الحذفُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، الرضي
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
- المؤلف
- محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
- الناشر
- دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الساكنين اعتداداً بتحريك الساكن الذي حذف من أجله وإن كان تحريكه عارضاً، كقوله: أعَارَتْ عَيْنُهُ أمْ لَمْ تَعَارَا كان الوجه لم تَعَرْ، إلا أنه اضطر فرد حرف العلة المحذوف واعتد بتحريك الآخر وإن كان عارضاً، ألا ترى أن الراء من تَعارا إنما حركت لأجل النون الخفيفة المبدل منها الألف؟ والأصل لم تَعَرَنْ، ولحقت النون الخفيفة الفعل المنفي بلم كما لحقته في قول الآخر: يَحْسَبُهُ الْجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَمَا " انتهى ولم يتصل خبرُ عَوَرِ عينه بسهم إلى بعض فضلاء العجم فقال في شرح أبيات المفصل: " وأراد بغُؤور العين ما هو سببه، وهو الهزل والنحافة، فسألت عنه أنَحْفَ جسمه وضعف بعدي أم هو على حاله؟ " هذا كلامه، وظن أن هذا الكلام من التغزل، وأجْحف ابن المستوفي وظن أن عينيه عَوِرتا فحمل عارت عينه على الواحدة وتَعارا على العينين، واعتذر للافراد أولا بأن كل شئ لا يخلو عن قرين يجوز أن يُعَبَّر (فيه) بالواحد عن الاثنين، فالألف في " تعارا " على قوله ضمير تثنية، والجزم بحذف النون، وتندفع الضرورتان عنه برد الألف والتوكيد مع لم، لكنه خلاف الواقع وعمرو بن أحمر شاعر مخضرم إسلامي قد ترجمناه في الشاهد الستين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد الواحد والسبعون بعد المائة -: (من الرجز) 171 - أيَّ قَلُوصٍ رَاكِبٍ تَرَاهَا طَارُوا عَلاَهُنَّ فَطِرْ عَلاَهَا
على أن القياس عليهِنَّ وعَلَيْها، لكن لغة أهل اليمن قلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها ألفاً، وهذا الشعر من كلامهم كذا أوردهما الجوهري في الصحاح، وهما من رجز أورده أبو زيد في نوادره نقلنا وشرحناه في الشاهد الثامن عشر بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية وقوله " أي قَلُوصٍ راكبٍ " باضافة قلوص إلى راكب، و " أي " استفهامية تعجبية، وقد اكتبست التأنيث من قلوص، ولهذا أعاد الضمير إليها مؤنثاً، و" أي " منصوب، من باب الاشتغال، ويجوز رفعه على الابتداء، والقلوص - بفتح القاف -: الناقة الشابة، وطاروا: أسرعوا وأنشد بعده: (من المنسرح) نستوقد النبل بالحضيض ونصطاد نفوسا عَلَى الْكَرَمِ وتقدم شرحه في الشاهد التاسع عشر من هذا الكتاب وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من مجزوء الكامل) 172 - عَيُّوا بِأَمْرِهِمُ كَمَا عَيَّتْ ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثُمَامَهْ على أنه أدغم المثلان جوازاً في عَيُّوا قال سيبويه: " وقد قال بعضهم: حيوا وعَيُّوا لَمَّا رأوها في الواحد والاثنين والمؤنث، إذ قالوا: حيت المرأة، بمنزلة المضاعف من غير الياء، أجروا الجمع على ذلك، قال الشاعر: غيرا بأمرهم... البيت 1 "
قال الأعلم: " الشاهد فيه إدغام عَيُّوا وجَعْلُه كالمضاعف الصحيح السالم من الإعلال والحذف، لادغامه " والبيتان من قصيدة لعَبِيد بن الأبرص الأسَديَّ خاطب بها حُجْراً أبا امرئ القيس، واستعطفه لبني أسد، وذلك أن حجراً كان يأخذ منهم إتاوة فمنعوه إياها فأمر بقتلهم بالعصى، فلذلك سموا عَبِيد الْعَصَى، ونفى من نفى منهم إلى تهامة، وأمسك منهم عمرو بن مسعود وعَبِيد بن الأبرص وحلف أن لا يساكنوه، فلما خاطبه بها رق لهم حجر، وأمر برجوعهم إلى منازلهم، فاضطغنوا عليه ما فعل بهم فقتلوه، وأولها: يَا عَيْنُ مَا فَابْكِي بَنِي أسَدٍ هُمُ أهْلُ النِّدَامَهْ 1 أهْلُ الْقِبَابَ الْحُمْرِ وَالنِّعَم الْمُؤْبَّلِ وَالْمُدَامَهْ وَذَوُو الْجِيَادِ الْجُرْدِ والأسل الْمُثَقَّفَةِ الْمُقَامَهْ (2) حِلاًّ أبَيْتَ اللَّعْنَ حِلْلاً إنَّ فيما قُلْتَ آمَهْ فِي كُلِّ وَادٍ بَيْنَ يثرب فَالْقُصُورِ إلَى الْيَمَامَهْ تَطْرِيب عَانٍ أوْ صِيَا حُ مُحرَّق وَزُقَاء هَامَهْ (3) وَمَنَعْتَهُمْ نَجْداً فَقَدْ حَلُّوا عَلَى وَجَلٍ تَهَامَهْ عَيُّوا بِأَمْرِهِمُ كَمَا عيت بيضتها الحمامه (4) جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامه
فَنَمَتْ بِهَا في رَأْسِ شَا هِقَةٍ عَلَى فَرْعِ الْبَشَامَهْ إمَّا ترت تَرَكْتَ عَفْواً أوْ قَتَلْتَ فَلاَ مَلاَمَهْ أنْتَ الْمَلِيكُ عَلَيْهِمِ وَهُمُ الْعَبِيدُ إلَى الِقِيَامَهْ ذُلُّوا وَأعْطُوكَ القيا د كذل أدْبَرَ ذِي حَزَامَهْ 1 قوله " يا عين ما فابكي " ما: زائدة، والنعم: المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وأكثر ما يقع على الإبل، قال أبو عبيد: النعم: الجمال فقط، وقيل: الإبل خاصة (2)، يؤنث ويذكر، وهو هنا مذكر لوصفه بالمؤبَّل، باسم المفعول، ومعناه الْمُقْتَنَى، يقال: أبَّلَ الرجل تأبيلاً: أي اتخذ إبلاً واقتناها، والأسل: القنا، والتثقيف: التعديل، والمقامة: اسم المفعول من أقام الشئ بمعنى عدَّله وسواه، وفي العُباب: يقال: حِلاَّ: أي استَثْنِ، ويا حالف اذكر حِلاًّ، قال عَبِيد بن الأبرص لأبي امرئ القيس - وحلف أن لا يساكنوه -: حِلاًّ أبَيْتَ اللَّعْنَ... البيت و " آمه " وفيه أيضاً في مادة (أوم): الآمة العيب، وأنشد البيت أيضاً، وطرَّب تطريباً: أي مَدَّ صوته، والعاني: الاسير، والزُّقاءُ - بضم الزاي المعجمة بعدها قاف -: صياح الديك ونحوه، و " الهامة " تزعم العرب أن روح القتيل الذى لم يُدْرك بثأره تصير هامة - وهو من طيور الليل - فتزقو تقول: اسقوني اسقوني (3)، فإذا أدرك بثأره طارت، وقوله " عَيّوا بأمرهم " الضمير لبنى أسد،
وفي الصحاح: يقال: عَيَّ بأمره وعييى إذا لم يهتد لوجهه، والإدغام أكثر، وأنشد البيت، والنشم - بفتح النون والشين المعجمة -: شجر يتخذ منه القِسِّيُّ، والثمام - بضم المثلثة -: نبت ضعيف لو خوص أو شبيه بالخصوص، وربما حُشِي به وسد به خَصاص البيوت، الواحدة ثمامة قال ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب: " أصحاب المعاني يقولون: إنه أراد جعلت لها عودين: عوداً من نشم، وآخر من ثمامة، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه، فقوله: وآخر، على هذا التأويل ليس معطوفاً على عودين، لأنك إن عطفته عليهما كانت ثلاثة، وإنما هو معطوف على الموصوف الذي حذف وقامت صفته مَقَامه، فهو مردود على موضع المجرور، وهذا قبيح في العربية، لأن إقامة الصفة مُقام الموصوف إنما يحسن في الصفات المحضة، فإذا لم تكن محضة وكانت شيئا ينوب مناب الصفة من مجرور أو جملة أو فعل لم يجز إقامتها مقام الموصوف، لا يجوز جاءني من بني تميم وأنت تريد رجل من بني تميم، وقد جاء شئ قليل من ذلك في الشعر، وأما تشبيه أمر بني أسد بأمر الحمامة فتلخيصه أنه ضرب النشم مثلاً لذوي الحزم وصحة التدبير، وضرب الثُّمام مثلاً لذوي العجز والتقصير، فأراد أن ذوي العجز منهم شاركوا ذوي الحزم في آرائهم فأفسدوا عليهم تدبيرهم، فلم يقدر الحكماء على إصلاح ما جناه السفهاء، كما أن الثمام لما خالط النشم في بنيان العُش فسد العُش وسقط، لو هن الثمام وَضعفه، ولم يقدر النشم على إمساكه بشدته وقوته " هذا كلامه وفيه نظر من وجهين: أما أولاً: فلأنه لا ضرورة في تخريجه على الضرورة، ولا مانع في المعنى من عطف " آخَرَ " على عودين، إذ المراد جعلت عشها من هذين الجنسين: النشم، والثمامة: سواء كان أحدهما أكثر من الآخر أم لا، وليس المراد أنها لم تجعله سوى عودين لعدم، إمكانه بديهة، والمراد من العدد القلة لا ظاهره،
وأما ثانياً: فلأنه ليس معنى التشبيه على ما ذكره، وإنما المراد من تشبيههم بها عدم الاهتداء لصلاح الحال قال الأعلم: " وصف خُرْق قومه وعجزهم عن أمرهم، وضرب لهم مثلاً
بِخُرْق الحمامة وتفريطها في التمهيد لعشها، لأنها لا تتخذ عشها إلا من كُسَار العيدان، فربما طارت عنها فتفرق عشها وسقطت البيضة فانكسرت، وذلك قالوا في المثل: أَخْرَقُ مِنْ حَمَامة، وقد بين خرقها في بيت بعده، وهو: جَعَلَتْ لَهَا عُوْدَيْن... البيت: أي: جعلت لها مهاداً من هذين الصنفين من الشجر، ولم يرد عودين فقط ولا ثلاثة كما يتأول بعضهم، لأن ذلك غير ممكن " انتهى.
