الحذفُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، الرضي
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
- المؤلف
- محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
- الناشر
- دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجمع وهاء الكناية، ورُدَّ على الداني في ذلك كما فصله السمين وقول الشاطبي: " وفي هاء تأنيث " قال أبو شامة: هذا مشروع فيما يمتنع فيه الروم والإشمام على رأي القراء، والألف في " يكونا " و " ليدخلا " يرجع إلى الروم والإشمام، أي: لم يقعا في هذه المواضع الثلاثة حيث كانت، انتهى، ومفهومه أنهما يجوزان في الثلاثة عند غير القراء وقوله " وعارض شكل " قال السمين: أي عارض الحركة، وذلك على قسمين: الأول ما عرض تحريكه لالتقاء الساكنين، نحو: (ومن يُشَاقّ الله) (وإن امرؤ) و (قالت اخرج) و (قل الله) والثاني ما عرض تحريكه بالنقل، نحو: (من استبرق) و (من أجل ذلك) و (قد أفلح) وكلا القسمين ممتنع فيه الروم والإشمام، ثم قال: واعلم أنهما يمتنعان في حركة التقاء الساكنين، إذا كان الساكنان من كلمتين، نحو (ومن يشاق الله) و (عَصَوُا الرسول) أو من كلمة واحدة وأحدهما التنوين، نحو يومئذٍ وحينئذٍ، أما إذا كان الساكنان في كلمة واحدة وليس أحدهما تنويناً فإن الرَّوْم والإشمام جائزان في تلك الحركة وإن كانت حركة التقاء الساكنين، لوجود علة الحركة وصلاً ووقفاً، وذلك نحو (وَمَنْ يُشَاقّ الله) فالروم فيه غير ممتنع، لأن الساكن الذي وجدت الحركة من أجله موجود في الوصل والوقف، بخلاف ما مر، فإن الساكن الذي وجدت الحركة من أجله معدوم في الوقف حيث كان بعضه من كلمة أخرى، وفي بعضه تنويناً، وبهذا يعلم أن إطلاق من أطلق منع دخول الروم والإشمام في حركة التقاء الساكنين ليس بجيد، انتهى وهذا أيضاً يرد على الشارح في قوله " لم أرد أحداً من القراء أجازهما في أحد الثلاثة المذكورة " وقول الشاطبي " وفي الهاء للإضمار " إلى آخر البيتين، قال السمين: أخبر
عن قوم من أهل القرآن أنهم أبو أي امتنعوا من الرَّوْمِ والإشمام في هاء الضمير بشرط أن يكون قبلها ضمة أو كسرة أو واو أو ياء ساكنة، وذلك نحو (يعلمه) و (بمزحزه) و (عقلوه) و (لأبيه) فكل هذه الأمثلة الأربعة وما أشبهها لايدخل فيها روم ولا إشمام.
وقوله " وفي الهاء " الظاهر أنه متعلق بمقدر: أي أعني في الهاء، ولا يجوز تعلقه بقوله " أبوهما " لأن القاعدة تمنع من تقديم المعمول حيث لا يتقدم العامل عندهم، و " أبوهما " لا يجوز تقديمه على " قوم " لأنه صفة له أو خبر، وعلى كلا التقديرين تقديمه ممتنع، لأن الصفة لا تتقدم على موصوفها والخبر الفعلي لا يتقدم على مبتدئه 1
وقوله " للإضمار " حال من الهاء أي كائنة للإضمار، وقوله " قوم " مبتدأ، وفي خبره قولان: أحدهما أنه محذوف تقديره ومن القراء قوم، " وأبوهما " على هذا في موضع النعت للمبتدأ، والثاني أنه قوله " أبوهما " وحينئذٍ يقال: ما المسوغ للابتداء بقوم، وهو نكرة؟ والجواب أن المسوغ له العطف، وهو معدود من المسوغات، والإباء: الامتناع، وقوله " ومن قبله ضم " مبتدأ مؤخر قدم خبره عليه، والهاء في " قبله " فيها وجهان ذكرهما أبو شامة: أحدهما أنه تعود على الإضمار، وهذا وإن كان مساعداً له من حيث اللفظ إلا أنه غير ظاهر من حيث المعنى إذ الإضمار معنى من المعاني، فلا يتحقق أن يكون قبله ضم، والثاني أنها تعود على الهاء، وهذا واضح: أي ومن قبل الهاء ضم، قال أبو شامة: ولو قال قبلها لجاز على هذا، وكان أحسن
لأنه أوضح، والوزن مُواتٍ له، والجملة من قوله " ومن قبله " ضم في موضع الحال من الهاء: أي أبوهما في الهاء للإضمار والحال أن قبلها ضماً أو كسراً، وقوله " أو الكسر " عطف على " ضم " عطف معرفة على نكرة، وأو للتنويع، وقوله " مُثِّلاَ " جملة فعلية في موضع الحال أو في موضع رفع، فإن كانت حالاً ففي صاحبها ثلاثة أوجه: أحدها أنه الكسر، والثاني أنه الضم، فإن قيل: كيف ساغ مجيئها من نكرة؟ فجوابه أن سيبويه، يرى ذلك، أو تقول: العطف يسوغه كما سوغ الابتداء، وقد ذكروا أن كل ما سوغ الابتداء بنكرة سوغ مجئ الحال منها، والثالث أنه الضمير المستتر في الخبر، وهو قوله " ومن قبله "، وهو في الحقيقة راجع لأحد القولين المتقدمين، فإن الضمير المستتر عائد على الضم أو الكسر، وحيث جعلناه حالاً من أحدهما فالحال في الآخر مرادة، وإنما استغنى عنها لدلالة المعنى، ولأن العطف بأو، وهو يقتضي الإفراد، وإن كانت في موضع رفع فهى صفة لقولهم ضم، وحينئذٍ يكون الحال من قوله " أو الكسر " لدلالة صفة الأول عليها، فإنه لا فرق بين الصفة والحال معنى، والألف في " مثلا " الظاهر أنها للإطلاق، لأن العطف بأو، وجوز أبو شامة أن تكون للتثنية، فتعود على قوله ضم أو الكسر، ومعنى مُثِّلَ شُخِّص من مَثُل بين يديه: أي شخَص، ومنه قول العلماء: مثل له المسألة: أي شخصها له، وقوله " أو أماهما " أو عاطفة على ضم أو كسر، فالضمير في " أماها " للضم والكسر، ويعني بأمَّيْهما الواو والياء، ولذلك بينهما بقوله " واو وياء " أي: أم الضم الواو وأم الكسر الياء، فهو من باب اللف والنشر، لأن كل واحد يليق بصاحبه للتجانس المعروف، ونقل حركة همزة " أما هما " إلى واو " أو " فضمها، وأسقط همزة " أما هما " على قاعدة النقل، وأم الشئ: أصله، وقوله " واو وياء " بدل من أما هما، وقوله " أو أماهما " بناء منه على المذهب الصحيح، وهو أن الحرف أصل الحركة، وَالحركة مُتَوَلِّدَة منه، وقيل بالعكس
وقد سبق الناظم إلى هذه العبارة الحصري في قصيدته المشهورة حيث يقول (من الطويل): وَأشْمِمْ وَرُمْ مَا لَمْ تَقِفْ بَعْدَ ضَمَّةٍ وَلاَ كَسْرَةٍ أوْ بَعْدَ أُمِّيْهِما فَادْرِ وقوله " وبعضهم " مبتدأ، والضمير للقراء، للعلم بهم، و " يُرَى " مبني للمفعول، ومرفوعة ضمير بعضهم، و " لهما "، و " في كال حال " متعلقاً منه بمحللاً، ومحللاً: مفعول ثان للرؤية، والمحلل: اسم فاعل من حلل الشئ تحليلاً: أي جعله حلالاً، ضد حرَّمه، إذا منعه: أي أن بعضهم أباح ذلك في كل حال والشاطبي: هو القاسم 1 بن فيرة بن خلف بن أحمد الرُّعَيْني الشاطبي نسبة إلى شاطبة قرية بجزيرة الأندلس كان إماماً في القرآن والحديث والنحو واللغة في شدة ذكاء، وكراماته تلوح منه، ولد آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فيكون عمره أقل من اثنين وخمسين سنة (2)، وهذه القصيدة في القراءات السبع سماها حرز الأماني ووجه التهاني، ولها شروح تفوت الحصر، وأجلها هذه الشروح الثلاثة، وشرح، الإمام علم الدين السخاوي تلميذ المصنف، وهو أول من شرحها، وشرح أبي عبد الله الفاسي، رحمهم الله تعالى ونفعنا بعلومهم وأنشد بعده، وهو الشاهد الواحد بعد المائة (من الرجز) 101 - بل جوز تيهاء كظهر الحجفت
على أنه يجوز الرَّوم والإشمام عند من يقف بالتاء، فيجوز في " الحجفت " الروم دون الإشمام قال السمين في شرح الشاطبية: وفي قول الناظم رحمه الله تعالى " وفي هاء تأنيث " شبهة على أنه لو لم تبدل التاء هاء في الوقف، وذلك كما رسمت بعض التاءات بالتاء دون الهاء، نحو (جَنَّتُ نَعيم) و (رحمْتُ رَبِّك) و (بقِيَّتُ الله فإن الروم والإشمام بعد خلاف تلك التاء لانتفاء العلتين المانعتين من روم الهاء وإشمامها، أعني كون الحركة فيها نفسها وكونها غير مشبهة ألف التأنيث، وقد نص مكي على ذلك، فقال: لم يختلف القراء في هاء التأنيث أنهم يقفون عليها بالاسكان، ولا يجوز الروم والإشمام فيها، لأن الوقف على حرف لم يكن عليه إعراب إنما هو بدل من الحرف الذي كان عليه الإعراب، إلا أن تقف على شئ منها بالتاء إتباعاً لخط المصحف، فإنك تروم وتشم إذا شئت، لأنك تقف على الحرف الذي كانت الحركة لازمة له فيحسن الروم والإشمام، انتهى وقال ابن جني في سر الصناعة: من العرب من يُجْري الوقف مجرى الوصل فيقول في الوقف: هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، وأنشدنا أبو علي: بَلْ جَوْزِتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ انتهى وقال الصاغاني في العباب: ومن العرب من إذا سكت على الهاء جعلها تاء، وهو طيئ، فقال: هذا طلحت، وخبز الذُّرَتْ وقال ابن المستوفي أيضاً: وجدت في كتاب أنها لغة طيئ وقوله " بل جوزتَيْهاء " قال الصاغاني في " بل ": ربما وضعوا بل موضع رب، قال سؤر الذئب بَلْ جَوْزَتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ
أي: رب جوزتَيْهَاء، كما يوضع الحرف موضع غيره، والجوز - بفتح الجيم وآخره زاي معجمة - الوسط، وجوز كل شئ: وسطه، والجمع أجواز، والتيهاء - بفتح المثناة الفوقية - المفازة التي يتيه فيها سالكها: أي يتحير، والحجفة - بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء - الترس، قال عبد القاهر: يقولون تيهاء كظهر المجنّ، يريدون الملاسة، وقال ابن المستوفي: شبه التيهاء بظهر
المجن في الملاسة، والشئ قد يشبه بالشئ ويراد منهما معنى فيهما، " كظهر الحجفت " إنما أراد أن التيهاء ملساء لا أعلام فيها كظهر الحجفة ملاسةً، ولم يرد أنها مثله في المقدار، انتهى وذكر الوسط ليدل على أنه تَوَسَّط المفازة ليصف نفسه بالقوة والجلادة، قال صاحب العباب: يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عَقَب: حَجَفَة، ودَرَقَة، وأنشد البيت لسُؤر الذئب، وكذا قال الجوهري، وقال: قال الراجز: مَا بَالُ عَيْنِي عَنْ كَرَاهَا قَدْ جَفَتْ مُسبِلَةً تَسْتَنُّ لَمَّا عَرَفَتْ دَاراً لِلَيْلَى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ بَلْ جَوْزِتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ انتهى.
