إبدال اللام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، الرضي
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
- المؤلف
- محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
- الناشر
- دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من النون، والثاني تصغير جمع الكثرة على لفظه، وإن كان أُصْلاَنٌ واحداً كرُمَّان وقُرْبَان، - مع أنه لم يستعمل - فشذوذه من جهة واحدة، وهي قلب النون لاماً، قال الأخفش: لو سميت به لم ينصرف، لأن النون كالثابتة، يدل على ذلك ثبات الألف في التصغير كما في سُكَيْرَان، وكذا هَرَاق إذا سميت به غَيْرُ منصرف، لأن الهمزة في حكم الثابت قوله " الْطَجع " من قوله: لَمَّا رأَى أنْ لاَدَعَه وَلاَ شَبَعْ مَالَ إلى أرطاة حقف فالطجع 1 قال: " والطَّاءُ مِنَ التَّاءِ لاَزِمٌ فِي اصْطَبَرَ، وشاذٌّ فِي فَحَصْطُ " أقول: قوله " في اصْطَبر " يعني إذا كان فاء افتعل أحد الحروف المطبقة المستعلية، وَهِيَ الصَّادُ والضَّادُ وَالطَّاءُ وَالظَّاءُ، وذلك لأن التاء مهموسة لا إطباق فيها، وهذه الحروف مجهورة مطبقة، فاختاروا حرفاً مستعلياً من مخرج التاء، وهو الطاء، فجعلوه مكان التاء، لأنه مناسب للتاء في المخرج والصادِ والضاد والظاء في الاطباق قوله " وشذ في فَحَصْطُ " هذه لغة بني تميم، وليست بالكثيرة، أعني جعل الضمير طاء إذا كان لام الكلمة صادا أو ضاداً، وكذا بعد الطاء والظاء، نحو فحصط برجلي، 2
وحِصْط عنه 1: أي حِدْتُ وَأَحَطّ 2 وحفط (3) وإنما قلَّ ذلك لأن تاء الضمير كلمة تامة، فلا تغير، وأيضاً هو كلمة برأسها، فكان القياس أن لا تؤثر حروف الإطباق فيها، ومَنْ قلبَه فلكونه على حرف واحد كالجزء مما قبله، بدليل تسكين ما قبله، فهو مثل تاء افتعل قال: " وَالدَّالُ مِنَ التَّاءِ لاَزِمٌ فِي نَحْوِ ازْدَجَرَ وَادَّكَرَ، وشَاذٌّ فِي نَحْوِ فُزْدُ واجْدَمَعُوا واجدز وَدَوْلج " أقول: إذا كان فاء افتعل أحلا ثلاثة أحرف: الزاي، والدال، والذال، قلبت تاء الافتعال دالاً، وأدغمت الدال والذال فيها، نحو أدَّانَ وادكر، كما يجئ، وقد يجوز أن لا يدغم الذال نحو إذ دكر، والقلب الذي للإدغام ليس مما نحن فيه، كما ذكرنا في أول هذا الباب، والحروف الثلاثة مجهورة، والتاء مهموسة، فقلبت التاء دالاً، لأن الدال مناسبة للذال والزاي في الجهر، وللتاء في المخرج، فتوسط بين التاء وبينهما، وإنما أدغمت الذال في الدال دون الزاي لقرب مخرجها من مخرج الدال وبُعْدِ مخرج الزاي منها قوله " وادّكر " قلبُ التاء دالاً بعد الذال المعجمة لازم، وبعد القلب الإدغامُ أكثر من تركه، فإن أدغمت فإما أن تقلب الأولى إلى الثانية، أو بالعكس، كما يجئ في باب الإدغام
قوله " وشاذ في فُزْدُ " حاله كحال فَحَصْطُ، وقد ذكرناه، وكذا شذ قلبه بعد الدال، نحو جُدْدُ في جُدْتُ، وقد شذ قلب تاء الافتعال بعد الجيم، لأن الجيم وإن كانت مجهورة والتاء مهموسة إلا أنها أقرب إلى التاء من الزاي والذال، فيسهل النطق بالتاء بعد الجيم، ويصعب بعد الزاي والذال، قال: 181 - فَقُلْتُ لِصَاحِبي لاَ تَحْبِسَانَا بِنَزْعِ أصُولِهِ وَاجْدَزَّ شِيحَا 1 ولا يقاس على المسموع منه، فلا يقال اجْدَرَأَ (2) واجْدَرَحَ (3)، والدولج:
الكناس، من الولوج، قلبت الواو تاء، ثم قلبت التاء دالاً، وذلك لأن التولج أكثر استعمالاً من دولج، وقلبت التاء دالاً في ازدجر واجد مع لتناسب الصوت، كما في صَوِيق، بخلاف دَوْلج.
قوله: " وَالْجِيمُ مِنَ الْيَاءِ الْمُشدَّدَةِ فِي الْوَقْفِ، فِي نَحْوِ فُقَيْمِجٍّ، وَهُوَ شَاذٌّ ومِنْ غَيْرِ الْمُشَدَّدَةِ فِي نَحْوِ لاَهُمَّ إنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حَجَّتِجْ أشذ، ومِنَ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ حَتَّى إذَا مَا أَمْسَجَتْ وَأَمْسَجَا أشَذُّ " الجيم والياء أختان في الجهر، إلا أن الجيم شديدة، فإذا شُدّدت الياء صارت قريبة غاية القرب منها، وهما من وسط اللسان، والجيم أبين في الوقف من الياء، فطلب البيان في الوقف، إذ عنده يخفي الحرف الموقوف عليه، ولهذا يقال في حُبْلَيْ - بالياء -: حُبْلَوْ بالواو - وقد تقلب الياء المشددة لا للوقف جيما، قال: 182 - كأن في أذنا بهن الشُّوَّلِ مِنْ عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُونَ الاجل 1 ومن هذا تقول: جرح فلان الاثم واجترحه، إذا كسبه، قال تعالى (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات)
وقد جاء في المخففة في الوقف، لكنه أقل من المشددة، وذلك أيضاً لبيان الياء في الوقف، وقد جاء من الياء في غير الوقف، قال: 183 - حَتَّى إذَا مَا أمْسَجَتْ وَأَمْسَجَا 1 أي: أمْسَيَتْ وأمْسَى، فلما أبدلت جيماً لم ينقلب ألفاً، ولم يسقط للساكنين، كالياء في أَمْسَتْ وأَمْسَى، وفي قوله " في الياء المخففة أشذ " دلالة على أن ذلك في المشددة شاذ، وإنما كان في المخففة أقل لأن الجيم أنسب بالياء المشددة، كما قلنا، وإنما كان في نحو أمْسَجَتْ أشذَّ لأن الأصل أن يبدل في الوقف لبيان الياء، والياء في مثله ليس بموقوف عليه.
قال: " والصَّادُ مِنَ السِّينِ الَّتِي بَعْدَهَا غَيْنٌ أو خَاءٌ أَوْ قَافٌ أَوْ طَاءٌ جَوَازاً، نَحْوُ أصْبَغَ، وصَلَخَ، وَمَسَّ صَقَرَ، وصِرَاطٍ " أقول: أعلم أن هذه الحروف مجهورة مستعلية، والسين مهموس مُسْتَفِل،
فكرهوا الخروج منه إلى هذه الحروف، لثقله فأبدلوا من السين صاداً، لأنها توافق السين في الهمس والصفير، وتوافق هذه الحروف في الاستعلاء، فتجانس الصوت بعد القلب، وهذا العمل شبيه بالإمالة في تقريب الصوت بعضه من بعض، فإن تأخرت السين عن هذه الحروف لم يسغ فيها من الإبدال ما ساغ وهي متقدمة، لأنها إذا تأخرت كان المتكلم منحدراً بالصوت من عال، ولا يثقل ذلك ثقَلَ التصعُّد من مُنْخَفِضٍ، فلا تقول في قست: قِصْت، وهذه الحروف تجوِّز القلب: متصلةً بالسين كانت كصَقَر، أو منفصلة بحرف نحو صَلَخَ، أو بحرفين أو ثلاثة
نحو صَمْلَقٍ 1 وصِرَاطٍ، وَصَمَالِيقَ (2)، وهذا القلب قياس، لكنه غير واجب، ولا يجوز قلب السين في مثلها زاياً خالصة، إلا فيما سمع نحو الزِّرَاط، وذلك لأن الطاء تشابه الدال قوله: " وَالزَّايُ مِنَ السِّينِ وَالصَّادِ الْوَاقِعَتَيْنِ قَبْلَ الدَّالِ سَاكِنَتَيْنِ، نَحْوُ يَزْدُلُ، وَهَكَذَا فَزْدِي أنَهْ " السين حرف مهموس، والدال مجهور، فكرهوا الخروج من حرف إلى حرف ينافيه، ولا سيما إذا كانت الأولى ساكنة، لأن الحركة بعد الحرف، وهي جزءُ حرفِ لينٍ حائلٌ بين الحرفين، فقربوا السين من الدال، بأن قلبوها زاياً، لان الزاي من مخرج السين ومثلها في الصفير، وتوافق الدالَ في الجهر، فيتجانس الصوتان، ولا يجوز ههنا أن تُشْرَبَ السينُ صوتَ الزاي، كما يفعل ذلك في الصاد، نحو يَصْدُرُ، لأن في الصاد إطباقاً، فضارعوا لئلا يذهب الإطباق بالقلب، وليست السين كذلك، ويجوز في الصاد الساكنة الواقعة قبل الدال قبلها زايا صريحة وإشرابها صَوْتَ الزاي، أما الإبدال فلأن الصاد مطبقة مهموسة رِخْوَة وقد جاورَت الدال بلا حائل من حركة وغيرها، والدال مجهورة شديدة غير مطبقة، ولم يبدلوا الدال كما في تاء افْتَعَلَ نحو اصْطَبَرَ لأنها ليست بزائدة كالتاء، فتكون أولى بالتغيير، فغيروا الأولى لضعفها بالسكون، بأن قَرَّبوها من الدال، بأن قلبوها زاياً خالصة، فتناسبت الاصوات، لان الزاى
من مخرج الصاد وأختها في الصفير، وهي تناسب الدال في الجهر وعدم الإطباق، وَمَنْ ضارع: أن نحى بالصاد نحو الزاي، ولم يقلبها زاياً خالصة، فللمحافظة على فضيلة الأطباق، كما ذكرنا.