واستدل ابن يَسْعَوْن والصَّقَلِيْ وجماعة ممن شرح أبيات الإيضاح الفارسى على أنه لا بيد من حذف الموصوف بأن العرب فيما زعموا لا تقول: ما رأيت رجلين وآخر، لأن آخَرَ إنما يقابل به ما قبله من جنسه: من إفراد أو تثنية أو جمع، فلزم لذلك أن يكون التقدير عُوداً من نشم وآخر من ثُمامة، حتى يكون قد قابل مفرداً بمفرد، وهو الذي ذكروا من أنه إنما يكون على وفق ما قبله من إفراد أو تثنية أو جمع، هذا ما قالوه، وهو ليس بصحيح، بدليل قول ربيعة بن مُكَدَّم: (من الكامل) وَلَقَدْ شَفَعْتُهُمَا بآخَرَ ثَالِثٍ 1 ألا ترى أنه قابل بآخر اثنين؟ وقولُ أبي حية: (من البسيط) وَكُنْتُ أمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً فَصِرْتُ أمْشِي عَلَى أُخْرَى مِنَ الشَّجَرِ
وقول امرئ القيس: (من الطويل) فَوَالَى ثَلاثَاً وَاثْنَتَيْنِ وَأَرْبعاً وَغَادَرْتُ أُخْرَى فِي قَنَاةِ رَفِيض وقول أبي ذؤيب: (من الطويل) فَأبْلِغْ لَدَيْكَ مَعْقِلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ مَآلِكَ تُهْدِيهَا إلَيْهِ هَدَاتُهَا عَلَى إثْرِ أُخْرَى قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ أتَتْ إلَيْنَا فَجَاءَتْ مُقْشَعِرّاً شواتُها المالِك: الرسائل، والشَّواة: جلدة الرأس، وهي أول ما يقشعر من الإنسان إذا فزع، وهذا مثل، ألا ترى أن أخرى في البيت مفردة مع أن ما قبلها ليس كذلك؟ وأما ما ذكروه من أن آخَرَ إنما يقابل به ما قبله من جنسه فأنهم يعنون به أن يكون الاسم الموصوف بآخر في اللفظ والتقدير يصح وقوعه على التقدير الذي قوبل بآخر على جهة التواطئ، نحو جاءني زيد ورجل آخرُ، وكذلك جاءني زيد وآخَرُ، لأن التقدير ورجل آخَرُ، وكذلك جاءني زيد وآخرى، تريد ونسمةٌ أخرى، فكذلك اشتريت فرساً ومركوباً آخَرَ وأنت تريد بالمركوب جملاً، لأن المركوب يصح وقوعه على الفرس والجمل على جهة التواطئ، وامتنع رأيت المشتري والمشتري الآخر تريد بأحدهما الكوكب وبالاخر عاقِدَ البيع، وإذا قوبل بآخر ما هو من جنسه فهل يشترط مع صحة وقوعه عليهما اتفاقهما في التذكير؟ فيه خلاف: ذهب المبرد إلى أنه غير شرط، والصحيح أنه شرط، تقول: أتتني جاريتك وامرأة أخرى، فإن قلت أتتني جاريتك ورجل آخَرُ لم يجز، وكذلك لو قلت أتاني أخوك وامرأة أخرى، وإن قلت أتاني أخوك وإنسان آخَرُ جاز إن قصدت بالإنسان المرأة، وكذا جاءني أخوك وإنسان آخَرُ إن أريد بالإنسان الرجل، وهذا الذي ذكروه من أن آخر يقابل به ما قبله من جنسه هو المختار، وقد يستعملونه من غير أن يتقدمه شئ من جنسه، وزعم أبو الحسن في الكبير له: أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر، فقال: لو قلت جاءني
آخر من غير أن يُتكلم قبله بشئ لم يجز، ولو قلت: أكلت رغيفاً وهذا قميص آخر لم يحسن، ثم قال: وهذا جائز في الشعر كقول، أم الضحاك: (من الطويل) فَقَالُوا شِفَاءُ الْحُبِّ حُبٌّ يُزِيلُهُ مِنَ آخَرَ أوْ نَأْيٌ طَويلٌ عَلَى هَجْرِ أي من محبوب آخر، ولم يتقدم ذكر المحبوب، وإنما ذكر الحب الدال عليه، وأحسن من ذلك قوله: (من الوافر) إذَا نَادَى مُنَادٍ باسْم أُخْرَى عَلَى اسْمِكِ سَرَّنِي ذَاكَ النِّدَاءُ لأن أخرى، وإن لم يتقدم قبلها في اللفظ شئ من جنسها فقد تقدم في النية، لأنه أراد إذا نادى مناد على اسمك باسم أخرى وروى جماعة: جَعَلَتْ لَهَا عُوْدَيْنِ مِنْ ضَعَةٍ وَآخَرَ مِنْ ثُمَامَهْ والضَّعة - بفتح الضاد المعجمة بعدها عين مهملة -: شجر من الْحَمْض، يقال: ناقة واضعة للتي ترعاها، ونوق واضعات، قال ابن حبيب في أمثاله التي على أفْعَلْ مِنْ كَذَا: " يقال: هُوَ أخْرَقُ مِنْ حمامة، وذلك أنها تجئ إلى الغصن في الشجرة فتبنى عليها عشاً وتستودعه بيضها، قال عَبيد بين الأبرص: جَعَلَتْ لَهَا عُوْدَيْنِ مِنْ ضَعَةٍ... إلخ والضعة: شبيه بالأسَل، والثمام: فوق الذراع شبيه بالأسل وليس به، وروى الْخُوَارِزْمي: عُوْدَيْن مِنْ نَشَمٍ " هذا كلامه قال ابن المستوفي: رواية ضعة أجود، لضعف شجره وإن جاز النشم، وقالوا: أحمق من حمامة، لأنها تُعِشُّ بثلاثة أعواد في مهب الريح وبيضها أضيع شئ، وقال ابن السيرافي: " وَضَعَتْ لَهَا عُوْدَيْنِ مِنْ ضَعَةٍ... الخ يريد أنهم لم يتوجهوا للخلاص مما وقعو فيه، وإنما جعلهم كالحمامة لأن فيها خرقاً، وهي قليلة الحيلة، ويقال في الأمثال: هُوَ أخْرَقُ مِنْ حَمَامَة، وذلك
لأنها تبيض في شر المواضع وأخوفها على البيض، فإن اشتدت الريح وتحركت الشجرة سقط بيضها، والضعة: ضرب من الشجر " انتهى.
وقوله " فَنَمت بها " أي: بالبيضة، والنُّمُوّ معروف، وأراد في رأس شجرة شاهقة: أي عالية، والفرع: الغصن، والبشامه: شجرة طيبة الريح يستاك بعيدانها، وقوله " كذُلِّ أدْبَرَ ذي حَزَامَة " الأدْبر: وصف بمعنى المدبر من الإدبار ضد الإقبال، والْحَزَامَة - بالفتح -: مصدر حُزُمَ الرجل - بالضم - حزامة فهو حازم، والحزم: ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة وعَبِيد بن الأبرص - بفتح العين وكسر الموحدة - شاعر جاهلي ترجمناه في الشاهد السادس عشر بعد المائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) 173 - وَكُنَّا حَسِبْنَاهُمْ فَوَارِسَ كَهَمْس حَيُوا بَعْدَ ما ما توا مِنَ الدَّهْرِ أعْصُرَا على أنه مَنْ أظهر في حَيي ولم يدغِم قال في الجمع حَيُوا كخَشُوا مخففاً كما في البيت، وأصلهما حييوا وخشيوا، نقلت ضمة الياء الثانية إلى الياء الأولى بعد حذف كسرتها، فاجتمع ساكنان: الياء الثانية والواو فحذفت الياء، فصار حَيُوا وخَشُوا قال سيبويه: " فإذا قلت: فَعَلُوا وَأُفْعِلُوا قلت: حَيُوا وأُحْيُوا، لأنك قد تحذفها في خَشُوا وأخْشُوا، قال الشاعر: وَكُنَّا حَسِبْنَاهُمْ... البيت " وقال ابن السراج في الأصول: " فإذا قلت: فَعَلُوا وَأُفْعِلُوا قلت: حَيُوا كما تقول: خَشُوا، فتذهب الياء، لأن حركتها قد زالت كما زالت في ضربوا، فتحذف لالتقاء الساكنين ولا تحرك بالضم، لثقل الضمة في الياء، وأحْيَوْا مثل
اخْشُوا " وأنشد البيت أيضاً.