قال ابن بري في أمالية على الصحاح: هذا الرجز لسؤر الذئب، وصواب إنشاده: مَا بَالُ عَيْنِي عَنْ كَرَاهَا قَدْ جَفَتْ وَشفَّهَا مِنْ حُزْنِهَا مَا كُلِفَتْ كَأَنَّ عُوَّاراً بِهَا أوْ طُرِفَتْ مُسْبَلَةً تَسْتَنُّ لم عَرَفَتْ دَاراً لِلَيْلَى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ كَأَنَّهَا مَهَارِقٌ قَدْ زخرفت تسمع للحلى إذا ما انصرمت كَزَجَلِ الرِّيحِ إذَا مَا زَفْزَفَتْ
مَا ضَرَّهَا أمْ مَا عَلَيْهَا لَوْ شَفَتْ منيما بِنَظْرَةٍ وَأَسْعَفَتْ 1 بَل جَوْزِتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ قَطعْتُها إذَا الْمَهَا تَجَوَّفَتْ مَآزِقاً إلَى ذَرَاهَا أهْدَفَتْ (2) انتهى ما أورده وقوله " ما بال عيني " ما استفهامية مبتدأ، وبال: خبره، والبال: الشأن والحال،
وعن: متعلقة بجفت، والكرى: النوم، قال الخوارزمي: جفت أي انقطعت عن كراها، انتهى.
وهو بالجيم، وهو من جفا الشئ عن كذا وتجافى عنه: أي نبا عنه وتباعد، وجملة " قد جفت " حال من العين، و " شفها " من شفَّه الهم يشفه: أي هزله وأنحله، و " كُلِفت " بالبناء للمفعول، والعُوَار - بضم العين وتشديد الواو، وهو ما يسقط في العين فتدمع، يقال: بعينه عُوَّار: أي قذى، ومثله العائر، " وطُرِفَت " بالبناء للمفعول، من طَرَفْتُ عينه طَرْفاً - من باب ضرب - إذا أصبتها بشئ، فدمعت.
فهى مطروفة، ومسلبة: أي تصب دمعها، من أسبلت الماء: أي صببته، وتَسْتَنَّ: تجري بدمعها، من سَنَنْتُ الماء، إذا أرسلته إرسالاً من غير تفريق، وقوله " دارا لليلى " مفعول عرفت، وعفت: ذهبت آثارها وانمحت معالمها، وقوله " كأنها " أي كأن ليلى،
والمهارق: جمع مُهْرَق، وهي الصحيفة البيضاء يكتب 1 فيها، شبهها بالكاغد لصقالته وبياضه ونعومته، وزُخْرفت: زينت بالذهب، والزخرف: الذهب، والحَلْي - بفتح فسكون - ما تتزين به المرأة كالْخَلْخَال والسِّوار، وانصرفت: ذهبت فمشت، وزَجَلُ الريح: صوتها، وهو بفتح الزاي والجيم، وزفزفت - بزاءين معجمتين وفاءين - أي هبت بشدة، وقوله " قَطَعْتُهَا " هو جواب رُبَّ المقدرة بعد بل، والمها - بالفتح -: جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية، والمأزق: جمع مَأْزِق، وهو المضيق، وذَرَاها - بفتح الذال - أي: ناحيتها، وأهدفت: قربت، قال شمر: الإهداف الدنو من الشئ والاستقبال له وأنشد الجاربردي بعد هذا البيت، وهو الشاهد الثاني بعد المائة (من الرجز) 102 - بَلْ مَهْمَهٍ قَطَعْتُ بَعْدَ مَهَمَهِ على أن رُبَّ بعد بل مقدرة، والجر بها والمهمة: المفازة البعيدة الأطراف، ومفعول " قطعت " محذوف، وهو ضمير المهمة: أي قطعتها وتجاوزتها وهذا البيت نُسِبَ إلى رؤبة، ورجعت إلى ديوانه فلم أجده فيه، ونسب إلى والده العجاج، قال العيني: لم أجده في ديوانه، والله تعالى أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث بعد المائة (من الرجز): 103 - وَرُبَّ ضَيْفٍ طَرَقَ الْحَيَّ سرى صادف زادا وحديثا ما اشتهى
إنَّ الْحَدِيثَ جَانِبٌ مِنَ الْقِرَى على أن السيرافي استدلَّ على كون الاف لام الكلمة في الأحوال أنها
جاءت رَوِيّاً في النصب، فألف " سرى " لام الكلمة، لا أنها بدل من نون التنوين للوقف، إذ لا يجوز أن تكون رويا مع الألف الأصلية كألف " اشتهى " و " القرى " وبما حقق الشارح المحقق من مذهب سيبويه يُرَدُّ على ابن هشام اللخمي في شرح المقصورة الدريدية عند قوله (من الرجز) فاستنزل الزَّبَّاءَ قَسْراً وَهْيَ مِنْ عُقَابِ لَوْحِ الْجَوِّ أعْلَى مُنْتَمَى 1 قال في شرحه: قوله " منتمى " قد غلط فيه، لأن العرب لا تقف بالتنوين، ومنتمي هنا منصوب على التمييز، والوقف فيه عند سيبويه على الألف المبدلة من التنوين، هذا كلامه.
وقال أبو حيان في الارتشاف: " والمقصور المنون يوقف عليه بالألف، وفيه مذاهب: أحدها أن الألف بدل من التنوين، واستصحب حذف الألف المنقلبة.
وصلاً ووقفاً، وهو مذهب أبي الحسن والفراء والمازني وأبي علي في التذكرة، والثاني أنها الألف المنقلبة، لما حذف التنوين عادت مطلقاً، وهو مروي عن أبي عمرو والكسائي والكوفيين وسيبويه والخليل فيما قال أبو جعفر الباذش، والثالث اعتباره بالصحيح، فالألف في النصب بدل من التنوين، وفي الرفع والجر هي بدل من لام الفعل، وذهب إليه أبو علي في أحد قوليه، ونسبه أكثر الناس إلى سيبويه ومعظم النحويين، انتهى.
وهذا من رجز أورده أبو تمام في باب الأضياف والمديح من الحماسة، قال: وقال الشماخ في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أخي أسد الله علي كرَّم الله وجههما.
إنك يا ابن جَعْفَرٍ خَيْرُ فَتَى وَنِعْمَ مَأْوَى طَارِقٍ إذَا أتَى
وَرُبَّ ضَيْفٍ طَرَقَ الحَيَّ سُرَى صَادَفَ زَاداً وَحَدِيثاً ما اشْتَهَى إنَّ الحَدِيثَ طَرَفٌ مِنَ الْقِرَى ثُم اللِّحَافُ بَعْدَ ذَاكَ فِي الذَّرى انتهى.
وفي الأغاني أن الشماخ خرج يوماً يريد المدينة، فلقيه عَرَابة بن أوس، وكان سيداً من سادات قومه، وجواداً، فسأله عما أقدمه المدينة، فقال: أردت أن أمتار لأهلي، وكان معه بعيران، فأوقرهما له براً وتمراً، وكساه وبَرَّهُ وأكرمه، فخرج عن المدينة وامتدحه بقصيدته التي يقول فيها (من الوافر) رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو إلى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ ولما سمع ابن دَأبٍ كلام الشماخ في عبد الله بن عبد جعفر بن أبي طالب إنَّكَ يا ابن جعفر نعم الفتى إلى آخر الأبيات، قال: العجب للشماخ، يقول هذا في عبد الله بن جعفر، ويقول في عرابة بن أوس: إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ باليمين ابن جعفر كان أحق بهذا من عرابة، انتهى.