قوله " فزدِي أنه " قول حاتم الطائي لما وقع في أسر قوم فغزا رِجَالُهُمْ وبقي مع النسوة فأمَرْنه بالفصد فنحر، وقال: هكذا فزدى 1 أَنَهْ، وأنه تأكيد للياء قال: " وَقَدْ ضُورِعَ بالصَّادِ الزَّايُ دُونَهَا وَضُورِعَ بِهَا مُتَحَرِّكَةً أَيْضاً،
نَحْوُ صَدَرَ وَصَدَقَ، وَالْبَيَانُ أَكْثَرُ فِيهِمَا، وَنَحْوُ مسَّ زَقَرَ كَلْبِيَّةٌ، وَأَجْدَرُ وَأَشْدَقُ بِالْمُضَارَعَةِ قَلِيلٌ " أقول: قوله " ضورع بالصاد الزاي " أي: جعل الصاد مضارعاً للزاي، بأن يُنْحَى بالصاد نحو الزاي، فقولك " ضارع " كان يتعدى إلى المشابَه - بفتح الباء - بنفسه، فجعل متعدياً إلى المشابِه - بكسر الباء - بحرف الجر قوله " دونها " أي: دون السين: أي لم تُشَمَّ السين صوت الزاي، بل قلبت زاياً صريحة، لما ذكرنا من أنه لا إطباق فيه حتى يحافظ عليه قوله " وضورع بها " أي: بالصاد الزايُ متحركةً أيضاً: أي إذا تحركت الصاد وبعدها دال أشِمَّ الصادُ صوتَ الزاي، ولا يجوز قلبها زاياً صريحة، لوقوع الحركة فاصلةً بينهما، وأيضاً فإن لحرف يَقْوَى بالحركة، فلم يقلب، فلم يبق إلا المضارعة للمجاورة، والإشمامُ وفيها أقل منه في الساكنة، إذ هي محمولة فيه على الساكنة التي إنما غيرت لضعفها بالسكون، فإن فصل بينهما أكثر من حركة كالحرف والحرفين لم تستمر المضارعة، بل يقتصر على ما سمع من العرب، كلفظ الصاد والمصادر والصراط، لأن الطاء كالدال قوله " والبيان أكثر فيهما " أي: في السين الساكنة الواقعة قبل الدال،
والصاد الواقعة قبلها: سكنت الدال أو تحركت، ولو روى " منهما " لكان الْمَعْنَى من المضارعة والقلب، ويعني بالبيان الإتيان بالصاد والسين صريحين بلا قلب ولا إشراب صوت، ففي الصاد الساكنة قبل الدال البيان أكثر، ثم المضارعة، ثم قلبها زاياً قوله " وَمَسَّ زَقَرَ كَلْبِيَّة " أي: قبيلة كلب تقلب السين الواقعة قبل القاف زاياً، كما يقلبها غيرهم صاداً، وذلك لأنه لما تباين السين والقاف لكون السين مهموسة والقاف مجهورة أبدلوها زاياً، لمناسبة الزاي للسين في المخرج والصفير، وللقاف في الجهر قوله " وَأَجْدَرَ وَأَشْدَقُ (1) " يعني إشرابُ الجيم والشين المعجمتين الواقعتين قبل الدال صوتَ الزاي قليلٌ، وهذا خلاف ما قاله سيبويه، فإنه قال في إشراب مثل هذا الشين صوتَ الزاي: " إن البيان أكثر وأعرف، وهذا عربي كثير " وإنما بضارع بالشين الزايُ إذا كانت ساكنة قبل الدال، لأنها تشابه الصاد والسين اللَّذَين يقلبان إلى الزاي، وذلك بكونها مهموسةً رخوةً مثلهما، وإذا أجريت في الشين الصوتَ رأيت ذلك بين طرف لسانك وأعلى الثَّّنِيَّتين موضع الصاد والسين، ثم إن الجيم حملت على الشين وإن لم يكن في الجيم من مشابهة الصاد السين مثْلُ ما بينهما وبين الشين، وذلك لأن الجيم من مخرج الشين، فعمل بها ما عمل بالشين، ولا يجوز أن يجعل الشين والجيم زاياً خالصة كالصاد والسين، لأنهما ليستا من مخرجهما قال
##: " الإِدْغَامُ:
أنْ تَأْتِي بِحَرْفَيْن سَاكِنٍ فَمُتَحَرِّك مِنْ مُخْرَجٍ وَاحِدٍ1
مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَيَكُونُ فِي الْمِثْلَيْنِ وَالْمُتَقَارِبَيْنِ، فَالْمِثْلاَنِ وَاجِبٌ عِنْدَ سُكُونِ الأَوَّلِ إلاَّ فِي الْهَمْزَتَيْنِ إلا في نحو السأال والدأاث، وإلا في الالفين لتعذره، وإلا فِي نَحْو قُوِولَ لِلإِلْبَاسِ وَفِي نَحْو تُووِي وَرِيياً - عَلَى الْمُخْتَارِ - إِذَا خَفَّفْتَ، وَفِي نَحْوِ قَالُوا وَمَا، وَفِي يَوْم، وَعِنْدَ تَحَرُّكِهِمَا فِي كَلِمَةٍ وَلاَ إِلْحَاقَ وَلاَ لَبْس نَحْوُ رَدَّ يَرُدُّ، إلاَّ فِي نَحْوُ حَيِيَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِلاَّ فِي نَحْوِ اقْتَتَلَ وَتَتَنَزَّلُ وَتَتَبَاعَدُ، وَسَيَأْتِي، وَتُنْقَلُ حَرَكَتُهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ سَاكِنٌ غَيْرُ لِينٍ نَحْوُ يَرُدُّ، وَسُكُونُ الْوَقْفِ كَالْحَرَكَةِ، وَنَحْوُ مَكَّنَنِي وَيُمَكِّنُنِي وَمَنَاسِكُكُمْ وَمَا سَلَكَكُمْ مِنْ بَابِ كلمتين، وَمُمْتَنِعٌ فِي الْهَمْزَةِ عَلَى الأَكْثَرِ وَفِي الأَلِف وَعِنْدَ سُكُونِ الثَّانِي لِغَيْرِ الْوَقْفِ نَحْوِ ظَلِلْتُ وَرَسُولُ الْحَسَنِ، وَتِمِيمٌ تًدْغِمُ فِي نَحْوِ رُدَّ وَلَمْ يَرُدَّ، وَعِنْدَ الإِلْحَاقِ وَاللَّبْسِ بِزْنَةٍ أُخْرَى نَحْو قَرْدَدٍ وَسُرُر، وعِنْدَ سَاكِنٍ صَحْيحٍ قَبْلَهُمَا في كلمتين نَحْوُ قَرْمُ مَالِكٍ، وَحُمِلَ قَوْلُ القُرَّاءِ عَلَى الإِخْفَاء، وَجَائِزٌ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ " أقول: قوله " الإدغام أن تأتي بحرفين ساكن فمتحرك " يعني أن المتحرك يكون بعد الساكن 1 وإلا فليس بُدٌّ من الفصل: أي فك أحد الحرفين من الآخر، لأن الحركة بعد الحرف قوله " من غير فصل " أي: فكّ، احتراز عن نحو رييا (2) فإنك تأتى
بياء ساكنة فياء متحركة، وهما من مخرج واحد، وليس بإدغام، لأنك فككت إحداهما عن الأخرى، وإنما الإدغام وصل حرف ساكن بحرف مثله متحرك بلا سكتة على الأول، بحيث يعتمد بهما على المخرج اعتمادةً واحدة قوية، ولا يحترز به عن الحرف الفاصل أو الحركة الفاصلة بين المثلين، لخروجه بقوله " ساكن فمتحرك " والادغام في اللغة: إدخال الشئ في الشئ، يقال: أدغمت اللجام في فم الدابة: أي أدخلته فيه، وليس إدغام الحرف في الحرف إدخاله فيه على الحقيقة، بل هو إيصاله به من غير أن يفك بينهما قوله " في المثماثلين والمتقاربين " لا يمكن إدغام المتقاربين إلا بعد جعلهما متماثلين، لأن الإدغام إخراج الحرفين من مخرج واحد دفعة واحدة باعتماد تام، ولا يمكن إخراج المتقاربين من مخرج واحد، لأن لكل حرف مخرجاً على حدة، والذي أرى أنه ليس الإدغام الإتيان بحرفين، بل هو الإتيان بحرف واحد مع اعتماد على مخرجه قويّ: سواء كان ذلك الحرف متحركاً نحو يمدُّ زيد، أو ساكناً نحو يمدّ، وقفاً، فعلى هذا ليس قوله " ساكن فمتحرك " أيضاً بوجه، لأنه يجوز تسكين المدغم فيه اتفاقاً: إما لأنه يجوز في الوقف الجمع بين الساكنين عند من قال هما حرفان، وإما لأنه حرف واحد على ما اخترنا، وإن كان كالحرفين الساكن أولهما من حيث الاعتماد التام، وقوله " ساكن فمتحرك " وقوله " من غير فصل " كالمتناقضين، لأنه لا يمكن مجئ حرفين أحدهما عقيب الآخر إلا مع الفك بينهما، وإن لم تفك بينهما فليس أحدهما عقيب الآخر قوله " فالمثلان واجب عند سكون الأول " جعل الإدغام ثلاثة أقسام: واجباً، وممتنعاً، وجائزاً، فذكر الواجب والممتنع، وما بقي فجائز، فالواجب من
قوله " واجب " إلى قوله " من باب كلمتين " والممتنع من قوله " وممتنع " إلى قوله " على الإخفاء " قوله " عند سكون الأول " أي يجب الإدغام إذا سكن أول المثلين: كانا في كلمة كالشدّ والمدّ، أو في كلمتين متصلتين نحو اسْمَعْ عِلماً قوله " إلا في الهمزتين " ليس الإطلاق بوجه، بل الوجه أن يقال: الهمز الساكن الذى بعده همز متحرك: إما أن يكونا في كلمة، أو في كلمتين، فإن كانا في كلمة أدغم الأول إذا كانا في صيغة موضوعة على التضعيف، كما ذكرنا في تخفيف الهمزة 1، وفي غير ذلك لا يدغم، نحو قِرَأْيٍ على وزن قِمَطَرٍ (من قرأ) وإن كانا في كلمتين نحو اقْرَأَ آية، وأَقْرِئ أباك، وَلْيَقْرَأ أبوك، فعند أكثر العرب على ما ذهب إليه يونس والخليل يجب تخفيف الهمزة، فلا يلتقي همزتان، وزعموا أن ابن أبي إسحق كان يحقق الهمزتين، وأناس معه، قال سيبويه: وهي رَدِيئة، وقال: فيجب الإدغام في قول هؤلاء مع سكون الأولى، ويجوز ذلك إذا تحركتا نحو قَرَأَ أبُوكَ، قال السيرافي: توهم بعض القراء أن سيبويه أنكر إدغام الهمزة، وليس الامر على ما توهموا، بل إنما أنكره على على مذهب من يخفف الهمزة، كما هو المختار عنده، وقد بين سيبويه ذلك بقوله: ويجوز الادغام في قول هؤلاء (2)، يعني على تلك اللغة الرديئة قوله: " الدأاث " (3) اسم واد، الصَّغَاني مخفف الهمز على وزن كَلاَم وسَلاَم.