وقد اشتهر رواية البيت بكُنَّا حَسِبْنَاهُمْ، واستشهد به جماعة كذا، وصوابه: وَحَتَّى حِسبْنَاهُمْ، وفيه شاهد آخر وهو جمع فاعل الوصفي على فَوَاعِل وهو آخر أبيات أربعة لأبي حُزابة أوردها الأصبهاني في الأغاني، قال: " أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدثني محمد بن الهيثم الشامي قال: حدثني عمي أبو فراس عن العُذْري قال: دخل أبو حُزابة على عُمَارة بن تميم ومحمد بن الحجاج وقد قدما سجستان لحرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان عبد الرحمن لما قدماها هَرَب ولم يبق بسجستان من أصحابه إلا نحو سبعمائة رجل من بني تميم كانوا مقيمين بها، فقال لهما أبو حُزَابة: إن الرجل قد هرب منكما ولم يبق من أصحابه أحد، وإنما بسجستان من كان بها من بني تميم قبل قدومه، فقالا له: ما لهم عندنا أمان، لأنهم قد كانوا مع ابن الأشعث وخلعوا الطاعة، فقال ما خلعوها ولكنه ورد عليهم في جمع عظيم لم يكن لهم بدفعه طاقة، فلم يجيباه إلى ما أراد، وعاد إلى قومه وحاصرهم أهل الشام فاستقتلت بنو تميم، فكانوا يخرجون إليهم في كل يوم فيدافعونهم ويكبسونهم بالليل، وينهبون أطرافهم حتى ضَجِرُوا بذلك، فلما رأى عُمَارَة فعلهم صالحم وخرجوا إليه، فلما رأى قلتهم قال: أما كنتم إلا ما أرى؟ قالوا: لا، فإن شئت أن نقيلك الصلح أقلناك وعدنا للحرب، فقال: أنا غنيّ عن ذلك، فأمَّنهم، فقال أبو حزابة في ذلك: فلِلَّه عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ فَوَارِسٍ أكَرَّ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْهُمْ وَأَصْبَرَا وَأَكْرَمَ لَوْ لاَقَوْا سَدَاداً مُقَارِباً وَلَكِنْ لقواطما مِنَ الْبَحْرِ أخْضَرَا فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أعَضُّوا سُيُوفَهُمْ ذُرَى الْهَامِ مِنْهُمْ وَالْحَدِيدَ الْمُسْمَّرَا وَحَتَّى حَسِبْنَاهُمْ فوارس كهمس حيوا بعد ما مَاتُوا مِنَ الدَّهْرِ أعْصُرَا " انتهى ما أورده الأصبهاني
و " كهمس " على وزن جعفر، قال صاحب الصحاح: الكَهْمَسُ: القصير، وكهمس: أبو حي من العرب، وأنشد هذا البيت بلفظ " وكنا حسبناهم "، وكذا قال صاحب العباب، قال ابن بري في أمالية على الصحاح: " البيت لموْدود العنبري، وقيل لأبي حُزابة الوليد بن حنيفة، وكَهْمَسٌ هذا هو كهمس ابن طَلْق الصرِيميّ، وكان من جملة الخوارج مع بلال بن مِرْداس، وكانت الخوارج وقعت بأسلم بن زُرْعة الكلابي، وهم في أربعين رجلاً وهو في ألفي رجل، فقتلت قطعة من أصحابه وانهزم إلى البصرة، فقال مودود هذا الشعر في قوم من بني تميم فيهم شدة، وكانت لهم وقعة بسجستان، فشبههم في شدتهم بالخوارج الذين كان فيهم كهمس ابن طلق، وقوله " حيوا " يعني الخوارج أصحاب كهمس: أي كأن هؤلاء القوم أصحاب كهمس في شدتهم وقوتهم ونصرتهم، وأنشد الأبيات قبله وعلم من هذا أن كهمساً في البيت ليس أبا حي من العرب وإنما هو أحد الخوارج من أصحاب بلال بن مرداس الخارجي قال المبرد في الكامل: " وكان مرداس أبو بلال بن حُدَيْر - وهو أحد بني ربيعة ابن حنظلة - يعظمه الخوارج وكان مجتهداً كثير الصواب في لفظه، وكان مِرْدَاس قد شهد صفِّين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنكر التحكيم، وشهد النَّهْرَوَان، ونجا فيمن نجا، وكان حبسه ابن زياد بن أبيه فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى جِدّاً ابن زياد في طلب الشُّرَاة عزم على الخروج، فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلاً، منهم حُرَيث ابن حَجَل، وكَهْمَسُ بن طلق الصَّرِيمِيُّ، فأرادوا أن يولوا أمرهم حُرَيثاً فأبى، فولوا أمرهم مِرْداساً، فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رَباح الأنصاري - وكان له صديقاً - فقال له: يا أخي أين تريد؟ فقال: أريد أن أهرب بدينى وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال له: أعَلِمَ بكم أحد؟ قال: لا، قال: فارجع، قال: أو تخاف عَلَيَّ مكروهاً؟ قال: نعم، وأن يؤتى بك، قال: فلا
تخف، فإني لا أجرد سيفاً ولا أخيف أحداً ولا أقاتل إلا من قاتلني، ثم مضى حتى نزل آسَكَ، وهو ما بين رامَهُرْمُزَ وأرَّجان، فمر به مال يُحمل لابن زياد - وقد قارب أصحابه الأربعين - فحط ذلك المال فأخذ منه عطاءه وَأعْطِيَة أصحابه ورد الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم: إنما أخذنا أعطيتنا، فجهز عبيد الله بن زياد أسلم بن زُرْعة في أسْرع وقت، فلما صار إليهم أسلمُ صاح بهم أبو بلال: اتق الله يا أسلم، فإنا لا نريد قتالاً، فما الذي تريده؟ قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد، قال مِرداس: إذاً يقتلنا، قال وإن قتلكم؟ قال تَشْرِكُهُ في دمائنا، قال: إني أدين بأنه محق وأنكم مبطلون، فصاح به حُرَيْثُ ابْنُ حَجَل: أهو محق وهو يطيع الفجرة - وهو أحدهم - ويقتل بالظنة ويخص بالفئ ويجور في الحكم؟ ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه من غير قتال، فلما ورد على ابن زياد غضب عليه، وقال: ويلك، أتمضي في ألفين فتنهزم لحملة أربعين؟ ثم ندب ابنُ زياد لهم الناسَ فاختار عَبَّادَ بن أخضر فوجهه في أربعة آلاف والتقوا في يوم جمعة، فلم يزالوا يجتلدون حتى جاء وقت الصلاة، فناداهم أبو بلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فوادعونا حتى نصلي وتصلوا، قالوا: لك ذلك، فرمى القوْم أجمعون بأسلحتهم وعمدوا للصلاة، فأسرع عَبَّاد ومن معه - والحرورية مبطئون، فهم من بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد - حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعاً، وكان فيهم كَهْمَسٌ، روي أنه كان من أبر الناس بأمه فقال لها يوماً: يا أُمَّهْ لولا مكانك لخرجت، فقالت: يا بُنَيَّ قد وهبتك لله، فخرج مع مرداس فقتل وصُلب " هذا ما لخصته من الكامل باختصار وأبو حُزَابة: بضم الحاء المهملة بعدها زاي معجمة وبعد الألف موحدة، قال صاحب الأغاني: " أبو حزابة اسمه الوليد بن حنيفة، أحد بني ربيعة بن حنظلة
ابن مالك بن زياد مَنَاة بن تميم، شاعر من شعراء الدولة الأموية القدماء، بدَوِيّ حضرى سكن البصرة، واكتتب في الديوان، وضرب عليه البعث إلى سجستان، فكان بها مدة وعاد إلى البصرة، وخرج مع ابن الأشعث لما خرج على عبد الملك، وأظنه قتل معه، وكان شاعراً راجزاً خبيث اللسان هَجَّاء ". وروى بسنده إلى العذري قال: " دخل أبو حُزَأبة على طلحة الطلحات الخزاعي وقد استعمله يزيد بن معاوية على سِجِستان، وكان أبو حُزَابة قد مدحه فأبطأت عليه الجائزة من جهته، ورأى ما يعطى غيره، فأنشده: (من الطويل) وَأدْلَيْتُ دَلْوِي فِي دِلاءٍ كَثِيرَةٍ فَجِئْنَ مِلاَءً غَيْرَ دلوى كما هيا وأهلكنى أنْ لاَ تَزَالُ رَغِيبَةٌ تُقَصِّر دُونِي أوْ تَحُلُّ وَرَائِيَا أرَانِي إذا اسْتَمطَرْتُ مِنْكَ سَحَابَةً لِتُمْطِرَنِي عَادَتْ عَجَاجاً وَسَافِيَا قال: فرماه طلحة بحُقّ فيه دُرَّة، فأصاب صدره، ووقعت في حجره، ويقال: بل أعطاه أربعة أحجارٍ، وقال: لا تُخْدَعْ عنها، فباعها بأربعين ألفاً، وكان هوى طلحة الطلحات أمَويّاً، وكان بنوا أمية يكرمونه، وأنشدَه أبو حزابة يوماً: (من الرجز) يَا طَلْحَ يَأْبَى مَجْدُكَ الإِخْلاَفَا وَالْبُخْلُ لاَ يَعْتَرِفُ اعْتِرَافَا إنَّ لَنَا أحْمِرَةً عِجَافَا يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا فأمر له طلحة بإبل ودراهم، وقال له: هذه مكان أحمرتك " وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 174 - لاَثٍ بِهِ الأَشَاءُ والْعُبْرِيُّ على أن فيه قلباً مكانياً، وأصله لائث
وأورده سيبويه في موضعين من كتابه: الأول في باب تحقير ما كان فيه قلب، قال: " اعلم أن كل ما كان فيه قلب لا يرد إلى الأصل، وذلك لأنه اسم بني على ذلك كما بني قائل على أن يبدل من الواو الهمزَة، ولكن الاسم يثبت على القلب في التحقير كما تثبت الهمزة في أدْؤُرٍ إذا حقرت، وفي قائل، وإنما قلبوا كراهية الواو والياء، كما همزوا كراهية الواو وَالياء، فمن ذلك قول العجاج: لاَثٍ بِهِ الأَشَاءُ والْعُبْرِيُّ إنما أراد لائِثٌ، ولكنه أخر الواو وقدم الثاء، وقال طريف بن تميم: (من الكامل) فَتَعَرَّفُونِي إنَّنِي أنا ذاكم شاك سلاحي فِي الْحَوَادِثِ مُعْلِمُ فإنما أراد الشائك فقلب " 1 انتهى.
والموضع الثاني في باب ما الهمزة فيه في موضع اللام من ذوات الياء والواو، قال فيه: " وأما الخليل فكان يزعم أن قوله جاء وشاء ونحوهما اللامُ فيهنَّ مقلوبة، وقال: ألزموا ذلك هذا، واطرد فيه، إذ كانوا يقلبون كراهية الهمزة الواحدة، وذلك نحو قولهم للعجاج: لاثب بِهِ الأَشَاءُ والْعُبْرِيُّ وقال: فَتَعَرُّفُونِي إنَّنِي... البيت وأكثر العرب تقول: لاثٌ وشاكٌ سلاحُهُ، فهؤلاء حذفوا الهمزة " انتهى (2).
قال ابن جني في شرح تصريف المازنى: " ولا ث من لاَثَ يَلُوث إذا جمع
ولفّ، وأصله لائث، فقلبوا العين إلى موضع اللام، فزالت الهمزة التي إنما وجبت لمصاحبة العين ألفَ فاعِل، وحكي أنهم يقولون: شاكٌ ولاثٌ، بحذف العين أصلاً، وأنشد: لاَثٌ بِهِ الأَشَاءُ والْعُبْرِيُّ ووجه هذا أنهم لما قالوا في الماضي: شَاكَ، ولاَثَ، وسكنت العين بانقلابها ألفاً وجاءت ألف فاعِل التقت ألفان، فحذفت الثانية حذفاً، ولم يحركها حتى تنقلب همزة كما فَعَل من يقول: قَائِم، وبِائعْ " انتهى.
وفي العُباب: " ونبات لائثٌ ولاثٍ، على القلب، إذا التف والتبس بعضه على بعض، قال العجاج: في أيْكِةٍ فَلاَ هُوَ الضْحيُّ وَلاَ يَلُوحُ نَبْتُهُ الشَّتِيُّ لاثٍ بِهِ الأَشَاءُ والْعُبْرِيُّ فَتَمَّ مِنْ قَوَامِهَا قُومِيُّ " انتهى والأيكة: غَيْضَة تنبت السِّدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر، وقال أيضاً في مادة (ع ب ر) بالعين المهملة والباء الموحدة: والعبري - بالضم -: ما نبت من السِّدْر على شطوط الأنهار وعَظُم، وقال عُمارة: العبري من السِّدْر ضخم الورق قليل الشوك، وهو أطول من الضِّال.