قال عبد اللطيف البغدادي في شرح نقد الشعر لقدامة قول الشماخ: رأيت عَرَابَةَ الأوسيّ البيت - معناه علمته كذا وصح عندي ذلك منه، ويجوز أن يكون هنا بمعنى أبصرته، وهو الأمثل عندي، ويكون " يسمو " حالاً، وذلك أن المشاهدة أدل شئ على صحة الأمر، فلا دليل أقوى منها، والخيرات هي: الأفعال المعتدلة المتوسطة بين طرفين هما شر، فكأنه قال: شاهدت منه أفعال الخير والفضائل، وقوله " إذا ما راية رفعت لمجد " هذا استعارة: أي إذا حدث أمر يقتضي فعل مكرمة ويفتقر فيه أن يضطلع به ربُّ فضيلة وشرف تلقَّاهَا
عرابة باليمين: أي بقوة وبطش واجتهاد وانشراح صدر، وفي قوله " تلقاها " ما يشعر بهذا المعنى أشدَّ من قوله أخذها، وهذا البيت دل به على الأخلاق العتيدة والفضائل النفسية، وأما البيت الأول فدل به على الأفعال الحميدة والخيرات المشاهدة، فصار البيت الأول توطئة للثاني، وكالدال عليه والمثبت له، فإن الأفعال المشاهدة سابقة في الإحساس لما في النفس ودالة عليه، فتلمح ذلك وأعجب لشرف طباع هؤلاء كيف تسمو بهم جَوْدَةُ القريحة وصحة الفكرة والروية إلى مثل هذا، انتهى كلامه.
ومثله للمبرد في الكامل قال: قوله " تلقاها عرابة باليمين " قال أصحاب المعاني معناه بالقوة، وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) وقال معاوية لَعَرَابةَ بن أوس الأنصاري: بم سُدْت قومك؟ قال: لست بسيدهم، ولكني رجل منهم، فعزم عليه، فقال: أعطيتُ في نائبتهم، وحملت عن سفيههم وشَدَدْتُ على يَدَي حليمهم، فمن فعل منهم مثل فعلي فهو مثلي، ومن قَصَّر عنه فأنا أفضل منه، ومن تجاوزني فهو أفضل مني، وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر فجمعه الطريق والشماخ بن الضرار الْمُرِّي فتحادثا، فقال له عَرَابَة: ما الذي أقدمك المدينة؟ قال: قدمت لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله براً وتمراً وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ رأيت عَرَابة الأوسي يسمو إلى آخر الابيات انتهى.
وأما عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب فقد قال ابن عبد ربه 1 في العقد الفريد: أجواد أهل الإسلام أحد عشر رجلاً في عصر واحد لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم، فأجواد أهل الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص، إلى أن قال: ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الرحمن بن
عمار 1 دخل على نَخَّاس يعرض قِيَاناً له، فعلق واحدة منهن، فشهر بذكرها حتى مشي إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذولنه، فكان جوابه (من البسيط) يَلُومُنِي فِيكِ أقْوَامٌ أجَالِسُهُمْ فَمَا أبالِي أطَارَ اللَّوْمُ أمْ وَقَعَا فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له همٌّ غيره، فحج فبعث إلى مَوْلى الجارية، فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها ففعلت، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: ما لى لا أرى ابن عمار (1) زارنا؟ فأخبر الشيخ، فأتاه مسلماً، فلما أراد أن ينهض استجلسه، ثم قال: ما فعل حب فلانة؟ قال: في اللحم والمخ والعصب! قال: أتعرفها لو رأيتها؟ قال (2) نعم، فأمر بها مباركاً لك فيها، فلما ولى قال: يا غلام، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها، فبكى عبد الرحمن وقال: يا أهل البيت، لقد خصكم الله بشرف ما خصَّ به أحداً قبلكم من صُلْب آدم، فهنيئاً لكم هذه النعمة وبورك لكم فيها، ومن جوده أيضاً أنه أعطى امرأة سألته مالاً عظيماً، فقيل له: إنها لا تعرفك، وكان يرضيها اليسير، قال: إن كان يرضيها اليسير فإني لا أرضى إلا بالكثير، وإن كاتت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي، هذا ما أورده ابن عبد ربه.
وزعم الخطيب التبريزي في شرح الحماسة، وتبعه العيني، أن المخاطب بقوله إنك يا ابن جعفر إلى آخر الشعر، هو عبد الله بن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه، وهذا لا يصلح، فإن الشماخ صحابي وجعفر كان في زمن هارون الرشيد، والصواب أيضاً أن يقول: جعفر الصادق بن محمد الباقر.
وقوله " خير فتى " أي الجامع المروءة، وقوله " ونعم مأوى طارق "
الطارق: الذي يأتي ليلاً، والْمَأْوَى: اسم مكان من أوى إلى منزله يأوي، من باب ضرب، أويا: أي قام، وهو فاعل " نِعْمَ "، وجَاءَ الفاعل هنا منكراً على قلة، والكثير الغالب تعريفه باللام، حكى الأخفش أن ناساً من العرب يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة، نحو نعم امرؤ زيد، ونعم صاحب قوم عمروٌ، وقد روى أيضاً: إنك يا ابن جَعْفَرٍ نِعْمَ الْفَتى وَخَيْرُهُمْ لِطارقٍ إذَا أتَى وقوله " طرق الحي سرى " الطُرُوق: الإتيان ليلاً، والحي: القبيلة، والسُّرَى: جمع سُرْية 1 بضم السين وفتحها، يقال: سَرَيْنَا سَرْيَة من الليل بالضم والفتح، قال أبو زيد: ويكون السُّرى أولَ الليل وأوسطه وآخره، وهو في البيت على حذف: أي طروق سُرىً، وقال الخطيب التبريزي، وتبعه العيني: سُرىً أي ليلاً، لأن السري لا يكون إلا ليلاً، وقوله " صادف " جواب رب، وما: مصدرية ظرفية، والقرى: الضيافة، والذرى - بالفتح: الكَنَفُ وَالناحية.
وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرمل): 104 - وَقَبِيلٌ مِنْ لُكَيْزٍ شَاهِد رَهْطُ مَرْجُومٍ وَرَهْطُ ابن الْمُعَلْ على أنه قد يحذف الألف المقصورة في ضرورة الشعر، كما حذف الألف هنا من " الْمُعَلْ "
قال سيبويه لا يقولون في جَمَل جَمْل، أي بسكون الميم، لأن الفتحة أخف عليهم والألفَ، فمن ثمة لم تحذف الألف، إن لم يضطر شاعر فيشبهها بالياء، لأنها أختها، وهي قد تذهب مع التنوين، قال لبيد رضي الله عنه حيث اضطر: وَقَبِيلٌ مِنْ لكيز شاهد رهط مرجوم ورهط ابن المعل قال الأعلم: الشاهد فيه حذف ألف الْمُعَلَّى في الوقف ضرورة، تشبيهاً بما يحذف من الياءات في الأسماء المنقوصة، نحو قاضٍ وغازٍ، وهذا من أقبح الضرورة، لأن الألف لا تستثقل كما تستثقل الياء والواو، وكذلك الفتحة، لأنها من الألف، انتهى.
وقال أبو علي في المسائل العسكرية: ومما حذف في الضرورة مما لا يستحسن حذفه في حال السعة الالف 1 من " المعل " في القيافة تشبيهاً بالياء في قوله: وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرْ فكما حذفت الياء في القوافي والفواصل كذلك حذف منه الألف ولم يكن (ليحذف 2 لأن من يقول: (ما كنا نَبْغْ) يقول: (والليل إذا يَغْشَى) فلا يحذف، كما أن الذين يقولون: " هذا عَمْرْو " يقولون: رأيت عَمْراً، إلا أن " المعلَّى " في الضرورة لا يمتنع، للتشبيه، ويؤكد ذلك أن أبا الحسن قد أنشد (من الوافر): فَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ مَا فَاتَ مِنِّي بِلَهْفَ وَلاَ بِلَيْتَ وَلاَ لواتى فقال " ليت " وهو يريد ليتني، فحذف النون مع الضمير للضرورة، ثم
أبدل من الياء الألف، ثم حذف، وقد يمكن أن يكون " يا ابن أم " على هذا كأنه محذوف منه مثل قول من قال (من الرجز): يا ابنة عما لا تلومني وَاهْجَعِي فأبدل ثم حذف، وعلى هذا تأويل أبو عثمان قول من قرأ: " يَا أبَتَ لِمَ تَعْبُدُ " انتهى أقول: ألف " يا ابن أم " وألف " يا أبَتَ " كلمة، لأنها ضمير المتكلم فهي مستقلة، وليست كألف المُعَلى، فإنها جزء كلمة، فليست مثلها، واعتبر ابن عصفور في كتاب الضرائر حذف اللام الثانية مع الألف، قال: وقد يحذف المشدد ويحذف حرف بعده، ومن ذلك قول لبيد: ورهط ابن المعل يريد المعلى، وقول النابغة: (من الوافر) إذَا حَاوَلْتَ فِي أسَدٍ فُجُوراً فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنْ يريد مني، انتهى وعدُّ بيت النابغة من الضرورة غير جيد، قال سيبويه في " باب ما يحذف من الأسماء من الياءات في الوقف التي لا تذهب في الوصل (ولا يلحقها تنوين) 1: وتركها في الوقف أقيس وأكثر، لأنها في هذه الحال، ولأنها ياء لا يلحقها التنوين على كل حال، فشبهوها بياء " قاضي " لأنها ياء بعد كسرة ساكنة في اسم وَذلك قولك: هذا غلام، وأنت تريد هذا غلامي، (وقد أسقانْ وأسقنْ، وأنت تريد أسقاني وأسقني، لأن ني اسم) (1) و (قد) (1) قرأ أبو عمرو (فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنْ) و (رَبِّي أهَانَنْ) على الوقف، وقال النابغة: (من الوافر)
فَإنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنْ انتهى.
