شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذيصفحات 35-74

الحذفُ

صفحات 35-74
عن هذه الطبعة
عَلَم
الأستراباذي، الرضي
الكتاب
شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
المؤلف
محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
الناشر
دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وهذه عبارته: وإنما نصب أبو على يا عمراه أضافه إلى نفسه أو لم يضفه، وجعله نكرة، كما قال الاخر (وهو الاحوص) (من الوافر) سلام الله يا مطرا عليها وليس عليك يا مطر السلام جعل مطرا نكرة فنصب، وقال بعضهم: هو معرفة.
ولكنه لما نونه قام التنوين مقام الاضافة فنصب كما ينصب المضاف، انتهى كلامه.
ونقل هذه الوجوه ابن السّيد فيما كتبه على الكامل عن الفارسى، قال: أجاز الفارسى في " يا عمرا " أن يكون أضافه إلى نفسه كما قال " هو لابي النجم) (من الرجز) يا ابنة عما لا تلومى واهجعي وأجاز أن يكون على معنى الندبة، وأجاز أن يكون جعله نكرة، كما قال سلام الله يا مطرا عليها قال: وقيل في قوله " يا مطرا " إنها معرفة، ولكنه لما نونه قام التنوين مقام الاضافة فنصبه كما ينصب المضاف، وهو قول عيسى بن عمر، انتهى وقوله " فالشمس طالعة - الخ " أورد المصراع الثاني صاحب الكشاف 1 في سورة الدخان عند قصة مهلك قوم فرعون وتوريث نعمهم، وهو قوله تعالى (كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والارض) قال: إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والارض، وبكته الريح.
وأظلمت له الشمس، وفى الحديث " ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكته (2) السماء والارض " وقال جرير: تبكى عليك نجوم الليل والقمرا

وذلك على سبيل التمثيل والتخييل، مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الارض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى (فما بكت عليهم السماء والارض) فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه بكت عليه السماء والارض، وعن الحسن رحمه الله فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعنى فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الارض، انتهى.
وهذا ملخص من أوائل) أمالى الشريف المرتضى، وفيها زيادة، ونحن نلخص ما فيها أيضا، قال 1: في الاية وجوه أربعة من التأويل، أولها: أن المراد أهل السماء والارض، فحذف كقوله تعالى (واسأل القرية)، ثانيها: أنه تعالى أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر وسقوط المنزلة، لان العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت: كسفت الشمس لفقده، وأظلم القمر، وبكاه الليل والنهار والسماء والارض، يريدون بذلك المبالغة في عظم الامر وشمول ضرره، قال جرير: الشمس طالعة - البيت، وقال يزيد بن مفرغ (من الكامل) الريح تبكى شجوها والبرق يلمع في الغمامه وهذا صنيعهم في وصف كل أمر جل خطبه وعظم موقعه، فيصفون النهار بالظلام، وأن الكواكب طعت نهارا لفقد نور الشمس وضوئها، قال النابغة (من البسيط) تبدو كواكبه والشمس طالعة لا النور نور ولا الاظلام إظلام ثالثها: أن يكون معنى الاية الاخبار عن أنه لا أحد أخذ بثأرهم، ولا انتصر لهم، لان العرب كانت لا تبكى على القتيل إلا بعد الاخذ بثأره، فكنى الله تعالى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار والاخذ بالثأر، على مذهب القوم الذين خوطبوا

بالقرآن، رابعها: أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم في الارض عمل صالح يرفع إلى السماء، ويطابقه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الاية قيل له: أو تبكيان على أحد؟ قال: نعم، مصلاه في الارض ومصعد عمله في السماء، وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه " ومعنى البكاء هنا الاخبار عن الاختلال بعده، كما يقال: بكى منزل فلان بعده، قال مزاحم (من الطويل) بكت دارهم من أجلهم فتهللت دموعي، فأى الجازعين ألوم؟ ويمكن في الاية وجه خامس، وهو أن يكون البكاء كناية عن المطر والسقيا، لان العرب تشبه المطر بالبكاء، ويكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم، ولم تجد على قبورهم، على مذهب العرب، لانهم يستسقون السحاب لقبور من فقدوه من أعزائهم، ويستنبتون لمواقع حفرهم والرياض، قال النابغة 1 (من الطويل) فلا زال قبر بين تبني وجاسم عليه من الوسمى طل ووابل فينبت حوذانا وعوفا منورا سأتبعه من خير ما قال قائل وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام ومسألة الله لهم الرضوان، والفعل

الذى أضيف إلى السماء وإن كان لا تجوز إضافته إلى الارض فقد يصح بتقدير فعل، فيكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم وأن الارض لم تعشب عليها، وكل هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله ورضوانه، انتهى.
وجرير شاعر إسلامى، ترجمناه في الشاهد الرابع من أوائل شرح الكافية وأنشد بعده (من الطويل) 6 - وحب بها مقتولة حين تقتل على أن أصل حب حبب بكسر العين، ثم نقل إلى فعل بضم العين للمدح والتعجب، ثم حذفت الضمة وأدغم، فصار " حب " بفتح الحاء، ويجوز نقل الضمة إليها كما تقدم قال الصاغانى في العباب: تقول: ما كنت حبيبا ولقد حَبِبْتَ بالكسر: أي صرت حبيباً، قال الاصمعي: قولهم " حب بفلان إلى " معناه ما أحبه إلى، وقال الفراء: معناه حبب بضم الباء، ثم أسكنت وأدغمت في الثانية، انتهى وقال ابن مالك في التسهيل: وقد يرد حب بضم الحاء بنقل ضم العين إلى الفاء.
قال: وكذا كل فعل حلقي الفاء مراد به مدح أو تعجب: أي نحو حسن الرجل أدبا، فتقول: حسن الرجل أدبا ولم أعرف وجه تقييد الشارح المحقق حب المنقول إلى المدح بكونه من حبب بكسر العين، مع أن أصل المنقول إلى المدح والذم يجوز أن يكون عينه مضموما أو مفتوحا أو مكسورا، سواء كان من فعل لازم أو متعد، وقد جاء حب متعديا من بابين، فإنه يقال: حببته أحبه، من باب ضرب، والقياس أحبه بالضم، لكنه غير مستعمل، ويقال: حببته أحبه من باب تعب، كما في المصباح، فيجوز نقل أحدهما إلى فعل بضم العين للمدح والباء في " بها " زائدة، والضمير فاعل حب، وقد تقدم شرحه في الشاهد السادس

وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع عشر، 14 - بعد ما متأملي وهو قطعة من بيت وهو (من الطويل) قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتِي بَيْنَ ضَارِجٍ وَبَيْنَ الْعُذَيْبِ بَعْدَما مُتَأَمَّلِي على أنه يجوز على أحد التأويلين أن يكون أصله بعد بضم العين أصالة.
ألحق بفعل المدح والتعجب ثم حذفت الضمة تخفيفا، والتأويل الثاني فيه أن يكون سكون العين أصليا، وتكون بعد ظرفا، لا فعل مدح وتعجب قال الرياشى: بعد هنا روى بفتح الباء، وبعد تحتمل معنيين: أحدهما أن المعنى بعد، ثم حذفت الضمة، ويجوز أن يكون المعنى بعد ما تأملت، انتهى، فما على هذا الوجه زائدة لا غير، " ومتأملي " مضاف إليه بعد، وعلى الوجه الاول يجوز أن تكون زائدة، و " ومتأملي " فاعل بعد وهو مضاف إلى الياء، والرفع فيه مقدر، والمخصوص بالمدح محذوف، ويجوز أن تكون اسما نكرة منصوبة المحل على التمييز للضمير المستتر في بعد، ومتأملي هو المخصوص بالمدح والتعجب، فتكون " ما " فيه كما في قوله تعالى (فنعما هي) وعلى تقدير الفعلية قد روى بضم الباء وفتحها، قال العسكري في كتاب التصحيف: رواه أبو إسحق الزيادي عن الاصمعي " بعد " مضمومة الباء، ومعناه يا بعد ما تأميلت، على التعجب، أي تثبت في النظر أين تسقى، ورواه أبو حاتم بفتح الباء، وقال: خفف بعد فأسكن العين وبقيت الباء مفتوحة، مثل كرم وكرم، انتهى.
وهذا يرد على ابن مالك، فإنه نقل فيه ضمة العين إلى الفاء مع أنها ليست بحرف حلقى، وأما الشارح المحقق فانه لم يقيد في شرح الكافية جواز نقل الضم بكون الفاء حرفا حلقيا، بل أطلق، ومثل بهذا البيت بعينه، والبيت من معلقة امرئ القيس، وقبله: أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبى مكلل