وقال أبو زياد: الْعُبْرِيُّ ما لا شوك فيه من السِّدر، وإنما الشوك في الضال من السدر، ولم يقل أبو زياد إن الْعُبْرِيّ من السدر ما نبت على الماء، والرواة على أن العبري منه ما نبت على الماء، قال العجاج يصف البَرْدِيَّ:
لاَثٌ بِهِ الأَشَاءُ وَالْعُبْرِيُّ " انتهى والغيضة: الشجر الملتف، وقوله " في أيكة " أي: ذلك الْبَرْدِيّ في أيكة، والبردى: نبات ضعيف يعمل من الحصر على لفظ المنسوب إلى الْبَرْد، و " هو "
ضمير البردي، والضَّحِيُّ: البارز للشمس، وهو فَعِيل من ضَحِيَ للشمس - بكسر الحاء وفتحها - ضَحَاءً بالمد وفي المستقبل بفتحها لا غير: أي برز إليها، والشَّتِي: فعيل المنسوب إلى الشتاء وفي الصحاح " الأشاء بالفتح والمد صغار النخل الواحدة أشَاءَ، والهمزة فيه منقلبة من الياء لأن تصغيرها أُشَيٌّ، ولو كانت الهمزة أصلية لقيل أشيئ، و " تم " فعل ماضى من التمام، والقوام - بالفتح -: الاعتدال، والقومي - بالضم -: القامة وحسن الطول " وقال الأعلم: " وصف مكاناً مُخْصِباً كثير الشجر، والأشاء: صغار النخل واحدتها أشاءة، والْعُبْرِيّ: ما نبت من الضال على شطوط الأنهار، وهو منسوب إلى الْعُبْر، وهو شاطئ النهر، واللائث: الكثير الملتف " وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الكامل) 175 - فتعرفوني إنني أنا ذاكم شاك سلاحي في الحوادى مُعْلِمُ على أن أصله شائك، فقلبت العين إلى موضع اللام، وتقدم نقل كلام سيبويه والبيت ثاني أبيات لطريف بن تميم العنبري وقبله: أو كلما وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيْلَةٌ بَعَثُوا إليَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ وبعده: تَحْتِي الأَغَرُّ وَفَوْقَ جِلْدِي نَثْرَةٌ زَغْفٌ تَرُدُّ السَّيْفَ وَهْوَ مُثَلَّمُ وَلِكُلِّ بَكْرِيٍّ لَدَيَّ عَدَاوَةٌ وَأَبُو رَبِيْعَةَ شَانِئٌ وَمُحَرَّمُ حَوْلِي أُسَيْدٌ وَالْهَجِيمُ وَمَازِنٌ وَإذَا حَلَلْتُ فَحَوْلَ بَيْتِي خَضَّمُ
وقوله " أو كلما وردت عكاظ " هو شاهد من شواهد سيبويه، قال: " وقد جاء شئ من هذه الأشياء المتعدية التي هي على فاعِل على فَعِيل حين لم يريدوا به الفعل شبهوه بظريف ونحوه، وقالوا: ضَرِيبُ قِدَاح، وصَرِيمٌ للصارم، والضريب: الذي يضرب بالقداح بينهم، وأنشد البيت، وقال: يريد عارفهم " انتهى.
وقوله " أو كلما " استفهام، وعكاظ: أعظم أسواق العرب قريبة من عرفات، كانت تقوم في النصف من ذي القَعْدة إلى هلال ذي الحِجَّة، قال صاحب العباب: " العارف والعريف بمعنى، كالعالم والعليم، وأنشد البيت، ثم قال: والعريف هو النقيب، وهو دون الرئيس، وعَرُف فلان - بالضم - عرافة - بالفتح - أي: صار عريفاً، وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت عَرَف فلان علينا سنين يَعرُفُ عرافة مثل كتب يكتب كتابة " انتهى ورواه ابن دريد في الجمهرة " بَعَثوا إليَّ قبيلهم " قال: قبيل القوم: عريفهم، يقال: نحن في قِبالة فلان: أي في عرافته، وأنشد البيت.
وقال: قالوا: معناه عريفهم، ويتوسم: يتفرس ويتطلب الوسم، وهي العلامة، وهو مشروح بأبسط من هذا في الطويل وقوله " فتعرفوني إلخ " أي: فقلت لهم: تعرفوني، وتَعَرَّفَه: تطلب معرفته بالعلامات، وقوله " إنني " بالكسر استئناف: أي أنا ذاكم الذي حُدِّثْتُم حديثه، ورى أيضاً " فتوسموني ": أي تطلبوا سمتي وعلامتي
وقوله " شاكٍ سلاحي " الشاكي: التام السلاح، وقيل: معناه الحاد السلاح، شبه بالشوك، روي بكسر الكاف وضمها، فمن كسر جعله منقوصاً مثل (قاضٍ) وفيه قولان: قيل: أصله شائك فقلب، كما قالوا: جرف هَار، واشتقاقه على هذا من الشوكة، وقيل: أصله شاكك من الشِّكَّة وهي
السلاح، كرهوا اجتماع المثلين فأبدلوا الآخر منهما ياء وأعلوه إعلال قاضٍ، ومن ضم الكاف ففيه قولان أيضاً: أحدهما أن أصله شَوِك - بكسر الواو - قلبت ألفاً، وقيل: أصله شائك، فحذفت الهمزة كما قالوا: جُرُفٌ هارٌ - بضم الراء - وفيه لغة ثالثة لا تجوز في هذا البيت، وهي شاكُّ - بتشديد الكاف - وهذا مشتق من الشِّكَّة لا غير و " معلم " اسم فاعل من أعلم نفسه في الحرب بعلامة: أي شهر نفسه بها ليعرف، والأغر: اسم فرسه، ومعناه الفرس الذي له غرة، والنَّثرة - بفتح النون -: الدرع السابغة، وكذلك الزغف - بفتح الزاي وسكون الغين المعجمتين - ومنه يقال: زغف في الحديث، إذا زاد فيه، وقيل: هي اللينة الْمَجَسَّة، وأُسيْد والْهُجَيْم - بتصغيرهما - ومازن: قبائل من تميم، وخضم - بفتح الخاء وتشديد الضاد المعجمتين -: لقب لبني العنبر بن عمرو بن تميم وسبب هذا الشعر على ما رواه المفضل بن سلمة في الفاخر ومحمد بن حبيب في كتاب المقتولين، وابن عبد ربه في العقد الفريد.
قالوا: كانت سوق عكاظ يتوافَوْن بها من كل جهة، ولا يأتيها أحد إلا ببرقُع، ويعتم على برقُعه خشية أن يؤسر فيكثر فداؤه، فكان أول عربي استقبح ذلك وكشف القناع طريف ابن تميم العنبريِّ لَمَّا رآهم يتطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح الله من وطن نفسه على الاسر، وأنشد يقول:
أو كلما وردت... الابيات وقال أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المثنى: كانت الفرسان إذا وردت عكاظ في الأشهر الحرم أمن بعضهم بعضاً فتلثموا أو تقنعوا، لئلا تعرف فيقصد إليها في الحرب، وكان طريف بن تميم لا يتقنع مكا يتقنعون، فوافى عكاظ - وقد حشدت بكر بن وائل، وكان طريف قبل ذلك قتل شُراحيل أحد بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان
ابن ثعلبة، فقال حَمَصِيصَة أحد بني شيبان: أرُوني طريفاً، فأروه إياه، فجعل كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف فقال: مالك تنظر، قال: أتوسمك لأعرفك فإن لقيتك في حرب فلله عليَّ أن أقتلك إلا أن تقتلني، فقال طريف في ذلك: أو كلما وردت عكاظ قبيلة... الابيات فمضت مدة، ثم إن عائذة - وهم يقولون: إنهم من قريش يقال لها: عائذة بن لؤي بن غالب، وهم حلفاء لبني أبي ربيعة - خرج منهم رجلان يتصيدان فعرض لهما رجل من بني شيبان فذَعَرَ صيداً لهما فقتلاه، فتنادتْ بنو مُرِّ بن ذُهْل فأرادوا قتلهما بصاحبهم، فمنعهم بنو أبي ربيعة، فقال هانئ بن مسعود: يا بني أبي ربيعة إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فامتازوا عنهم، فاعتزلتهم بنو أبي ربيعة وساروا حتى نزلوا ماء لهم يقال له: مبائض، فلما نزلوه هَرَب عبد منهم فأتى بلاد تميم فأخبرهم أن حيّاً جريداً من بني بكر بن وائل قد نزلوا على مبائض وهم بنو أبي ربيعة، فقال: طريف هؤلاء من كنت أبغي، إنما هم أكلة رأس، وهو أول من قال هذا المثل، يراد بذلك القلة، أي: عدتهم عدة يسيرة رأس يشبعها، فأقبل طريف في بني عمرو بن تميم واستغزى قبائل من بني تميم فأقبلوا متساندين وتقاتلوا وتشاغلت تميم بالغنائم، وأقبل حَمصِيصَة بن جندل وليس له هَمٌّ غير طريف، فلما رآه طعنه فقلته فانهزمت بنو تميم، وقال حمصيصة يرد على طريف: (من الكامل) وَلَقَدْ دَعَوْتَ، طَرِيفُ، دَعْوَةَ جَاهِلٍ سَفَهَاً وَأنْتِ بِمَنْظَرٍ قَدْ تَعْلَمُ فَأَتَيْتَ حَيّاً فِي الْحُرُوبِ مَحِلُّهُمْ وَالْجَيْش باسْمِ أَبِيهِمُ يُسْتَهْزَمُ فَوَجَدْتَ قَوْماً يَمْنَعُونَ ذِمَارَهُمْ بُسُلاَ إذَا هَابَ الْفَوَارِسُ أُقْدَمُوا
وَإذَا دَعَوْتُ بَنِي رَبِيعَةَ أقْبَلُوا بِكَتَائِبٍ دُونَ النِّسَاءِ تَلَمْلَمُ سَلَبُوكَ درعا والاغر كليهما وبنو أُسَيْدٍ أسْلَمُوكَ وَخَضَّمُ وطريف بن تميم شاعر فارس جاهلي، وقيل: هو ابن عمرو، والعنبر: قبيلة من بني تميم.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 176 - وَكَحَّلَ الْعَيْنَيْنِ بِالْعَوَاوِرِ عَلَى أن أصله العواوير فحذفت الياء ضرورة وبقيت كسرتها دليلاً عليها.
قال الأعلم: " الشاهد فيه تصحيح واو العواور الثانية، لأنه ينوي الياء المحذوفة والواو إذا وقعت في هذا الموضع لم تهمز لبعدها من الطريف الذي هو أحق بالتغيير والاعتلال، ولو لم تكن فيه ياء منوية للزم همزها، كما قالوا في جمع أوَّل: أوائل، والأصل أواول، والعواوير، جمع عُوَّار، وهو وجع العين، وهو أيضاً ما يسقط في العين، وجَعَلَ ذلك كُحْلاً للعين على الاستعارة " انتهى.
والبيت من رجز لجندل بن المثنى الطُّهَوِيّ وقبله: غَرَّكِ أنْ تَقَارَبَتْ أبَاعِرِي وَأنْ رَأَيْتِ الدَّهْرَ ذَا الدوائر
حنى عِظَامِي وَأُرَاهُ ثَاغِرِي وَكَحَّلَ الْعَيْنَيْنِ بِالْعَوَاوِرِ قال ابن السيرافي: " خاطب امرأته وأراد أنه ترك السفر لكبره، وقوله: تقاربت أبا عرى، يريد أنه ترك السفر والرحلة إلى الملوك فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضاً " ورد عليه أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب بأنه غلط، وإنما معناه قلّت: يعني من قلتها قَرُبَ بعضها من بعض، وقال العيني: " معناه قربت من
الدناءة، من قولك: شئ مُقَارِبٌ، إذا كان دوناً، وكذلك رجل مقارب " انتهى.