وقال الأعلم: الشاهد فيه حذف الضمير من قوله: " مِنِّي " وهو جائز في الكلام، كما قرئ في الوقف (أكرَمَنْ) و (أهَانَنْ) يقول: هذا لعيينة بن حصن الفزارى، وكان قد دعاه وقومه لمقاطعة بنى أسد ونقضض حِلْفهم، فأبى عليه وتوعده، وأراد بالفجور: نقض الحلف، انتهى وقال " وقبيلٌ من لُكَيْز إلخ " قبيل: مبتدأ، و " من لكيز " في موضع الصفة له، وشاهد: خبره، والقبيل: العريف والكفيل، وهذا هو المناسب هنا، لأنه كما قال الأعلم: " وصف لبيد رضي الله عنه مقاماً فاخر فيه قبائل ربيعة بقبيلته من مضر " انتهى ولا يناسبه أن يكون القبيل بمعنى الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى من الزنج والروم والعرب، وقال العيني: القبيل هنا بمعنى القبيلة، ولم أره كذا في كتب اللغة، ولكيز - بضم اللام وفتح الكاف وآخره زاي معجمة -: أبو قبيلة، وهو لكيز بن أفْصى - بالفاء والصاد المهملة والألف - ابن عبد القيس بن أفصى بن دُعْمِيّ - بضم الدال وسكون المهملة وكسر الميم وتشديد الياء - ابن جَدِيلة - بالجيم - ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وكان لكيز عاقاً لأمه لَيْلى، وكانت تحبه، وكان شقيقه شَنٌّ باراً بها، فحملها شَنٌّ ذات يوم فجعلت تقول: فَدَيْت لُكَيزاً، فرمى بها شن من بعيرها، وكانت عجوزاً كبيرة، فماتت، فقال شنَّ: دونَكَ لكيزُ جَعَرَاتِ 1 أُمِّك، وقال: " يَحْمِلُ شَنٌّ ويُفَدَّى لُكَيز " فذهبت مثلاً، فولد لكيز وديعة
وصُبَاحاً - بضم الصاد - ونُكْره - بضم النون - وكل منهم بطن، ثم
صار في أولاد كل منهم بطون، كذا في جمهرة الأنساب، وشاهد: بمعنى حاضر، وبه روي أيضاض، والرهط: قوم الرجل وقبيلته، والرهط أيضاً: ما دون العشرة من الرجال لا تكون فيهم امرأة، ومرجوم: بالجيم، قال ابن دريد في الجمهرة هو لقب رجل من العرب، كان سيداً ففاخر رجلاً من قومه إلى بعض ملوك الحيرة، فقال له: " قد رَجَمْتُك بالشرف "، فسمي مرجوماً، وأنشد هذا البيت، وكذا في التصحيف للعسكري، قال: " وفي فرسان عبد القيس مرجوم بن عبد القيس بعد الراء جيم، قال الشاعر: رَهْطُ مَرْجُومٍ وَرَهْطُ ابنِ الْمُعَلّ وإنما سمي مرجوماً لأنه نافر رجلاً إلى النعمان فقال له النعمان: " قد رَجَمَكَ بالشرف " فسمي مرجوماً، وإنما ذكرته لان من لا يعرفه يصحفه بمرحوم - بحاء غير معجمة، وأما مرحوم بن عبد العزيز - بالحاء غير المعجمة - فرجل من محدثي البصرة " انتهى ورهط مرجوم: بالرفع خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو رهط مرجوم، ويجوز نصبه بتقدير أعني، وقال العيني: " رهط مرجوم بالرفع بدل من قبيل أو عطف بيان " هذا كلامه فتأمله 1. وقال الأعلم: " مرجوم وابن المعل سيدان من لُكَيز " وهذه نسبة مرجوم من الجمهرة، قال: " مرجوم هو ابن عبد عمرو بن قيس بن شهاب بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عَصَر - بتحريك المهملات - بن عمرو بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز " وأما المعلى فقد قال ابن دريد في الجمهرة: " هو جد الجارود بشر بن عمرو بن المعلى " انتهى والجارود: اسمه بشر، وسمي الجارود لبيت قاله بعض الشعراء (من الطويل):
كما جردا الْجَارُود بَكْرَ بْنَ وَائِلِ 1 وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابنه المنذر بن الجارود استعمله علي بن أبي طالب رضي الله عنه على فارس، وعبد الله بن الجارود كان رأس عبد القيس، واجتمعت إلى القبائل من أهل البصرة وأهل الكوفة فقاتلوا الحجاج فظفر بهم، فأخذه الحجاج فصلبه، والحكم بن المنذر بن الجارود سيد عبد القيس (2) مات في حبس الحجاج الذي يعرف بالدِّيماس، وهذه نسبته من الجمهرة: الجارود: هو بشر بن حَنَش بن المعلى، وهو الحارث بن يزيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز المذكور، ولم أقف على ما قبل البيت وبعده حتى أورده.
ولبيد رضي الله عنه صحابي تقدمت ترجمته في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس بعد المائة وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) 105 - خَالِي عُوَيْفٌ وأبو علج المطعمان اللحم بالعشج
وبالغداة فلق البرنج يقلع بالود وبالصيصج على أن بعض بني سعد يبدلون الياء، شديدة كانت أو خفية، جيماً في الوقف، كما في قوافي هذه الأبيات، فإن الجيم في أواخر ما عدا الأخير بدل من ياء مشددة، وأما الاخير فالجيم فيه بدل من ياء خفيفة، كما يأتي بيانه وإنما حركها الشاعر هنا لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، قال سيبويه: " وأما ناس من بني سعد فإنهم يبدلون الجيم مكان الياء في الوقف، لأنها خفية، فأبدلوا من موضعها أبين الحروف، وذلك قولهم: هذا تميمجُّ، يريدون تميميّ، وهذا علج، يريدون عليّ، وسمعت بعضهم يقول: عربانجّ يريدون عربانيّ، وحدثني من سمعهم يقولون: خَالِي عُوَيْفٌ وَأَبُو عَلِجِّ الْمُطْعِمَانِ اللحم بالْعَشِجِّ وَبِالْغَدَاةِ فِلَقَ الْبَرْنِجِّ يريدون بالعشى والبرنى، فزعم أنهم أنشدوه هكذا " انتهى كلامه ولم يذكر إجراء الوصل مجرى الوقف، وذكره الزمخشري في المفصل، وكلام ابن جني في سر الصناعة وغيره ككلام سيبويه، قال ابن المستوفي في شرح أبيات المفصل: " ومتى خرج هذا الإبدال عن هذين الشرطين، وهما الياء المشددة والوقف، عدوه شاذاً، ولذلك قال الزمخشري: وقد أجرى الوصل مجرى الوقف "
انتهى.
وهذه الأبيات لبدوي، قال ابن جني في سر الصناعة: " قرأت على أبي بكر، عن بعض أصحاب بن السكيت، عن يعقوب، قال: قال الأصمعي: حدثني خلف، قال: أنشدني رجل من أهل البادية: عَمِّي عُوَيْفٌ وأبُو عَلجِّ
إلى آخر الأبيات الأربعة يريد أبو علي وبالعشي والصيصَية، وهي قرن البقرة " انتهى.