قوله: " وإلا في الألف " لما قال: " واجب عند سكون الأول " ولم يقل: مع تحرك الثاني، أوهم أن الألف يدغم في مثله، لأنه قد يلتقي ألفان، وذلك إذا وقفت على نحو السماء، والبناء، بالإسكان كما مر في تخفيف الهمزة 1 فإنك تجمع فيه بين ألفين، ولا يجوز الإدغام، لأن الإدغام اتّصال الحرف الساكن بالمتحرك، كما مر، والألف لا يكون متحركاً، والحق أنه لم يحتج إلى هذا الاستثناء، لأنه ذكر في حد الإدغام أنه الإتيان بحرفين: ساكن فمتحرك، والألف لا يكون متحركاً.
قوله: " وإلا في نحو قُووِل " اعلم أن الواو والياء الساكنين إذا وليهما مثلهما متحركاً، فلا يخلو من أن يكون الواو والياء مدتين، أولا، فإن لم يكونا مدتين وجب إدغام أولهما في الثاني: في كلمة كانا كَقَوَّل وسيَّر، أو في كلمتين نحو (تولوا واستغنى الله) واخْشَيْ يَاسِراً، وإن كانا مدتين: فإما أن يكون أصلهما حرفاً آخر قلب إليهما، أولاً، فإن لم يكن فإن كانا في كلمة وجب الإدغام، سواء كان أصل الثاني حرفاً آخر، كَمَقْرُوٍّ وَبَرِيٍّ وعليٍّ، أولاً، كمغزُوٍّ ومرميٍّ، وإنما وجب الإدغام في الأول: أعني مقروّاً وبريّاً وعليّاً - وإن لم يكن القلب في الثاني واجباً - لأن الغرض من قلب الثاني إلى الأول في مثله طلب التخفيف بالإدغام، فلو لم يدغموا لكان نقضاً للغرض، ووجب الإدغام في الثاني: أعني نحو مغزوٍّ ومرميٍّ، لأن مدة الواو والياء الأوَّلين لم تثبت في اللفظ قط، فلم يكن إدغامهما يزيل عنهما شيئاً وجب لهما، بل لم يقع الكلمتان في أول الوضع إلا مع إدغام الواو والياء في مثلهما، وإن كانا في كلمتين، نحو قالوا وما، وفي يوم، وظلموا وافداً، واظلمي ياسراً، لم يجز الإدغام، لأنه يثبت للواو والياء إذن في الكلمتين مد، وإدغامهما فيما عرض انضمامه إليهما من الواو والياء في أول الكلمتين مزيل
لفضيلة المد التي ثبتت لهما قبل انضمام الكلمة الثانية إلى الأولى، وإن كان أصل الواو والياء حرفاً آخر قلب إلى الواو والياء، فإن كان القلب لأجل الإدغام وجب الإدغام نحو مرميٍّ، وأصله مَرْمُوي، لئلا يبطل الغرض من القلب، فإن لم يكن القلب لأجل الإدغام فإن كان لازماً نظر، فإن كانت الكلمة التي فيها المثلان وزناً قياسياً يلتبس بسبب الإدغام بوزن آخر قياسي لم يدغم، نحو قُووِل فإنه فِعْلُ ما لم يسم فاعله قياساً، ولو أدغم الواو فيه في الواو لا لتبس بفُعِّل الذي: هو فِعْل ما لم يسم فاعله قياساً لفَعَّل، وإن لم يلزم التباس وزن قياسي بوزن قياسي أدغم نحو إيَّنَةٍ على وزن أفْعَلَة من الأين، وأُوَّلٍ على وزن أُبْلُم 1 من الأوْل، وذلك لأن القلب لما كان لازماً صار الواو والياء كالأصليتين، والالتباس في مثله وإن وقع في بعض الصور لا يبالى به، لان الوزن ليس بقياسي، فيستمر اللبس، وإن لم يكن القلب لازماً نحو رييا وتووى فالأصل الإظهار، لأن الواو والياء عارضان غير لازمين كما في بِيرٍ وسُوتُ، فهما كالهمزتين، والهمز لا يدغم في الواو والياء ما دام همزاً، وأجاز بعضهم الادغام نظر إلى ظاهر اجتماع المثلين، وعليه قولهم: ريا ورية، في رُؤْيَا ورُؤْية، وعند سيبويه والخليل أن سُويِرَ وقُووِلَ لم يدغما لكون الواوين عارضين، وقول المصنف أولى، وهو أنهما لم يدغما لخوف الالتباس، لأن العارض إذا كان لازماً فهو كالأصلي، ومن ثم يدغم إيَّنَةٌ وأُوَّلٌ مع عروض الواو والياء.
قوله " وعند تحركهما " عطف على قوله " عند سكون الأول ": أي يجب الإدغام إذا تحرك المثلان في كلمة اعلم أنهم يستثقلون التضعيف غاية الاستثقال إذ على اللسان كلفة شديدة في
الرجوع إلى المخرج بعد انتقاله عنه، ولهذا الثقل لم يصوغوا من الأسماء ولا الافعال
رباعياً أو خماسياً فيه حرفان أصليان متماثلان متصلان، لثقل البناءين، وثقل التقاء المثلين، ولا سيما مع أصالتهما، فلا ترى رباعياً من الأسماء والأفعال ولا خماسياً من الأسماء فيه حرفان كذلك إلا واحدهما زائد: إما للالحقاق أو لغيره، كما مر في ذي الزيادة، 1 ولم يبنوا ثلاثياً فاؤه وعينه متماثلان إلا نادراً نحو دَدَن 2 وببر (3) بل إنما ضعفوا حيث يمكنهم الإدغام، وذلك بتماثل العين واللام، إذ الفاء لو أدغم في العين وجب إسكانه، ولا يبتدأ بالساكن، وليس في الأسماء، التى لا توازن الأفعال ذو زيادة في أوله أو وسطه مثلان متحركان، إذ لا موجب في مثله للإدغام، لأن الإدغام إنما يكون في الاسم مع تحرك الحرفين إذا شابه الفعل الثقيل وزناً كما يجئ، وإلا بقي المتماثلان بلا إدغام، فتصير الكلمة ثقيلة بترك إدغام المثلين، وبكونها مَزيداً فيها، فلم يبن من الأسماء المزيد فيها غير الموازنة للفعل ما يؤدي إلى مثل هذا الثقل، بل يجئ فيما زيد فيه من الأفعال والأسماء الموازنة لها ما في أوله أو وسطه مثلان مقترنان، وذلك لكثرة التصرف في الفعل قياساً، فربما اتفق فيه بسببه مثل ذلك، فنقول: لا يخلو مثله من أن يكون من ذي زيادة الثلاثي أو من ذي زيادة الرباعي، فمن ذي زيادة الثلاثي بابان يتفق في أولهما مثلان متحركان، نحو تَتَرَّس (4)، وتَتارَك (5) وباب يتففق في وسطه مثلان متحركان نحو اقْتَتَلَ، ومن ذي زيادة الرباعي باب يتفق في أوله ذلك نحو تَتَدَحْرَجُ، فأما ذو زيادة الرباعي فلا يخفف بالادغام،
إذ لو أدغمتَ لاحتجت إلى همزة الوصل فيؤدي إلى الثقل عند القصد إلى التخفيف، بل الاولى إبقاؤهما، ويجوز حذف أحدهما، كما يجئ، وأما ذو زيادة الثلاثي: فإن كان المثلان في أوله فأما أن يكون ماضياً كتَتَرَّس وَتَتَارك، أو مضارعاً كَتتنَزَّل وَتَتَثَاقَلُ، فالأولى في الماضي الإظهار، ويجوز الإدغام مع اجتلاب همزة الوصل في الابتداء، وكذا إذا كان فاءُ تَفَعَّلَ وتفاعل مقارباً للتاء في المخرج نحو اطير واثاقل على ما يجئ، فإذا أدغمت في الماضي أدغمت في المضارع والأمر والمصدر واسم الفاعل والمفعول وكل اسم أو فعل هو من متصرفاته، نحو يتَّرَّسُ، وَمُتَّرِّس، وَيتَّارك، وَمُتَّارِكٍ، ويَطَّيَّرُ، وَيَثَّاقَلَ ومُطَّيِّرٍ وَمُثَّاقِل، وإن كان مضارعاً جاز الإظهار والحذف والإدغام نحو تَتَنَزَّلُ وَتَنَزَّلُ، وإذا أدغم لم يجتلب له همزة الوصل كما في الماضي، لثقل المضارع، بخلاف الماضي، بلا لا يدغم إلا في الدرج ليكتفي بحركة ما قبله، نحو قَال تَّنزَّلُ، وإن كان المثلان في وسط ذي الزيادة الثلاثي فلك الإظهار والإدغام نحو اقتتل وقتل كما يجئ هذا، وإنما جاز الإدغام في مصادر الأبواب المذكورة وإن لم توازن الفعل لشدة مشابهتها لأفعالها، كما ذكرنا في تعليل قلب نحو إقامة واستقامة 1 هذا حكم اجتماع المثلين في أول الكلمة وفي وسطها، وأما إن كان المثلان في آخر الكلمة وهو الكثير الشائع في كلامهم ومما يجئ في الثلاثي وفي المزيد فيه في الأسماء وفي الأفعال فهو على ثلاثة أقسام: إما أن يتحركا، أو يسكن أولهما، أو يسكن ثانيهما، فإن تحركا: فإن كان أولهما مدغماً فيه امتنع الإدغام، نحو ردَّدَ، لأنهم لو أدغموا الثاني في الثالث فلابد من نقل حركته إلى الأول، فيبقى ردَدَّ، ولا يجوز، إذ التغيير إذن لا يخرجه إلى حال أخف من الأولى، وكذا إن كان التضعيف للإلحاق امتنع الإدغام: في الاسم كان كقردَدٍ (2)، أو
في الفعل كجلبَب، لأن الغرض بالإلحاق الوزن، فلا يكسر ذلك الوزن بالإدغام، وأما سقوط الألف في نحو أرطّى فإنه غير لازم، بل هو للتنوين العارض الذي يزول باللام أو الإضافة، وإن لم يكن التضعيف أحد المذكورين: فإن كان الأول حرف علة نحو حَيِيَ وَقَوِيَ فقد مضى حكمه، وإن لم يكن: فإما أن يكون في الفعل، أو في الاسم، فإن كان في الفعل وجب الإدغام: لكونه في الفعل الثقيل، وفي الآخِر الذي هو محل التغيير، وقد شذ نحو قوله: 184 - مَهْلاً أعاذلَ قَدْ جَرَّبْتِ مِنْ خُلُقِي أنِّي أجُودُ لأَقْوَامٍ وَإِنْ ضَنِنُوا 1 وهو ضرورة، وإن كان في الاسم: فإما أن يكون في ثلاثي مجرد من الزيادة، أو في ثلاثي مزيد فيه، ولا يدغم في القسمين إلا إذا شابها الفعل، لما ذكرنا في باب الإعلال (2) من ثقل الفعل، فالتخفيف به أليق، فالثلاثي المجرد إنما يدغم إذا وازن الفعل نحو رجل صَبٌّ (3)، قال الخليل: هو فَعِلٌ - بكسر العين -، لأن صَبِبْتُ صَبَابَةً فأنا صَبٌّ كَقَنِعْتُ قناعة فأنا قَنِع، وكذا طَبٌّ (4) طبب، وشذ رجل ضَفِفٌ (5) والوجه ضَفٌّ، ولو بنيت مثل