وقوله " غركِ " بكسر الكاف، وهو من قولهم: ما غرك بفلان غرّاً، من باب قتل: أي اجترأت عليه؟ فيكون التقدير هنا غرك بي، و " أن تقاربت " و " أن رأيت " فاعله، ويمكن أن يكون من قولهم غَرَّته الدنيا، من باب قَعَد: أي خدعته بزينتها.
فهي غَرُور، مثل رَسول، ولا يجوز أن يكون من قولهم: غر الشخصُ يغِر من باب ضرب غَرارة - بالفتح - فهو غار، وغِر - بالكسر -: أي جاهل بالأمور غافل عنها، لأنه فعل لازم، و " أباعر " جمع بعير، قال الأزهري: " البعير مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حَلَبْتُ بعيري، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبكر والبَكْرَة، مثل الفتى والفتاة، والقَلُوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السِّكَّيت، وهذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة " وكذا قال ابن جني والدوائر: جمع دائرة وهي المصيبة والنائبة، و " ذا " صفة الدهر، والرؤية بصرية، وجملة " حتى عظامي " حال من الدهر، وحنيت الشئ: عطفته وأملته، و " عظامي " مفعول حنى، وقوله " وأراه ثاغري " أرى بالبناء للمفعول من أراني الله زيداً فاضلاً، يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فلما بني للمفعول ناب
المفعول الأول - وهو هنا ضمير المتكلم - مناب الفاعل، والهاء من أراه ضمير الدهر هو المفعول الثاني، و " ثاغري " المفعول الثالث، هذا هو الأصل، ولكن غلب على استعمال المبني للمفعول بمعنى الظن، وثاغري - بالثاء المثلثة والغين المعجمة - مضاف إلى الياء، قال الجوهري: ثغَرْتُه: أي كسرت ثغره، وفي المصباح: الثَّغْر: الْمَبْسَم، ثم أطلق على الثنايا، وإذا كسر ثغر الصبي قيل: ثُغِرَ ثغوراً، بالبناء للمفعول، وثَغَرْتُه أثْغَرُهُ - من باب نفع - كسرته، وإذا نبتت
بعد السقوط قيل: أثْغَر إثغاراً مثل أكرم إكراماً، وإذا ألقى أسنانه قيل: اثَّغَرَ - على افتعل - قاله ابن فارس، وبعضهم يقول إذا نبتت أسنانه: قيل اثَّغَر - بالتشديد - وقال أبو زيد: ثُغِر الصبي بالبناء للمفعول يُثْغَرُ ثَغْراً، وهو مثغور، إذا سقط ثغره، وكَحَلْتُ عينه كَحْلاً - من باب قتل -: أي جعلت فيها الكحل، وأما كَحِلتْ عينُه كَحَلاً - من باب تَعِب - فهو سواد يعلو جفونها خِلقة، والرجل أكْحَل والمرأة كَحْلاء، وجملة " كحَّل " معطوفة على جملة " حَنَى عظامي " ورواه أبو محمد الأعرابي: " وكَاحِلَ " فيكون معطوفاً على ثاغري، والأول أولى، لأنه يصف عجزه وضعف بصره، والعُوَّار - بضم العين المهملة وتشديد الواو - قال الجوهري: هو القَذى في العين، وفان ابن جني: هو الرمد، وقيل: الرمد الشديد، وقيل: هو وخز يجده الإنسان في عينه، يريد أن الدهر جعل في عينيه القذى والرمد بدل الكحل وجَنْدَل الطُّهَوِي: قال أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالي: هو شاعر راجز إسلامي مُهاجٍ للراعي، وجندلٌ من بني تميم، وطُهَيَّة هي بنت عبد شمس بن سعد بن زيد بن تميم غلب نسبة أولادها إليها.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد
سيبويه -: (من الرجز) 177 - فِيهَا عَيَأئِيلُ أسُودٍ وَنُمُرْ على أن أصله عيائل بهمزة مكسورة، والياء حصلت من إشباع كسرتها لضرورة الشعر كياء الصياريف 1، فَلَمْ يُعْتَدّ بها فصارت الياء بعد الالف
في الحكم مجاورة للطرف فهمزت لذلك، كذا في المفصل وشروحه وقال السخاوي في سفر السعادة: " والياء الثانية في عيائيل مثل ياء الصياريف للإشباع، لأنه جمع عَيِّل، وإنما يجمع عَيِّل على عيائل، فلهذا يهمز ولا يعتد بياء الإشباع، وتكون الياء فيه كأنها قد وَلِيت الطرف، ومن جعل عياييل جمع عَيَّالٍ من عال يَعِيل، إذا تمايل في مشيه، كما قال في وصف الأسد: (من البسيط) كَالْمَرْزُبَانِيِّ عَيَّالٍ بِآصَالِ فالياء على هذا التقدير بعيدة من الطرف، لأن الياء الثانية ليست للإشباع فلا تهمز.
فإن قيل: فكيف جمع عَيَّالاً على عياييل؟ قيل: لأن فعّالاً مُؤَاخٍ لفَعُّول وفِعِّيل، وهما يجمعان على فعاعيل، والمؤاخاة من أجل وقوع حرف اللين في الثلاثة بين العين واللام " انتهى.
وبهذا فسره ابن السيرافي في شرح أبيات سيبويه، قال: " العيال المتبختر وجمعه عياييل " وكذا في شرحها للأعلم، قال: " العياييل جمع عَيّال، وهو الذي يتمايل في مشيه لعباً أو تبختراً، يقال: عال في مشيه يعيل، إذا تبختر ".
وتبعهما
ابن بري في حواشي الصحاح.
وحمل الصاغاني في العباب ما في البيت على الأول قال: " وعِيال الرجل: من يعوله، وواحد العيال عَيِّل، والجمع عيائل، مثل جيد وجياد وجيائد، وقد جاء عيائيل كما في البيت " وقال ابن السيرافي: " كأنه قال فيها متبخترات أسود، ولم يجعلها جمع عَيِّل، لكن جعلها جمع عيال - بالفتح والتشديد - " انتهى.
وخبط الأندلسيُّ في شرح المفصل خبط عشواء قال: " روى أبو عثمان قال:
سمعت الأصمعي يقول في جمع عَيِّل - بكسر العين - وهو المتبختر: عيائيل، وهو من عال يعيل، إذا افتقر " انتهى وكتب عليه: " عَيْلٌ: بكسر العين الملفوظ بها عيناً المكتوبة صورتها خطاً، ولعله أراد بها عين اللفظ التي هي ياء " هذا كلامه.
وقد نسب إليه شيئاً ولم يقله، وإنما قال أبو عثمان المازني في تصريفه ما نصه: " وكذلك إذا جمعت سيِّداً وعَيِّلاً (على هذا المثال 1) قلت: عيائل وسيائد، شبهوا هذا بأوائل، وسألت الأصمعي عن عيِّل كيف تُكَسِّره العرب؟ فقال: عيائل، يهمزون كما يهمزون في الواوين " انتهى كلامه.
وأنت ترى انه لم يقيد عَيِّلاً بكسر أوله، ولم يقل: إنه بمعنى المتبختر، وكذا أورده ابن جني في شرحه عَيِّل وعيائل، والكسر في عَيِّل إنما هو في الياء المشددة، والذى هو بمعنى المتبختر إنما هو العيَّال، وكذا لم يصب صدر الأفاضل على ما نقل عنه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل في قوله: عيائيل، تكسير، والمراد به المتبختر، وقول الأندلسي: إنه من عال يعيل إذا افتقر لا يصح، لأن المتبختر بعيد من المفتقر، وكان الواجب أن يقول: من عال يَعِيل إذا
تبختر، أو من عال الفرس يَعِيل إذا تكفَّأ في مشيه وتمايل، فهو فرس عَيَّال، وذلك لكرمه، وكذلك الرجل إذا تبختر في مشيه وتمايل، وقد زاد في الطُّنْبُور نَغْمَةً أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب: " صحف ابن السيرافي في قوله: عيائيل إنه بالعين غير المعجمة، فكذب، والصواب غياييل - بالغين المعجمة - جَمْعُ غِيْل على غير قياس " انتهى.
وهذه مجازفة منه، فإن الأئمة الثقاتِ نقلوا كما قال ابن السيرافي، وهو تابع
لهم فيه، ولم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا في مفرده هل هو عَيِّل أم عَيَّال؟ وحمله على أنه جمع غِيل - بكسر المعجمة - وهي الأجمة لم يرد، ولم يقل به أحد هذا، وقد أورد سيبويه في باب جمع التكسير فيما كان على ثلاثة أحرف وتحركت جميع حروفه، أنشده وقال: " فعل به ما فعل بالأسد حين قالوا: أُسْد " قال الأعلم: " الشاهد فيه جمع نَمِر على نمر كما جمع أَسَدٌ على أُسْدٍ، لأنهما متساويان في عدد الحروف وتحرك جميعها، وحَرَّكَ الميم بالضم إتباعاً للنون في الوقف " انتهى.
وحمله الجوهري على أنه مخفف من نمور، وصحف عيائيل بتماثيل، قال: " النَّمر سبع، والجمع نمور، وقد جاء في الشعر نُمَر وهو شاذ، ولعله مقصور منه، قال: فِيهَا تَمَاثِيلُ أسُودٍ وَنُمُرْ " وقد نبّه على تصحيفه ابن بري في أماليه، والمشهور أن أُسوداً وما بعده بالرفع، قال الأعلم: والاسود بدل من عيائيل وتبين لها، قال ابن السيرافي:
والذي في شعره أسودٍ مجرورةً بإضافة عيائيل إليه، وقال صدر الأفاضل: " أسودٌ بالرفع عطف بيان لعيائيل، ويروى بالجر بإضافة عيائيل إليه إضافة بيان، وقال العيني: هو من إضافة الصفة إلى موصوفها على قول ابن السيرافي وأقول: هذا جميعه على تقدير عياييل جمع عَيَّال بمعنى المتبختر، ويلزم منه أن يكون عياييل بياءين دون همز، كما تقدم عن سفر السعادة، وأما على قول من جعله جمع عَيِّل واحد العِيَال فالمراد به أولاد الأسُود والنمور إن روي بجر ما بعد عيائيل.