يضئ سناه أو مصابيح راهب أهان السليط بالذبال المفتل والهمزة للنداء، وصاح مرخم صاحب، وحذفت همزة الاستفهام بعده للضرورة، والوميض: اللمعان، واللمع: التحرك والتحريك جميعا، والحبي بالحاء المهملة وكسر الموحدة: السحاب المتراكم، سمى به لانه حبا بعضه إلى بعض: أي تراكم وجعله مكللا لانه صار كالاكليل لاسفله، ومنه قولهم: كللت الرجل، إذا توجته، ويروى " مكلل " بكسر اللام اسم فاعل من كلل تكليلا، إذا تبسم، يقول لصاحبه: يا صاحبي هل ترى برقا أريك لمعانه في سحاب متراكم صار أعلاه كالاكليل لاسفله أو في سحاب متبسم بالبرق يشبه برقه تحريك اليدين، يريد يتحرك كتحرك اليدين، وتقديره أريك وميضه في حبى مكلل كلمع اليدين شبه لمعان البرق وتحركه بتحرك اليدين، وقوله " يضئ سناه " السنا بالقصر: الضوء والسليط: الزيت، وقيل: الشيرج، والذبال: جمع ذبالة، وهى الفتيلة، ومعنى " أهان السليط " أنه لم يعزه وأكثر الايقاد به، يقول: هذا البرق يتلالا ضوءه فهو يشبه في تحركه لمع اليدين أو مصابيح الرهبان التى أميلت فتائلها بصب الزيت عليها في الاضاءة، يريد أن تحركه يحكى تحرك اليدين، وضوءه يحكى ضوء مصابيح الرهبان، فمصابيح بالجر معطوف على لمع، وقوله " قعدت له - الخ " ضارج والعذيب: مكانان، يقول: قعدت لذلك البرق أنظر من أين يجئ بالمطر، ثم تعجب من بعد تأمله.
وقال الزوزنى: قعدت للنظر إلى السحاب وأصحابي بين هذين الموضعين (وكنت معهم) 1 فبعد متأملي وهو المنظور إليه: أي بعد السحاب الذى كنت أنظر إليه وأرقب مطره وأشيم برقه، يريد أنه نظر إلى هذا السحاب من مكان بعيد فتعجب من بعد نظره.
انتهى وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين من شواهد شرح الكافية، وتقدم شرح هذا البيت أيضا في الشاهد السبعين بعد السبعمائة منه

وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس عشر، وهو من شواهد سيبويه 1 (من الطويل) 15 - وَقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لمَيَّةَ نَاقَتِي فما زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهْ وَأُسْقِيهِ حتى كادمما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه على أن " أسقيه " بمعنى أدعو له بالسقيا، مضارع أسقاه قال سيبويه (1)، وقالوا: أسقيته في معنى سقيته فدخلت على فعلت، ثم أنشد البيتين، قال أبو الحسن الاخفش في شرح (2) نوادر أبى زيد: قالوا في أسقاه الله، إنه في معنى سقاه الله، وأنشدوا قول لبيد (من الوافر) سقى قومي بنى مجد وأسقي نميرا والقمائل من هلال قال الاصمعي: هما يفترقان، (وهذا الذى أذهب إليه) (3) فمعنى سقيته أعطيته ماء لسقيه، ومعنى أسقيته جعلت جعلت له ماء يشربه أو عرضته لذلك، أو دعوت له، كل هذا يحتمله هذا اللفظ، وأنشد قول ذى الرمة: وَقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لمَيَّةَ ناقتي البيتين قوله " وأسقيه " أدعو له بالسقيا، وهذا أشبه بكلام العرب، وقال ابن الاعرابي: معناه أسقيه من دمعى، وهذا غير بعيد من ذلك المعنى: أي أجعل له سقيا من دمعى على سبيل الاغراق والافراط، كما قال (من الطويل): وصلت دما بالدمع حتى كأنما يذاب بعينى لؤلؤ وعقيق انتهى

وقال الاعلم: قوله " وأسقيه " معناه أدعو له بالسقيا، يقال: سقيته، إذا ناولته الشراب، وأسقيته (إذا جعلت له سقيا يشرب منه، وأسقيته وسقيته) 1 إذا قلت له سقيا لك، وبعضهم يجيز سقيته وأسقيته بمعنى إذا ناولته ماء يشربه، واحتج بقول الشاعر: سقى قومي بنى مجد - البيت والاصمعى ينكره ويتهم قائله (2)، انتهى.
وقوله " وقفت على ربع - الخ " هذا مطلع قصيدة طويلة لذى الرمة، ووقفت الدابة وقفا ووقوفا: أي منعتها عن السير، ووقفت هي أيضا، يتعدى ولا يتعدى، ووقفت الدار وقفا: حبستها في سبيل الله، وأوقفت الدار والدابة بالالف لغة تميم، وأنكرها الاصمعي، وقال: الكلام وقفت بغير ألف.
وحكى بعضهم ما يمسك باليد يقال فيه أوقفته بالالف، وما لا يمسك باليد يقال وقفته بغير ألف والفصيح وقفت بغير ألف في جميع الباب، إلا في قولك: ما أوقفك ها هنا، وأنت تريد أي شأن حملك على الوقوف، فان سألت عن شخص قلت: من وقفك، بغير ألف.
كذا في المصباح، والربع: الدار حيث كانت، وأما المربع فالمنزل في الربيع خاصة، ومية: اسم محبوبة ذى الرمة، وقوله " وأسقيه " معطوف على أخاطبه، " وأبثه " بفتح الهمزة وضمها، يقال: بثثته ما في نفسي وأبثثته، إذا أخبرته بما تنطوى عليه وتسره، و " الملاعب " جمع ملعب، وهو الموضع الذى يلعب فيه الصبيان وترجمة ذى الرمة تقدمت في الشاهد الثامن من أول شرح الكافية

وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس عشر، وهو من شواهد سيبويه (من البسيط) 16 - ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها حَتَّى أَتَيْتُ أبَا عَمْرِو بْنِ عمار على أن أفتح وأغلق فيه بمعنى أفتح وأغلق بالتشديد، قال سيبويه في باب افتراق فعلت وأفعلت في الفعل للمعنى ما نصه: " وقالوا أغلقت الباب وغلقت الابواب حين كثروا العمل 1، وإن قلت أغلقت الابواب كان عربيا جيدا، (و) (2) قال الفرزدق: ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها البيت وقال أيضا في الباب الذى يليه وهو باب دخول فعلت على فعلت، الاول بالتشديد والثانى بالتخفيف " نحو كسرته وقطعته فإذا أردت كثرة العمل قلت كسرته وقطعته " إلى أن قال: " واعلم أن التخفيف في هذا حائز كله (3) عربي، إلا أن فعلت إدخالها لتبيين الكثر، وقد يدخل في هذا التخفيف، قال الفرزدق مَا زِلْتُ أَفْتَحُ أبوابا وأغلقها البيت وفتحت في هذا أحسن، وقد قال جل ذكره (جنات عدن مفتحة لهم الابواب) انتهى.
فظهر أن كليهما مبالغة، لا في أغلقها فقط، ولهذا نبه عليهما الشارح المحقق وقال الاعلم: " الشاهد في جواز دخول أفعلت على فعلت فيما يراد به التكثير، يقال: فتحت الابواب وأغلقتها، والاكثر فتحتها وغلقتها، لان الابواب جماعة فيكثر الفعل الواقع عليها " انتهى واقتصر ابن السراج في الاصول على التنبيه على أغلقها فقط، قال: " يجئ

أفعلت في معنى فعلت، كما جاءت فعلت في معناها: أقللت وأكثرت في قللت وكثرت، وقالوا: أغلقت الابواب وغلقت، قال الفرزدق: ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها... البيت، انتهى وأورد سيبويه هذا البيت أيضا في باب ما يذهب التنوين فيه من الاسماء 1 قال: " وتقول هذا أبو عمرو بن العلاء، لان الكنية كالاسم الغالب، ألا ترى أنك تقول: هذا زيد بن أبى عمرو، فتذهب التنوين كما تذهبه في قولك: هذا زيد ابن عمرو، لانه اسم غالب (2)، وقال الفرزدق في أبى عمرو بن العلاء: ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها البيت قال الأعلم " الشاهد فيه حذف التنوين من أبى عمرو، لان الكنية في الشهرة والاستعمال بمنزلة الاسم العلم (فيحذف التنوين منها إذا نعتت بابن مضاف إلى علم كما يحذف التنوين من الاسم) (3) وأراد أبا عمرو بن العلاء بن عمار " انتهى.
وزعم ابن السيرافي في شرح أبيات سيبويه أن عمارا جد من أجداده، ورد عليه الاسود أبو محمد الأعرابي في فرحة الاديب بأن عمارا جده الادنى، وليس بجد من أجداده، وهو أبو عمرو زبان بن العلاء بن عمار المازنى، من بنى مازن ابن مالك بن عمرو بن تميم، وأنشد بعد ذلك البيت بيتين آخرين، وهما: حتى أتيت فتى محضا ضريبته مر المريرة حرا وابن أحرار ينميه من مازن في فرع نبعتها أصل كريم وفرع غير خوار

والضريبة: الطبيعة، يعنى أنه أصل كريم لا يخالط طبعه لؤم، والمحض: الخالص الذى لا يخالطه شئ آخر، والمريرة: العزيمة، يعنى أنه شديد الانفة تعاف نفسه أن يفعل أفعالا غير عالية، وينميه: ينسبه ويرفعه، وفاعله أصل، والفرع: شريف قومه، والفرع الغصن والاعلى من كل شئ، والفرع الشجرة، والنبعة: شجرة، والفرع الثاني مقابل الاصل، وهو مأخوذ من فرع الشجرة، والخوار: الضعيف وقال بعض من كتب على أبيات سيبويه: أراد بقوله " أفتح أبوابا وأغلقها " أنى كشفت عن أحوال الناس وفتشتهم فلم أر فيهم مثل أبى عمرو وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: " الفتح والاغلاق هنا مثلان لما استغلق عليه من الامور وما انفتح، وأحسب الفرزدق يعنى أبا عمرو بن العلاء " وأقول: كأنهما لم يقفا على ما في طبقات النحاة لابي بكر محمد التاريخي فانه روى بسند إلى الاصمعي أنه قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء قال: دخل على الفرزدق فغلقت أبوابا ثم أبوابا، ثم فتحت أبوابا ثم أبوابا، فأنشأ الفرزدق: مَا زِلْتُ أَفْتَحُ أَبْوَاباً وأغلقها البيت وقال التاريخي أيضا: حدثنا أحمد بن عبيد، قال: حدثنا الاصمعي، قال: دخل الفرزدق على أبى عمرو بن العلاء وصعد إلى غرف فقال " ما زلت أفتح أبوابا " البيت وقال أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالى: إن أبا عمرو بن العلاء كان هاربا من الحجاج مستترا، فجاء الفرزدق يزوره في تلك الحالة، فكان كلما يفتح له باب يغلق بعد دخوله، إلى أن وصل إليه، فأنشده هذه الابيات وترجمة الفرزدق تقدمت في شرح الشاهد الثلاثين من أوائل شواهد شرح الكافية وأبو عمر بن العلاء هو أحد القراء السبعة، كان رحمه الله من أعلم الناس بالقرآن ولغاته وتفسيره وعربيته، وكان إماما في الشعر والنحو واللغة وأيام العرب