نَدُسٍ 1 من رَدَّ قلت: رَدٌّ بالإدغام، وكان القياس أن يدغم ما هو على فَعَل كَشَررٍ وَقَصَصٍ وَعَدَدٍ، لموازنته الفعل، لكنه لما كان الإدغام لمشابهة الفعل الثقيل، وكان مثل هذا الاسم في غاية الخفة، لكونه مفتوح الفاء والعين، ألا ترى إلى تخفيفهم نحو كبِدٍ وعَضُدٍ دون نحو جَمَل؟ تركوا الإدغام فيه، وأيضاً لو أدغم فَعَلٌ مع خفته لا لتبس بفَعْلٍ - ساكن العين -، فيكثر الالتباس، بخلاف فَعِلٍ وفَعُل - بكسر العين وضمها - فإنهما قليلان في المضاعف، فلم يكترث بالالتباس القليل، وإنما اطرد قلب العين في فَعَلٍ نحو دار وباب ونار وناب، ولم يجز فيه الإدغام مع أن الخفة حاصلة قبل القلب كما هي حاصلة قبل الإدغام، لان القلب لا يوجب التباس فَعَلٍ بِفَعْلٍ، إذ بالألف يعرف أنه كان متحرك العين لا ساكنها، بخلاف الإدغام وقد جاء لأجل الخفة كثير من المعتل على فَعَل غير معل نحو قرد (2) ومَيَلٍ 2 وغَيَبٍ (4) وصَيَدٍ (5) وخَوَنَةٍ وحَوَكَةٍ (6)، ولم يدغم نحو سُرُرٍ (7) وسُرَر (8) كثرة العيال، أو كثرة الايدى على الطعام، أو أن تكون الاكلة أكثر من الطعام، أو الضيق والشدة، وقد راجعنا كتب اللغة فوجدنا المستعمل هو ما ذكرنا بالادغام، فلعل الفك الذى حكاه المؤلف لغة قليلة (1) الندس - كعضد، وفى لغة أخرى - ككنف -: هو الفهم الفطن (2) القود: هو أن تقتل القاتل بمن قتله (3) الميل - بالتحريك -: ما كان خلقة في إنسان أو بناء، والفعل كفرح، تقول: ميل يميل فهو أميل (4) الغيب - بفتحتين -: القوم الغائبون (5) الصيد - بفتحتين -: ميل العنق، وقد صيد فهو أصيد (6) الحوكة - بفتحات -: جمع حائك، وتقول: حاك الثوب حوكا وحياكا وحياكة: فهو حائك من قوم حاكة وحوكة، الاولى على القياس، والثانية شاذة في القياس كثيرة في السماع (7) السرر - بضمتين -: جمع سرير وهو معروف (8) السرر - بضم ففتح -: جمع سرة
وقِدَد (1) وكذا رِدِدٌ على وزن إبل من رَدّ، لعدم موازنة الفعل، وأما قولهم: عَمِيمة وعُمٌّ (2) فمخفف كما يخفف غير المضاعف نحو عُنْق ورُسْل وبُونٌ في جمع بِوَانٍ (3) والقياس بُوُن كعِيَان وعُيُن (4)، فإذا اتصل بآخر الاسم الثلاثي الرازن للفعل حرف لازم كألف التأنيث أو الألف والنون لم يمنع ذلك من الإدغام كما منع من الإعلال في نحو الطَّيَران والْحَيَدَى (5)، لأن ثقل إظهار المثلين أكثر من ثقل ترك قلب الواو ألفاً، فصار الحرف اللازم مع لزومه كالعدم، فنقول: من رَدّ على فَعَلاَنَ: رَدَدَان، كشَرَرٍ، وعلى فَعِلان وفَعُلاَن بكسر العين وضمها: رَدّان، بالإدغام، وعلى فُعُلان - بضمتين - وفعلان - بكسرتين -: رُدُدَان ورِدِدَان، وعلى فُعَلاَن - بضم الفاء وفتح العين -: رُدَدان، كله بالإظهار، وكذا الاسم الثلاثي المزيد فيه يدغم أيضاً إذا وازن الفعل، نحو مُسْتَعِدّ ومُسْتَعَدّ ومَرَدّ، وهو على وزن يَفْعَل، ومُدُقّ، وهو على وزن انْصُر، وَرَادٍّ، وهو كيضرب، ولا يشترط في الإدغام مع الموازنة المخالفة بحركة أو حرف في الاولى ليس في الفعل،، كما اشترط ذلك في الإعلال، فيدغم نحو أدَقّ وَأشَدَّ، وإن لم يخالف
الفعل، ولا يعل نحو أقْوَل وأطْوَل، وذلك لما ذكرنا من أن ثقل إظهار التضعيف أكثر من ثقل ترك الإعلال، وقوله 185 - تَشْكُو الْوَجَى مِنْ أَظْلَلٍ وأظْلَلِ 1 شاذ ضرورة وإن كان الساكن هو الأول فقد مر حكمه وإن كان الساكن هو الثاني فهو على ضربين: أحدهما أن تحذف الحركة لموجب، ولا يجوز أن يحرك بحركة أخرى، ما دام ذلك الموجب باقياً، وذلك هو الفعل إذا اتصل به تاء الضمير أو نونه، نحو رددت ورددنا ورددن ويرددان وَارْدُدْنَ، والثاني: أن تحذف الحركة لموجب، ثم قد تعرض ضرورةٌ يُحَرَّك الحرف لأجلها بغير الحركة المحذوفة، مع وجود ذلك الموجب، وذلك الفعل المجزومُ أو الموقوف، نحو لم يَرْدُدْ وارْدُدْ، فإنه حذف منه الحركة الإعرابية، ثم إنه قد يتحرك ثاني المثلين فيهما لالتقاء الساكنين، نحو ارْدُدِ الْقَوْم، ولم يَرْدُدِ الْقَوْمَ فالقسم الأول - أعني رَدَدْت ورَدَدْنا وَيَرْدُدْنَ وارْدُدْنَ - المشهور فيه إثبات الحرفين بلا إدغام، وجاء في لغة بكر بن وائل وغيرهم الإدغام أيضا، نحو
رُدَّنَ ويَرُدَّنَ، بفتح الثاني، وهو شاذ قليل، وبعضهم يزيد ألفاً بعد الإدغام، نحو رَدَّاتُ ورَدَّانَ، ليبقى ما قبل هذه الضمائر ساكناً كما في غير المدغم، نحو ضربت وضربن، وجاء في لغة سليم قليلاً - وربما استعمله غيرهم - حَذْفُ العين أيضاً في مثله، وذلك لكراهتهم اجتماع المثلين، فحذفوا ما حقه الإدغام: أعني أول المثلين، لما تعذر الإدغام، فإن كان ما قبل الأول ساكناً أوجبوا نقل حركة الأول إليه، نحو أحَسْنَ وَيُحِسْنَ، ومنه قوله تعالى: (وَقَرْنَ 1 فِي بيوتكن) على أحد الوجوه، وإن كان ما قبل الأول متحركاً جاز حذف حركة الأول ونقلها إلى ما قبله إن كانت كسرة أو ضمة، قالوا: ظَلْتُ - بفتح الفاء وكسرها - وكذا في لَبُبْت لَبْتُ ولُبْتُ - بفتح الفاء وضمها - وذلك لبيان وزن الفعل كما بينا في ضمة قُلْت وكسرة بِعْتُ، وهذا الحذف عندهم في الماضي أكثر منه في المضارع والأمر، وقد جاء الحذف في مثله والحرفان في كلمتين إذا كان الثاني لام التعريف، نحو عَلْمَاءِ: أي على الماء، وأما قولهم عَلَّرْضٍ فقياس، لأنه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، ثم اعتد بالحركة المنقولة
فأدغم لام عَلَى فيها، وكذا قالوا في جَلاَ الأمْرَ وَسلاَ الإِقامة: جَلَّمْرَ وسَلِّقَامة، وفيه اعتداد بحركة اللام من حيث الإدغام، وترك الاعتداد بها من حيث حذف ألف عَلَى وَجَلاَ.
وجاء الحذف في المتقاربين في كلمتين إذا كان الثاني لام التعريف نحو بَلْعَنْبَرِ، وبَلْحَارِث وَبَلْكَعْب، وليس بقياس والقسم الثاني: أعني نحو رُدّ ولم يرُدَّ، لغة أهل الحجاز فيه ترك الإدغام، وأجاز غيرهم الإدغام أيضاً، لأن أصل الحرف الثاني الحركة، وهى إن انتفت بالعارض: أعني الجزم والوقف، لكن لا يمتنع دخول الحركة الأخرى عليه: أعني الحركة: لالتقاء الساكنين، فجوز الإدغام فيما لم يعرض فيه تلك الحركة أيضاً، نحو رُدَّ زيداً، ولم يُردّ زيداً، فإذا أدغم حرك الثاني بما ذكرناه في باب التقاء الساكنين 1، وقد جاء في التنزيل أيضاً ذلك، قال تعالى (لاَ تضار والدة)، وإن سكن الحرف المدغم فيه للوقف فبقاء الإدغام فيه أكثر وأشهر، لعروض السكون، وعدم لزومه، إذ قد تثبت تلك الحركة المحذوفة فيه بعينها، وذلك في الوصل، فيكون جمعاً بين الساكنين، وهو مغتفر في الوقف، وقد يجوز حذف أحد المثلين أيضاً نحو هو يفر، وقفاً - بالتشديد والتخفيف - فهذه أحكام اجتماع المثلين في كلمة واحدة فإن كان ما قبل أول المثلين فيما قصد الإدغام فيه ساكناً: سواء تحرك المثلان كيردد، أو سكن ثانيهما كلم يردد، فإن كان الساكن حرف مد: أي الألف والواو والياء الساكنين اللذين ما قبلهما من الحركة من جنسهما، وجب حذف الحركة، نحو مادَّ وَتُمُودَّ الثوب، وكذا ياء التصغير، إذ هو لازم السكون، فلا يحتمل الحركة نحو أُصَيْمَ (2) ومُدَيْقٍ 2 وجاز التقاء الساكنين في جميع ذلك
كله، لأنه على حده كما مر في بابه 1، وإن كان الساكن غير ذلك نقل حركة أول المثلين إليه سواء كان حرف لين كإوَزَّةَ 2 وَأَوَدُّ (3) وَأَيَلُّ (4)، أولا، نحو مستعدو ومستَعَدَّ هذا.