وإن روي بالرفع فالمراد بعيائيل نفس الأسُود والنمور، وفيه ركاكة لا تخفى، والجر هي الرواية الجيدة، والأجمة إذا كان فيها أولادها تكون أحمى من غيرها، وضمير " فيها عيائيل " راجع إلى " أشِب الغيطان " في بيت
قبله، وروي أيضاً " فيه عيائيل " بتذكير الضمير على أنه راجع إلى أشِب والبيت من رجز لحكيم بن معية من بني تميم، وهو: أحْمِي قَنَاةً صُلْبَةً مَا تَنْكَسِرْ صَمَّاءَ تَمَّتْ في نِيَافٍ مُشْمَخِرْ حُفَّتْ بِأَطْوَادٍ عِظَامٍ وَسَمُرْ في أشِبِ الغيطان مُلْتَفّ الْحَظِرْ فِيهَا عَيَائِيلُ أسُودٌ وَنُمُرْ خَطَّارَةٌ تُدْمِي خَيَاشِيمَ النَّعِرْ إذَا الثِّقَافُ عَضَّهَا لَمْ تَنْأطِرْ وكأن هذه الأبيات لم تبلغ الأعلم، زعم أن ضمير " فيها " لفلاة، قال: " وصف فلاة كثرت السباع فيها " هذا كلامه، وقال ابن السيرافي: وصف قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، وقد أطال لسانه عليه أبو محمد الأعرابي، فقال: قوله " وصف قناة " يُهَوَّس الإنسان فيتوهم أنه أراد بالقناة رُمْحاً طعن به، وإنما المراد بالقناة هنا العزة القساء والشرف العَرْد وأقول: هذا بعيد من معنى الشعر، غير دال عليه، وجميع ألفاظه أولى بالدلالة على ما ذكره ابن السيرافي وغيره من العلماء و " أحْمِي " من حَمَيْت المكان من الناس حَمْياً من باب رمي، وحِمْيَة - بالكسر - إذا منعته عنهم، والحماية: اسم منه، وأما على قول أبي محمد فهو من حَمَيْت القوم حماية، إذا نصرتهم، والقناة: الرمح، والصلبة - بالضم -: وصف من صلب الشئ - بالضم - صلابة إذا اشتد وقوي، فهو صُلْب وهي صُلْبة، والصَّماء: التي جوفها غير فارغ، وتمت: كملت واستوت في منبته، وقوله " في نياف " أي: في جبل نياف، والنياف - بكسر النون -: العالي المرتفع، قال صاحب العباب: وجمل نِيَاف وناقة نياف: أي طويل وطويلة في ارتفاع، والأصل نِوَاف، وكذلك جبل نياف، ومشمخر: اسم فاعل من اشْمَخَرَّ اشْمِخْرَاراً: أي ارتفع وعلا،
وقوله " حُفَّت - إلخ " قال ابن السيرافي: " يريد حُفَّ موضع هذه القناة التي نبتت فيه بأطواد الجبال، الواحد طَوْدٌ، والسَّمُر - بفتح فضم -: جمع سَمُرة، وهي شجرة عظيمة، والأشِب - بفتح الهمزة وكسر الشين -: الموضع الملتف الذي يتداخل حتى لا يمكن أن يُدْخل فيه إلا بشدة، والغيطان: جمع غائط، وهو المنخفض من الأرض، والْحَظِر - بفتح المهملة وكسر المعجمة -: الموضع الذي حوله الشجر مثل الحظيرة، وقوله " فيه " أي: في هذا الموضع أسود تقيل تذهب وتجئ فيه وتتبختر " انتهى كلام ابن السيرافي وقال العيني: الْحُظُر - بضمتين -: جمع حَظِيرَة، وقوله " خَطَّارَة " أي: تلك الأسُود والنمر خَطَّارة من خَطَر يخطُر - من باب نصر - خَطَرَاناً، إذا اهتز في المشي وتبختر، وتدمى: مضارع أدماه، أي: أخرج دَمَه بالجرح، والنَّعِر - بفتح النون وكسر العين المهملة -: المتكبر، والثَّقاف - بكسر المثلثة -: ما تُسَوَّى به الرماح، وثَقَّفْتُ الرماح تثقيفاً، إذا سويتها، وتنأطر: مطاوع أطَرْتُه: أي حنيته وثنيته وحُكَيْم بن مُعَيَّة راجز إسلامي معاصر للعجاج وحُمَيدٍ الأرقط، ومُعَيَّة: مصغر معاوية وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة -: (من الطويل) 178 - فَمَا أرَّقَ النُّيَّامَ إلاَّ سَلاَمُهَا على أن النُّيَّام أشذُّ من صُيَّم، لأن ألف فُعَّال لما حجزت بين العين واللام قَوِيت العين، فلم يجز قلبها، وصُوَّم لما كان مع قرب واوه من الطرف الْوَجْهُ فيه التصحيح كان التصحيح إذا تباعدت الواو من الطرف لا يجوز غيره قال ابن جني في شرح تصريف المازني: " وقد جاء حرف شاذ، وهو قولهم:
فلان في صُيَّابة قومه، يريدون صُوَّابة: أي في صميمهم وخالصهم، وهو من صَابَ يَصُوب، إذا نزل، كأن عِرْقه فيهم قد ساخ وتمكن، وقياسه التصحيح، ولكن هذا مِمَّا هُرب فيه من الواو إلى الياء لثقل الواو، وليس ذلك بعلة، وأنشد ابن الأعرابي: ألاَ طَرَقَتْنَا مَيَّةُ ابْنَةُ مُنْذِرٍ فَمَا أرَّق النُّيَّامَ إلاَّ سَلاَمُهَا وقال: أنشدنيه أبو الغمر هكذا بالياء، وهو شاذ " انتهى وقوله " أنشدنيه أبو الغَمْر " هو أبو الغَمْر الكلابي، وفي مثله يحتمل أن يكون أنشده لنفسه وأن يكون أنشده لغيره، وجزم العينى بأنه لو، وهو خلاف الصواب، فإن البيت من قصيدة لذي الرمة، والرواية في ديوانه كذا: ألاَ خَيَّلَتْ مَيُّ وَقَدْ نَامَ صُحْبَتِي فمَا أرَّقَ النُّيَّامَ إلاَّ سَلاَمُهَا وروي أيضاً: فَمَا نَفَّرَ التَّهْوِيمَ إلا سلامها وهذا لا شاهد فيه، وبعده: طُرُوقاً وَجِلْبُ الرَّحْلِ مَشْدُودَةٌ بِهِ سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمَامُهَا أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلٍ بِهَا الأصْوَاتُ إلاَّ بُغَامُهَا وقوله " ألا خيلت ميّ " أي بَعَثَت خيالها، ومية: معشوقة ذي الرمة، وأرَّقهُ تأريقاً: أسهره، والنُّيَّام: جمع نائم، ونَفَّرَه تنفيراً: شَرَّدَهُ تشريداً، والتهويم: هَزُّ الرأس من النعاس، والسلام: التحية، والطروق، المجئ في الليل، وجِلْبُ الرحل - بكسر الجيم وسكون اللام -: خشبة، وأراد بسفينة البر الناقة، وقوله " أنيخت فألقت إلخ " هذا البيت شرحناه في باب الاستثناء من أبيات شرح الكافية قال بعض فضلاء العجم: " قوله: ألا طرقتنا - إلخ، يجوز أن يريد بطروقها
طروق خيالها، فإنهم يقيمون الخيال مقام صاحبته، واستيقاظُهُمْ بسلام الخيال لاستعظامهم إياه، والحمل على ظاهره من إتيانها نفسها ظاهر " انتهى كلامه وقد ظهر لك من الرواية الأخرى أن الطارق خيالها، لا هي، وروى العيني " كلامها " بدل سلامها، وهذا بعيد ساقط.
وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد التاسع والسبعون بعد المائة -: (من الطويل) 179 - وَكُنْتُ إذَا جَاري دَعَا لِمَضُوفَةٍ أشمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي على أن مَضُوفَة شاذ قال المازني في التصريف الملوكي 1: أصلها مَضْيُفَة، فنقلت الضمة إلى الضاد فانقلبت الياء واواً لسكونها وانضمام ما قبلها، وهو حرف شاذ، لا يعلم له نظير،
فينبغي أن لا يقاس عليه وقال الزمخشري في المفصل: وَالْمَضُوفة كالْقَوَد والْقُصْوَى عند سيبويه، وعند الأخفش قياس قال ابن يعيش: " في مضوفة تَقْوية لمذهب أبي الحسن الأخفش، لأنه جاء على قياسه، وعند سيبويه شاذ في القياس والاستعمال، كالشذوذ في القَوَد والْقُصْوى، والقياس مَضِيفَة، والْقَادُ كباب، والْقُصْيا كالدنيا، ومَضُوفة هنا من ضِفْتُ إذا نزلت عنده ضيفاً، والمراد بالْمَضُوفة ما ينزل من حوادث الدهر
ونوائب الزمان: أي إذا جاري دعاني لهذا الأمر شَمَّرْت عن ساقي وقمت في نصرته " انتهى.