أصله من كازرون، وولد بمكة شرفها الله تعالى سنة ثمان، وقيل تسع وستين، ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة سنة أربع، وقيل خمس وخمسين ومائة، واختلف في اسمه: فقيل زبان بفتح الزاى المعجمة وتشديد الباء الموحدة، وهو الصحيح، وقيل: العريان، وقيل: محبوب، وقيل: يحيى، وقيل: عيينة: وقيل اسمه كنيته، ويرده كلام سيبويه، واشتهر بأبيه العلاء، لان أباه كان على طراز الحجاج 1، وكان مشهورا معروفا، وجده عمار كان من أصحاب أمير المؤمنين على ابن أبى طالب، وقرأ أبو عمرو على مجاهد وعكرمة وعطاء وأبى العالية ويحيى بن يعمرو سعيد بن جبير، ويروى أنه قرأ على ابن كثير رحمه الله مع أنه في درجته تتمة: قد وقع البيت في أبيات جيمية للراعي النميري وهى (من البسيط): ومرسل ورسول غير متهم وحاجة غير مزجاة من الحاج طاوعته بعد ما طال النجى بنا وظن أنى عليه غير منعاج ما زال يفتح أبوابا ويغلقها دوني وأفتح بابا بعد إرتاج حتى أضاء سراج دونه بقر حمر الانامل عين طرفها ساج وبعده أبيات أخر أوردها الامدي في ترجمته من المؤلف والمختلف، والمبرد في أوائل الكامل وشرحها، وأراد بالمرسل نفسه، يقول: هي حاجة مكتومة إنما يرسل إلى امرأة فهو يكتمها، والمزجاة: اليسيرة، والنجى: المناجاة، جاء به على فعيل كالصهيل ومنعاج: منعطف، وأراد بالبقر النساء، والعرب تكنى عن المرأة بالبقرة والنعجة وساج: ساكن، ولا أدرى أيهما أخذه من صاحبه، والله أعلم وأنشد بعده وهو الشاهد السابع عشر (من الكامل): 17 - إن البغاث بأرضنا يستنسر على أن يستنسر معناه يصير كالنسر في القوة، قال القالى في أماليه: قال الاصمعي: من أمثال العرب إن البغات الخ، يضرب مثلا للرجل يكون ضعيفا

ثم يقوى، قال القالى: سمعت هذا المثل من أبى المياس، وفسره لى فقال: يعود الضعيف بأرضنا قويا، ثم سألت عن أصل هذا المثل أبا بكر بن دريد فقال: البغاث ضعاف الطير، والنسر أقوى منها، فيقول: إن الضعيف يصير كالنسر في قوته، انتهى وفى الصحاح: قال ابن السكيت: البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرخمة بطئ الطيران، وفى المثل " إن البغاث بأرضنا يستنسر " أي من جاورنا عزبنا، وقال يونس: فمن جعل البغاث واحدا بغثان، مثل غزال وغزلان ومن قال للذكر والانثي بغاثة فالجمع بغاث، مثل نعامة ونعام، وقال الفراء: بغاث الطير شرارها ومالا يصيد منها، وبغاث وبغاث وبغاث ثلاث لغات وكتب ابن برى على ما نقله عن ابن السكيت: هذا غلط من وجهين: أحدهما أن البغاث اسم جنس واحده بغاثة مثل حمام وحمامة، وأبغث صفة، بدليل قولهم أبغث بين البغثة، كما تقول أحمر بين الحمرة، وجمعه بغث، مثل أحمر وحمر، وقد يجمع على أباغث لما استعل استعمال الاسماء، كما قالوا أبطح وأباطح، والثانى أن البغاث ما لا يصيد من الطير، وأما الابغت من الطير فهو ما كان لونه أغبر، وقد يكون صائدا وغير صائد، انتهى وهو مصراع من الشعر، ولم أقف على تتمته بعد التتبع وبذل الجهد، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن عشر (من الرجز) 18 - إِنِّي أَرَى النّعَاسَ يَغْرَنْدَيني أَطْرُدُهُ عنى ويسر ندينى على أن هذين الفعلين قد جاءا متعديين في الظاهر، والاصل يغرندى علي، ويسرندى علي، أي يغلب ويتسلط، وحمل ابن هشام في المغنى تعديهما على الشذوذ، وقال: ولا ثالث لهما، وقال ابن جني في شرح تصريف المازني: افعليت على ضربين: متعد وغير متعد، فالمتعدى نحو قول الراجز:

قد جعل النعاس يغرندينى أدفعه عنى ويسرندينى وغير المتعدى نحو قولهم: احر نبى الديك، انتهى.
وتبعه السخاوى في سفر السعادة فقال: السرندى هو الجرئ الشديد، ومنه قولهم: اسرنداه، إذا ركبه، وأنشد الرجز، وكذا في الصحاح، قال: اسرنداه اعتلاه، والاسرنداء: الاغرنداء، والمسرندى: الذى يعلوك ويغلبك، وأنشد الرجز، ولم يتعرض له ابن بري في أماليه عليه بشئ، ولا الصفدي في حاشيته عليه، وقلما خلا عن هذا الرجز كتاب من علم الصرف، ومع ذلك لم يعرف قائله، والله أعلم.
المضارع وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع عشر: 19 - بُنَتْ على الْكَرَمِ هو قطعة من بيت وهو (من المنسرح): نَسْتَوْقِدُ النبل بالحضيض ونصطاد نُفُوساً بُنَتْ عَلَى الْكَرَمِ على أن أصله بنيت، وطئ تفتح قياساً ما قبل الياء إذا تحركت الياء بفتحة غير إعرابية، فتنقلب الياء ألفاً، وكانت طرفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار بُنَاتْ فحذفت الألف لالتقاء الساكنين قال ابن جني في إعراب الحماسة: هذه لغة طائية، وهو كثير، إلا أنه ينبغي أن تعْلم أن الكسرة المبدلة في نحو هذا فتحةً مُبَقَّاة الحكم غير مَنْسِية ولا مطروحة الاعتداد بها، ألا ترى أن من قال في بَقِيَ بَقَا وفى رضى رضا لا يقول في مضارعه إلا يَبْقَى ألبتة، ولو كان الفعل مبنياً على فَعَل أو مُنْصَرِفاً به عن إرادة فَعِلَ معنى كما انصرف به عنه لفظاً لوجب أن تقول في رَضَا: يَرْضُو، كما تقول في غَزَا: يغزو، وفي فَنَا يفْنُو، لأنه عندي من الواوي، وذلك أنه من معنى الْفِناء للدار وغيرها، إلى آخر ما ذكره

وهذا البيت قبله بيت وهو (من المنسرح): نَحْنُ حَبَسْنَا بَنِي جَدِيلَةَ فِي نَارٍ مِنَ الْحَرْبِ جَحْمَةِ الضَّرَمِ نستوقد النبل إلخ وأوردهما أبو تمام في أوائل الحماسة 1، ونسبهما إلى بعض بني بولان من طى، وبَوْلان - بفتح الموحدة وسكون الواو - علم مرتجل من البَوْل.
قال أبو العلاء المعري: يجوز أن يكون اشتقاقه من البال، وهو الخلد والحال، وجَدِيلة - بفتح الجيم - حي من طي، وهو المراد هنا، وجديلة حي من الأزد أيضاً، وحي من قيس عيلان أيضاً، وجحمة - بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة - مصدر جَحَمَت النار، فهي جاحمة: أي اضطرمت والتهبت، ومنه الجحيم، والضرم - بفتحتين - التهاب النار، وقد ضَرِمَت واضطرمت وتضرمت.
يقول: حبسنا هؤلاء القوم على نار من الحرب شديدة الاضطرام والالتهاب وقوله " نستوقد النبل: إلخ " نستوقد بالنون، والنَّبل - بفتح النون - السهام مفعولُهُ، يقول: تنفذ سهامنها في الرَّمِيَّة حتى تصل إلى حضيض الجبل فتخرج النار، لشدة رمينا وقوة سواعدنا، ونصيد بها نفوساً مبنية على الكرم، يعني أنا نقتل الرؤساء، وهذا من فصيح الكلام، كأنه جعل خروج النار من الحجر عند ضربهم النبل له استيقاداً منهم لها، والحضيض: قرار الجبل وأسفله، وروي " تستوقد النبل " (2) بالمثناة الفوقية، والنبل فاعله، وروى أبو محمد

