءُ الصَّبَابَةِ مِنْ عَيْنَيْكَ مَسْجُومُ على أن الأصل أَأَن ترسمت، فأُبدلت الهمزة المفتوحة عيناً في لغة تميم، قال الشارح: " هذه الأبْدال في الأبيات وغيرها جميعها شاذ، ولهذا لم يذكرها ابن الحاجب ".
وأقول: سيأتي إن شاء الله تعالى في شرح قوله: أُبَابُ بَحْرٍ ضَاحِكٍ هَزُوقِ أن هذا كثير والبيت من قصيدة لذي الرمة، والهمزة للاستفهام التقريري، و " عن " حرف مصدري، واللام مقدر قبله علة للمصراع الثاني، وترسمت الدار: تأملت رسمها - بالراء المهملة، والتاء للخطاب - و " خرقاء " اسم معشوقته، وَ " مَنْزِلةً " مفعول ترسمتء والصبابة: رقة الشوق، و " مسجوم " من سجمت العين الدمع: أي أسالته، والتقدير أَلأَجْل ترسمك ونظرك دارها التي نزلت فيها بكت عينك وقد تكلمنا عليه في فصل حروف المصدر من أواخر شرح الكافية
وأنشد بعده: صَبْراً فَقَدْ هَيَّجْتِ شَوْقَ الْمُشْتَئِقِ وتقدم شرحه في الشاهد التسعين من هذا الكتاب
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس بعد المائتين: (من الرجز) 206 - يَا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمي فخِنْدِفٌ هَامَةُ هذَا الْعَأْلَمِ على أن العجاج همز العألم، ليكون موافقاً لقوافي القصيدة، نحو " اسلمي " في عدم التأسيس، فلو لم يهمز للزم السناد وهو من عيون القافية قال ابن جني في سر الصناعة: " قد روي عن العجاج أنه كان يهمز الخأتم والعألم، وقد روي عنه في هذا الهمز، وعده ابن عصفور من ضرائر الشعر، وقال: أَبْدل 1 الاف همزة لتكون القافية غير مؤسسة كأخواتها، وكانت الهمزة المبدلة منها ساكنة، لأن التحريك يبطل الوزن، ولأنها بدل من ألف زائدة ساكنة في اللفظ والتقدير " انتهى والسناد على خمسة أقسام: أحدها سناد التأسيس، وهو أن يجئ بيت مؤسس مع بيت غير مؤسس.
والتأسيس: ألف قبل حرف الروي (2) بحرف يسمى الدخيل، كاللام في العالم بين الألف والميم.
وقوله " يا درا سَلْمَى يَا اسْلَمِي ثم اسْلَمِي " هذا مطلع الأرجوزة، دعا لدار سلمى بالسلامة، و " يا " الثانية للتنبيه، واسلمي أمر بمعنى دومي على السلامة، وبعده: بِسَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِينِ سَمْسَمِ و " سَمْسَمْ " بفتح السينين المهملتين: مكان (3)، ثم قال بعد أبيات كثيرة: فخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا العألم
وإنما جمع الشارح بينهما ليبين القافية غير المؤسسة مع المؤسسة على تقدير عدم الهمز، و " خندف " هي امرأة إلياس بن مضر، وهي أم مُدْركة وطابخة وقَمَعة 1 وأبو الثلاثة إلياس، وأراد نسل خندف، وقد ترجمناها بالتفصيل في الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة من هذا الكتاب وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع بعد المائتين: (من الوافر) 207 - أحَبُّ الْمُؤْقِدِينَ إلَيّ مُؤْسَى تمامه: وَجَعْدَةُ إذْ أضَاءَهُمَا الْوَقُودُ على أنه روي بهمز المؤقدين ومؤسى، حكاه ابن جني في سر الصناعة عن أبي علي، قال: " وروى قنبل عن ابن كثير (بالسؤْقِ) فهمز الواو، ووجه ذلك أن الواو وإن كانت ساكنة فإنها قد جاورت ضمة الميم فصارت الضمة كأنها فيها، فمن حيث همزت