وقال الزمخشري في مناهيه على المفصل: هي من ضَافَ يَضيف، إذا مال والتجأ، وأضافه ألجاه، وفلان يحمي الْمُضَاف: أي الْمُلْجأ والْمُحْرَج، وقال الأصمعي: أضَفْتُ من الأمر: أي أشفقت وَحذِرْت، ومنه المضوفة، وهو الأمر يشفق منه، كقوله: وكنت إذا جاري... البين وفلان يُضِيف من كذا أي يشفق، والإضافة: الشفقة قال أبو سعيد: والبيت يروى عن ثلاثة أوجه: الْمَضُوفة، وَالْمَضِيفة، والْمُضَافَة، وكل من تكلم على هذه الكلمة جعلها يائية، إلا الصاغاني، فإنه نظر إلى ظاهر فجعلها واوية، قال في مادة (ض وف): المضوفة الهم، ويقال بي إليك مضوفة: أي حاجة، وأنشد البيت، ولم يذكر هذه المادة غيرها، فإن ثبت
أنها واوية فهي على القياس كَمَقُولَة، من القول والبيت من أبيات لأبي جندَب بن مُرَّة الهذلي الجاهلي أخي أبي خِراش الهذلي الصحابي، وهي: ألاَ أبْلِغَا سَعْدُ بْنَ لَيْثٍ وَجُنْدَبا وَكَلْباً أُثِيبُوا الْمَنَّ غَيْر المُكَدَّرِ وَنَهْنَهْتُ أُولَى الْقَوْمِ عَنْكُمْ بِضَرْبَةٍ تَنَفَّسَ منها كل حشيان مجحر وَكُنْتُ إذَا جَارٌ دَعَا لِمَضُوفَةٍ أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي فَلا تَحْسَبَنْ جَارِي لَدَى ظِلِّ مَرْخَةٍ وَلاَ تَحْسَبَنْهُ فقعْ قَاعٍ بِقْرْقَرِ وَلَكِنَّنِي جَمْرُ الْغَضَا مِنْ وَرَائِهِ يُخَفِّرُنِي سَيْفِي إذَا لَمْ أخَفّرِ أبَى النَّاسُ إلاَّ الشَّرَّ منى فذرهم وإياى ما جاءوا إليَّ بِمُنْكَرِ
قوله " أُثيبوا " من الإثابة، وهي إعطاء الثواب، يقال: أثابه، أي جازاه وكافأه، والمن: الإنعام، ونَهْنَهْتُ: كففت، وأُولي الناس: أي الجماعة المتقدمة، والْحَشْيَان - بفتح المهملة -: الذي قد حُشِيَ جوفه من خوف العدو، والمحجر: المنهزم، وهو اسم مفعول من أجحرته - بتقديم الجيم على الحاء المهملة - أي: ألجأته إلى أن دخل جحره: أي تنفس من ضربتي الذي كان لا يقدر أن يتنفس وقوله " وكنت إذا جارٌ " كذا في شعره بالتنكير، وهو أفخر، ونصف الشئ ينصفُه - من باب نصر - إذا بلغ نِصْفَه، والساقَ: مفعول مقدم، ومئزري: فاعل مؤخر، يقول: إذا دعاني جار للأمر الشاق الذي نزل به شَمَّرت حتى يصل مئزري إلى نصف ساقي، جعله مثلاً لاجتهاده في كف ما دعاه جاره إليه، قوله " فلا تَحْسَبَنْ " بنون التوكيد الخفيفة، والْمَرْخة - بالخاء المعجمة -: شجرة صغيرة لا تمنع من لاذ بها، والْفَقْع - بفتح الفاء وسكون القاف -: ضَرْب ردئ من الكماة، أي لا يمتنع على من أراده، والقَرْقَر: الصلب، أي: لا تحسبه كالكمأة التي توطأ وتؤخذ ليس عليها ستر فلا شئ أذل منها، وفي شرح إصلاح المنطق: " يقولون: هَذَا فَقْعُ قَرْقَرة، الفَقْعُ - بفتح الفاء وكسرها -: الكَمْأة الابيض، روا أبو زيد والأحمر، والقَرْقَرَة: الأرض الملساء المستوية، وقيل: القاع من الأرض ويقال للذليل: فقع قرقرة، أي أنه بمنزلة الكمء النابت في السهل، فكلما وطئته الْقَدَم شَدَخَتْه، وإذا نبت في دكادك الرمل لم تكد القدم تأخذه " انتهى وقوله " إلا الشر مني " ويروى " منهم " وما: مصدرية ظرفية وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد الثمانون بعد المائة -: (من الطويل) 180 - تَبَيَّنَ لي أنَ الْقَمَاءَةَ ذِلَّةٌ وَأنَّ أعِزَّاءَ الرِّجَالِ طِيالُهَا على أن " طيالها " شاذ قياساً واستعمالاً، والقياس طِوَالَها، وهو الكثير
المستعمل، وقوله " لصحتها في المفرد " ليس كذلك، بل لتحركها فيه، ولو كانت ساكنة لأُعِلَّت، ولو كانت صحة العين في المفرد سبباً لصحتها في الجمع لما أعل نحو حِيَاض وثياب وسياط.
والقماءة - بفتح القاف والمد -: مصدر قَمُؤ الرجل - بضم الميم مهموز اللام - أي: صار قميئاً، على وزن فعيل، وهو الصغير الذليل، ويقال: قَمَاء أيضاً، بدون الهاء على وزن فَعَال وفَعَالة، كذا في الصحاح في نسخة صحيحة، ولم يورد ابن ولاَّد في المقصور والممدود إلا فَعَالَة، قال: " والقماءة: الذل والمهانة، يقال: قَمُؤ فهو قمئ بين القماءة " انتهى.
وذكر أبو بكر بن الأنباري في كتاب المقصور والممدود همزة على فَعَل - بفتحتين -، وأورده مع سبأٍ ونبأٍ، ومده على فعالة، قال: والْقَمَأ من القماءة، قال الشاعر: تَبَيَّنَ لِي أنَّ الْقَمَاءَةَ ذِلَّةٌ... البيت ونقله عنه القالي في كتاب المقصور والممدود، قال: باب ما جاء من المقصور
المهموز على مثال فَعَل من الأسماء والصفات، وعدّد أمثلة إلى أن قال: والْقَمَأ من القماءة، وهو الصغير، كذا قال أبو بكر بن الانباري على فعل، قال الشاعر: تَبَيَّنَ لِي أنَّ الْقَمَاءَةَ ذِلَّةٌ... البيت وقال أبو زيد: " قَمُؤَ الرجل قماءة، إذا صغر، وقمأت الماشية قموا وقمئا وقموءة وقمؤت قَمَاءة، إذا سمنت " انتهى.
فمصدر قمؤ الرجل على كلام أبي زيد فَعَالة، ومصدر قَمَأَت الماشية - بفتح الميم - فعول وفعولة - بضم وفعل - بفتح الفاء وسكون العين - ومصدر قمؤت - بضم الميم - فعالة.
والعجب من العين أنه قال بعد أن نقل كلام القالي: " الحاصل أن مصدر قَمُؤَ على قَمَأٍ، على وزن فَعَلٍ - بالتحريك - وقَمَأةٍ - بالتاء - وإنما مُدَّ في الشعر
المذكور للضرورة " هذا كلامه.
وهو ناشئ من قراءته قَمَاءة على وزن فعالة بسكون الميم والهمز على وزن فَعْلَة، ولم يقل به أحد.
قال ابن المستوفي في شرح أبيات المفصل: البيت من قصيدة لأُنَيْفِ بن زَبَّانَ النهابى من طيّ، وهو إسلامي، ومطلعها: تَذَكَّرْتَ حُبِّي وَاعْتَرَاكَ خَيَالُهَا وَهَيْهَاتَ حُبِّي لَيْسَ يُرْجَى وِصَالُهَا وقد أورد أبو تمام منها بيتين 1 في أوائل الحماسة، وهما: فَلَمَّا أتَيْنَا السَّفْحَ مِنْ بَطْنِ حَائِلٍ بحيث تلاقى صلحها وسيالها دعوا لنزار وانتمينا لطئ كأسْدِ الشِّرَى إقْدَامُهَا وَنِزَالُهَا وأُنيف - بضم الهمزة وفتح النون -: مصغر أنف، وزَبَّان بالزاي المعجمة
وتشديد الموحدة، ونَبْهَان بفتح النون وسكون الموحدة.
وأنشد الشارح المحقق من (الكامل): عَنْ مُبْرِقَاتٍ بِالْبُرِينَ وَتَبْدُو بالأَكُفِّ اللاَّمِعَاتٍ سُوُرْ وتقدم شرحه في الشاهد الثالث والستين من هذا الكتاب.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادي والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 181 - قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسُبُونَكَ سَيِّداً وَإخَالُ أنك سيد مغيون
على أن قوله " مَغْيُون " جاء على لغة تميم، ولغة غيرهم مغين والبيت من أبيات للعباس بن مرداس السُّلّمي، روى صاحب الاغانى بسنده عن أبي عبيدة وأبي عمرو الشيباني: " أن حَرْب بن أمية لما انصرف من حرب عُكَاظٍ هو وإخوته مرّ بالقُرَيَّة، وهي غَيْضَة شجر ملتفّ لا يُرام، فقال له مرداس بن أبي عامر: أما ترى هذا الْغَرْسَ؟ قال: بلى، فماله؟ قال: نعم المُزْدَرَع هو، فهل لك أن تكون شريكين فيه، ونحرق هذه الغَيْضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟ فقال: نعم، فأضْرَمَا النار في الغيضة، فلما استطارت وعلا لهيبها سمع من الغيضة أنين وصجيج كثير، ثم ظهرت من حيات بيض تطير حيت قطعتها وخرجت منها، وقال مرداس بن أبي عامر: (من البسيط) إنِّي انْتَخَبْتُ لَهَا حَرْباً وإخْوَتَهُ إنِّي بِحَبْلٍ وَثِيقِ الْعَهْدِ دَسَّاسُ أنِّي أُقَوِّمُ قَبْلَ الأَمْرِ حَجَّتَهُ كَيْمَا يُقَالُ: وَلِيّ الأَمْرِ مِرْدَاسُ قال: فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة: (من الرجز) وَيْلٌ لِحَرْبٍ فَارِسَا مُطَاعِناً مُخَالِسَا وَيْلٌ لِعَمْرٍو فَارِسَا إذْ لَبِسُوا الْقَوَانِسَا لَنَقْتُلَنْ بِقَتْلِهِ جَحَاجِحاَ عَنَابِسَا ولم يلبث حرب بن أمية ومرداس بن أبي عامر أن ماتا، فأما مرداس فدفن بالقُرَيَّة، ويقال: إن الجن قتلتهما لإحراقهما شجر القُرَيَّة وازدراعهما إياها، وهذا شئ قد ذكرته العرب في أشعارهم وتواترت الروايات بذكره فذكرته، ثم إن القُرَيَّة ادَّعَاها بعد ذلك كليب بن عُيَيْمَة السلمي ثم الظَّفَرِي، فقال في ذلك عَبَّاس بن مرداس: أكُلَيْبُ مَالَكَ كُلَّ يَوْمٍ ظَالِماً وَالظُّلْمُ أنْكَدُ غِبُّهُ مَلْعُونُ
قد كان قومك يحسبونك سيدا وَإخَالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَغْيُونُ أتُرِيدُ قَوْمَك مَا أرَادَ بِوَائِلٍ يَوْمَ الْقَلِيبِ سَمِيُّكَ الْمَطْعُونُ وَأظُنُّ أنَّكَ سَوْفَ يُنْفِذُ مِثْلُهَا فِي صَفْحَتَيْكَ سِنَانِيَ الْمَسْنُونُ إنَّ الْقُرَيَّةَ قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُهَا إنْ كَانَ يَنْفَعُ عِنْدَكَ التَّبْيِينُ حِينَ انْطَلَقْتَ بِحَظِّهَا لي ظَالِماً وأبُو يَزِيدَ بِجَوِّهَا مدفون وأبو يزيد: هو مِرْدَاس بن أبي عامر " انتهى.
قال ابن الشجري في أماليه: عُيَيْمَة منقول من محقر الْعَيْمة، وهي شهوة اللبن، أو محقر العِيَمة - بكسر العين - وهي خيار المال، ومنه قولهم: اعتام الرجل: أي أخذ العيمة، وقوله " أكليب " الهمزة للنداء، وقوله " مالك " ما: استفهامية مبتدأ، ولك: الخبر، وكل: ظرف، والنَّكَد: الْعُسْر، وخروج الشئ إلى طالبه بشدة، وغِبُّه: عاقبته، واللعن: الطرد والإبعاد، وأخال - بفتح الهمزة - وهو الأصل، وإخال بالكسر فيه لغة الذين كسروا حرف المضارعة مما جاء على مثال تِفْعل نحو تِعْجَب وتِعْلَم وتِرْكَب، لتدل كسرته على كسرة العين
من عَجِب وعَلِمَ ورَكِب ونحو ذلك، يقولون: أنا إعْجَب وأنت تِعْلَم ونحن نِرْكب، واستثقلوا الكسرة على الياء فألزموها الفتح، ومغيون - بالغين المعجمة -: اسم مفعول من قولهم: غين على قلبه، أي: غُطِّي عليه، وفي الحديث " إنَّهُ لَيَغَانُ عَلَى قَلبِي " ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روي بالعين غير المعجمة: أي مصاب بالعين، والأول هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح وإن كان الاعتلال فيه أكثر، كقولهم: طعام مَزْيُوت، وبُرٌّ مَكْيُول، وثوب مخيوط والقياس مغين ومزين ومَكِيل ومَخِيط، حَمْلاً على غِينَ وزِيتَ وكِيلَ وخِيطَ.