وإن كان المثلان في كلمتين: فإن كان أولهما ساكناً فقط وليس بمد وجب الإدغام كما ذكرنا، سواء كان همزاً نحو اقرَأْ آية، إذا لم تخفف، أو غير همز، نحو قلْ لِزيد، وإن كان ثاني المثلين ساكناً فقط وجب إثباتهما إلا فيما إذا كان الثاني لام التعريف فقط، فإنه قد جاء في الشذوذ حذف أولهما أيضاً كما مر، نحو عَلْمَاءِ، وذلك لكثرة لام التعريف في كلامهم، فطُلِب التخفيف بالحذف لَمَّا تعذر الإدغام، وكذا جاء الحذف في بعض المتقاربين نحو بَلْحَارِث وَبَلْعَنْبَر، وقال سيبويه: وكذا يفعلون بكل قبيلة يظهر فيها لام التعريف، فلا يحذفون في بَني النَّجَّار، لإدغام اللام في نون النجار، وإن كانا متحركين: فإن كان ما قبل أول المثلين متحركاً نحو مكنني ويُمَكِّنُنِي وطُبع قلوبهم، أو كان ساكناً هو حرف مد نحو قالَ لَهُم، وقيلَ لَهم، وعمود داود، وتظلمونني، وتظلمينني، أولين غير مد نحو ثوب بَّكر، وجيب بَّكر وجاز الإدغام، وإن كان ذلك في الهمز أيضا نحو رداء أبَّيك، وقرأ أبَّوك، فيمن يحقق الهمزتين، وإن كان الساكن حرفاً صحيحاً لم يجز الإدغام، وأما ما نسب إلى أبي عمرو من الإدغام في نحو (خُذِ العفو وأمر) و (شهر رمضان) فليس بإدغام حقيقي، بَل هو إخفاء أول المثلين إخفاء يشبه الإدغام، فتجوز بإطلاق اسم الإدغام على الإخفاء لما كان الإخفاء قريباً منه، والدليل على أنه إخفاء لا إدغام أنه روي عنه الاشمام والروم
في نحو (شهر رمضان) و (الخلد جزاء) إجراء للوصل مجرى الوقف، والرَّوْم: هو الإتيان ببعض الحركة، وتحريك الحرف المدغم محال، فلك في كل مثلين في كلمتين قبلهما حرف صحيح إخفاء الأول منهما واعلم أن أحسن ما يكون الإدغام فيما جاز لك فيه الإدغام من كلمتين أن يتوالى خمسة أحرف فصاعداً متحركة مع المثلين المتحركين، نحو جَعَلْ لَكَ، وذهبْ بِمالك، ونحو نَزَعْ عُمْرُ، وَنَزَعْ عُلَبْطٌ، والإظهار فيما قبل أول المثلين فيه حرف مدّ أحسن من الإظهار فيما قبل أول المثلين فيه حرف متحرك، والإظهار في الواو والياء اللتين ليستا بمد نحو ثَوْبٍ بَكْر وجيب بَكر أحسن منه في الألف والواو والياء المدتين، لأن المد يقوم مقام الحركة، وإنما جاز الإدغام في نحو ثوب بكر وجيب بكر ولم يجز في نحو (خُذِ العفو وأمر) لأن الواو والياء الساكنين فيهما مد على الجملة وإن لم تكن حركة ما قبلهما من جنسهما، إلا أن مدهما أقل من مدهما إذا كان حركة ما قبلهما من جنسهما، ولوجود المد فيهما مطلقاً يمد وَرْش نحو سوءة وشئ، كما يمد نحو سئ والسُّوءِ، وإنما لم يجز نقل حركة أول المثلين في كلمتين إلى الساكن قبله للإدغام في نحو (العفو وأمر)، وجاز ذلك في كلمة واحدة نحو مُدُقٍّ ومستعِدٍّ وأوَدُّ وأيَلُّ لأن اجتماع المثلين لازم إذا كان في كلمة، فجاز لذلك اللازم الثقيل تغيير بنية الكلمة وأما إذا كانا في كلمتين فإنه لا يجوز تغيير بنية الكلمة لشئ عارض غير لازم قوله " مكَّنني ويمكِّنني من باب كلمتين " يعني يجوز فيه إدغام الكلمة وتركه، لأنه من باب كلمتين، وإن كان الثاني كجزء الكلمة قوله " إلا في الهمزتين " قد ذكرنا أن الإدغام فيهما واجب عند من يحقق الهمزتين
قوله " في نحو السَّئَّال " قد مضى شرحه في باب تخفيف الهمزة 1 قوله " وفي نحو تُووِي وَرِيْياً " يعني إذا كانت الأولى منقلبة من الهمز على سبيل الجواز لا الوجوب قوله " وفي نحو قالوا وما " يعني إذا كان الأول مداً، وهما في كلمتين قوله " ولا إلحاق " احتراز عن نحو قَرْدَدٍ وَجَلْبَبَ قوله " ولا لبس " احتراز عن نحو طَلَلٍ وَسُرُرٍ قوله " وفي نحو حَيِيَ " أي: فيما المثلان فيه ياءان ولا علة لقلب ثانيهما ألفاً وحركته لازمة قوله " في نحو اقتتل " أي: فيما المثلان فيه في الوسط قوله " تتنزل وتتباعد " أي: فيما المثلان فيه في الأول قوله " فتنقل حركته " أي: إذا كانا في كلمة قوله " غير لين " احتراز عن نحو رادّ وَتُمُودّ وأُصَيْمّ، وليس له هذا الإطلاق، بل الواجب أن يقول: غير مد ولا ياء تصغير، لأن نحو أود وأيل تقل فيه الحركة إلى الساكن مع أنه حرف لين قوله " وسكون الوقف " لا يريد بالوقف البناء في نحو رُدَّ، أمراً، بل الوقف في نحو جاءني زَيْدْ - بالإسكان - دون الروم والإشمام قوله " في الهمز على الأكثر " قد ذكرنا أنه لا يمتنع عند أهل التحقيق، بل الإدغام واجب عند سكون الأول، وجائز عند تحركهما في كلمتين، نحو قرأ أّبوك قوله " تدغم في نحو رُدّ ولم يَرُدّ " أي: تدغم إذا كان الثاني ساكناً للجزم أو لكون الكلمة مبنية على السكون
قوله " وعند الإلحاق " عطف على قوله في الهمز: أي يمتنع عند الإلحاق قوله " في كلمتين " لأن ذك لا يمتنع في كلمة نحو أُصَيْمّ وَمُدَيْقّ قوله " وجائز فيما سوى ذلك " أي: سوى الواجب والممتنع، وذلك إذا تحركا في كلمتين وليس قبل الأول ساكن صحيح نحو " طبع على " يجوز لك فيه الإدغام وتركه قال: " الْمُتِقَارِبَانِ، وَنَعْنِي بِهِمَا مَا تَقَارَبَا فِي المخرح أوْ فِي صِفَةٍ تَقُومُ مَقَامَهُ، وَمَخَارِجُ الْحُرُوفِ سِتَّةَ عَشَرَ تَقْرِيباً، وَإلاَّ فَلِكُلٍّ مَخْرَجٌ، فَلِلْهَمْزَة وَالْهَاءِ والألف أقصى الحلق، وللعين والحاء وَسَطُهُ، وَلِلْغَيْنِ وَالْخَاءِ أدْنَاهُ، وَلِلْقَافِ أقْصَى اللِّسَانِ وَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْحَنَكِ، وَلِلْكَافِ مِنْهُمَا مَا يَلِيهِمَا، وللجيم والشين والياء وسط اللسان وَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْحَنَكِ، وَلِلضَّادِ أوَّلُ أُحْدَى حَافَتَيْهِ وَمَا يَلِيهِمَا مِنَ الأَضْرَاسِ، وَلِلاَّمِ مَا دُونَ طَرَفِ اللِّسَانِ إلَى مُنْتَهَاهُ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَلِلرَّاءِ مِنْهُمَا مَا يَلِيهِمَا، وَلِلنُّونِ مِنْهُمَا مَا يَلِيِهِمَا، وَلِلطَّاءِ وَالدَّالِ وَالتَّاءِ طَرَفُ اللِّسَانِ وَأصُولُ الثَّنَايَا، وَلِلصَّادِ وَالزَّاي وَالسِّينِ طََرَفُ اللِّسَانِ وَالثَّنَايَا، وَلِلظَّاءِ وَالذَّالِ وَالثَّاءِ طَرَفُ اللِّسَانِ وَطَرَفُ الثَّنَايَا، وَلِلْفَاءِ بَاطِنُ الشَّفَةِ السُّفْلَى وَطَرَفُ الثَّنَايَا الْعُلْيَا، وَلِلبَاءِ وَالمِيمِ وَالوَاوِ مَا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ " أقول: قوله " أو في صفة تقوم مقامه " يعني بها نحو الشدة والرخاو والجهر وَالْهَمْس والإطباق والاستعلاء وغير ذلك مما يذكر بعد قوله " وَإلاَّ فلكل مخرج " لأن الصوتَ السَّاذَجَ الذي هو محل الحروف - والحروف هيئة عارضة له - غَيرُ مخالف بعضُه بعضاً في الحقيقة، بل إنما تختلف بالجهارة واللين والغلظ والرقة، ولا أثر لمثلها في اختلاف الحروف، لأن الحرف الواحد قد يكون مجهوراً وخفياً، فإذا كان ساذجُ الصوت الذي هو مادة الحرف ليس
بأنواع مختلفة، فلولا اختلاف أوضاع آلة الحروف - وأعني بآلتها مواضعَ تكونها في اللسان والحلق والسن والنِّطع 1 والشفة، وهي المسماة بالمخارج - لم تختلف الحروف، إذ لا شئ هناك يمكن اختلاف الحروف بِسببه إلا مادتها وآلتها، ويمكن أن يقال: إن اختلافها قد يحصل مع اتحاد المخرج بسبب اختلاف وضع الآلة من شدة الاعتماد وسهولته وغير ذلك، فلا يلزم أن يكون لكل حرف مخرج قوله " فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق، وللعين والحاء وسطه، وللغين والخاء أدناه " أي: أدناه إلى الفم، وهو رأس الحلق، هذا ترتيب سيبويه ابتدأ من حروف المعجم بما يكون من أقصى الحلق، وَتَدَرَّج إلى أن ختم بما مخرجه الشفه، والظاهر من ترتيبه أن الهاء في أقصى الحلق أرفع من الهمزة، والالف أرفع من الهاء، ومذهب الأخفش أن الألف مع الهاء، لاقدامها ولا خلفها، قال ابن جني: لو كانا من مخرج لكان ينقلب الألف هاء لا همزة إذا حركتها.