وقال شارح شواهد أبي علي الفارسي: " جاء به أبو علي شاهداً على أن ناساً من العرب يبدلون من الياء جيماً، لما كان الوقف على الحرف يخفيه والإدغام فيه يقتضي الإظهار ويستدعيه أبدلوا من الياء المشددة في الوقف الجيم، لأنها أبين، وهي قريبة من مخرجها، وزعم أبو الفتح أنه احتاج إلى جيم مشددة للقافية، فحذف الياء ثم ألحق ياء النسب كما ألحقوها في الصفات مبالغة، وإن لم يكن منسوباً في المعنى نحو أحْمَريٌّ في أحمر، ثم أبدل من الياء المشددة جيماً، ثم قال: وما علمت أحداً تعرض لتفسيره قبلي، سوى أبي علي فيما أظن، قال الشيخ: أقرب من هذا وأشبه بالمعنى أن يكون أراد الصيصاء، وهو ردي التمر الذي لا يعقد نوى، ألحقته بقنديل فقال: صيصئ، ثم أبدل من الياء جيماً في الوقف، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف في هذا " انتهى كلامه افتخر بخاله أو بعميه، والمطعمان: صفة لهما، واللحم والشحم: مفعوله، والعشي: قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقيل: من صلاة المغرب إلى الْعَتْمة، كذا في المصباح، والغداة: الضحوة، والفِلَق - بكسر الفاء وفتح اللام - جمع فِلقَة، وهي القطعة
وروي " قِطَعَ " بدله، وروى أيضاً " كُتَلَ البرنج " وهو جمع كُتْلَة - بضم الكاف - قال الجوهري: الكتلة: القطعة المجتمعة من الصمغ وغيره، والبَرْنِي - بفتح الموحدة -: نوع من أجود التمر، ونقل السهيلي أنه عجمي، ومعناه حمل مبارك، قال: " بر " حمل و " نى " جيد، وأدخلته العرب في كلامها وتكلمت به، كذا في المصباح، وأقول: " بَرْ " في لغة ثمرة الشجرة أيّ شجرة كانت، وأما حملها فهو عندهم " بارْ " بزيادة ألف، والفرق أن " بَرْ " الثمر الذي يؤكل، وأما " بارْ " فعام سواء كان مما يؤكل أم لا، فصوابه أن يقول: " بَرْ " ثمر الشجر لا حملها، وأما " نى "
فأصله نيك - بكسر النون، فعند التعريب حذفت الكاف وشددت الياء، و " نيك " في لغة الفرس الجيد، ويُقْلَع بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير البرنج، وَالجملة حال منه، وقال العيني: صفة له، والود، بفتح الواو لغة في وَتِدٍ، والصيصِيَة بكسر الصادين وتخفيف الياء: القرن، واحد الصِّيصِي، والجمع الصياصِي، وصياصِي البقر: قرونها، وكان يقلع التمر المرصوص بالوتد وبالقرن، قال ابن المستوفي: الصيصي: جمع صيصِيَة، وهي القرن، كأنه شدد في الوقف على لغة من يشدد ثم أبدل، وزادها أن أجرى الوقف مجرى الوصل، كما قال (من الرجز): مِثْلَ الْحَرِيقِ وَافَقَ الْقَصَبَّا وقال الزمخشري في الحواشي: " شدد ياء الصيصي في الوقف كما لو وقف على القاضي " انتهى وقال ابن جني في شرح تصريف المازني: " الذي عندي فيه أنه لما اضطر إلى جيم مشددة عَدَل فيه إلى لفظ النسب، وإن لم يكن منسوباً في المعنى، كما تقول: أحمر وأحْمَرِيّ، وهو كثير في كلامهم، فإذا كان الأمر كذلك جاز أن يراد بالصيصج لفظ النسب، فلما اعتزمت على ذلك حذفت تاء التأنيث، لأنها لا تجتمع مع ياء النسبة، فلما حذفت الهاء بقيت الكلمة في التقدير صيصٍ بمنزلة قاضٍ، فلما ألحقها ياء النسبة حذفت الياء لياء النسبة، كما تقول في النسبة إلى قاض: قاضيّ، فصارت في التقدير صيصيّ، ثم إنها أبدلت من الياء المشددة الجيم، كما فعلت في القوافي التي قبلها، فصارت صيصجّ، كما ترى، فهذا الذي عندي في هذا، وما رأيت أحدا من عرض لتفسيره، إلا أن يكون أبا علي فيما أظنه " انتهى وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس بعد المائة (من الرجز): 106 - يَا رَبِّ إن كنت قبلت حجتج فلا يزال شاحج يأتيك بج
أقمر نهات ينزى وفرنج على أنه أبدل الجيم من الياء الخفيفة، وأصله حِجَّتي وبِي ووَفْرَتي، بياء المتكلم في الثلاثة وأنشد أبو زيد هذه الأبيات الثلاثة في أوائل الجزء الثالث من نوادره، قال: " قال المفضل: أنشدني أبو الغول هذه لبعض أهل اليمن " ولم يخطر ببال أبي علي ولا على بال ابن جني رواية هذه الأبيات عن أبي زيد في نوادره، ولهذا نسباها إلى الفراء، وقالا: أنشدها الفراء، ولو خطرت ببالهما لم يعدلا عنه إلى الفراء البتة، لأن لهما غراماً بالنقل عن نوادره، ولو أمكنها أن لا ينقلا شيئاً إلا منها فعلا، قال ابن جني في سر الصناعة: " وكان شيخنا أبو علي يكاد يصلي بنوادر أَبي زيد إعظاماَ لها، وقال لي وقت قراءتي إياها عليه: ليس فيها حرف إلا لأبي زيد تحته غرض ما، وهو كذلك، لأنها محشوة بالنكت والأسرار " انتهى كلامه رحمه الله ولله در الشارح المحقق في سعة إطلاعه، فإنه لم يشاركه أحد في نقل هذه الأبيات عن أبي زيد إلا ابن المستوفي وقد ذهب ابن عصفور في كتاب الضرائر إلى أن إبدال الياء الخفيفة جيماً خاص بالشعر، ولم أره لغيره، قال: " ومنها إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة، نحو قول هِمْيَان بن قُحَافَة (من الرجز) 1 يُطِيرُ عَنْهَا الْوَبَرَ الْصُّهَابِجَا يريد الصُّهَابيَّ، فحذف إحدى الياءين تخفيفاً، وأبدل من الأخرى جيماً، لتتفق القوافي، وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين في المخرج، ومثل ذلك قول الآخر، أنشده الفراء:
يَا رَبِّ إنْ كُنْتَ قَبِلَتَ حِجَّتِجْ إلى آخر الأبيات يريد حجتي، ويأتيك بي، ويُنَزِّي وفرتي، فأبدل من الياء جيماً، وقول الآخر (من الرجز): حَتَّى إذَا مَا أمسحت وَأَمْسَجَا يريد أمْسَتْ وأمْسَى: لأنه رَدَّهما إلى أصلهما وهو أمْسَيَتْ وأمْسَيَا، ثم أبدل الياء جيماً لتقاربهما لما اضطر إلى ذلك " انتهى وجعله ابن المستوفي من الشاذ، قال: " ومن الإبدال الشاذ قوله، وهو مما أنشده أبو زيد: يَا رَبِّ إنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حِجَّتِجْ وهذا أسهل من الاول، لانه أورد الشاعر في الوقف، إلا أن الياء غير مشددة " انتهى وقوله " يا ربن إن كنت " أنشده الزمخشري في المفصل " لاَهُمَّ إن كنت " وكذا أنشده ابن مالك في شرح الشافية، والحجة - بالكسر -: المرة من الحج، قال القيومى في المصباح: " حج حجا من باب قتل: قصد، فهو حاج، هذا أصله، ثم قصر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة، يقال: ما حج ولكن دَجّ، فالحج: القصد للنسك، والدج: القصد للتجارة، والاسم الحج بالكسر، والحجة المرة بالكسر، على غير قياس، والجمع حِجَجٌ، مثل سِدْرَة وسدَر، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يسمع من العرب، وبها سمي الشهر ذو الحجة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الحجة " انتهى والشاحج - بالشين المعجمة والحاء المهملة قبل الجيم -: البغل والحمار، من شَحَجَ البغل والحمار والغراب - بالفتح - يشحج - بالفتح والكسر - شَحِيجاً وشُحاجاً، إذا صوت، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " قال
صدر الأفاضل: أراد بشاحج حماراً: أي عَيْراً، قيل في نسخة الطباخي بخطه: شبه ناقته أو جملة، بالعَيْر " انتهى وروى ابن جني عن أبي علي في سر الصناعة " شامخ " أيضاً بالخاء المعجمة بعد الميم، وقال: يعني بعيراً مستكبراً، انتهى.
وهذا لا يناسبه " أقمر نهات " وقوله " يأتيك " يأتي بيتك بي، والأقمر: الأبيض، والنَّهَّات: النَّهَّاق، يقال: نَهَتَ الحمار يَنْهِتُ - بالكسر - أي نهق، ونَهَت الأسد أيضاً: أي زأر، والنهيت: دون الزئير، وينزى - بالنون والزاي المعجمة -: أي يحرك، والتنزيه: التحريك، والْوَفْرَة بالفاء: الشعر إلى شحمة الأذن، قال ابن المستوفي: أي يحرك لسرعة مشيه، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل قيل: عبر بالوَفْرَة عن نفسه كما يعبر بالناصية تسمية للمحل باسم الخال، يقول: اللهم
إن قبلت حجتي هذه فلا تزال دابتي تأتي بيتك وأنا عليها محرك وَفْرَتي أو جسدي في سيرها إلى بيتك: أي إن علمت أن حجتي هذه مقبولة فأنا أبداً أزور بيتك وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع بعد المائة (من الرجز): 107 - الله نجاك بكفي مسلمت مِنْ بَعْدِ مَا وَبَعْدِ مَا وَبَعْدِ مَتْ صَارَتْ نُفُوسُ الْقَوْمِ عِنْد الْغَلْصَمَتْ وَكَادَتْ الْحُرَّةُ أنْ تُدْعَى أمَتْ على أن هاء التأنيث في نحو مَسْلَمَتْ وَالْغًلْصَمَتْ وأمَتْ بعضُ العرب يقف عليها بالتاء كما هنا، وأبو الخطاب من مشايخ سيبويه، وهذا الكلام نقله عنه سيبويه في كتابه بدون هذا الشعر، وهذا نصه 1: " أما كل اسم مُنَوَّن فإنه
يلحقه في حال النصب في الوقف الألف، كراهية أن يكون التنوين بمنزلة النون اللازمة للحرف، ومثل هذا في الاختلاف الحرف الذي فيه تاء التأنيث، فعلامة التأنيث - إذَا وَصَلْته - التاءُ، وإذا وقفت ألحقت الهاء، أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التي هي من نفس الحرف نحو تاء ألْقَتِّ 1 وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو تاء سَنْبَتَة (2) وتاء عِفْرِيت، لأنهم أرادوا أن يلحقوها ببناء قحطبة وقنديل، وكذلك التاء في بنْتٍ وأُخت: لأن الاسمين ألحقا بالتاء ببناء عُمْر وعِدْل، وفرقوا بينها وبين منطلقات لأنها كأنها منفصلة من الأول، وتاء الجميع أقرب إلى التاء التي بمنزلة ما هو من نفس الحرف من تاء طلحة، لأن تاء طلحة كأنها منفصلة، وزعم أبو الخطاب أن نَاساً من العرب يقولون في الوقف: طَلْحَتْ، كما قالوا في تاء الجميع قولاً واحداً في الوقف والوصل " انتهى كلام سيبويه وقال ابن جني في سر الصناعة: " فأما قولهم قائمة وقاعدة فإنما الهاء في الوقف بدل من التاء في الوصل، والتاء هي الأصل، فإن قيل: وما الدليل على أن التاء هي الأصل وأن الهاء بدل منها؟ فالجواب أن الوصل ما يُجْرَى فيه الأشياء على أصولها، والوقف من مواضع التغيير، ألا ترى أن من قال في الوقف: هذا بَكُرْ، ومررت بَبَكِرْ، فنقل الضمة والكسرة إلى الكاف في الوقف، فإنه إذا وصل أجرى الأمر على حقيقته، وكذلك من قال في الوقف هذا خالِدّ، وهو يجعلّ، فإنه إذا وصل خفف الدال واللام، على أن من العرب من