الأعرابي فيما نقض به على أبي عبد الله النمري أول شارح للحماسة هذين البيتين لرجل من بني الْقَيْن على وجه لا شاهد فيه، وهو كذا نستوقد النبل بالحضيض ونقتاد نفوساً صِيْغَتْ على كرم قال: وهذا البيتان لرجل من بَلْقين، وسبب ذلك أن القين بن جَسْر وطيئاً كانوا حُلَفَاء، ثم لم تزل كلب بأوس بن حارثة حتى قاتل القين يوم مَلَكَان 1 فحبستهم بنو القين ثلاثة أيام ولياليها، لا يقدرون على الماء، فنزلوا على حكم الحارث بن زهدم أخي بني كنانة بن (2) القين، فقال شاعر القين يومئذ هذين البيتين، انتهى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد العشرون (من الرمل) 20 - لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيْلِي مَا الذي غاله في الحب حتى وَدَعَهْ على أن ماضي يدع، وهو ودع، لم يستعمل إلا ضرورة، وبالغ سيبويه فقال: (3) " أماتوا ماضي يدع " أي لم يستعملوه، لا في نثر ولا في نظم، وقالوا أيضاً: لم يستعمل مصدره ولا اسم فاعله ولا اسم مفعوله، مع أن الجميع قد ورد، فالأقرب الحكم بالشذوذ، لا بالإماتة، ولا بالضرورة، كما قال ابن جني في المحتسب، قال: قرأ (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) خفيفة النبي صلى الله عليه وسلم، وعروة بن الزبير، وهذه قليلة الاستعمال

وقال الصاغانى في العباب: وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم أصل هذه اللغة فيما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ (ما ودعك) مخففة، وكذلك قرأ عروة ومقاتل وأبو حَيْوَة وإبراهيم وابن أبي عبلة ويزيد النحوي، انتهى وقال ابن الأثير في النهاية عند حديث " لينتهين أقوام عن ودعتهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم " أي: عن تركهم إياها والتخلف عنها، يقال: ودع الشئ يَدَعُهُ وَدْعاً، إذا تركه، والنحاة يقولون " إن العرب أماتوا ماضي يدع ومصدره، واستغنوا عنه بترك " والنبي عليه السلام أفصح، وإنما يحمل قولهم على قلة استعماله، فهو شاذ في الاستعمال فصيح في القياس، وقد جاء في غير حديث، حتى قرئ (به 1) قوله تعالى (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قلى) بالتخفيف، انتهى وكذا في التقريب لنور الدين محمود ابن صاحب المصباح أحمد بن محمد الفيومي، قال: ودعت الشئ وَدْعاً تركته، وقرئ (مَا وَدَّعَكَ ربك) مخففاً ومنه " مَنْ وَدَعَه الناس لشره " و " عَنْ وَدْعهم الجمعات " وقوله " غير مُوَدَّع ربنا ولا مكفور (2) " أي غير متروك ولا مفقود، يريد الطعام، أو المراد الله تعالى أي غير متروك الطاعة أو غير متروك الطلب إليه والسؤال منه، كما قال " غير مستغنى عنه "، وبكسر الدال أي غير تارك طاعتك ربنا، وقيل: هو من الوداع، انتهى وقال أبوه في المصباح: ودعته أدعه وَدْعاً، تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حذفت الواو، ثم فتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي يدع ومصدره واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد وعروة ومقاتل وابن أبي عبلة ويزيد النحوي (ما ودعك ربك) بالتخفيف،

وفي الحديث " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات " أي عن تركهم، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب ونقلت من طريق القراء فكيف يكون إماتة، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة، انتهى وقد روى الماضي 1 في أبيات أخر: قال سويد بن أبي كاهل اليشكري يصف نفسه (من الرمل) وَرِثَ الْبِغَضَةَ عن آبائِهِ حافظ العقل لما كان استمع فَسَعَى مَسْعَاتُهُمْ في قَوْمِهِ ثُمَّ لَمْ يَظْفَرْ وَلاَ عَجْزاً وَدَعْ ويروى ولا شيئاً ودع وقال آخر (من المنسرح) وكانَ مَا قدموا لأنفسهم أكْثَرَ نَفْعاً مِنَ الَّذي وَدَعُوا

وأما اسم الفاعل فقد جاء في شعر رواه أبو عَلِيّ 1 في البصريات، وهو (من الطويل) فَأَيُّهُمَا مَا أتْبَعَنَّ فَإِنَّنِي حَزِينٌ عَلَى ترك الَّذِي أنَا وَادِعُ وأما اسم المفعول فقد جاء في شعر خُفَاف بن نُدْبَة الصحابي، وهو (من الطويل) إذَا ما استَحَمَّت أرْضُهُ مِنْ سَمَائِهِ جرى وهو مودع وواعد مصدق أي: متروك لا يضرب ولا يزجر وهذا البيت من أبيات لأنس بن زنيم قالها لعبيد الله بن زياد بن سُمَيَّة وهي: سَلْ أمِيري مَا الَّذِي غَيَّرَهُ عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ لا تُهِنِّي بَعْدَ إكْرَامِكَ لِي فَشَدِيدٌ عَادَةٌ مُنْتَزَعَهْ لاَ يَكُنْ وَعْدُكَ برقا خلبا إنَّ خَيْرَ الْبَرْقِ مَا الْغَيْثُ مَعَهْ كَمْ بِجُودٍ مُقْرِفٍ نَالَ الْعُلَى وَشَرِيفٍ بُخْلُهُ قَدْ وضَعَهْ وتقدم شرح هذه الأبيات مع ترجمة قائلها في الشاهد التاسع والثمانين بعد الأربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادى والعشرون (من الكامل): 21 - لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة تدع الصَّوَادِيَ لاَ يَجُدْنَ غَلِيلاً على أن ضم الجيم من يَجُد لغة بني عامر، كما هو في هذا البيت، ومراده هذه اللفظة بخصوصها، ووجه ضعفها الشذوذ بخروجها عن القياس والاستعمال، وكسر الجيم هو القوي فيها، وقد سمع، قال السيرافي: إنهم يقولون ذلك في يجد

من الْمَوْجَدَة والْوِجْدَان، وبنو عامر في غير يجد كغيرهم، وكذا قال صاحب الصحاح، وأطلق صاحب العباب وتبعه صاحب القاموس فحكيا الضم في هذه الكلمة، ولم يذكرا بني عامر، قال السيرافي: وروى " يجدن " بالكسر في البيت، وصرح الفارابي وغيره بقصر لغة بني عامر بن صعصعة على هذه اللفظة، وكذا جرى عليه أبو الحسن بن عصفور، فقال: وشذ من فَعَل الذي فاؤه واو لفظة واحدة، فجاءت بالضم، وهي وجدَ يَجُد، قال: وأصله يَوْجِد، فحذفت الواو لكون الضمة هنا شاذة، والأصل الكسر، انتهى وزعم ابن مالك في التسهيل أن لغة بني عامر فيما فاؤه واو من المثال ضم العين: أي فيقولون: وَعَدَ يَعُد وَوَلَد يَلُدُ، ونحو ذلك، بضم العين ورده أبو حيان في الارتشاف، قال: ويجد من الموجدة والوجدان بضم الجيم شاذ، وقيل: لغة عامرية في هذا الحرف خاصة، وجَعْل ابن مالك ذلك قانوناً كلياً لغة بني عامر في كل ما فاؤه واو من فعل ليس بصحيح، انتهى وكذا اعترض عليه شراحه كابن عقيل والمرادي، ويشهد لهم قول ابن جني في سر الصناعة: ضم الجيم من يَجُد لغة شاذة (غير معتد بها 1) لضعفها وعدم نظيرها ومخالفتها ما عليه الكافة فما هو بخلاف وضعها، وقال أيضاً في شرح تصريف المازني: فأما قول الشاعر لا يَجُدْنَ غَلِيلاَ فشاذ، والضمة عارضة، ولذلك حذفت الفاء كما حذفت في يَقَع وَيَزَعَ، وإن كانت الفتحة هناك لأن الكسرة هي الأصل، وإنما الفتح عارض (2)، انتهى

وهذا التوجيه هو التوجيه الأول من توجيهي الشارح، وأما توجيهه الثاني وهو أن تكون الضمة أصلية - فيرده مجئ الكسر في هذه الكلمة كما نقلنا.
والبيت الذي أنشده الشارح المحقق ليس للبيد العامري، وإنما هو لجرير، وهو تميمي، وهو في هذا تابع للجوهري، قال في صحاحه: وجد مطلوبه يجده وجودا ويجده أيضا بالضم لغة بنى عامر 1، لا نظير لها في باب المثال، قال لبيد وهو عامري لو شئت قد نقع الفؤاد - البيت قال ابن بري في أمالية على الصحاح: البيت لجرير، وليس للبيد كما زعم، وكذا نسبة الصاغاني في العباب لجرير، وأنشد هذه الأبيات الثلاثة له، وهي أول قصيدة هجا بها الفرزدق: لَمْ أرَ مِثْلَكَ يا أُمَامُ خَلِيلاً أنْأَى بِحَاجَتِنا وأَحْسَنَ قِيلاً لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة تدع الصوادي لاَ يَجُدْنَ غَليلا (2) بِالْعَذْبِ في رَصْفِ الْقِلاَتِ مَقِيلُهُ قَضُّ الأَبَاطِحِ لا يَزَالُ ظَليلا (3) وأمامُ: مرخم أُمامة بضم الهمزة اسم امرأة، والخليل: الصديق، والأنثى خليلة، كذا في العباب، وإنما لم يؤنثه هنا للحمل على صديق، فإنه يقال: رجل صديق وامرأة صديق، وأنأى: وصف لخليل، وهو أفعل تفضيل من النأي،