ولمانع أن يمنع من انقلاب الألف همزة بالتحريك، والحاء في وسط الحلق أرفع من العين، والخاء في أدنى الحلق أعلى من الغين، وكان الخليل يقول: الألف اللينة والواو والياء والهمزة هوائية: أي أنها من هواء الفم لا تقع على مَدْرَجَة من مدارج الحلق ولا مدارج اللسان، قال: وأقصى الحروف كلها في الحلق العين، وأرفع منها الحاء، وبعدها الهاء، ثم بعدهما إلى الفم الغين والخاء، والخاء أرفع من الغين
قوله " وللكاف منهما " أي: من أقصى اللسان وما فوقه " ما يليهما " أي ما يقرب منهما إلى خارج الفم قوله " وللجيم والشين والياء وسط اللسان وما فوقه من الحنك " الجيم أقرب إلى أصل اللسان، وبعده إلى خارج الفم الشين، وبعده إلى خارجه الياء، قال سيبويه: بين وسط اللسان وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء قوله " وللضاد أول إحدى حافتيه " الحافة: الجانب، وللسان حافتان من أصله إلى رأسه كحافتي الوادي، ويريد بأول الحافة ما يلي أصل اللسان، وبآخر الحافة ما يلي رأسه قوله " وما يليهما من الأضراس " اعلم أن الأسنان اثنتان وثلاثون سنا: ست عشرة في الفك الأعلى، ومثلها في الفك الأسفل، فمنها الثنايا، وهي أربع من قدام: ثنتان من فوق، ومثلهما من أسفل، ثم الرّبَاعِيَات، وهي أربع أيضاً: رباعيتان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلفهما الأنياب الأربع: نابان ضاحتكان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلف الأنياب الضواحكُ، وهي أربع: ضاحكتان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلف الضواحِكِ الأضراسُ، وهي ست عشرة: ثمان من فوق: أربع يمنة وأربع يسرة، ومثلها من أسفل.
ومن الناس من ينبت له خلف الأضراس النواجذُ، وهي أربع من كل جانب: ثنتان فوق، وثنتان أسفل، فيصير ستاً وثلاثين سنا، فأنت تخرج
الضد من أقصى إحدى حافتي اللسان إلى قريب من رأس اللسان، ومنتهاه أول مخرج اللام، هذا الذي ذكرناه مخرج الضاد من اللسان إلى قريب من رأس اللسان، وموضعها من الأسنان نفس الأضراس العليا، فيكون مخرجها بين الأضراس وبين أقصى إحدى حافتي اللسان، وأكثر ما تخرج من الجانب الأيمن، على ما يؤذن به كلام سيبويه وصرح به السيرافي، ويقال للضاد: طويل،
لأنه من أقصى الحافة إلى أدنى الحافة: أي إلى أول مخرج اللام، فاستغرق أكثر الحافة قوله " واللام ما دون طرف اللسان " يريد بما دون طرفه ما يقارب رأس اللسان من جانب ظهره إلى منتهاه: أي إلى رأس اللسان قوله " وما فوق ذلك " أي: ما فوق ما دون طرف اللسان إلى رأسه، وهو من الحنك ما فوق الثنية، وعبارة سيبويه 1 " من بين أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه، وبين ما يليها من الحنك الأعلى مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية "، واللام ابتداؤه - على ما قال سيبويه - من الضاحك إلى الثنية، لأن الضاد يخرج من بين الأضراس وحافة اللسان، واللام يخرج من فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية، لا من نفس الأسنان وحافة اللسان، وجميع علماء هذا الفن على ذكر سيبويه، والمصنف خالفهم كما ترى، وليس بصواب قوله " وللراء منهما " أي: ما دون طرف اللسان إلى منتهاه وما فوق ذلك قوله " ما يليهما " أي: ما يقرب الموضعين إلى جانب ظهر اللسان، فالنون أقرب إلى رأس اللسان من الراء، وقال سيبويه: مخرج النون بين طرف اللسان إلى رأسه، وبين فويق الثنايا، ومخرجُ الراء هو مخرج النون، غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلاً، لا نحرافه إلى اللام: أي الراء مائل إلى اللام قوله " وللصاد والزاي والسين طرف اللسان والثنايا " كذا قال ابن جني والزمخشري، يعنون أنها تخرج من بين رأس اللسان والثنايا من غير أن يتصل طرف اللسان بالثنايا كما اتصل بأصولها لإخراج الطاء والدال، بل يحاذيها
ويسامتها وعبارة سيبويه " مما بين طرف اللسان وطرف الثنايا مخرج الزاي والسين والصاد " فعلى ما قال مخرج هذه الحروف هو مخرج النون قوله " طرف اللسان وطرف الثنايا " أي: رءوس الثنايا العليا، وقال الخليل: العين والحاء والهاء والغين والخاء حلقية، لأن مبتدأها من الحلق، والقاف والكاف لَهَوِيَّتَان، إذ هما من اللَّهَاة، والجيم والشين والضاد شَجْرِية، لأن مبدأها من شَجْر الفم: أي مَفْرَجه، والصاد والزاي والسين أسَلِية، وَأسَلَة اللسان: مُسْتَدَقّ طرفه، والطاء والدال والتاء نِطَعِيَّة: لأن مبدأها من نِطَع الغار الأعلى، والظاء والذال والثاء لِثَوِيَّة، والراء واللام والنون ذلقية، وذلق كل شئ: تحديد طرفه، والفاء والباء والميم شَفَوية، أو شفهية، والواو والياء والألف والهمزة هَوَائية، إذ هي من الهواء لا يتعلق بها شئ، وخالف الفراء سيبويه في موضعين: أحدهما أنه جعل مخرج الياء والواو واحداً، والآخر أنه جعل الفاء والميم بين الشفتين، وأحسن الأقوال ما ذكره سيبويه، وعليه العلماء بعده.
قال: " وَمَخْرَج الْمُتَفَرِّع وَاضِحْ، وَالْفَصِيحُ ثَمَانِيَةٌ: هَمْزَةُ بَيْنَ بَيْنَ (وَهِيَ) ثَلاَثَةٌ، وَالنُّونُ الْخَفِيَّةُ نَحْوُ عَنْكَ، وَأَلِفُ الإِمَالَةِ، وَلاَمُ التَّفْخِيم، وَالصَّادُ كالزَّاي وَالشِّينُ كالْجِيم.
وَأَمَّا الصَّادُ كالسِّينِ والطَّاءُ كالتَّاء وَالْفَاءُ كالْبَاءِ
وَالضَّادُ الضَّعِيفَةُ وَالْكَافُ كَالْجِيم فَمُسْتَهْجَنَةٌ.
وَأَمَّا الْجِيمُ كالكاف والجيم كالشَّين فَلاَ يَتَحَقَّقُ " أقول: يعني بالمتفرع حرفاً يتفرع عن هذه الحروف المذكورة قبل بإشرابها صَوْتاً من غيرها، فهمزة بين بين ثلاثة ذكرناها في تخفيف الهمزة 1: ما بين الهمزة والألف، وما بينها وبين الواو، وما بينها وبين الياء.
قوله " النون الخفية " قيل: إن الرواية عن سيبويه " الخفيفة " قال السيرافي يجب أن يقال " الخفية " لان التفسير يدل عليه، إذ هي نون ساكنة غير
ظاهرة مخرجها من الخيشوم فقط، وإنما تجئ قبل الحروف الخمسة عشر التي تذكر عند ذكر أحوال النون، قال السيرافي: ولو تكلف متكلف إخراجها من الفم مع هذه الخمسة عشر لأمكن بعلاج وعسر.
قوله: " وألف الإمالة " يسميها سيبويه ألف الترخيم، لأن الترخيم تليين الصوت، قال: لَهَا بَشَرٌ مِثْلُ الْحَرِيرِ وَمَنْطِقٌ رخيم الحواشى لاهراء وَلاَ نَزْرُ قوله " ولام التفخيم " يعني بها اللام التي تلي الصاد أو الضاد أو الطاء، إذا كانت هذه الحروف مفتوحة أو ساكنة، كالصلوة وَيَصْلَوْن، فإن بعضهم يفخمها، وكذا لام " الله " إذا كان قبلها ضمة أو فتحة.
ولم يذكر المصنف ألف التفخيم، وذكرها سيبويه في الحروف المستحسنة، وهي الألف التي يُنْحَى بها نحو الواو، كالصلوة والزكوة والحيوة، وهي لغة أهل الحجاز، وزعموا أن كَتْبَهُم لهذه الكلمات بالواو على هذه اللغة.
قوله " الصاد كالزاي " قد ذكرنا في نحو يَصْدُق وَصَدَق.
قوله " والشين كالجيم " ذكرها سيبويه في الحروف المستحسنة، وذكر الجيم التي كالشين في المستهجنة، وكلتاهما شئ واحد، لكنه إنما استحسن الشين المشربة صوت الجيم لأنه إنما يفعل ذلك بها إذا كانت الشين ساكنة قبل الدَّال، والدَّال مجهورة شديدة والشين مهموسة رخوة تنافي جوهر الدال، ولا سيما إذا كانت1
ساكنة، لأن الحركة تُخْرج الحرف عن جوهرة فتُشْرَب الشين صوت الجيم التي هي مجهورة شديدة كالدال لتناسب الصوت، فلا جرم استحسن، وإنما استهجن الجيم التي كالشين لأنها إنما يفعل ذلك بها إذا سكنت وبعدها دال أو تاء، نحو اجتمعوا وأجْدَر، وليس بين الجيم والدال، ولا بينها وبين التاء تباين، بل هما شديدتان، لكن الطبع ربما يميل لاجتماع الشديدين إلى السلاسة واللين فيشرب الجيم ما يقاربه في المخرج، وهو الشين، فالفرار من المتنافيين مستحسن، والفرار من المثلين مستهجن، فصار الحرف الواحد مستحسناً في موضع، ومستهجناً في موضع آخر، بحسب موقعه قوله " وأما الصاد كالسين " قربها بعضهم من السين لكونهما من مخرج واحد، والطاء التى كالتاء تكون في كلام عجم أهل المشرق كثيراً، لأن الطاء في أصل لغتهم معدومة فإذا نطقوا بها تكلفوا ما ليس في لغتهم، فنطقوا بشئ بين الطاء والتاء قوله " والفاء كالباء " قال السيرافي: هي كثيرة في لغة العجم وهي على ضربين: أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من الفاء، والآخر لفظ الفاء أغلب عليه من الباء، وقد جعلا حرفين من حروفهم سوى الباء والفاء المخلصين، قال: وأظن أن العرب إنما أخذوا ذلك من العجم لمخالطتهم إياهم قوله " الضاد الضعيفة " قال السيرافي: إنها لغة قوم ليس في لغتهم ضاد، فإذا احتاجوا إلى التكلم بها في العربية اعْتَضَلَت عليهم، فربما أخرجوها ظاء، لإخراجهم إياها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، وربما تكلفوا إخراجها من مخرج الضاد فلم يتأتَّ لهم فخرجت بين الضاد والظاء، وفى حاشية كتاب ابن مبرمان: الضاد الضعيفة كما يقال في اثْرُدْ له: اضْرُدْ له، يقربون التاء من الضاد، قال سيبويه: تكلف الضاد الضعيفة من الجانب الأيسر أخف، قال
السيرافي: لأن الجانب الأيمن قد اعتاد الضاد الصحيحة، وإخراج الضعيفة من موضع اعتاد الصحيحة أصعب من إخراجها من موضع لم يعتد الصحيحة قوله " والكاف كالجيم " نحو جافر في كافر، وكذا الجيم التي كالكاف، يقولون في جَمَل: كَمَل، وفي رَجُل: ركُل، وهي فاشية في أهل البحرين، وهما جميعا شئ واحد، إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الآخر الكاف، كما ذكرنا في الجيم كالشين والشينِ كالجيم، إلا أن الشين كالجيم مستحسنة وعكسَه مستهجن، والكاف كالجيم وعكسهُ مستهجنان، فقوله " لا يتحقق " فيه نظر، وكأنه ظن أن مرادهم بالجيم كالشين حرف آخر غير الشين كالجيم، وكذا ظن أن مرادهم بالجيم كالكاف غير مرادهم بالكاف كالجيم، وهو وهم ومن المتفرعة القاف بين القاف والكاف، قال السيرافي: هو مثل الكاف التي كالجيم والجيم التي كالكاف
ومنها أيضاً الجيم التي كالزاي والشين التي كالزاي، على ما ذكرنا في أَجْدَر وأشدق ومنها أيضاً الياء كالواو في قُيِل وبُيع - بالإشمام، والواو كالياء في مذعور وابن نور، كما ذكرنا في باب الامالة قال: " وَمِنْهَا الْمَجْهُورَةُ وَالْمَهْمْوسَة، وَمِنْها الشَّدِيدَةُ وَالرِّخْوَةُ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِنْهَا المطبقة والمنفتحة، ومنها المستعلية وَالْمُنْخَِفضَةُ، وَمِنْهَا حُرُوفُ الذَّلاَقَةِ وَالْمُصْمَتَهُ، وَمِنْهَا حُرُوفُ الْقَلْقَلَةِ وَالضَّفِيرِ وَاللَّيِّنةُ وَالْمْنْحَرِفُ وَالْمُكَرَّرُ وَالْهَاوِي وَالْمَهْتُوت.