الواو في نحو (أُقِّتَتْ) وأجوه وأُعِد لانضمامها، كذلك كان همز الواو في المؤقِدين ومُؤْسى على ما قدمناه " وقال في المحتسب: " همز الواو في الموضعين جميعاً من البيت لأنهما جاورتا الميم قبلهما فصارت الضمة كأنها فيهما، والواو إذا انضمت ضماً لازماً فهمزها جائز، نحو (أُقِّتَتْ) في وُقِّتَتْ، وأجوه في وجوه، ونظائر ذلك كثيرة، وكذلك الفتحة قبل الألف في بازٍ لما جاورتها صارت على ما ذكرنا كائها فيها، والألف إذا حركت همزت على ما ذكرنا في الضِّأَلِّين، وجَأَنٍّ، فهذا وجهه " وكذا قال في الخصائص، وقال
في شرح تصريف المازني بعد إنشاد البيت: " همز الواو الساكنة لأنه توهم الضمة قبلها فيها، وإنما يجوز مثل هذا الغلط منهم لما يستهويهم من الشُّبَه، لأنهم ليست لهم قياسات يعتصمون بها، وإنما يميلون إلى طبائعهم، فمن أجل ذلك قرأ الحسن البصري (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُون) لأنه توهمه جمع التصحيح نحو الزيدون، وليس منه، وكذلك قراءته (وَلاَ أدْرَأْتُكُمْ بِهِ) جاء به كأنه من درأته: أي دفعته، وليس منه، إنما هو من دريت الشئ: أي علمت به، وكذلك قراءة من قرأ (عَاداً لُؤْلَى) فهمز فهو خطأ منه بمنزلة قول الشاعر: لحب المؤقدان إلى موسى فهمز الواو الساكنة لأنه توهم الضمة قبلها فيها، ولهذا الغلط في كلامهم نظائر، فإذا جاء فاعرفه لتستعمله كما سمعته ولا تقس عليه " انتهى.
وأورد ابن عصفور هذا الإبدال في الضرائر، وخصه بالشعر، وقال العصام في حاشية القاضي: " روى سيبويه البيت بهمز مؤقدان ومؤسى " وهذا لا أصل له، فإن سيبويه لم يرو هذا البيت في كتابه، وروى ابن جني صدره في سر الصناعة، وفي إعراب الحماسة أحَبُّ الْمُؤْقِدِينَ بصيغة أفعل التفضيل فيكون أحب مبتدأ مضافاً إلى المؤقدين بالجمع، و " مؤسى " خبره - ورواه في الخصائص وفي شرح تصريف المازنى وفي المحتسب لَحَبَّ الْمُؤْقِدَانِ فيكون اللام في جواب قسم محذوف و " حب " للمدح والتعجب وأصلها حَبَبَ - بفتح
العين - فعل متعد كقوله: فو الله لولا تمره ما حببته 1
ثم نقل إلى باب فُعل بالضم للمدح للإلحاق بنِعْم، ولنا نقل ضمة العين إلى الفاء، ولنا حذفها لأجل الإدغام في الصورتين، وقد روي بالوجهين فصارت كنِعْم فعلاً جامداً، ولهذا لم تدخل قد مع اللام عليها كما لم تدخل قد على نعم، و " المؤقدان " فاعل حب، و " مؤسى وجعدة " هو المخصوص بالمدح، و " إليّ " بمعنى عندي، و " إذ " ظرف متعلق بحب، و " أضَاءُهما " بمعنى أنارهما وأظهرهما، ويأتي أضاء لازماً، يقال: أضاء الشئ بمعنى أشرق، والاسم الضياء، و " الوُقود " بالضم مصدر وقدت النار: أي اشتعلت، والوَقود - بالفتح - الحطب الذي يوقد، وقد روي هنا بالوجهين، وأريد به هنا وَقُود نار الْقِرَى كما هو عادة العرب، يوقد الكريم منهم نارا على موع عال ليهتدي بها إليه الغريب والمسافر فيأتي إلى قِرَاه، قال خَضِرٌ الموصلي: " مدح ابنية بالكرم والاشتهار به فكنى عن الأول بإيقاد نار القِرى، وعن الثاني بإضاءة الوقود إياهما، والمعنى ما أحبهما إليّ وقت إضاءة وقودهما، واسْتعمال الإضاءة شديد الطباق في هذا المقام لترددها بين الحقيقة والمجاز " انتهى.
وقال العصام: " عنى بالإضاءة بالوقود الاشتهار، وصف ابنيه ونفسه بالكرم، حيث جعل محبته لهما من حين اشتهارهما بالكرم، وفي ذلك كمال وصفه بالكرم حتى غَلَبَتْ محبّته الطبيعية لهما المحبةُ للاشتهار بالكرم، والتحقت في مقابلة المحبة للاشتهار بالعدم إلى أن جعل محبته لهما من وقت الاشتهار "
هذا كلامه وقال السيوطي في شرح أبيات المغني: " مُؤْسَى وجَعْدة عطفاً بيان للمؤقدان، كانا يوقدان نار القِرى، وإذ أضاءهما: بدل اشتمال منهما " انتهى.
وتبعه ابن المُنْلا في شرح المغني، وخَضِرٌ الموصلي في شرح أبيات التفسيرين، وهذا غير جيد، فإن حَبَّ هنا بمنزلة نعم تطلب فاعلاً ومخصوصاً بالمدح، وهو إما
مبتدأ أو خبر لمبتدأ، وإذا كان كذلك لا يجوز أن يكون إذ بدلاً منهما، لأنه ظرف غير متصرف.
والبيت من أول قصيدة لجرير مَدَح بها هشام بن عبد الملك المرْواني، وموسى وجعدة: ولدا جرير، وروي حَزْرَة بدل جعدة، وهو ابنه أيضاً، وقال السيوطي رحمه الله: جعدة بنته، وفيه بعدٌ، والبيت مستقل في معناه لا حاجة لنا إلى إيراد شئ من القصيدة.
وأنشد بعده - وهو الشاهد بعد المائتين -: (من الرجز) 208 - أُبَابُ بَحْرٍ ضاحِكٍ هَزُوقِ على أن أصله " عُبَاب بحر " فأبدلت العين همزة، وهذا أشذ مما قبله، لأنه لم يثبت قلب العين همزة في موضع، وما نقله عن ابن جني قاله في سر الصناعة، وهذه عبارته: " فأما ما أنشده الأصمعي من قول الراجز: أُبَابُ بَحْرٍ ضَاحِكٍ هَزُوقِ فليست الهمزة فيه بدلاً من عين عُبَاب، وإن كان بمعناه، وإنما هو فُعَالٌ من أبَّ إذا تهيأ، قال الأعشى: (من الطويل) وكَانَ طَوَى كَشْحاً وأب ليذهبا 1
وذلك أن البحر يتهيأ لما يزخر به، فلهذا كانت الهمزة أصلاً غير بدل من عين، ولو قلت: إنها بدل منها فهو وجه، وليس بالقوي " انتهى.
ومفهومه أن إبدال العين همزة ضعيف لقلته، وإليه ذهب ابن مالك قال في التسهيل: " وتبدل الهمزة قليلاً من الهاء والعين " ومثل شراحة بالبيت، ولم يقيد الزمخشري في المفصل بقلة، بل قال: " الهمزة أبدلت من حروف اللين ومن الهاء والعين " ثم مثل، إلى أن قال: " فأبدالها من الهاء في ماء وأمواء، ومن العين في قوله: " أُبَابُ بَحْرٍ... البيت " نعم تفهم القلة من ذكره أخيراً بالنسبة إلى ما قبله، ولم يقيد بشئ شارحه ابن يعيش، وإنما قال: " أبدل الهمزة لقرب مخرجيهما كما أبدلت العين من الهمزة في نحو أعَنْ تَرَسَّمْتَ... البيت " وليس في هذا شذوذ فضلاً عن الأشَذِّيَّة، وتوجيه الشارح الأشَذِّيَّة بما قاله تبعاً للمصنف ممنوع، فإنه جاءت كلمات كثيرة، وقد ذكر له ابن السكيت في كتاب القلب والإبدال باباً، وكذا عقدا له فصلاً أبو القاسم الزجاجي في أماليه الكبرى، أما ابن السكيت فقد قال: " باب العين والهمزة: قال الأصمعي: يقال: آديته على كذا وكذا وأعديته: أي قويته وأعنته، ويقال: استأديت الأمير على فلان في معنى استعديت، ويقال: قد كَثَأَ اللبنُ وكَثَعَ وهي الكَثْأَةُ والكَثْعَةُ، وهو أن يعلو دسمه وخُثُورته على رأسه في الإناء، قال: (من
الطويل) وَأَنْتَ امْرُؤٌ قَد كَثَّأَتْ لَكَ لِحْيَةٌ كَأَنَّكَ مِنْهَا بَيْنَ تَيْسَيْنِ قَاعِدْ والعرب تقول: موت زعاف وزؤاف وذعاف وذُؤاف، وهو الذي يعجل
القتل، ويقال: عُباب الموج وأبابه، ويقال: لأطِه بعين وَلأَطَه بسهم ولَعَطَه إذا أصابه به، أبو زيد: يقال: صَبَأْتُ على القوم أصْبَأ صَبْأ وصَبَعْت عليهم أصْبَعُ صَبْعاً، وهما واحد، وهو أن تدخل عليهم غيرهم، الفراء: يقال: يوم عَكٌّ، ويوم أَكَّ من شدة الحر، ويقال: ذهب القوم عباديد وأباديد، وعباييد وأبَابِيدَ، ويقال: انْجَأَفَتْ النخلة وانْجَعَفَتْ، إذا انْقَلَعَتْ من أصلها، وقال الاصمعي: سمعت أبا الصقر ينشد: (من الطويل) أريني جَوَاداً مَاتَ هَزْلاً لأَلَّنِي أرَى مَا تَرَيْنَ أوْ بَخِيلاً مُخَلَّدا يريد لعلّني، وقال أبو عمرو: سمعت أبا الحصين العبسي يقول: الأُسُنُ قديم الشَحم، وبعضهم يقول العُسُنُ، الأصمعي: يقال: التُمئ لونه والتُمع لونه، وهو السَّأَف والسَّعَف، وقال الفراء: سمعت بعض بني نَبْهَانَ من طيّئ يقول: دَأْنِي، يريد دعين، وقال: ثُؤاله، يريد ثُعاله، فيجعلون مكان العين همزة، كما جعلوا مكان الهمزة عيناً في قوله: لعنك قائم، وأشهد عنكم رسول الله، وهي لغةٌ في تميمٍ وقيسٍ كثيرةٌ، ويقال: ذَأَته وَذَعَتَهُ إذا خنقه " هذا ما أورده ابن السكيت.
ولا شك أن هذه الكلمات المشهور فيها بالعين والهمزةُ بدل منها، وقد أسقطنا من كلامه ما المشهور فيه الهمزة والعين بدل منها، ومنها قال الأصمعي: سمعت أبا ثعلب ينشد بيت طُفَيْل: (من الطويل)
فَنَحْنُ مَنَعْنَا يَوْمَ حَرْسٍ 1 نِسَاءَكُمْ غَدَاةَ دَعَانَا عَامِرٌ غَيْرَ مُعْتَلِي