وهو البعد، والباء متعلقة به، والقيل: القول، يريد أنها تقول ما لا تفعل، فقولها قريب حَسن مُطِمعٌ في حصول المراد، وهي أبعد بحصوله له من كل شئ، وزعم العيني أن قوله أنأى بحاجتنا من قولهم: أناءه الحمل، إذا أثقله، ونقله السيوطي في شرح أبيات المغنى، وهو غير صحيح، لأن أفعل التفضيل لا يكون إلا من الثلاثي، وكأن المراد من حسن القول قرب المأمول، ويقابله بعده، لا إثقاله، قال صاحب الصحاح: وأناءه الحمل مثال أناعه: أي أثقله، (وأماله) 1 ويقال أيضاً: ناء به الحمل، إذا أثقله، فيتعدى بالباء والهمزة، وهو من ناء ينوء نَوْءاً، إذا نهض بِجَهد ومشقة، وناء بالحمل: إذا نهض به مثقلاً، وقوله " لو شئت - إلخ " بكسر التاء خطاب لأمامة، وجملة " قد نقع الفؤاد " جواب لو، قال ابن هشام في المغني: وورد جواب لو الماضي مقروناً بقد، وهو غريب، كقول جرير لو شئت قد نقع الفؤاد - البيت ونظيره في الشذوذ اقتران جواب لولا بها، كقول جرير أيضاً لَوْلاَ رَجَاؤكَ قَدْ قَتَّلْتَ أَوْلاَدِي انتهى.
و" نقع " بالنون والقاف، يقال: نقع زيد بالماء: أي ارتوى منه، وشرب حتى نقع: أي شفي غليله، والغليل - بالغين المعجمة - حرارة العطش، قال ابن بري: يقال نقع الفؤاد رَوِي، ونقع الماء العطش: أذهبه، نَقْعاً ونُقُوعاً فيهما، والماء الناقع: العذب الْمَرْوي، وقوله " بشربه " متعلق بنقع، والشربة: المرة من الشرب، وأراد به ماء ريقها، وروى بدله " بِمَشْرِب " وهو مصدر ميمي، وقوله " تدع الصوادى " فاعل تدع ضمير الشربة، ومعناه تترك، والصوادي: جمع صادية: أي الفرقة الصادية، أو هو جمع صادٍ.
والصَّدى: الْعَطْش، والصادي: العطشان، يقول: لو ذاقت الفرق الصوادي من تلك الشربة

لتركتهم بلا عطش، وجملة " لا يجدن غليلا " حال من الصوادي، ومن العجيب قول نظام الأعرج في شرحه: الصوادي في البيت النخيل الطوال على ما في الصحاح، وقوله " بالعذب " متعلق بشَرْبة، والباء بمعنى من، أي بشربة من الماء العذب، وهو وصف من عَذُب الماء - بالضم - عذوبة: أي ساغ مشربه، و " في رصف " حال منه، والرصف بفتح الراء وسكون الصاد المهملتين 1 الحجارة المرصوف بعضها إلى بعض، والْقِلاَت - بكسر القاف - جمع قلتٍ بفتحها وسكون اللام - وهي النقرة في الصخرة أو الجبل يستنقع فيها ماء السماء، ومقيلة بالقاف: أي موضع الماء العذب، وهو مبتدأ، وقوله " قِضُّ الأباطح " خبره، وَالْقَضُّ - بكسر القاف وتشديد الضاد المعجمة - الحصى الصغار والأرض ذات الحصى أيضاً، وهو مضاف إلى الأباطح جمع أبطح، وهو كل مكان متسع، والماء الموصوف بهذين الوصفين يكون أصفى المياه وأطيبها وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من أول شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والعشرون (من الرجز): 22 - بنيتي سَيِّدَةَ الْبَنَاتِ عِيشي وَلاَ نَأْمَنُ أنْ تَمَاتِي على أنه جاء تَمَاتُ مضارع مِتّ بكسر الميم كتخاف مضارع خِفت، وزاد ابن القطاع حرفين آخرين على ما ذكره الشارح المحقق من الحرفين، وهما كِدْتَ تَكُود وجِدْتَ تَجُودُ بكسر أول الماضي فيهما، وجاء فيهما تكاد وتجاد وبنيتي: منادى بحرف نداء مقدر، وهو مصغر بنت مضاف إلى ياء المتكلم وسيدة: بالنصب نعت له، ويجوز رفعه، وعيشي: دعاء لها بأن تعيش

وهذا الرجز كذا أنشده الجوهري في الصحاح غير معْزُوٍّ إلى قائله، ولم يكتب عليه ابن بري شيئاً في أماليه عليه، ولا الصفدي في حاشيته، وقال الصاغاني في العباب: قد مات يموت ويمات أيضاً، وأكثر من يتكلم بها طئ وقد تكلم بها سائر العرب، قال: بُنَيّ يَا سَيِّدَةَ الْبَنَاتِ هكذا أنشده ابن دريد، وأنشد غيره بُنَيَّتِي يا خِيْرَةَ الْبَنَاتِ عِيشِي، وَلاَ يُؤْمَنُ أنْ تَمَاتِي ويروى " ولا يؤمن بأن 1 " ويروى " نأمَن أنْ " وقال يونس في كتاب اللغات: إن يَميت لغة فيها، انتهى وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والعشرون: (من الرجز) 23 - فإنه أهل لان يؤ كرما على أنه شاذ، والقياس يُكْرَمَ بحذف الهمزة، وهذا المقدار أورده الجوهري في صحاحه في مادة كرم غير معزو إلى قائله، ولا كتب عليه ابن بري شيئاً في أماليه، ولا الصفدي في حاشيته عليه، وهو مشهور في كتب العربية قلما خلا عنه كتاب، وقد بالغت في مراجعة المواد والمظانّ فلم أجد قائله ولا تتمته، وقال العيني: تقدم الكلام عليه مستوفى في شواهد باب النعت وفي شواهد نوني التوكيد وأقول: لم يذكره فيهما أصلاً، فضلاً أن عن يستوفى الكلام عليه

وقال الجاربردى 1 أوله: شَيْخٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّما وأقول: هذا من قصيدة مرَجَّزة منها: يَحْسَبَهُ الْجَاهِلُ مَا لَمْ َيَعْلَمَا شَيْخَاَ عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا لَوْ أَنَّهُ أَبَانَ أوْ تَكَلَّمَا لَكَانَ إيَّاهُ وَلكِنْ أَعْجَمَا وقد شرحناها في الشاهد التاسع والأربعين بعد التسعمائة من آخر شواهد شرح الكافية، وليس في تلك القصيدة فإنه أهل لان يؤ كرما وأنشد الجاربردي (2)، وهو الشاهد الرابع والعشرون، وهو من شواهد سيبويه (3) (من السريع): لَمْ يَبْقَ مِنْ آيٍ بِهَا يُحَلَّيْنْ غَيْرَ رَمَادٍ وَحُطَامٍ كِنْفَيْنْ وَغَيْرَ وَدٍّ جَاذِلٍ أوْ وَدَّيْنْ وَصَالِيَاتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ على أن يؤثفين بالهمز شاذ، والقياس يُثْفَيْنَ جاء على الأصل المهجور لضرورة الشعر ووزنه يُؤَفْعَلْنَ بزيادة الياء والهمزة، وهذا أحد قولين، ومعناه جعلت أثافي جمع أُثْفِيَّة، وعليه فَأُثْفِيَّة أُفْعُولَة أصلها أُثْفُوية قلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت الفاء لتبقى الياء على حالها، واستدلوا على زيادة الهمزة بقول العرب: ثَفَّيْتُ القدر، إذا جعلتها على الأثافي، والقول الثاني - وهو لجماعة - أن وزنه يُفَعْلَيْنَ، فالهمزة أصل ووزن أثفية على هذا فُعْلِيَّة، واستدلوا بقول النابغة (من البسيط):

لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لاَ كِفَاءَ لَهُ وَإِنْ تَأَثَّفَكَ الأَعْداءُ بالرِّفَدِ 1 فقوله تَأَثَّفَكَ وزنه تَفَعَّلَكَ لا يصح فيه غيره، ولو كان من ثَفَّيْتُ القِدْرَ لقال تَثَفَّاك، ومعنى البيت صار أعدائي حولك كالاثافى تَظَافُراً، قال ابن جني في شرح تصريف المازني: وَيُفَعْلَيْنَ أولى من يؤفعلن، لانه لا ضرورة فيه، قال أبو الفتح بن جني: يقال أثْفَيْتُ القدر وَأَثَّفْتُها وثَفَّيْتُها، إذا أصلحت تحتها الأثافي، وقال صاحب الصحاح: ثَفَّيْتُ القدر تَثْفِيَةً، وضعتها على الأثافي، وَأَثْفَيْتُها جعلت لها أثافي، وأنشد البيت وهذا الشعر لخِطَام الْمُجَاشِعِي، ونسبه الصقلي شارح أبيات الإيضاح للفارسي، والجوهري في الصحاح، إلى هِمْيَان بن قُحَافَة، وأوله: حَيِّ دِيَارَ الْحَيِّ بَيْنَ السَّهْبَيْنْ وَطَلْحَةِ الدَّوْمِ وَقَدْ تَعَفَّيْنْ و " حَيِّ " أمر من التحية، والحي: القبيلة، والسهبان: موضع، وكذا طلحة الدوم، والنون في تَعَفَّيْنَ ضمير ديار الحي، وَتَعَفَّى بمعنى عفا اللازم.
يقال: عفا المنزل يَعْفُو عُفُوّاً، إذا درس، والآي: جمع آية بمعنى العلامة.
والتَّحْلِية: الوصف يقال: حَلَّيْتُ الرجل مثلاً، إذا وصفته، يقول: لم يبق من علامات حلولهم في ديارهم تُحلّيها وتصفها غير ما ذكر، ومن: زائدة، وآي فاعل، وغير منصوب على الاستثناء، وجملة يُحَلَّيْنَ صفة لآي، وبها متعلق به.
والخُطَامُ بضم المهملة: ما تكسر من الحطب، والمراد به دِقُّ الشجر الذي قطعوه فظلوا به الخيام، ورماد مضاف إلى كَنْفَيْن ويجوز تنوينه، وكنف بفتح الكاف وسكون النون الناحية والجانب.
وأصله بفتح النون سكنها للضرورة أي رماد من جانبي الموضع.
وقيل الكِنْفُ هنا بكسر الكاف وسكون النون، وهو خرج يضع فيه

الراعي أشياءه: فيكون المعنى رماد ملء كنفين، والجاذل بالجيم والذال المعجمة المنتصب، جَذْلَ جُذُولاً: انتصب وثبت، والْوَدّ: الوتد، وأراد بالصاليات الأثافي الثلاثة التي توضع عليها القدر لأنها صليت بالنار أي أحرقت حتى اسودَّت وهي معطوفة على " حطام " أي وغير أثافي صاليات بالنار، وليست الواو واو رُبَّ كما توهمه ابن يَسْعَوْنَ.
وروى بدلها " وغير سُفْع " جمع أسفع، أراد به الأثافي أيضاً لأنها قد سفعتها النار أي سودتها وغيرت لونها، وروى أيضا " وما ثلات " أي منتصبات، يقول: إن هذه الأثافي تدل على قرب عهد بالعمارة ببقائها على الحال التي وضعتها عليه أهل العمارة فكانت لذلك أجلب للشوق والتذكار، وقوله " ككما " قيل: الكاف الأولى حرف والثانية اسم بمعنى مثل، وقيل: مؤكدة للأولى، وقيل: زائدة، قال أبو علي: " ما " في ككما يجوز أن تكون مصدرية كأنه قال مثل الإثفاء، ويجوز أن تكون موصولة بمنزلة الذي، وقال ابن السيد: الكافان لا يتعلقان بشئ، فإن الأولى زائدة والثانية قد جرت مجرى الأسماء لدخول الجار عليها، ولو سقطت الأولى وجب أن تكون الثانية متعلقة بمحذوف صفة لمصدر مقدر محمول على معنى الصاليات لأنها نابت مناب مُثْفَيَات فكأنه قال: ومثفيات إثفاء مثل إثفائها حين نصبت للقدر، ولابد من هذا التقدير ليصح اللفظ والمعنى، وقد شرحنا أبياتاً أخر من هذه القصيدة وترجمنا قائلها في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة من شواهد شرح الكافية الصفة المشبهة وأنشد فيها، وهو الشاهد الخامس والعشرون، وهو من شواهد سيبويه 1 (من الرجز) 25 - مَا بَالُ عَيْنِي كالشعيب العين

على أنه لم يأت على فَيْعَل بفتح العين شئ من الصفة المشبهة غير حرف واحد في المعتل وهو عَيَّنٌ، قال الأعلم: الشاهد فيه بناء الْعَيَّن على فَيْعَل بالفتح، وهذا شاذ في المعتل لم يسمع إلا في هذه الكلمة وكان قياسها أن تكسر العين فيقال عَيِّن كما قيل سيِّد وهيَّن وليِّن، ونحو هذا، وهذا بناء يختص به المعتل ولا يكون في الصحيح كما يختص الصحيح بفَيْعَل مفتوحة العين نحو صَيْرَفٍ وحَيْدَرٍ، وهو كثير، انتهى وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: وجدت في نسخة من شعر رؤبة بخط أبي يعقوب إسحق بن إبراهيم بن الجنيد قرأها على أبى بكر بن دريد (وعليها خط ابن دريد وإجازته) 1 العَيِّن بكسر الياء، وقال: العين الذي قد رَقَّ (2) وتهيأ للخرق، انتهى وكذا قال ياقوت في هامش الصحاح، قال: أنشده سيبويه على فَيْعَل بفتح العين، وقال: ولم يجئ غير عَيَّن في المعتل، وهو نادر، والقياس فَيْعِل بكسر العين، والذي وجدته في شرح رجز رؤبة العين بكسر الياء ولا يجوز فتحها، انتهى.
والبيت أول أرجوزة بن العجاج، وبعده (3): وَبَعْضُ أَعْرَاضِ الشَّجُونِ الشُّجَّنِ دَارٌ كَرَقْمِ الكَاتِبِ الُمُرَقِّنِ بَيْنَ نَقَا المُلْقَى وَبَيْنَ الأَجْؤُن قوله " ما بال عيني " ما استفهامية مبتدأ أو خبر مقدم، وبال خبر أو مبتدأ مؤخر، وهو بمعنى الشأن والحال، وقوله " كالشعيب " في موضع الحال، والشعيب - بفتح الشين المعجمة -

قال ابن دريد في الجمهرة: المزادة الصغيرة.
قال الجواليقي في شرح أدب الكاتب: " هي في الأصل صفة غالبة، فعيل بمعنى مفعول، والعين: التي فيها عيون، فهي تسيل، وهو يشبهون خروج الدمع من العين بخروج الماء من خرز 1 المزادة، قال: كأنهما مزادتا مستعجل " انتهى وقال الجوهري " يقال: بالجلد عَيَنٌ، وهي دوائر رقيقة، وذلك عيب.
تقول منه: تعين الجلد، وسقاء عين ومتعين " وأنشد البيت.
وكتب ابن بري في أمالية على صحاحه: العين الجديد في لغة طئ قال الطرماح (من الطويل) قَدِ اخْضَلَّ مِنْهَا كُلُّ بَالٍ وَعَيِّنٍ وَجَفَّ الرَّوَايا (2) بِالْمَلاَ الْمُتَبَاطِنِ انتهى.
وقال الأعلم: " الشَّعيبُ: القربة، والعين: الخَلَقُ البالية، شبه عينه لسيلان دمعها بالقربة الخلق في سيلان مائها من بين خرزها لبلاها وقدمها " اه وقوله " وبعض أعراض إلخ " قال ابن السيد: دار خبر بعض، والمُرَقِّن: الذي ينقط الكتاب، والْمُلْقَى والاجؤن مكانان، كذا وجدته الملقي مضموم الميم مفتوح القاف، والأجؤن مضموم الواو مهموزاً كأنه جمع جُؤن، ووجدته في غيره الاجون مفتوح الواو غير مهموز، انتهى وترجمة رؤبة تقدمت في الشاهد الخامس من أوائل شرح الكافية: المصدر أنشد فيه، وهو الشاهد السادس والعشرون: (من البسيط)

26 - إن الخليط أجد والبين فَانْجَرَدُوا وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا على أن الفراء قال في قوله تعالى (مِّن بَعْدِ غلبهم سيغلبون) يجوز أن يكون في الأصل غلبتهم بالتاء، فحذفت التاء كما حذفت من " عدا الأمر " في البيت والأصل عدة الأمر، وهذا كلام الجوهري في الصحاح وأقول: لم يورد الفراء هذا البيت عند هذه الآية، وهذا نصه في تفسيرها " وقوله من بعد غلبهم كلام العرب غلبته غلبة، فإذا أضافا أسقطوا الهاء كما أسقطوها في قوله تعالى (وإقام الصلاة) والكلام إقامة الصلاة " انتهى.
وإنما أورده عند تفسير الآية الأخرى من سورة النور قال: " وأما قوله تعالى (وإقام الصلاة) فإن المصدر من ذوات الثلاثة إذا قلت: أفعلت كقولك أقمت وأجبت، يقال فيه: إقامة وإجابة، ولا تسقط منه الهاء، وإنما أدخلت لأن الحرف قد سقطت منه العين، كان ينبغي أن يقال: إقْوَاماً فلما سكنت الواو 1 وبعدها ألف الإفعال فسكنتا فسقطت الأولى منهما فجعلوا الهاء كأنها تكثير للحرف، ومثله مما أسقط منه بعضه فجعلت فيه الهاء، قوله وعدته عدة ووجدت المال جدةً ولما أسقطت الواو من أوله كثر من آخره بالهاء وإنما استجيز سقوط الهاء من (وإقام الصلاة) لإضافتهم إياه، وقالوا: الخافض وما خفض بمنزلة الحرف الواحد، فلذلك أسقطوها في الإضافة، وقول الشاعر: إن الخليط أجدوا البين - إلخ يريد عدة الأمر، فاستجاز إسقاط الهاء حين أضافها " انتهى كلامه والبيت للفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، قال الجوهري: الخليط: المخالط، كالنديم المنادمُ والجليس المجالسُ، وهو واحد وجمع، قال: إنَّ

إنَّ الخليط أجدوا البين فانصرموا وقوله " أجدوا " في العباب: وأجدَّه: صيّره جديداً، فالبين مفعوله، وهو بمعنى البعد والفراق هنا، وقوله " فانجردوا " بالجيم: أي بعدوا، في العباب: وانجرد بنا السير: أي امتد وطال، وروى بدله " فانصرموا ": أي انقطعوا عنا ببعدهم والفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، واسمه عبد العزى، ابن عبد المطلب بن هاشم، كان من شعراء الهاشميين وفصحائهم، توفي في زمن الوليد بن عبد الملك حكي أنه كان بالمدينة تاجر يسمى العقرب، وكان أمطل الناس، فعامله الفضل، وكان أشد الناس تقاضياً، فلما حل المال قعد الفضل بباب العقرب يقرع، وعقربٌ على سجيّته في المطل، فلما أعياه قال يهجوه (من السريع): قَدْ تَجَرَتْ فِي سُوقِنَا عَقْرَبٌ لاَ مَرْحَباً بِالْعَقْرَبِ التَّاجِرَهْ كُلُّ عَدُوٍّ كَيدُهُ فِي اسْتِهِ فَغَيْرُ مَخْشِيّ وَلاَ ضَائِرَهْ إن عَادَتِ الْعَقْرَبُ عُدْنا لَهَا وَكَانَت النَّعْلُ لَهَا حَاضِرَهْ وكان الفضل شديد الأُدمة ولذلك قال (من الرمل): وَأَنَا الأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي أَخْضَرُ الْجِلْدَةِ فِي بَيْتِ الْعَرَبْ مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِداً يَمْلأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الْكَرَبْ وسمعه الفرزدق ينشد هذا الشعر فنزع ثيابه وقال: أنا أساجله، فقال له: من أنت؟ فلما انتسب له لبس ثيابه وقال (له): والله لا يساجلك إلا من عض بأير أبيه، وهو هاشمي الأبوين، أمه بنت العباس بن عبد المطلب وإنما أتته الأدمة من قبل جدته وكانت حبشية وأنشد الجاربردي 1 وهو الشاهد السابع والعشرين (من الوافر):

27 - بكت عين وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلاَ الْعَوِيلُ 1 وهو مطلع قصيدة في رثاء حمزة رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم لما استشهد في غزوة أحد.
واختلف في قائلها، فقيل: هي لحسان بن ثابت رضي الله عنه، وليست في ديوانه، وقال عبد الملك بن هشام في السيرة: " قال ابن إسحاق: هي لعبد الله ابن رَوَاحَة، وقد أنشدنيها أبو زيد الأنصاري (لكعب بن مالك) (2) وهؤلاء الثلاثة هم شعراء النبي صلى الله عليه وسلم " وقد أورد ابن هشام القصيدة في غزوة أحد وهذه أبيات منها بعده: عَلَى أسَدِ الإِلَهِ غَدَاةَ قَالُوا أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصبب المُسْلِمُونَ بِهِ جَمِيعاً هُنَاكَ وَقَدْ أُصِيبَ بِهِ الرَّسُولُ أيَا يَعْلَى لَكَ الأَرْكَانُ هُدَّتْ وَأَنْتَ الْمَاجِدُ البَرُّ الْوَصُولُ عَلَيْكَ سَلاَمُ رَبِّكَ في جِنَانٍ مُخَالِطُهَا نَعِيمٌ لاَ يَزُولُ ألاَ يَا هَاشِمُ الأَخْيَارُ صَبْراً فَكُلُّ فَعَالِكُمْ حَسَنٌ جَمِيلُ رَسُولُ الله مُصْطَبِرٌ كَرِيمٌ بِأَمْرِ الله يَنْطِقُ إذْ يَقُولُ قوله " وحق لها بكاها " أي صار البكاء لها حقاً لازماً، وحكى الأزهري: ما أغنى فلان شيئاً، بالغين والعين، أي: لم ينفع في مهم ولم يكف مؤنة.
فيكون المفعول هنا محذوفا " والعويل " اسم من أعول عليه إعوالاً وهو البكاء والصراخ، وقوله " على أسد الإله " متعلق بالبكاء أو العويل على سبيل التنازع، كذا في الجاربردى وفى اللسان (ب ك ى) وفى سيرة ابن هشام (ح 3 ص 148) ووقع في الاصول محرفا (ولا يغنى) (2) الزيادة عن سيرة ابن هشام (ح 3 ص 148) ولا يتم الكلام إلا بها

وأسد الله: لقب سيدنا حمزة، والألف في قوله " أحمزة " للاستفهام، و " أبو يعلى " كنيته رضي الله عنه، وأنشد الشارح وهو الشاهد الثامن والعشرون (من الرجز): 28 - فَهْيَ تُنَزِّي دَلْوهَا تَنْزِيَّا كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا على أن مجئ المصدر المعتل اللام لفعَّل على تَفْعِيل ضرورة، والقياس أن على تَفْعِلَة كتكرمة، وأورده أبو عبيد القاسم بن سلام في الغريب المصنف في باب نعوت الخرقاء والعجوز كذا بات ينزي دلوه تنزيا وقال: هي الشهيرة (1) والشهلة يعني العجوز، وخص الشهلة لأنها أضعف من الشابة فهي تنزي الصبي: أي ترقصه بثقل وضعف، والمعنى هذه المرأة تحرك دلوها في الاستقاء وترفعها وتخفضها عند الاستقاء لتمتلئ تحريكاً مثل تحريك عجوز صبيها في ترقيصها إياه وقال ابن يعيش: يقال: امرأة شهلة، إذا كانت نَصَفاً وصار كالاسم لها بالغلبة، ولا يقال ذلك للرجال، وفي المصباح: نزا يَنْزُو من باب قتل، ونَزَواناً، بمعنى وثب، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أنزاه إنزاء ونزاه تنزيةً، وهذا الشعر مشهور في كتب اللغة وغيرها، ولم يذكر أحد تتمته ولا قائله والله أعلم وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون (من الطويل): 29 - بُثَيْنُ الْزَمِي " لاَ " إنَّ لاَ إن لزمته على كثرة الواشين أي معون

على أن السيرافي قال: أصله معونة، فحذفت التاء لضرورة الشعر، وأجاز ابن جني في شرح تعريف المازني أن يكون كذا وأن يكون جمع معونة، وكذا أجاز الوجهين في مَكْرُم ومأْلُكٍ، وأورده ابن عصفور في كتاب الضرائر في ترخيم الاسم في غير النداء للضرورة والبيت من قصيدة لجميل بن عبد الله بن مَعْمَرٍ العذري.
يقول: إن سألك سائل يابثين هل كان بينك وبين جميل وصل فقولي: لا، فإن فها عوناً على الواشين (و) دفعاً لشرهم، و " بثين " مرخم بثينة منادى وهو اسم محبوبته.
يقول: ردي على الواشين قولهم، وإذا سألوك شيئاً فقولي: " لا " فإنهم إذا عرفوا منك ذلك انصرفوا عنك وتركوك، فيكون لزوم كلمة " لا " عوناً عليهم، و " أيُّ " دالة على الكمال مرفوعةً خبرُ إن: أي إن " لا " معونة أيُّ معونة، وبعده: وَنُبِّئْتُ قَوْماً فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي فَلَيْتَ الرِّجَالَ الْمُوعِدِيَّ لَقُونِي إذا ما رَأَوْنِي طَالِعاً مِنْ ثَنِيَّةٍ يَقُولُونَ مَنْ هذَا وَقَدْ عَرَفُونِي وترجمة جميل تقدمت في الشاهد الثاني والستين من أوائل شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده وهو الشاهد الثلاثون (من الرجز): 30 - لِيَوْمِ رَوْعٍ أوْ فَعَالِ مَكْرُمِ لما تقدم قبله وقال الفراء عند تفسير قوله تعالى (وَجَعَلْنَا لمهلكهم) من سورة الكهف: فأما قول الشاعر: ليوم روع أو فعال مكرم فإنه جمع مكرمة، ومثله قول الآخر:

على كثرة الواشين أي معون أراد جمع معونة، وكان الكسائي يقول: هما مَفْعُل نادران لا يقياس عليهما، وقد ذهب مذهباً، إلا أني أجد الوجه الأول أجمل للعربية مما قال، انتهى قال ابن السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق، والجواليقي 1 في شرح أبيات أدب الكاتب: قبله وَهْوَ إذَا مَا هُزَّ لِلتَّقَدُّمِ وقالا: يقول: إذا هُزَّ في يوم روع تقدم وقاتل، وكذا إن هَزَّ في عطاء وَجُودٍ أعطى وجاد، يصفه بالشجاعة والجود، انتهى وهُزَّ بالبناء للمفعول: من هَزَزْتهُ هزاً من باب قتل حركته فاهتز، والرَّوْع بالفتح: الفزع، الْفَعَال بفتح الفاء: الوصف الحسن والقبيح أيضاً، فيقال: هو قبيح الْفَعَال، كما يقال: هو حسن الْفَعَال، ولهذا خصصه بما بعده بالإضافة، ويكون مصدراً أيضاً، يقال: فعل فَعَالاً، كذهب ذَهَاباً، والْمَكْرُمة - بضم الراء - اسم من الكرم، وفعل الخير مكرمة: أي سبب للكرم أو التكريم، من كرم الشئ إذا نفس وعز وقال ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب: البيت لأبي الأخزر الحماني، وقبله: مَرْوَانُ مَرْوَانُ أخُو الْيَوْمِ الْيَمِي كذا رواه سيبويه، وروى غيره: مَرْوَانُ يَا مَرْوانُ لِليَوْمِ الْيَمِي وقوله " الْيَمي " صفة لليوم من لفظه، كما قالوا: يوم أَيْوَمُ، وليل أَلْيل، ووزنه فَعِل على مثال حَذِر، وأصله اليَوِمُ فنقلت (2) اللام إلى موضع العين فصار الْيَمِوُ، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها

وقال السيرافي: أصله أخُو اليومِ اليَوْمُ، كما قال الاخر (من الرجز): إنَّ مَعَ الْيَوْمِ أخَاهُ غدوا فقدم الميم بضمتها إلى موضع الواو، فصار الْيَمُو، فوقعت الواو طرفاً وقبلها ضمة، فقلبت ياء، وكسر ما قبلها، كما قيل في جمع دلو أدْلٍ، فموضع اليمي على قول السيرافي رفع، وموضعه على القول الأول خفض، وهذا التأويل الذي تأوله السيرافي هو الظاهر من مذهب سيبويه، وهو تأويل لا يصح إلا على رواية من روى " أخو اليوم اليمي " وأما من رواه مروان يا مروان لليوم اليمي فلا يكون موضع اليمي إلا خفضاً على الصفة، وكذلك لا يمتنع أن يكون موضعهُ خفضاً على من روى " أخو اليوم اليمي " ويكون معناه أن مروان أخو اليوم الشديد الذي يُفرِّج غمه ويجلي همه، وهو أشبه بمعنى الشعر، لأن البيتين لا يلتئمان على تفسير السيرافي ومذهب سيبويه، وأنشد المبرد في كتاب الأزمنة: نِعْمَ أخُو الْهَيْجَاءِ فِي الْيَوْمِ الْيَمِي وهذا يدل أيضا على أن اليمى في موضع خفض، وكذلك قال المبرد، وإليه ذهب ابن السكيت، انتهى.
ومروان هو ابن محمد بن مروان بن الحكم بن العاص، وأبو الأخزر راجز إسلامي اسمه قتيبة، والأخزر بالخاء والزاي المعجمتين وآخره راء مهملة، والْحِمَّاني منسوب إلى حِمّان بكسر المهملة وتشديد الميم وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والثلاثون (من الوافر) 31 - كَفَى بِالنَّأْيِ مِنْ أَسْمَاءَ كَافِي على أن " كافي " اسم فاعل منصوب على الحالية من النأي، وهو فاعل كفى، والباء زائدة، وهذه الحال مؤكدة لعاملها وهو كفى، وحذف النصب منه كما حذف من قوله " فلو أن واشٍ " وذلك إما على لغة ربيعة فإنهم يسكنون المنصوب، وإما لضرورة الشعر، وقد حذفت الياء منهما لالتقائها ساكنة مع سكون نون التنوين،

والنأي: البعد، ومن: متعلقة به، وأسماء: اسم امرأة أصله وَسْمَاء من الْوَسَامَة، وهي الحسن وهذا صدر بيت، وعجزه: وَلَيْس لِنَأْيِهَا إذْ طَالَ شَافِ وشاف: اسم ليس، ولنأيها: متعلق به، وإذ تعليلية، وفاعل طال ضمير النأي، والخبر محذوف أي عندي أو موجود والبيت مطلع قصيدة لبشر بن أبي خَازِم، وهو جاهلي، وتقدم شرحه وترجمة بشر في الشاهد الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والثلاثون (من الطويل) 32 - فَلَوْ أَنَّ وَاشٍ بِالْيَمَامَةِ داره تمامه: ودارى بأعلى حضر موت اهْتَدَى لِيَا وتقدم توجيهه والواشي: الذي يُزَوِّق الكلام ليُفُسد بين متحابين، واليمامة: اسم بلد بين نجد والحجاز، وَحَضْرَمَوْت - بفتح الميم وضمها -: مدينة باليمن، غير متصرف، واللام في " ليا " بمعنى إلى والبيت من قصيدة لمجنون بني عامر تقدم الكلام عليه في الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والثلاثون، وهو من شواهد سيبويه 1 (من الطويل)

33 - ألم ترني عاهدت ربي وإنني لَبَيْنَ رِتَاجِ قَائماً وَمَقَامِ عَلَى حَلْفَةٍ لا أشْتُمُ الدَّهْر مسلما ولا خارجا من في زور كَلاَمِ على أن قوله " خارجاً " عند سيبويه مصدرٌ حذف عامله: أي ولا يخرج خروجاً، وعند عيسى بن عمر حال معطوف على الجملة الحالية وهي " لا أشتم " وهذا نص سيبويه: وأما قول الفرزدق: عَلَى حَلْفَةٍ لا أشتم الدهر مسلما ولا خارجا من فِيَّ زُورُ كَلاَمِ فإنما أراد ولا يخرج فيما استقبل، كأنه قال: ولا يخرج خروجاً، ألا تراه ذكر عاهدت في البيت الذي قبله، فقال " ألَمْ ترني عاهدت ربي إلخ " على حَلْفَةٍ، ولو حمله على أنه نفى شيئاً هو فيه ولم يرد أن يحمله على " عاهدت " جاز 1 وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى (بن عمر) فيما نُرَى، لأنه لم يكن يحمله عَلَى " عاهدت " انتهى، فجملة " لا أشتم " على قول سيبويه جواب القسم لقوله عاهدت، وقوله " ولا خارجاً " بتقدير ولا يخرج خروجاً، معطوف على جواب القسم وجعل خارجاً في موضع خروجاً، كأنه قال حلفت بعهد الله لا أشتم الدهر مسلماً ولا يخرج من فيَّ زور كلام، فلا أشتم ولا يخرج هما جواب القسم فيما يستقبل من الاوقات قال المبرد في الكامل: (2) وقوله " ولا خارجاً " إنما وضع اسم الفاعل في موضع المصدر، أراد لا أشتم الدهر مسلما، ولا يخرج خروجاً من فيّ زور كلام، لأنه على ذا أقسم، والمصدر يقع في موضع اسم الفاعل، يقال: ماءٌ غَوْرٌ: أي غائر (كما قال الله عزّ وجلَّ: (إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً) ويقال: رجُلٌ عَدْلٌ: أي عادل، وَيَوْم غَمٌّ: أي غامٌّ) (3) وهذا كثير جداً، فعلى هذا جاء المصدر على فاعل كما جاء اسم الفاعل على المصدر، قُمْ قائماً، فيوضع في موضع (قولك) (3) قم قياما،

وجاء من المصدر على لفظ فاعل حروف منها فُلِجَ فَالِجاً (وعوفي عافية)، انتهى.
وقد قيل: إن الجواب يجوز أن يكون جواباً لقوله " عَلَى حَلْفة " ويكون تقدير الكلام ألم ترني عاهدت ربي على أني أحلف لا أشتم ولا يخرج من فيّ كلام قبيح ومعنى قول سيبويه " نفى شيئاً هو فيه ": أي نفى ما في الحال، ولم ينف المستقبل.
وفسّر المبرد في الكامل قول عيسى بن عمر " إنَّ خارجاً حال " قال: وكان عيسى بن عمر يقول: إنما قوله " لا أشتم " حال، فأراد عاهدت ربي في هذه الحال وأنا غير شاتم ولا خارج من فيّ زور كلام، ولم يذكر الذي عاهد عليه، انتهى.
والفعل المستقبل يكون في معنى الحال، كقوله: جاز زيد يضحك، وجعل العامل في الحال على مذهب عيسى بن عمر " عاهدت " كأنه قال: عاهدت ربي لا شاتماً الدَّهْرَ، والمعنى موجباً على نفسي ذلك ومقدار ذلك، كذا شرح المبرد والزجاج قول عيسى بن عمر قال السيرافي: وكلام سيبويه الذي حكاه عن عيسى يخالفه، وهو قوله: لأنه لم يكن يحمله على " عاهدت " وإذا لم يكن العامل في الحال " عاهدت " كان عاملها " ألم ترني " كأنه قال: ألم ترني لا شاتماً مسلماً ولا خارجا من فِيَّ زور كلام، وهذا الوجه ذكره أبو بكر مَبْرَمَان 1، وهذا يعجبني، لأن " عاهدت " في موضع المفعول الثاني، فقد تم المفعولان بعاهدت، وإما حَلفة (2) وهذا أجود منه

كأنه قال: على أن حلفت لا شاتماً ولا خارجاً، انتهى وذهب الفراء في تفسير سورة القيامة إلى أنهما حالان، والعامل " عاهدت " قال: إنما نصب خارجاً لأنه أراد عاهدت ربي لا شاتماً أحداً ولا خارجاً من فِيَّ زور كلام، وقوله " لا أشتم " في موضع نصب، انتهى وأيد ابن هشام في المغنى 1 قول سيبويه، فقال: والذي عليه المحققون أن خارجاً مفعول مطلق، والاصل ولا يخرج خروجاً، (ثم حذف الفعل، وأناب الوصف عن المصدر، كما عكس في قوله تعالى: (إِنْ أصبح ماؤكم غورا)) (2) لأن المراد أنه حلف بين باب الكعبة وبين مقام إبراهيماً أنه لا يشتم (مسلماً) (2) في المستقبل ولا يتكلم بزور، لا أنه حلف في حال اتصافه بهذين الوصفين على شئ آخر، انتهى وبهذا أيضاً يرد على ما ذهب إليه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل فإنه بعد أن قرر مذهب سيبويه قال: قلت: لا يبعد أن يكون قوله " لا أشتم " بياناً لما عاهد عليه ربه على وجه الاستئناف، كأن قائلاً قال: ما الذي عاهدت عليه ربك؟ فقال: لا أشتم، والمعنى ألم ترني يعني رأيتني عاهدت ربي على أمر هو أني لا أشتم طول الدهر مسلما ولا يخرج من في زور كلام: أي كونه على حلفة: أي حالفاً بالله على ذلك، فوقع القسم مؤكِّداً لما عاهد عليه ربه، ويجوز أن يكون المعاهد عليه محذوفا، والتقدير عاهدت ربي على حسن السيرة أو ترك ما لا يعني، ثم خص عدم الشتم للمسلم وعدم خروج الكلام الزور عن فيه تأكيداً لنفيهما عن نفسه، وقوله " على حلفة " في هذا الوجه يجوز أن يتعلق بمحذوف قدرناه، وأن يتعلق بقوله " لا أشتم " كأنه قال: عاهدت ربي على حسن السيرة حالفاً بالله على

جارٍ التحميل