يجري الوقف مجرى الوصل، فيقول في الوقف: هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، وأنشدنا أبو علي (من الرجز): بَلْ جَوْزِتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ وأخبرنا بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قُطْرُب أنه أشد (من الرجز): الله نجاك بكفي مسلمت من بعدما وبعدما وَبَعْدِمَتْ صَارَتْ نُفُوسُ الْقَوْمِ عِنْدَ الْغَلْصَمَتْ وَكَادَتِ الْحُرَّةُ أنْ تُدْعَى أمَتْ فلما كان الوصل مما يُجْرَى فيه الأشياء على أصولها في غالب الأمر، وكان الوقف مما يغير فيه الأشياء عن أصولها، ورأينا علم التأنيث في الوصل تاء نحو قائِمَتَانِ وقائمتكم، وفي الوقف هاءً نحو ضاربَهْ، علمنا أن الهاء في الوقف بدل من التاء في الوصل، وأما قوله " وبعد مت " فأصله " وبعد ما " فأبدل من الألف في التغيير هاء، فصارت " وبَعْدِمه " كما أبدلها الآخر من الألف فقال فيما أخبرنا به بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قُطْرُب (من الرجز المجزوء): قَدْ وَرَدَتْ مِنْ أمْكِنَهْ من ها هنا وَمِنْ هُنَهْ يريد " ومن هنا " فأبدل من الألف في الوقف هاء، فصار التقدير على هذا " مِنْ بَعْدِ مَا وَبَعْدِ مَا وبعدمَهْ " ثم أبدل الهاء تاء ليوافق بقية القوافي التي تليها، ولا تختلف، وشجعه على ذلك شبه الهاء المقدرة بهاء التأنيث في طلحة وحمزة، ولما كان يراهم يقولون في بعض المواضع في الوقف: هذا طَلْحَتْ، قال هو أيضاً: " وبعدمَتْ " فأبدل الهاء المبدلة من الألف تاء تشبيهاً لفظيّاً، وأما ما قرأته على محمد بن الحسن من قول الآخر (من المتقارب): إذَا اعْتزَلَتْ مِنْ مَقَامِ الْقَرِينِ فَيَا حُسْنَ شَمْلَتِهَا شَمْلَتَا فقال فيه: إنه شبه هاء التأنيث في " شملة " بالتاء الأصلية في نحو بَيْت وَصوت، فألحقها في الوقف عليها ألفاً، كما تقول: رأيت بيتاً، فَشَمْلَتَا على هذا
منصوب على التمييز، كما تقول: يا حُسْنَ وجهها وَجْهاً: أي مِنْ وجه " انتهى كلام ابن جني باختصار.
فقول الشارح المحقق " والظاهر أن هؤلاء لا يقولون في النصب رأيت أمَتَا " يريد أنهم لا يقولون في الاختيار، وأما في الضرورة فقد قيل، كما نقله ابن جني في " شَمْلَتَا ".
وروى ابن عصفور الشعر في كتاب الضرائر بالهاء على الأصل، قال: " ومنه إبدال ألف " ما " و " ها هنا " هاء في الوقف عند الاضطرار إلى ذلك نحو قوله: الله نَجَّاكَ بِكَفِّي مَسْلَمَهْ مِنْ بَعْدِمَا وَبَعْدِمَا وَبَعْدِمَهْ
يريد " وبعدما " وقوله: قَدْ وردت من أمكنه من ههنا وههنه يريد " وها هنا " وسهل ذلك كون الألف والهاء من مخرج واحد " انتهى.
وهذا الشعر لم أقف على قائله.
وقوله " الله نجاك - إلخ " الله: مبتدأ، وجملة " نجاك " خبره، ونجاه من الهلاك تنجيةً: أي خلَّصَه، ويقال: أنجاه، أيضاً، وبه رواه ابن هشام في شرح الألفية، و " بكَفَّي " الباء متعلقة بنجاك، وكفي: مثنى كف، قال الأزهري: الكف الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن، وأراد بالكف اليد، من إطلاق الجزء على الكل، واليد: من المنكب إلى أطراف الأصابع، والمراد من اليد هنا الدفع، يقال: مالي بهذا الأمر يد، ولا يدان، لأن المباشرة والدفاع إنما تكون باليد، فكأن يَدَيْه معدومتان لعجزه عن الدفع، وإنما ثنى لأن كمال الدفع بهما، قال ابن الأثير في النهاية: " في الحديث " عليكم بالجماعة فإن يد الله عليها " كناية عن الحفظ والدفاع عن أهل الضر، كأنهم خصوا بواقية الله وحسن دفاعه، ومنه الحديث الآخر " يَدُ الله على الجماعة " أي أن الجماعة المتفقة من أهل الإسلام في كَنَف الله ووقايته "
ومَسْلَمة - بفتح الميم واللام - الظاهر أنه مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وقوله " من بعدما " الأصل من بعدما صارت نفوس القوم فكرر " من بعدما " ثلاث مرات للتهويل، وأبدل ألف ما الثالثة هاء فتاء للقافية، وقوله " صارت نفوس القوم " متصل في التقرير ببعدما الأولى، ويقدر للثانية والثالثة مثلها، أولا يقدر، لأنهما كررا لمجرد التهويل، و " ما " قيل: هي كافة لبعد عن الإضافة ومهيئتها للدخول على الجملة الفعلية، وقيل: مصدرية، وهو الأولى، لأن فيه إبقاء " بعد " على أصلها من الإضافة، ولأنها لو لم تكن مضافة لنونت، كذا قال ابن هشام في المغني، والنفوس: جمع نفس، وهي الروح، يقال: جاد بنفسه، وخرجت نفسه، وهي مؤنثة، قال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) وإن أريد بها الشخص فمذكرة، كذا في المصباح، والْغَلْصَمَة - بالفتح: رأس الحلقوم، وهو الموضع النّاتئ في الحلق، والجمع غَلاَصم، كذا فيه أيضاً، و " كادت " معطوف على صارت، والحرة: خلاف الأمة، والحر: خلاف العبد، وأصل الحر الخالص من الاختلاط بشئ غيره، فالحر والحرة مأخوذان منه، لأنهما خلصا من الرق، يقول: كاد الأعداء يُسْبَوْنَ فتصير الحرة أمة، و " تدعى " بالبناء للمفعول: أي تسمى، وجاءت أن في خبر كاد على أحد الجائزين وأنشد الجاربردي هنا، وهو الشاهد الثامن بعد المائة (من الرجز) 108 - لَوْ كُنْتُ أدْرِي فَعَلَيَّ بَدَنَهْ مِنْ كَثْرَةِ التَّخْلِيطِ أنِّي مَنْ أنَهْ على أنه يوقف على " أنا " بالهاء قليلاً، كما في البيت قال ابن جني في سر الصناعة: " فأما قولهم في الوقف على " أنَ فَعَلْتُ ": أنا، وَأَنَهْ، فالوجه أن تكون الهاء في " أنَهْ " بدلاً من الألف في " أنا " لأن الأكثر في الاستعمال إنما هو أنا بالألف، والهاء قليلة جداً، فهي بدل من الألف، ويجوز
أن تكون الهاء أيضاً في " أنَهْ " أُلحقت لبيان الحركة كما ألحقت الألف، وَلا تكون بدلاً منها، بل قائمة بنفسها " انتهى والبدنة: ناقة أو بقرة أو بعير، ولا تقع على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصة، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسُّنَّة، وقوله " من كثرة " متعلق بالفعل المنفي ضمناً: أي ما أدري من كثرة التخليط، والتخليط في الأمر: الإفساد فيه، و " أنِّي " بفتح الهمزة، ومَنْ: مبتدأ، وأنَهْ: خبره، وقيل بالعكس، والجملة في محل رفع خبر أنِّي، وجملة " أنِّي من أنه " في محل نصب سادة مسد مفعولي أدري، وروى صدره الشارح المحقق رحمه الله في شرح الكافية " إنْ كُنْتُ أدْرِي " بإن الشرطية وهذا البيت لم أقف على أثر منه وأنشد هنا، وهو الشاهد التاسع بعد المائة (من الوافر): 109 - أنَا سَيْفُ الْعَشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي حُمَيْداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا على أن إثبات ألف " أنا " في الوصل لضرورة الشعر، كما في البيت، والقياس حذفها فيه وتقدم ما يتعلق به في الشاهد الثامن والسبعين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية وَ " حُمَيْداً " روي مصغراً ومكبراً، وهو بدل من الياء في " فاعرفوني " لبيان الاسم، أو هو منصوب على المدح بتقدير أعني، وَ " تَذَرَّيْتُ السنام " بمعنى علوته، وهو من الذروة بالكسر والضم، وهو أعلى السنام، وحقيقته علوت ذروة السنام، وقائله حميد بن بحدل الكلبى، وتقدمت ترجمته هناك
وأنشد بعده، وهو الشاهد العاشر بعد المائة (من الرمل) 110 - يَا أبَا الأَسَودِ لِمْ خَلَّيْتَنِي لِهُمُومٍ طَارِقَاتٍ وَذِكَرْ على أنه سكن الميم من " لِمْ " إجراء للوصل مجرى الوقف وتقدم أيضاً ما يتعلق به في الشاهد السادس عشر بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية و" لِمْ " معناه لاجل أي شئ، وَخَلَّيْتَنِي: تركتني، وروي " أسْلَمْتَنِي " وروي أيضاً " خَذَّلْتَنِي "، والطروق: المجئ ليلاً، وإنما جعل الهموم طارقات لأن أكثر ما يعتري الإنسان في الليل حيث يجمع فكره ويخلو بَالُهُ فيتذكر ما فيه من الهموم المؤلمة، و " ذِكَر " بكسر ففتح جمع ذكر على غير قياس وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادس عشر بعد المائة (من الوافر): 111 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي دَمَانِ على أن بع العرب لا يحذف ألف " ما " الاستفهامية المجرورة وتقدم أيضاً ما يتعلق به في الشاهد السادس والثلاثين بعد الأربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية وصواب العجز: كخنزير تَمَرَّغَ في رماد 1 لأن القافية دالية، وهو من أبيات لحسَّان بن ثابت شرحناها هناك وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاثنى عشر بعد المائة (من الرجز): 112 - قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقا
على أن الشاعر سكن الراء، وهي عين الفعل، وكان حقها الكسر، كأنه توهم أنها لام الفعل فسكن الامر 1 وأبو الخطاب: من مشايخ سيبويه، وما نقله عنه الشارح هو في كتاب سيبويه، وليس فيه هذا الشعر، وهذا نصه: " وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون: ادْعِه، من دعوت، فيكسرون العين، كأنها لما كانت في موضع الجزم توهموا أنها ساكنة، إذ كانت آخر شئ في الكلمة في موضع
الجزم، فيكسرون حيث كانت الدال ساكنة، لأنه لا يلتقي ساكنان، كما قالوا: رديا يا فتى، وهذه لغة رديئة، وإنما هو غلط، كما قال زهير (من الطويل): بَدَالِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى وَلاَ سَابِقٍ شيئا إذا كان حائيا " انتهى.