قال أبو علي: " ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر،
ألا تراهم قد قالوا: الْغُؤور، فهو مثل مفعول من الواو لو صح " انتهى.
وقد صححوا أحرفاً من ذوات الواو، قالوا: مسك مَدْوُوف، وثوب مَصْوُون، وفرس مَقْوُود، والغؤور: مصدر غارت عينه تغور غؤوراً، وإنما صح اسم المفعول من هذا التركيب فخالف بذلك اسم الفاعل، لأن اسم المفعول غير جار على فعله في حركاته وسكونه كما تجري أسماء الفاعلين على أفعالها، فلما خالف اسم المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه في إعلاله.
وقوله " أتريد قومك - إلخ " الهمزة للاستفهام، وأراد بقومك، بدليل ما بعده، ولما حذف الباء ظهر النصب، وفاعل " أراد " سَمِيُّك، ويوم القَلِيب ويروى يوم الغدير، وهو اليوم الذي قتل فيه كُلَيب وائل، والقَلِيب: البئر وأراد بوائل بكرا وتغلب ابني وائل بن قاسط بن هِنْب بن أفْصى بن دعمى ابن جَدِيلة بن اسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وأارد بِسَميَّة المطعون كُلَيْب بن ربيعة بن مُرَّة بن الحارث بن زهير بن خُثَيْم بن حُبَيْب بن تغلب ابن وائل، طعنه جَسَّاس بن مُرَّة بن ذهل بن شيبان بن ثَعْلَبَة، فقتله، وكانت
العرب تضرب المثل بكُلَيْب في العز، فيقولون: أعَزُّ من كُلَيْب وَائل، وكان سيد ربيعة بن نزار في دَهْرِهِ، هو الذي كان يُنْزِلهم في منازلهم، لم يكونوا يظعنون من منزل ولا ينزلون إلا بأمره، فبلغ من عزه وبَغْيه أنه اتخذَ جِرْو كلب، وكان إذا نزل منزلا ملكئا قَذَف بذلك الجِرْوِ فيه فَيَعْوِي، فلا يَقْرب أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، أو أن يُؤْذِن بحرب، وكذلك كان يفعل في الماء، وفي أرض الصيد، وكان إذا ورد الماء قذف بالجرو، وعند الحوض فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله، وكان يحمي الصيد: فيقول: صيد أرض كذا في جواري، فلا يُهَاج ذلك الصيد، وكان لا يَخُوض معه احد في حديث ولا يَمُرُّ أحد بين يديه وهو جالس، ولا يحتبى في مجلسه غيره، فصار في العز والبَغْي مثلاً.
وكان سَبَب قتله أن البسوس - وهي امرأة من غَنِيّ، وضربت العرب بها المثل في الشؤم، فقالوا: أشْأَمُ مِنَ الْبَسُوسِ - كانت في جوار جَسَّاس بن مُرَّة، فمرت إبلٌ لكليب تريد الماء، فاختلطت بها ناقة للبسوس، فوردت معها الماء، فرآها كليب، فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة؟ فقال الرِّعَاء: للبسوس جَارَة جَسَّاس، فرماها بسهم، فانتظم ضَرْعَها، فأقبلت الناقة تعجّ وضَرْعُهَا يسيل دماً ولبناً، فلما رأتها البسوس قذفت خِمَارها، ثم صاحت: واذُلاَّهُ! وجَارَاهُ! فأغضبت جسَّاساً، فركب فرسه، وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذُهْل بن شيبان على فرسه، ومعه رمح، فركضا نحو الْحِمَى والخباء، فَلَقِيَا رجلاً فسألاه: من رمى الناقة؟ فقال: من حلا كما عن بَرْد الماء وسامكما الخسف، فأقررتما به، فزادهما ذلك حَمِيَّةً وغَضَباً يقال: حلأه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلاناً الخسف: إذا
أولاه الدَّنِيَّة.
فأقبلا حتى وقفا على كليب، فقال له جساس: يا أبا الماجد، أما علمت أنها (ناقة) جارتي؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك! فَمَهْ؟ أتراك ما نعى أن أذُبَّ عن حِمَاي؟ فأغضبه ذلك، فحمل عليه، فطعنه وطعنه عمرو، فقتلاه، وفيه هاجت حرب بكر وتغلب ابن وائل أربعين عاماً، وقالت الشعراء في بغي كليب، وضَربوه مثلاً.
وقوله " ينفذ مثلها " أي: مثل الطعنة التي طعنها جَسَّاس بن مرة كليبَ ابن ربيعة، وحَسُن إضمار الطعنة وإن لم يجر لها ذكر، لأن ذكر المطعون دَلَّ عليها وتقدمت ترجمة العباس بن مرداس في الشاهد السابع عشر من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والثمانون بعد المائة -: (من الرجز) 182 - ياليت أنَّا ضَمَّنَا سَفِينَهْ حَتَّى يَعُودَ الْوَصْلُ كَيَّنُونَهْ على أن " كَيْنُونة " أصلها بياء مشددة، فحذفت الياء الزائدة، وبقيت عين الكلمة، وهي الياء الثانية المنقلبة عن الواو، والأصل كَيْوَنُونَة، فانقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة وأدغمت فيها، ثم حذفت الياء الأولى تخفيفاً وجوباً، ولا يجوز ذكرها إلا في الشعر، كما في البيت قال أبو العباس المبرد: أنشدني النهشلي: قَد فَارَقَتْ قَرِينَهَا القرينه وشحطت عَنْ دَارِهِا الظعِينَهْ قوله " يا ليت أنا - إلخ " وقرينها: مفعول مقدم، والقرين: زوج المرأة، والقرينة: فاعل، وهى زوجة الرجل، وشحط الرجل - من باب 1
فرح - إذا بعد، والظعينة: المرأة ما دامت في الْهَوْدَج، وقوله " يا ليت أنا " بفتح الهمزة - أنا مع اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد معمولي ليت، وضمنا: جمعنا، وسفينة: فاعل، وكينونة: مصدر كان، والمراد به اسم المفعول: أي حتى يعود الوصل موجوداً.
والبيتان كذا أنشدهما ابن جني في شرح تصريف المازني وابن بري في أماليه على الصحاح.
وأنشد بعده: (من الرجز) مَا بَالُ عَيْنِي كالشعيب العين وتقدم شرحه في الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب.
وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد الثالث والثمانون بعد المائة -: (من الخفيف) 183 - كُلُّ أنْثَى وَإنْ بدالك مِنْهَا آيَةُ الْحُبِّ حُبُّها خَيْتَعُورُ على أن فَيْعَلُولاً موجود كخَيْتَعُور، وما فسّره به هو كلام صاحب الصحاح، وفسّره بعضهم بالْغُرور الذي لا يصح منه شئ.
وقال صاحب العباب: وربما سموا الذئب خَيْتَعُوراً، لأنه لا عهد له، ولا وفاء، والخيتعور: الغول والداهية والدنيا والأسد.
والبيت من أبيات لِجَدِّ جَدِّ امرئ القيس واسمه حُجْراً آكل الْمُرَار، وقبله 1: إن من غره النساء بشئ بَعْدَ هِنْدٍ لَجَاهِلٌ مَغْرُورُ حُلْوَةُ الْقَوْلِ وَاللِّسَانِ ومر كل شئ أجَنَّ مِنْهَا الضَّمِيرُ
كُلُّ أنْثَى وإنْ بَدَا لَكَ مِنْهَا... البيت وحُجر: بضم الحاء المهملة وسكون الجيم، والمُرار - كغراب -: اسم شجر مرّ، وحُجْر: هو ابن عمرو بن معاوية بن الحارث، وينتهي نسبه إلى كندة، ومن كندة إلى يعرب بن قحطانَ، قال الأصبهاني في الأغاني: " أخبرني ابن دريد إجازة عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه عن الشَّرَقي بن القُطَامِيَّ قال: أقبل تُبّع حين سار إلى العراق فنزل بأرض معدٍ فاستعمل عليهم حُجْر بن عمرو، وهو آكل المُرار، فلم يزل ملكاً حتى خُرف، ثم إن زياد بن الهَبُولة بن عمرو بن عوف
ابن ضُجعُم، وهو حَمَاطة بن سعد بن سَلِيح القُضَاعِي أغار على حجر آكل المرار وهو غائب فأخذ مالاً كثيراً وسبا امرأة حجر، وهي هند بنت ظالم بن وهب ابن الحارث بن معاوية، وأخذ نسوة من نساء بكر بن وائل، فلما بلغ حُجْراً وبكر ابن وائل مُغارُه وما أخذ أقبلوا عليه، ومعه أشراف بكر بن وائل منهم عوف ابن مُحَلَّم بن ذُهْل بن شَيبان، فأقبل حجر في أصحابه حتى إذا كان بمكان يقرب من عين أُباغ 1 بعث سد وسا وصليعا (2) يتجسسان له الخبر، فخرجا حتى هجما على عسكرهِ وقد أوقد ناراً ونادى منادٍ (له) من جاء بُحزمة من حطب فله فِدْرة (3) من تمر، وكان ابن الهَبُولَة قد أصاب في عسكر حجر تمراً كثيراً فضرب قِبابه وأجَّج ناره ونثر التمر بين يديه، فاحتطب سدوس وصلِيع ثم أتيا به ابن الهَبُولَة فطرحاه بين يديه فناولهما من التمر وَجلسا قريباً من القُبَّة، فأما صَلِيعٌ فقال: هذه آية، فانصرف إلى حجر فأعلمه بعسكره وأراه التمر، وأما سدوس فقال: لا أبرح حتى آتيه بخبر جلِيّ، فلما ذهب هَزِيع من الليل أقبل ناس من أصحابه يحرسونه وقد تفرق أهل العسكر، فقرُب سدوس إلى جليس له فقال له: من أنت؟ مخافة أن يُسْتَنكر، فقال: أنا فلان بن فلان، قال: نعم ودنا سدوس من القبة فكان بحيث يسمع الكلام، فدنا ابن الهبولة من هند امرأة حُجْر فقبلها وداعبها، ثم قال لها: ما ظنك بحُجْر لو علم بمكاني منك؟ قالت: ظني والله أنه لن يدع طلبك حتى يطالع القُصور الحمر، وكأني أنظر إليه في فوارس من بني شيبان وهو شديد الكلب سريع الطلب يُزْبد شدقاه كأنه بعير آكل مرار، فسمى المُرار يومئذٍ، قال: فرفع يده فلطمها ثم قال: ما قلت هذا إلا