فَالْمَجْهُورَة مَا يَنْحَصِرُ جَرْيُ النَّفَس مَعَ تَحَرُّكِه وَهِيَ مَا عَدَا حُرُوفِ (سَتَشْحَثُكَ خَصَفَهْ)، وَالْمَهْمُوسَةِ بِخِلاَفِهَا وَمُثلاً بققق وككك، وخالف بعضهم فجعل الضاد والظاء والذال والزاي والعين والغين والياء من المهموسة، والكاف
وَالتَّاءَ مِنَ الْمَجْهُورَةِ، وَرَأى أَنَّ الشِّدَّةَ تُؤكِّدُ الْجَهْرَ، وَالشَّدِيدَةُ: مَا يَنْحَصِرُ جَرْيُ صَوْتِهِ عِنْدَ إِسْكَانِهِ فِي مَخْرَجِهِ فَلاَ يَجْرِي، وَيَجْمَعُهَا (أجِدُكَ قَطَبْتَ) وَالرِّخْوَةُ بِخِلافِهَا، وَمَا بَيْنَهُمَا مَا لاَ يَتِمُّ لَهُ الانْحِصَارُ وَلاَ الْجَرْيُ، وَيَجْمَعُهَا (لِمَ يَرُوعُنَا)، وَمَثِّلَتْ بِالْحَجِّ وَالطَّشِّ وَالْخَلِّ، وَالْمُطْبَقَةُ مَا يُنْطَبَقُ عَلَى مَخْرَجِهِ الْحَنَكُ، وَهِيَ الصَّادُ والضَّادُ وَالطَّاءُ وَالظَّاءُ، وَالْمُنْفَتِحَةُ بِخِلاَفِهَا، وَالْمُسْتَعْلِيَةُ مَا يَرْتَفِعُ اللِّسَانُ بِهَا إلَى الْحَنَكِ وَهِيَ الْمُطْبَقَةُ وَالْخَاءُ وَالْغَيْنُ وَالْقَافُ، وَالْمُنْخَفِضَةُ بِخِلاَفِهَا، وَحُرُوفُ الذَّلاقَةِ مَا لا ينفعك رباعى أو خماسى عن شئ مِنْهَا لِسُهُولَتِهَا، وَيَجْمعُهَا (مُرْ بِنَفَل) والمصمتة بِخِلاَفِهَا لأَنَّهُ صُمِتَ عَنْهَا فِي بِنَاءِ رُبَاعِيٍّ أَوْ خُمَاسِيٍّ مِنْهَا، وحروف القلقلة ما ينضم إلى الشدة فيها ضغط في الوقف، (ويجمعها قد طبج)، وَحُرُوفُ الصَّفيِرِ مَا يُصْفَرُ بِهَا، وَهِيَ الصَّادُ وَالزَّايُ وَالسِّينَ، وَاللَّيِّنَةُ حُرُوفُ اللِّينِ، وَالْمُنْحَرِفُ اللاَّمُ، لأَنَّ اللِّسَانَ يَنْحَرِفُ بِهِ، وَالْمُكَرَّرُ الرَّاءُ، لِتَعَثرِ اللسَانِ بِهِ، وَالْهَاوِي الأَلِفُ، لاتِّسَاعِ هَوَاءِ الصَّوْتِ بِهِ، وَالْمَهْتُوتُ التَّاءُ، لِخِفَائِهَا " أقول: إنما سميت الحروف المذكورة مجهورة لانه لابد في بيانه وإخراجها من جَهْرٍ ما، ولا يتهيأ النطق بها إلا كذلك، كالقاف والعين، بخلاف المهموس، فإنه يتهيأ لك أن تنطق به ويسمع منك خفياً كما يمكنك أن تجهر به، والجهر: رفع الصوت، والهمس: إخفاؤه، وإنما يكون مجهوراً لأنك تشبع الاعتماد في موضعه، فمن إشباع الاعتماد ارتفاع الصوت، ومن ضعف الاعتماد يحصل الهمس والإخفاء، فإذا أشبعت الاعتماد فإن جرى الصوت كما في الضاد والظاء والزاي والعين والغين والياء فهي مجهورة رخوة، وإن اشبعته ولم يجر الصوت كالقاف والجيم والطاء والدال فهي مجهورة شديدة، قيل: والمجهورة تخرج أصواتها من الصدر، والمهموسة تخرج أصواتها من مخارجها في الفم، وذلك مما
يرخى الصوت فيخرج الصوت من الفم ضعيفاً، ثم إن أردت الجهر بها وإسماعها أتبعت صوتها بصوت من الصدر ليفهم، وتَمتحن المجهورة بأن تكررها مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة: رفعت صوتك بها أو أخفيته: سواء أشبعت الحركات حتى تتولّد الحروف، نحو قاقاقا، وقوقوقو، وقى قي قي، أو لم تشبعها نحو قَقَقَ، فإنك ترى الصوت يجرى ولا ينقطع، ولا يجري النفس إلا بعد انقضاء الاعتماد وسكون الصوت، وأما مع الصوت فلا يجري ذلك، لأن النفس الخارج من الصدر - وهو مركب الصوت - يحتبس إذا اشتدَّ اعتماد الناطق على مخرج الحرف، إذ الاعتماد على موضع من الحلق والفم يحبس النفس وإن لم يكن هناك صوت، وإنما يجري النفس إذا ضعف الاعتماد، وإنما كررت الحرف في الامتحان لأنك لو نطقت بواحد من المجهورة غير مكرر فعقيب فراغك منه يجري النفس بلا فصل، فيظن أن النفس إنما خرج مع المجهورة لا بعده، فإذا تكرر وطال زمان الحرف ولم يخرج مع تلك الحروف المكررة نَفَس عرفت أن النطق بالحروف هو الحابس للنفس، وإنما حُرِّكت الحروف لأن التكرير من دون الحركة محال، وإنما جاز إشباع الحركات لأن الواو والالف والياء مجهورة فلا يجري مع صوتها النفس، وأما المهموسة فإنك إذا كررتها مع إشباع الحركة أو بدونه فإن جوهرها لضعف الاعتماد على مخارجها لا يحبس النفس، فيخرج النفس ويجري كما يجري الصوت بها، نحو كَكَكَ، فالقاف والكاف قريباً المخرج، ورأيت كيف كان أحدهما مجهوراً والآخر مهموساً، وقس على القاف والكاف سائر المجهورة والمهموسة فنقول جميع حروف الهجاء على ضربين: مهموسة وهي حروف (سَتَشْحَثكَ خَصَفَه) بالهاء في خصفه للوقف، ومعنى الكلام ستشحذ عليك: أي تَتَكَدَّى، والشحاذ والشحاث: المُتَكَدِّي، وخصفة: اسم امرأة، وما بقي من الحروف مجهورة، وهي قولك: ظِلُّ قَوٍّ رَبَضَ إِذْ غَزَا جُنْدٌ مُطِيع
ثم تنقسم جميع حروف التهجي قسمة مستأنفة ثلاثة أقسام: شديدة، ورخوة، وما بينهما، والحروف الشديدة (أجدك قطبت) ونعنى بالشديدة ما إذا أسكنته ونطقت به لم يجر الصوت، والرخوة: ما يجري الصوت عند النطق بها، والفرق بين الشديدة والمجهورة أن الشديدة لا يجري الصوت عند النطق بها، بل إنك تسمع به في آن ثم ينقطع، والمجهورة لا اعتبار فيها بعدم جري الصوت، بل الاعتبار فيها بعدم جري النفس عند التصويت بها، وبعضهم أخرج من المجهورة: أي من حروف (ظِلُّ قَوٍّ) السَّبعة الأحرف التي من الرخوة: أي الضاد والظاء والذال والزاي والعين والغين والياء، فيبقى منها الحروف الشديدة: (أي أجدك قطبت)
وأربعة أحرفٍ مما بين الشديدة والرخوة: أي من حروف (لِمَ يَرُوعُنَا) وهي اللام والميم والواو والنون، فيكون مجموع المجهورة عنده أثني عشر، وهي حروف (وَلِمَنْ أجِدُكَ قَطَبْتَ)، وهذا القائل ظن أن الرخاوة تنافي الجهر، وليس بشئ، لان الرخاوة أن يجري الصوت بالحرف عند إسكانه كالنَّبْر، والجهر: رفع الصوت بالحرف: سواء جرى الصوت، أو لم يجر، وعلامته عدم حرى النَّفَس.
وإنما اعتبر في امتحان الشديدة والرخوة إسكان الحروف لأنك لو حركتها والحركات أبعاض الواو والالف والياء فيها رخاوة ما لَجَرَت الحركات لشدة اتصالها بالحروف الشديدة إلى شئ من الرخاوة، فلم تتبين شدتها.
وقوله في الشديدة " ما ينحصر جري صوته عند إسكانه في مخرجه " متعلق بينحصر: أي ينحصر في مخرجه عند إسكانه، وإنما جعل حروف (لِمَ يَرُوعُنَا) بين الشديدة والرخوة لان الشديدة هي التى ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف، وهذه الأحرف الثمانية ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف، لكن تعرض لها أعراض توجب خروج الصوت من غير مواضعها، أما العين فينحصر الصوت عند مخرجه، لكن لقربه من الحاء التي هي مهموسة ينسَلّ
صوته شيئاً قليلاً، فكأنك وقفت على الحاء، وأما اللام فمخرحها - أعني طرف اللسان - لا يتجافى عن موضعه من الحنك عند النطق به، فلا يجري منه صوت، لكنه لما لم يسدّ طريق بالكلية كالدال والتاء بل انحرف طرف اللسان عند النطق به خرج الصوت عند النطق به من مُسْتَدَقّ اللسان فويق مخرجه، وأما الميم والنون فإن الصوت لا يخرج من موضعيهما من الفم، لكن لما كان لهما مخرجان في الفم وفي الخيشوم جرى به الصوت من الأنف دون الفم، لأنك لو أمسكت أنفك لم يجر الصوت بهما، وأما الراء فلم يجر الصوت في ابتداء النطق به، لكنه جرى شيئاً لانحرافه وميله إلى اللام، كما قلنا في العين المائلة إلى الحاء، وأيضاً الراء مكرر، فإذا تكرر جرى الصوت معه في أثناء التكرر، وكذلك الواو والياء والألف لا يجري الصوت معها كثيراً، لكن لما كانت مخارجها تتسع لهواء الصوت أشد من اتساع غيرها من المجهورة كان الصوت معها يكثر فيجرى منه شئ، واتساع مخرج الألف لهواء صوته أكثر من اتساع مخرجي الواو والياء لهواء صوتهما، فلذلك سمي الهاوي: أي ذات الهواء، كالناشب 1 والنابل (2)، وإنما كان الاتساع للألف أكثر لأنك تضم شفتيك للواو فيتضيق المخرج وترفع لسانك قبل الحنك للياء، وأما الألف فلا تعمل له شيئاً من هذا، بل تفرج المخرج، فأوسعهن مخارجا الألف، ثم الياء، ثم الواو، وهذه الحروف أخْفَى الحروف، لاتساع مخارجها، وأخفاهن الألف، لأن سعة مخرجها أكثر
قوله " المطبقة ما ينطبق معه الحنك على اللسان " لأنك ترفع اللسان إليه فيصير الحنك كالطبق على اللسان، فتكون الحروف التي تخرج بينهما مطبقاً عليها قوله " على مخرجه " ليس بمطرد، لأن مخرج الضاد حافة اللسان، وحافة اللسان تنطبق على الأضراس كما ذكرنا، وباقي اللسان ينطبق عليه الحنك، قال سيبويه: لولا الإطباق في الصاد لكان سيناً، وفي الظاء كان ذالاً، وفي الطاء كان دالاً، ولخرجت الضاد من الكلام، لانه ليس شئ من الحروف من موضعها غيرها قوله " والمنفتحة بخلافها " لأنه ينفتح ما بين اللسان والحنك عند النطق بها، والمستعلية: ما يرتفع بسببها اللسان، وهي المطبقة والخاء والغين المعجتمان والقاف، لأنه يرتفع اللسان بهذه الثلاثة أيضاً، لكن لا إلى حد انطباق الحنك عليها، والمنخفضة: ما ينخفض معه اللسان ولا يرتفع، وهي كل ما عدا المستعلية قوله " حروف الذلاقة " الذَّلاَقة: الفصاحة والخفة في الكلام، وهذه الحروف أخفّ الحروف، ولا ينفك رباعي ولا خماسي من حرف منها إلا شاذّاً، كالْعَسْجَد 1 وَالدَّهْدَقة (2) وَالزَّهْزَقَة (3) وَالْعَسَطُوس (4)، وذلك لأن الرباعي والخماسي ثقيلان، فلم يخليا من حرف سهل على اللسان خفيف، والمصمتة: ضد حروف الذلاقة، والشئ الْمُصْمَت هو الذي لا جوف له، فيكون ثقيلاً، سميت بذلك لثقلها على اللسان، بخلاف حروف الذلاقة، وقيل: إنما سميت بذلك لأنها أُصْمِتَتْ عن أن يبني منها وحدها رباعي أو خماسى،
والأول أولى، لأنها ضد حروف الذلاقة في المعنى، فمضادَّتُهَا لها في الاسم أنسب قوله " وحروف القلقلة " إنما سميت حروف القلقلة لأنها يصحبها ضغط اللسان في مخرجها في الوقف مع شدة الصوت المتصعد من الصدر، وهذا الضغط التام يمنع خروج ذلك الصوت، فإذا أردت بيانها للمخاطب احْتَجْتَ إلى قلقلة اللسان وتحريكه عن موضعه حتى يخرج صوتها فيسمع، وبعض العرب أشدّ صوتاً كأنهم الذين يرومون الحركة في الوقف، وبعض الحروف إذا وقفت عليها خرج معها مثل النفخة ولم تنضغط ضغط الأول، وهي الظاء والذال والضاد والزاي، فإن الضاد تجد المنفذ بين الأضراس، والظاء والذال والزاي تجد منفذاً من بين الثنايا وأما الحروف المهموسة فكلها تقف عليها مع نفخ لأنهن يجرين مع النفس، وبعض العرب أشد نفخاً، كأنهم الذين يرومون الحركة في الوقف وبعض الحروف لا يصحبها في الوقف لا صوت كما في القلقلة، ولا نفخ كما في المهموسة، ولا شبه نفخ كما في الحروف الأربعة، وهو اللام والنون والميم والعين والغين والهمزة، أما عدم الصوت فلأنه لم يتصعّد من الصدر صوت يحتاج إلى إخراجه، وأيضاً لم يحصل ضغط تام، وأما عدم النفخ فلأن اللام والنون لا يجدان منفذاً كما وجدت الحروف الأربعة بين الأسنان وذلك لأنهما ارتفعتا عن الثنايا، وكذلك الميم، لأنك تضم الشفتين بها، وأما العين والغين والهمزة فإنك لو أردت النفخ من مواضعها لم يمكن، ولا يكون شئ من النفخ والصوت في الوصل نحو أذْهِبْ زيداً، وخذهما، واحرسهما، وذلك لاتصال الحرف الثاني به فلا يبقى لا صوت ولا نفخ قوله " قد طبج " الطَّبْجُ: ضرب اليد على مجوف، وإنما سمي اللام منحرفاً لأن اللسان ينحرف عن النطق به، ومخرجه من اللسان - أعني طرفه - لا يتجافى عن موضعه من الحنك، وليس يخرج الصوت من ذلك المخرج،
بل يتجافى ناحيتها مستدقُّ اللسان، ولا تعترضان الصوت، بل تخليان طريقه، ويخرج الصوت من تينك الناحيتين، وإنما سمي الراء مكرراً لأن طرف اللسان إذا تكلم به كأنه يتعثر: أي يقوم فيعثر، للتكرير الذي فيه، ولذلك كانت
حركته كحركتين، كما تبين في باب الإمالة 1، ومعنى الهاوي ذُو الْهَوَاء كما ذكرنا، وإنما سُمّيَ التاء مهتوتاً لأن الهتّ سَرْدُ الكلام على سرعة، فهو حرف خفيف لا يصعب التكلم به على سرعة.
قال: " وَمَتَى قُصِد إِدْغَامُ أَحَدِ الْمُتَقَارِبَيْنِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الْقَلَبِ، وَالْقِيَاسُ قَلْبُ الأَوَّلِ إلاَّ لِعَارِضٍ في نحو إذ بحتودا واذبحاذه، في جُمْلَةٍ مِنْ تَاءِ الافْتِعَالِ لِنَحْوِهِ وَلِكَثْرَةِ تَغَيُّرِهَا، وَمَحُّمْ فِي مَعَهُمْ ضَعِيفٌ، وَسِتٌّ أصْلُهُ سِدْسٌ شَاذٌّ لاَزِمٌ " أقول: شرع في بيان إدغام المتقاربة بعضها في بعض، وقدم مقدمة يعرف بها كيفية إدغامها، ثم ذكر مقدمة أخرى يعرف بها ما لم يجز إدغامه منها في مقاربه، وهي قوله " ولا يدغم منها في كلمة " إلى قوله " فالهاء في الحاء " إنما كان القياس قلب الأول إلى الثاني دون العكس لأن الإدغام تغيير الحرف الأول بإيصاله إلى الثاني وجعله معه كحرف واحد.
فلما كان لابد للأول من التغيير بعد صيرورة المتقاربين مثلين ابتدأتَ بتغييره بالقلب قوله " إلا لعارض " اعلم انه قد يعرض ما يمنع من القياس المذكور، وهو شيئان: أحدهما: كون الأول أخف من الثاني، وهو إما في حرفين حلقيين أولهما أعلى من الثاني، وذلك إذا قصد إدغام الحاء إما في العين أو في الهاء فقط، ولا يدغم حلقيٌّ في حلقي آخر أدخل كما يجئ لو إنما أدغمت الحاء في أحد الحرفين مع أن حروف الحلق يقل فيها الإدغام - كما يجئ - لثقلها، فلهذا قلّ المضاعف منها كما
يجئ، فلم يدغم بعضها في بعض في كلمتين أيضاً في الأغلب، لئلا يكون شبه مضاعف مصوغ منها، وإنما أدغمت الحاء في أحدهما لشدة مقاربة الحاء لهما، وإنما قلبت الثاني إلى الأول في نحو اذْبَحْ عَتُوداً 1 واذبح هذه، مع أن القياس العكس، لأن أنزلها في الحلق أثقلها، فأثقلها الهمزة ثم الهاء، ثم العين ثم الغين ثم الحاء ثم الخاء، فالحاء أخف من الغين والخاء، والمقصود من الإدغام التخفيف، فلو قلبت الأولى التي هي أخف إلى الثانية التي هي أثقل لمشت خفة الإدغام بثقل الحرف المقلوب إليه فكأنه لم يدغم شئ في شئ، وأما في الواو والياء في نحو سيد وأصله سَيْوِد وذلك لثقل الواو كما مر في باب الإعلال وثانيهما كون الحرف الأول ذا فضيلة ليست في الثاني، فيُبْقى عليها بترك قلبه إلى الثاني، ولا يدغم في مثل هذا كما يجئ، إلا أن يكون الثاني زائداً فلا يبالي بقلبه وتغييره على خلاف القياس، نحو اسَّمَع وَازَّان ومعنى قوله " لنحوه ولكثرة تغيرها " أي: لكون الالف أخف من الثاني ولكثرة تغير التاء لغير الإدغام كما في اضطراب واصطبر قوله " ومحمُّ معه ضعيف " كان القياس الأوَّلُ: أي قلب الأول إلى الثاني، أن يقال مَهُّم، بقلب العين هاء، وقياس العارض، وهو كون الثاني: أي الهاءِ أدخَلَ في الحلق وأثقل، أن يقلب الثاني إلى الأول فيقال مَعُّمْ، فاستثقل كلاهما، ولهذا كان تضعيف الهاء نحو قَةَ (2) وَكَهَّ (3) السكرانُ، والعين نحو دَعَّ (4) وكَعَّ 2 قليلاً جداً، واستثقل أيضاً ترك الإدغام لأن كل واحدة منهما