وأورده ابن عصفور في الضرائر الشعرية، قال: " فإن كانت الضمة والكسرة اللتان في آخر الكلمة عَلاَمتي بناء اتفق النحويون على جواز حذفها في الشعر تخفيفاً، نحو قول أبى نخيلة (من الرجز): إذا اعوجبن قُلْتُ صَاحِبْ قَوّمِ بالدَّوِّ أمْثَالَ السَّفِينِ العُوَّم وقال العذافى الكندي (من الرجز) قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دقيقا وهات خبر الْبُرِّ أوْ سَوِيقَا وقال الآخر (من الرجز) فاحذ وَلاَ تَكْتَرْ كَرِيّاً أهْوَجَا عِلْجاً إذَا سَاقَ بِنَا عَفَنْجَجَا وقال الآخر (من الوافر): وَمَنْ يَتَّقْ فإن الله معه ورزق الله موتاب وَغَادي ألا ترى أن الأصل: صاحِبُ قَوِّمِ، واشتر، ولا تكتر كريا، ومن يتق
فإن الله معه، إلا أنه أسكن إجراء للمتصل مجرى المنفصل أو إجراء للوصل مجرى الوقف، كما تقدم في تسكين المرفوع والمخفوض؟ فأما قراءة من قرأ (ويَخْشَ الله ويَتَّقْهِ) فسكن القاف يريد ويتقه بكسرها، فإن التسكين فيها أحسن من التسكين في اشتر لنا وَأمثاله، لشدة اتصال الضمير بما قبله " انتهى وقال شارح شواهد أبي علي الفارسي: " لما كانت الياء في هذا الفعل حرف
علة، وكانت تحذف في حالتي الجزم والأمر وتبقى الكسرة في الراء قبلها دالة عليها، اغتفر هذا الشاعر كونها منتهى الكلمة فحذفها للأمر، شبَّه الوصل بالوقف، أو شبّه المتصل بالمنفصل، وهذا أشبهَ " أشْرَبْ 1 "، لأنه لم يخل بإعراب، لأن اتصال اللام بمتعلقها أشد من اتصال غيره، أو حذف الياء تخفيفاً كما حذفها من لا أدْرِ ولا أُبَالِ، ثم أدخل الجازم، ولم يعتد بما حذفه فأسكن للجزم كما أسكن لم أُبَلِهْ قبل أن يحرك لالتقاء الساكنين " انتهى كلامه والبيت الأول من الأربعة من شواهد سيبويه قال الأعلم: " الشاهد تسكين باء صاحبْ ضرورة، وهو يريد يا صاحبُ - بالضم - وهذا من أقبح الضرورة، والدوُّ: الصحراء، وأراد بأمثال السفين: رواحل محملة تقطع الصحراء كقطع السفن البحر " انتهى.
والبيت الشاهد من رجز أورده أبو زيد في نوادره لرجل من كندة يقال له العذافر، وهو: قَالَتْ سليمى اشتر لنا سويقا وهات بُرَّ الْبَخْسِ أوْ دَقِيقَا واعْجَل بِلَحْمٍ نَتَّخِذْ خُرِدْيقا واشْتَرْ وَعَجَّل خَادِمَاً لَبيقا واصْبُغْ ثِيَابِي صَبَغاً تَحْقِيقَا مِنْ جَيِّدِ الْعُصْفُرِ لاَ تشريفا
الخرديق: المرقة باللحم، وتشريقاً: مشرق قليل الصبغ، واصبغ واصبغ: لغتان " انتهى.
وزاد بعدها أبو محمد الأعرابي ضالَّة الأديب سبعة أبيات، وهي: يَا سَلْمُ لَوْ كُنْتُ لِذَا مُطِيقَا
لَمَا جَعَلْتُ عَيْشَكُمْ تَرْمِيقَا فَارْضَيْ بِضَيْحِ الرَّائِبِ الممذوقا وارضى بِحَبِّ الْحَنْظَلِ الْمَدْقُوقَا فَبَرَّقَتْ وَصَفَّقَتْ تَصْفِيقَا ثُمَّ غَدَتْ تَلْتَحِمُ الطَّرِيقَا نَحْوَ الأَمِيرِ تَبْتَغِي التَّطْلِيقَا وقال: هذه الأبيات لسُكَيْن بن نضرة عبدٍ لبَجيلة، وكان تزوج بصرية فكلفته عيش العراق والسويق: ما يجعل من الحنطة والشعير، معروف، والبر - بالضم - الحنطة والقمح، والبخس - بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وآخره سين مهملة -: أرض تنبت من غير سقى، ورواه أبو محمد الأعرابي كذا: وهَاتِ خُبْزَ الْبُرِّ أوْ دَقِيقَا والخُرديق - بضم الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة - قال أبو الحسن فيما كتبه على نوادر أبي زيد: الخُرْديق بالفارسية: المرقة مرقة الشحم بالتابل، واللَّبيق: الحاذق، واللباقة: الحذاقة، واصبغ - بفتح الباء وضمها - من بابي نفَع وقتَل وفي لغة من باب ضرب، والصَّبَغ - بفتحتين - لغة في سكون الباء، وقوله " يا سَلُمُ " هو مرخم سَلْمَى، وكنتُ - بضم التاء - والترميق: ضيق المعيشة، وفلان مُرَمَّق العيش: أي ضيقة، ويروى: ترنيقاً - بالنون موضع
الميم - وهو التكدير، قال ابن الأعرابي: رنَّق الماء ترنيقاً: أي كدره، والضَّيْح - بإعجام الأول وإهمال الآخر - وهو اللبن الرقيق من كثرة الماء، والمذق: الخلط، وارْضَيْ: أمر بالرضا في الموضعين، وبرقت: أي عبنها، وتلتحم الطريق:
أي تسده بكثرة الناس عليها من صياحها وشرها وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائة (من الوافر): 113 - وَمَنْ يتق فإن الله معه وَرِزْقُ الله مُؤْتَابٌ وَغَادِي لما تقدم قبله من تسكين الآخر، والقياس كسر القاف، وقد أورده الجوهري في موضعين من صحاحه: في مادة (أوب) قال: آب رجع، وأتَابَ مثل آب فَعَلَ وافْتَعَلَ بمعنى، وأنشد البيت، وأورده ثانياً في مادة الوقاية فأصل مؤتاب بهمز الواو، لأن الهمزة فاء الكلمة، والألف مبدلة من واو هي عين الكلمة ولم أقف على تتمته، ولا على قائله، ولم يكتب ابن بري ولا الصفدي عليه شيئاً في الموضعين.
وأنشد الجاربردي، وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائة (من الرجز): 114 - يَا رَبِّ يَا رَبَّاهُ إيَّاكَ أسَلْ عَفْرَاءَ يَا رَبَّاهُ مِنْ قَبْلِ الأَجَلْ فَإنَّ عَفْرَاءَ مِنَ الدُّنْيَا الأَمَلْ على أن إلحاق هاء السكت في الوصل لضرورة الشعر، وحرّكَهَا بالكسر، ورُوِي ضمها أيضا.
وقد تكملنا عليه في الشاهد الثاني والثلاثين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس عشر، وهو من شواهد سيبويه: (من الكامل) 115 - وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفرْ على أن أصله يفري، فحذفت الياء، وسكنت الراء، للوقف على القافية، ولا يبالون بتغير وزن الشعر وَانكساره
قال سيبويه: 1 " واعلم أن الياءات والواوات اللاتي هن لامات إذا كان ما قبلها حرف الروي فُعل بها ما فُعل بالياء والواو اللتين ألحقتا للمد في القوافي، لأنها تكون في المدة بمنزلة الملحقة، ويكون ما قبلها رَوِياً، كما كان ما قبل تلك رَوِياً، فلما ساوتها في هذه المنزلة ألقحت بها في المنزلة الأخرى، وذلك قولهم لزهير: وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُم لاَ يَفْرْ وكذلك " يغزو " لو كانت في قافية كنت حاذفها إن شئت، وهذه اللامات لا تحذف في الكلام، وما حذف منهن في الكلام فهو هاهنا أجدر أن يحذف، إذ كنت تحذف هنا مالا يحذف في الكلام انتهى كلامه.
قال الأعلم (1): " الشاهد فيه حذف الياء في الوقف من قوله يَفْري فيمن سكن الراء، ولم يطلق القافية للترنم، وإثبات الياء أكثر وأقيس، لأنه فِعْل لا يدخله التنوين ويعاقب ياءه في الوصل، فيحذف لذلك في الوقف كقاض وغاز وما أشبههما " انتهى.
وقال شارح شواهد أبي علي الفارسي: " جاء شاهداً على أن مثل هذه الياء في الفواصل والقوافي حُذِف: حذف الياء لثقلها، ثم أسكن الراء للوقف، كما يفعل ذلك في الفواصل من كتاب الله، ولا يفعلون ذلك في الألف لخفتها إلا في ضرورة الشعر، كما قال (من الرمل):
رهط مرجوم ورهط ابْنِ الْمُعَلّ أراد المعلَّى، فحذف، وشبه الألف بالياء ضرورة " انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها هَرِمَ بن سِنان المري، وقد شرحنا ثلاثة أبيات من أولها في الشاهد السابع والستين بعد الأربعمائة من شرح
شواهد شرح الكافية.
وقوله " ولأنت تفري إلخ " هذا مثل ضربه لممدوحه، وهو هَرِم بن سنان المري، والمراد العزم، و " تفري " بالفاء تقطع، يقال: فريت الاديم، إذا قطعته على وجه الإصلاح، وأفريته - بزيادة ألف - إذا قطعته على وجه الإفساد، والخَلْق: أحد معانيه التقدير، وهو المراد هنا، يقال: خلقت الأديم، إذا قدرته لتقطعه، فضربه هنا مثلاً لتقدير الأمر وتدبيره ثم إمضائه وتنفيذ العزم فيه، والمعنى أنك إذا تهيأت لأمر مضيت له وأنفذته ولم تعجز عنه، وبعض القوم يقدر الأمر وَيتهيأ له ثم لا يعزم عليه ولا يمضيه عجزاً وضعف همة: وأنشد بعده رَهْطً مرجوم ورهط بن المعل على أن أصله ان المعلَّى فحذفت الألف، لضرورة الشعر، وهو عجز وصدره: وَقَبِيلٌ مِنْ لُكَيْزٍ شَاهِدٌ وتقدم شرحه في الشاهد الثالث بعد المائة من هذا الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس عشر بعد المائة (من الكامل): 116 - وَلأَنْتَ أشْجَعُ مِنْ أسامة إذ دعيت نزال ولج فِي الذُّعْرْ
على أنه حذف الياء من " لا يَفْر " في البيت السابق تبعاً لحذف الياء من " الذُّعْر " في هذا البيت، والياء في " الذعر " إذا أطلقت القافية ولم تسكن تنشأ من كسرة الراء، فهي زائدة حصلت من الإشباع، بخلاف " يفري " فإنها لام الكلمة.
وهذا البيت قبل البيت السابق في القصيدة، وليس البيت في شعر زهير
كما أنشده، فإن المصراع الأول أجنبي، وإنما قوله: وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذَا دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذُّعْرْ وذاك المصراع إنما هو للمسَيَّب بن عَلَس، وهو قوله من قصيدة (من الكامل): وَلأَنْتَ أشْجَعُ مِنْ أُسَامَةَ إذْ يَقَعُ الصُّرَاخُ ولُجَّ في الدعر فالبيت مركب من شعرين، تبع فيه صاحب الصحاح، وقد حققنا الكلام فيه وفي القصيدتين في الشاهد السابع والستين بعد الأربعمائة.
وأسامة - بضم الهمزة - معرفة علم للأسد، " ودعيت " بالبنال للمفعول، و " نزال " في محل رفع نائب الفاعل، ونزال بالكسر: اسم فعل أمر بمعنى أنزل، وقد استدل الشارح المحقق وغيره بهذا البيت على أن فَعَالِ الامرى مؤنث، ولهذا أنث لها الفعل المسند إليها، ومعنى دعاء الأبطال بعضهم بعضاً بنزال أن الحرب إذا اشتدت بهم وتزاحموا فلم يمكنهم التطاعن بالرماح تَدَاعَوْا بالنزول عن الخيل والتضارب بالسيوف، ومعنى " لُجَّ في الذعر " بالبناء للمفعول: تتابع الناس في الفزع، وهو من اللِّجاج في الشئ، وهو النمادى فيه.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع عشر بعد المائة (من الطويل):
117 - وَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَلْمَى سِنِينَ ثمانيا على صِيرِ أمْرٍ مَا يُمِرُّ وَمَا يَحْلْ على أنه حذف الواو من " يَحْل " للوقف، وهي لام الكلمة، كما حذفت واو الإشباع من " الثقل " في البيت الذي هو بعده.
وهو مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها سنان بن أبي حارثة المري.
وصحا: أفاق: أي رجع عقله إليه، وأقفر: صار قفراً لا أنيس به، والتعانيق:
موضع، وكذا الثقل - بكسر المثلثة وسكون القاف - موضع، يقول أفاق قلبي من حُبِّ سلمى لبعدها منه، وقد كان لا يفيق من شدة التباس حبها به، وقوله: و " قد كنت من سلمى - إلخ " الصِّير - بكسر الصاد المهملة -: الإشراف على الشئ والقرب منه، يقال: أنا من حاجتي على صير: أي على طرف منها، وإشراف من قضائها، وفى الصحاح: " وأمر الشئ: صار مرا، وكذلك مر الشئ يمر بالفتح مرارة، وأمره غيره ومَرَّه " انتهى.
وأنشد العسكري هذا البيت في كتاب التصحيف، وقال: " على صِير أمْرٍ " على منتهاه ويقال: صِيره وصَيْرُورَتَهُ، قال أبو عمرو: أي على شَرَف أمرٍ، والياء من يُمرُّ مضمومة، لأن اللغة العليا أمر الشئ يُمر إمراراً، وهو مذهب البصريين وابن الأعرابي، وأهل بغداد يقولون: مر الشئ، قالوا: من العرب من يقول: مر الشئ يَمَرَ مَرَارَة، انتهى.
و" يحلو " مضارع حَلاَ الشئ: أي صار حلواً، وأما أحْلَى فمعناه أن يجعله حُلواً، يقال: فلان لا يحلو ولا يمر: أي لا يأتي بحلو ولا مر، وقوله " ما يمر وما يحلو " أي: لم يكن الأمر الذي بيني وبينهما مراً فأيأس منه، ولا حلواً فأرجوه، وهذا مثل، وإنما يريد أنها كانت لا تصرمه فيحمله ذلك على اليأس والسلو ولا
تواصله كل المواصلة فيهون أمرها عليه، ويشفَي قلبه منها، يقول: كنت في هذه السنين بين يأس وطمع، ولم أيئس منها فيمِر عيشي ولم أطمع أن تصلني فيحلو، وأنشد بعده، وهذا الشاهد الثامن عشر بعد المائة (من الطويل) 118 - صَحَا الْقَلْبُ عَنْ سَلْمَى وَقَدْ كَادَ لاَ يَسْلْ وأَقْفَرَ مِنْ سَلْمَى التَّعَانِيقُ فَالثِّقْلْ على أنه حذفت واو الإطلاق من " الثقل " فسكن اللام للوقف، وهذه الواو ناشئة من إشباع ضمة اللام، وقد تقدم شرحه وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: من الرجز) 119 - دَايَنْتُ أرْوَى وَالدُّيّونُ تقضى فمطلت بعضا وأدت بعظا على أن الألف لا يجوز حذفها في الوقف قال سيبويه: " وأما يخشى ويرضى ونحوهما فإنه لا يحذف منهن الألف، لأن هذه الألف لما كانت تثبت في الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التي تكون في الوقف بدلاً من التنوين، فكما تبيِّن تلك الألف في القوافي فلا تحذف، كذلك لا تحذف هذه، فلو كانت تحذف في الكلام ولا تمد إلا في القوافي لحذفت ألف يخشى كما حذفت ياء يقضى، حيث شبهتها بالياء التي في " الأَيَّامِي " فإذا ثبتت التي بمنزلة التنوين في القوافي لم تكن التي هي لام أسوأ حالاً منها، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول (من الطويل):... لَمْ يَعْلَمْ لَنَا النَّاسُ مُصْرَعْ فتحذف الألف؟ لأن هذا لا يكون في الكلام، فهو في القوافي لا يكون،
فإنما فعلوا ذلك بيقضي ويغزو لأن بناءهما لا يخرج نظيره إلا في القوافى، وإن شئت حذفته فإنما ألحقتا بما لا يخرج في الكلام، وألحقت تلك بما يثبت على كل حال، ألا ترى أنك تقول: دَايَنْتُ أرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى فَمَطَلَتْ بَعْضَاً وَأَدَّتْ بَعْضَا فكما لا تحذف ألف بعضاً كذلك لا تحذف ألف تُقْضَى " 1 انتهى.
وقوله " في الأيَّامِي " هو قطعة من بيت لجرير عليه رحمة ربه القدير، وهو:
(من الكامل) أيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ كانَتْ مُبَارَكَةً مِنَ الايامى وقول: " لم يعلم لنا الناس إلخ " فهو أيضاً قطعة من بيت ليزيد بن الطثريَّة (2)، وهو: (من الطويل) فَبِتْنَا تَحِيدُ الْوَحْشُ عَنَّا كَأَنَّنَا قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا