شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذيصفحات 65-104

َأَحْوَالُ الأَْبْنِيَةِ

صفحات 65-104
عن هذه الطبعة
عَلَم
الأستراباذي، الرضي
الكتاب
شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
المؤلف
محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
الناشر
دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قَدْ تَكُونُ لِلْحَاجَةِ كَالْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَالأَْمْرِ وَاسْمِ الفاعل وَاسْمِ الْمَفْعُولِ وَالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ وَأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ وَالْمَصْدَرِ وَاسْمَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالآلَةِ وَالْمُصَغَّرِ وَالْمَنْسُوبِ وَالْجَمْعِ وَالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَالابْتِدَاءِ وَالْوَقْفِ، وقدْ تَكُونُ لِلتَّوَسُّع كَالْمقْصُورِ وَالْمَمْدُودِ وذِي الزيادة، وقد رجل ضورب، لان هذا الالحاق لم يطرد فلا تقيسه.
وسألت أبا على (يريد أستاذه الفارسى) عن هذا الموضع في وقت القراءة بالشام والعراق جميعا وأنا أثبت ما تحصل من قوله فيه، قال: لو اضطر شاعر الان لجاز أن يبنى من ضرب اسما وصفة وفعلا وما شاء من ذلك، فيقول: ضربب زيد عمرا، ومررت برجل ضربب، وضربب أفضل من خرجج، لانه إلحاق مطرد، وكذلك كل مطرد من الالحاق نحو هذا رجل ضربني، لان هذا الالحاق مطرد، وليس لك أن تقول: هذا رجل ضيرب، ولا ضورب، لان هذا لم يطرد في الالحاق.
فقلت له: أترتجل اللغة ارتجالا؟ فقال: نعم، لان هذا الالحاق لما اطرد صار كاطراد رفع الفاعل، ألا ترى أنك تقول: طاب الخشكنان، فترفع وإن لم تكن العرب لفظت بهذه الكلمة لانه أعجمية.
قال: وإدخالهم الاعجمي في كلامهم كبنائك ما تبنيه من ضرب وغيره من القياس، وهذا من طريف ما علقته من أبى على، وهذا لفظه أو معنى لفظه " اه وحاصل هذا أن الالحاق عندهما على ضربين: قياسي، وسماعى، فأما القياسي فقد ذكرا له موضعين: الاول: ما كان بتكرير اللام مع الثلاثي، والثانى: ما كان بريادة النون في وسط الكلمة، وأما السماعي فما كان بالواو كجمهور ورودن، أو بالياء كشريف وبيطر وزينب ومريم، أو بالالف كجعبى وسلقى ودنيا ومعزى ولكنك إذا رجعت إلى كلام أبى الفتح ابن حنى في عدة مواضع من شرحه على تصريف المازنى ومن كتابه الخصائص تبين لك أنهم لا يعدون من الالحاق قياسيا إلا ما كان بتكرير اللام سواء أكان ثلاثى الاصول وأريد إلحاقه بالرباعي أم كان رباعى الاصول وأريد إلحاقه بالخماسى، فليس لك أن تزيد للالحاق أي حرف ما لم يكن من جنس اللام، إلا أن تريد التمرين كأن تقول: ابن من خرج على مثال كوثر أو جهور أو بيطر أو جعبى أو غسل أو نحو ذلك

تَكُونُ لِلْمُجَانَسَةِ كَالإِْمَالَةِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلاسْتِثْقَالِ كَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ وَالإِْعْلاَلِ وَالإِْبْدَالِ وَالإِْدْغَامِ وَالْحَذْفِ " أقول: قد مضى الكلام على جعله لهذه الأشياء أحوال الكلمة فلا نكرره 1 قوله " قد تكون للحاجة " أي: يحتاج إلى هذه الأشياء: إما لتغير المعنى باعتبارها كما في الماضي والمضارع، إلى قوله " والجمع " وَإما للاضطرار إلى بعضها بعد الإعلال كالتقاء الساكنين في نحو " لمْ يَقُلْ " أو بعد وصْل بعض الكلم ببعض كالتقائهما في نحو " اذْهَبِ اذْهَبْ " أو عند الشروع في الكلام كالابتداء، وإما لوجه استحساني لا ضروريّ كوجوه الوقف على ما يأتي وفي جعله للمقصور والممدود وذي الزيادة من باب التوسع مطلقاً نظر، لأن القصر والمد إنما صِيرَ إليهما في بعض المواضع بإعلال اقتضاه الاستثقال كاسم المفعول المعتل اللام من غير الثلاثي المجرد، واسمي الزمان والمكان، والمصدر مما قياسه مفعل ومفعل، وسائر ما ذكره في المقصور، وكالمصادر المعتلة اللام من أفعل وفَاعَل وافْتَعَل كالإعطاء والرِّمَاءِ والاشتراء، وسائر ما نذكره في الممدود، وربما صير إليهما للحاجة كمؤنث أفعل التفضيل، ومؤنث أفْعَلَ الصفة، وكذا ذو الزيادة: قد تكون زيادته للحاجة كما في زيادات اسم الفاعل واسم المفعول ومصادر ذي الزيادة ونحو ذلك، وكزيادات الإلحاق، وقد يكون بعضها للتوسع في الكلام كما في سَعِيد وحِمَار وعُصْفور وكُنَابيل ونحو ذلك، ويجوز أن يقال في زيادة الإلحاق: إنها للتوسع في اللغة، حتى لو احتيج إلى مثل ذلك البنا في

الوزن والسجع كان موجوداً، وذهب أحمد بن يحيى إلى أنه لابد لكل زائد من معنى، ولا دليل على ما ادعى قوله " والإعلال " يدخل فيه إبدال حروف العلة، ونقل حركتها إلى ما قبلها، وحذفها، وحذف حركتهالا للجزم ولا للوقف، ويدخل في الإبدال إبدال حرف العلة والهمزة وغيرهما، وكذا الحذف يشمل حذف حرف العلة والهمزة وغيرهما، فقوله " الإبدال والحذف " يدخل فيها بعض وجوه الإعلال، وبعض وجوه تخفيف الهمزة قال: " الماضي: للثوثى المجرد ثلاثة أبنية: فعل، وفعل، وفعل، نحو ضربه وقتله جاس وَقَعَدَ وَشَرِبَهُ وَوَمِقَهُ وَفَرِحَ وَوَثِقَ وَكَرُمَ " أقول: ذكر لفَعَلَ أربعة أمثلة: مثالين للمتعدي: أحدهما من باب فَعَلَ يَفْعِلُ، والثاني من باب فَعَل يَفْعُلُ، ولم يذكر من باب فَعَلَ يَفْعَلُ - بفتحهما - لأنه فرعهما على ما يأتي في المضارع، ومثالين للاَّزم منهما، وذكر أيضاً لفَعَلَ أربعة أمثلة: مثالين للمتعدي: أحدهما من باب فعل يفعل كشرب، والثاني من باب فَعَل يَفْعُلُ كومق، ومثالين للاَّزم منهما، وذكر لفَعُلَ مثالاً واحداً، لأنه ليس مضارعه إلا مضموم العين، وليس إلا لازماً قال: " وَلِلْمَزِيد فِيهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ: ملحق بدرج نَحْوُ شَمْلَلَ وَحَوقْلَ َوبَيْطَرَ وَجَهْوَرَ وقَلْنَسَ وَقَلْسَي، ومُلْحَقٌ بِتَدَحْرَجَ نَحْوُ تَجَلْبَبَ وَتَجَوْرَبَ وَتَشَيْطَنَ وَتَرَهْوَكَ وَتَمَسْكَنَ وَتَغَافَلَ وَتَكَلَّمَ، وَمُلْحَقٌ باحْرَنْجَمَ نَحْوَ اقْعَنْسَسَ وَاسْلَنْقى، وَغَيْرَ مُلْحَقٍ نَحْوٍ أخْرَجَ وَجَرَّبَ وَقَاتَل وانْطَلَقَ وَاقْتَدَرَ وَاسْتَخْرَجَ وَاشْهَابَّ وَاشْهَبَّ واغْدَوْدَنَ وَاعْلَوَّطَ، وَاسْتَكَانَ قيل: افْتَعَلَ مِنَ السّكُونِ فَالْمَدُّ شَاذٌّ، وَقِيلَ: اسْتَفْعَلَ مِن كانَ فَالْمَدُّ قِياسيٌّ " أقول: شملل: أي أسرع، وأيضاً بمعنى أخذ من النخل بعد لِقاطِهِ ما يبقى

من ثمره، وحَوْقَلَ: كبر وعجز عن الجماع، وجَهْوَرَ: رفع صوته، قَلْنَسْتُهُ وَقَلْسَيْتُهُ: ألبسته الْقَلَنْسُوَةَ، تَجَلْبَبَ: لبى الجِلْبَاب، تَجَوْرَب: لبس الْجَوْرَبَ، تَشَيْطَنَ الرجل: صار كالشيطان في تمرده، تَرَهْوَكَ الرجل في المشي: أي كان كأنه يَمُوجُ فيه، تمسكن: تشبه بالمسكين، احرنجم القوم: ازدحموا، اقْعَنْسَسَ: رجع وتأخر، اسْلَنْقَى: مطاوع سَلْقَيَ: أي صَرَعَ، اغْدَوْدَنَ النبتُ: طال، اعْلَوَّطْتُ البعير: تعلقت بعنقه وعلوته، استكان: ذل ومن الملحقات بفعلل شَرِيَف: أي قطع شِرْيَافَ الزرع، وهو ورقه إذا طال وكثر حتى يُخاف فساد الزرع قد تقدم أن نحو تكلَّم وتغافل ليس ملحقاً، وإن كان في جميع تصاريفه كتدحرج، وفى عد النجاة تمدرع وتمندل وتمكن من الملحق نظرا أيضا، وإن وافقت ترحرج في جميع التصاريف، وذلك لأن زيادة الميم فيها ليست لقصد الإلحاق، بل هي من قبيل التوهم والغلط، ظَنُّوا أن ميم منديل ومسكين وَمِدْرَعَة فاءُ الكلمة كقاف قِنْدِيل ودال دِرْهَمْ، والقياس تَدَرَّعَ وتندل وتسكن كما يجئ في باب ذي الزيادة، وهذا كما تُوُهم في ميم مسيل الأصالةُ فجمعوه على مُسْلاَن وَأَمْسِلَة، كقفزان وأقفزة في جمع قفيز، فتمدرع وتمندل وتمسكن - وإن كانت على تمفعل في الحقيقة - لكن في توهمهم على تَفَعْلَلَ وقد جاء من الملحقات بدحرج فَعْأل نحو: بَرْأَلَ الديكُ، إذا نَفشَ بُرَائله 1

وَفَنْعَلَ نحو: دَنْقَعَ الرجل: اي افتقر ولَزِق بالدَّقْعَاء، وهي الأرض، وكذا فعلن وفمعل (وفعمل) وَفَعْلَمَ وَغَيْرُ ذلك، لكنها لم تُعَدَّ لغرابتها وكونها من الشواذ، وكذا جاء تَهَفْعَلَ وَافْعَنْمَل ونحو ذلك من النوادر 1 قوله " واستكان "، قيل: أصله اسْتَكَنَ فأُشبع الفتح، كما في قوله: -

10 - ينباع من ذفرى غصوب جَسْرَةٍ زَيَّافَةٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ الْمُكْدَمِ إلا أن الإشباع في اسْتَكَانَ لازمٌ عند هذا القائل، بخلاف يَنْبَاعُ، وقيل: استفعل من الْكَوْنِ، وقيل: من الكين، والسين للانتقال، كما في اسْتَحْجَرَ: أي انتقل إلى كون آخر: أي حالة أخرى: أي من العزة إلى الذلة، أو صار كَالْكَيْن، وهو لحم داخل الفرج: أي في اللين والذلة قال: " ففعل لِمَعَانٍ كَثِيْرَةٍ، وَبَابُ الْمُغَالَبَةِ يُبْنَى عَلى فَعَلْتُهُ أَفْعُلُهُ - بالضم - نَحْوَ كَارَمَنِي فكَرَمْتُهُ أَكْرُمُهُ، إلا باب وَعَدْتُ وَبِعْتُ وَرَمَيْتُ، فَإِنَّهُ أَفْعِلُهُ - بالكسرِ - وَعَنِ الْكِسَائيِّ في نَحْوِ شَاعَرْتُهُ فَشَعَرْتُهُ أَشْعَرُهُ - بالفتح " أقول: اعلم أن باب فَعَل لخفته لم يختص بمعنى من المعاني، بل استعمل في جميعها، لأن اللفظ إذا خف كثر استعماله واتسع التصرف فيه ومما يختص بهذا الباب بضم مضارعه المغالبة، ونعنى بها أن يغلب أحد الأمرين الآخر في معنى المصدر، فلا يكون إذن إلا معتديا.
نحو: كارمني فكَرَمْتُهُ اكْرُمُهُ: أي غلبته بالكرم، وخاصمني فَخَصَمْتُهُ أخْصُمُهُ، وغالبني فغلبته أغْلُبُه، وقد يكون الفعل من غير هذا الباب كغَلَبَ وخَصَمَ وَكَرُمَ، فإذا قصدت هذا المعنى نقلته إلى هذا الباب، إلا أن يكون المثَال الواوى كوعد، والاجوف1

والناقص اليائيين كَبَاعَ وَرَمَى، فإنك لا تنقلها عن فَعَلَ يَفْعِلُ، بل تنقلها إليه إن كانت من غيره، لأن هذه الأنواع مضارعها يَفْعِلُ - بالكسر - إذا كان الماضي مفتوح العين قياساً لا ينكسر، كما يجئ وحكي عن الكسائي أنه استثنى أيضاً ما عينه أولامه أحد الحروف الحلقية، وقال: يلزمه الفتح، نحو: شَاعَرْتُهُ فَشَعَرْتُهُ أشْعَرُهُ، والحق ما ذهب إليه غيره، لان ما فيه حرف الحقل لا يلزم طريقة واحدة كالمثال الواوي والأجوف والناقص اليائيين، بل كثير منه يأتي على الأصل نحو بَرَأَ يَبْرُؤُ وهَنَأَ يَهْنِئُ، كما يأتي بيانه في موضعه، وقد حكى أبو زيد شاعَرْتُهُ فشَعَرْتُهُ أشْعُرُهُ - بالضم - وكذا فاخرته أفْخُرُهُ - بالضم - وهذا نص في عدم لزوم الفتح في مثله واعلم 1 أنه ليس باب المغالبة قياساً بحيث يجوز لك نقل كل لغةٍ أردت إلى هذا الباب لهذا المعنى، قال سيبويه: وليس في كل شئ يكون هذا، ألا ترى أنك تقول نَازَعَنِي فَنَزَعْتُهُ انْزَعُهُ، اسْتُغْنِيَ عنه بِغَلَبْتُهُ، وكذا غيره، بل نقول: هذا الباب مسموع كثير قال: " وَفَعِلَ تَكْثُرُ فِيهِ الْعِلَلُ وَالأَحْزَانُ وأَضْدَادُها نَحْوَ سَقِمَ وَمَرِضَ وحزن وفرح، ويجئ الالوان وَالْعُيُوبُ وَالحُلى كُلُّها عَلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَ أدِمَ وَسَمُِرٌ وَعَجُِف وَحَمُِقَ وَخَرُقَ وَعَجُِمَ وَرَعُِنَ (2) بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ "

أقول: اعلم أن فَعِلَ لازمهُ أكثر من متعديه، والغالب في وضعه أن يكون للإعراض من الْوَجَعِ وما يجري مجراه، كحَزِنَ ورَدِيَ وَشَعِثَ وَسَهِكَ وَنَكِدَ وعَسِرَ وَشَكِسَ وَلَحِزَ ولَحِجَ وَخَزِيَ، ومن الْهَيْجِ كَبَطِرَ وَفَرِحَ 1 وَخَمِطَ خَمَطًا، وهو الرائحة الطيبة، وقم قَنَمَةً، وهي الرائحة المكروهة، وغضب وغار يغار وَحَمِش وَقَلِقَ وحَارَ حَيْرَةً وَبَرِقَ (2). ومن الهيج ما يدل على الجوع والعطش وضديهما من الشبع وَالرَّيِّ، وقريب منه نَصِفَ القدحُ أي امتلأ نصفه وقرب إذا قارب الامتلاء، ويكثر في هذا الباب الألوان وَالحِلَى، فالألوان نحو كَدِرَ وَشَهِبَ وَصَدِئَ وَقَهِبَ وَكَهِبَ وأدم (3) واللون الادمة.
وسمر (ككرم وفرح) فهو أسمر، واسمار أيضا، إذا كان لونه السمرة، وهى منزلة بين السواد والبياض.
وعجف (كفرح وكرم) فهو أعجف، إذا ذهب سمنه، وهو العجف (بفتحتين).
وحمق (ككرم وغنم) حمقا - بالضم وبضمتين - وحماقة فهو أحمق، إذا كان قليل العقل.
وخرق بالامر (ككرم وفرح) إذا لم يرفق به، وعجم - بضم الجيم - عجمة فهو أعجم وهى عجماء، إذا كان به عجمة وهى لكنة وعدم فصاحة، وظاهر كلام المؤلف أنه ورد كفرح أيضا، لكنا لم نجد بعد مراجعة ما بأيدينا من أمهات كتب اللغة إلا ما قدمناه، وقال في اللسان عن الكسائي: كل شئ من باب أفعل وفعلاء سوى الالوان فانه يقال فيه فعل يفعل مثل عرج يعرج وما أشبهه الا ستة أحرف فانه جاءت على فعل (ككرم) الاخرة والاحمق والارعن والاعجف والايمن اه ولم يذكر السادس، ولعله الاعجم.

والأغلب في الألوان افْعَلَّ وافعَالَّ نحو ازْرَاقَّ وَاخْضَارَّ وَابْيَضَّ وَاحْمَرَّ واصفر، ولا يجئ من هذه الألوان فَعَلَ وَلاَ فَعُلَ، ونعني بالحُلَى العلامات الظاهرة للعيون في أعضاء الحيوان، كَشَتِرَ وَصَلِعَ وَرَسِحَ وَهَضِمَ 1 وقد يشاركه فَعُلَ مضمومَ العين في الألوان والعيوب وَالحُلَى، كالكلمات التي عدها المصنف، وفي الأمراض والأوجاع كَسُقِمَ وَعَسُِرَ، بشرط أن لا يكون لامه ياء، فإن فَعُلَ لا يجئ فيه ذلك، إلا لغةً واحدة، نحو بَهُوَ الرجل (2) وَبَهِيَ أي: صار بَهِيًّا وفَعِلَ في هذه المعاني المذكورة كلها لازم، لأنها لا تتعلق بغير من قامت به، وأما قولهم: فَرِقْتُهُ وَفَزِعْتُهُ فقال سيبويه: هو على حذف الجار، والأصل فرقت منه وفزعت منه، قال: وأما خشيته فأنا خاشٍ، والقياسُ خَشٍ، فالأصل أيضاً خشيت منه، فحمل على رَحِمْتُهُ، حمل الضد على الضد، ولهذا جاء اسم الفاعل منه على خاشٍ والقياس خَشٍ، لأن قياس صفة اللازم من هذا الباب فعل، وكذ كانقياس مصدره خشى فقيل خشْيَة حَمْلاً على رَحْمَة، وكذا حُمِلَ ساخط على راض مع أنه لازم، يقال: سخط منه أو عليه سواده، وصدى: إذا كان أسود مشربا حمرة، وقهب إذا كان ذا غبرة مائلة إلى الحمرة، وكهب: إذا كان ذا غبرة مشربة سوادا، وأدم تقدم قريبا ص (71) (1) شتر: انشقت شفته السفلى، وشترت عينه: انقلب جفنها وتشنج، وصلع (بمهملة كفرح) فهو أصلع، إذا انحسر شعر مقدم رأسه لنقصان مادة الشعر في تلك البقعة في بعض النسخ " ضلع " وتقول.
ضلع السيف (بالمعجمة كفرح): اعوج، ورسح: أي خف لحم عجيزته وفخذيه، وهضم: انضم كشحاه (أي جانباه) وضمرت بطنه (2) بهو الرجل وبهى وبها (ككرم وفرح ودعا وسعى)، إذا صار بها

قوله " رعن " أي: حمق، والرعونة: الحمق قال: " وَفَعُلَ لأَِفْعَالِ الطَّبَائِعِ وَنَحْوِها كَحَسُنَ وَقَبُحَ وَكَبُرَ وَصَغُرَ فَمِنْ ثَمَّةَ كانَ لازِماً، وشَذَّ رَحُبَتْكَ الدار: أي رحبت بك.
وأَما بَابُ سُدْتُهُ فَالصَّحيحُ أَنَّ الضَّمَّ لِبَيَانِ بَنَاتِ الْوَاوِ لاَ لِلنَّقْلِ، وَكَذَا بَابُ بِعْتُهُ.
وَرَاعَوْا في بَابِ خَفْتُ بَيَانَ الْبِنْيَةِ " أقول: اعلم أن فعل في الأغلب للغرائز، أي: الأوصاف المخلوقة كالحسن وَالقُبْحِ وَالوَسَامَةِ وَالْقَسَامَة (1) وَالكِبَرِ والصغر وَالطُّول وَالقِصَرِ وَالغِلَظِ وَالسُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ والشرعة والبطء والثِّقَلِ والحلم والرِّفق، ونحو ذلك وقد يُجْرَى غير الغريزة مجراها، إذا كان له لُبْث (2) وَمُكْث نحو حَلُمَ وَبَرُع (3) وَكَرُمَ وفَحُشَ قوله " ومن ثمة كان لازماً " لأن الغريزة لازمة لصاحبها، ولا تتعدى إلى غيره هكذا قيل.
وأقول: أيْشٍ الْمَانِعُ (4) من كون الفعل المتعدى طبيعة أو كالطبيعة

قوله " رَحُبَتْكَ الدَّارُ "، قال الأزهري: هو من كلام نصر بن سيار وليس بحجة 1. واولى أن يقال: إنما عَدَّاه لتضمنه معنى وَسِعَ، أي: همزة بشئ بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها، ثم أعل إعلال قاض، والمؤلف رحمه الله يستعمل هذا اللفظ كثيرا، وقد وقع مثله لكثير من أفاضل العلماء، قال الشهاب الخفاجى في شفاء الغليل: أيش بمعنى أي شئ، خفف منه، نص عليه ابن السيد في شرح أدب الكاتب، وصرحوا بأنه سمع من العرب، وقال بعض الائمة: جنبونا أيش، فذهب إلى أنها مولدة، وقول الشريف في حواشى الرضى: " إنها كلمة مستعمل بمعنى أي شئ وليست مخففة منها " ليس بشئ، ووقع في شعر قديم أنشده في السير: - من آل قحطان وآل أيش قال السهيلي في شرحه: الايش: يحتمل أنه قبيلة من الجن ينسبون إلى أيش، ومعناه مدح، يقولون: فلان أيش وابن أيش، ومعناه شئ عظيم، وأيش في معنى أي شئ كما يقال: ويلمه، في معنى ويل لامه على الحذف لكثرة الاستعمال اه (1) قال اللسان: " كلمة شاذة تحكى عن نصر بن سيار: أرحبكم الدخول في طاعة ابن الكرماني؟ أي: أوسعكم؟ فعدى فعل (بالضم) وليست متعدية عند النحويين، إلا أن أبا على الفارسى حكى أن هذيلا تعديها إذا كانت قابلة للتعدى بمعناها، كقوله: - ولم تبصر العين فيها كلابا قال الازهرى: لا يجوز رحبكم عند النحويين، ونصر ليس بحجة " اه ملخصا ونصر: هو نصر بن سيار بن رافع بن حرى (كغنى) بن ربيعة بن عامر بن هلال بن عوف، كان أمير خراسان في الدولة الاموية، وكان أول من ولاه هشام ابن عبد الملك، وكانت إقامته بمرو، فهو عربي الاصل، وحياته كانت في العصر الذى يستشهد بكلام أهله فلا وجه لقولهم: ليس بحجة

وَسِعَتْكُم الدار.
وقول المصنف " أي رحبت بك " فيه تعسف لا معنى له (1). ولا يجئ من هذا الباب أجوف يائي، ولا ناقص يائي، لأن مضارع فَعُلَ يَفْعُلُ بالضم لا غير، فلو أتيا منه لاحتجت إلى قلب الياء ألفاً في الماضي، وفي المضارع واواً، نحو يَبُوعُ يرمو، من البيع والرَّمي، فكنت تنتقل من الأخف إلى الأثقل.
وإنما جاء من فَعِل المكسور العين أجوف وناقص: واويان كخاف خوفا وَرَضِيَ وغَبِيَ وَشَقِيَ رِضْوَاناً وَغَبَاوَةً وَشَقَاوَةً، لأنك تنتقل فيه من الأثقل إلى الأخف بقلب الواوفى يخاف أَلفاً وفي رضي ياء، بلى قد جاء في هذا الباب من الأجوف اليائي حرف واحد وهو هَيُؤَ الرَّجُلُ: أي صار ذاهيئة، ولم تقلب الياء في الماضي ألفاً إذ لو قلبت لوجب إعلال المضارع بنقل حركتها إلى ما قبلها واواً، لأن المضارع يتبع الماضي في الإعلال، فكنت تقول: هَاءَ يَهُوءُ، فيحصل الانتقال من الأخف إلى الأثقل، وجاء من الناقص اليائي حرف واحد متصرف (2) وهو بَهُوَ الرجل يَبْهُو، بمعنى بَهِيَ يَبْهَى: أي صار بَهِيًّا، وإنما لم تقلب الضمة كسرة لأجل الياء كما في التَّرَامي بل قلبت الياء واواً لأجل الضمة لأن الأبنية في الأفعال مراعاة لا يُخْلَطُ بعضها ببعض أبداً، لأن الفعلية إنما حصلت بسبب البنية والوزن، إذ أصل الفعل المصدر الذي هو اسم، فطرأ الوزن عليه فصار فعلاً، وقد يجئ على قلة في باب التعجب فَعُلَ من الناقص اليائي ولا يتصرف كنِعْمَ وبئس فلا يكون له مضارع كَقَضُوَ الرجل (3) وَرَمُوَتِ الْيَدُ (يده)، ولم إنما كان تخريج المصنف تعسفا عنده لان حاصله حذف الجار وإيصال العامل اللازم إلى ما كان مجرورا بنفسه، وباب الحذف والايصال شاذ عند النحاة، وأما تخريج الشارح فحاصله أنه ضمن كلمة معنى كلمة، والتضمين باب قياسي عند كثير من النحاة (2) نقول: قد جاء فعل آخر من هذا النوع، وهو قولهم: نهو الرجل: أي صار ذا نهية، والنهية (بضم فسكون) العقل (3) قضو الرجل: أي ما أقضاه، يقال ذلك إذا جاد قضاؤه.
ورموت اليد: أي ما أرماها

يجئ المضاعف من هذا الباب إلا قليلاً لثقل الضمة والتضعيف.
وحكى يونس لببت تلب، ولبت تَلَبُّ أكثر، وأما حَبُبْتَ فمنقول إلى هذا الباب للتعجب كقضور وَرَمُو، ومنه قوله -:.

  • وَحُبُّ بِهَا مَقْتُولَةً حِينَ تُقْتَلُ (1) فهو كقوله: - 11 - قصعد لَهُ وَصُحْبَتِي بَيْنَ ضَارِجٍ وَبَيْنَ العذيب بعد ما مُتَأَمَّلِي (2) على أحد التأويلين في بَعْدَ (3) والأصل حَبِبْتَ بالكسر (4) أي: صرت حبيباً، ولم يقولوا في القليل قللت كما قالوا في الكثير كَثُرَت، بل قالوا: قل

يَقِلُّ كرَاهةً للثقل، ولم يأت شَرُرْتَ بالضم 1 بل شَرِرتَ بالْفتح والكسر أي صرت شِرِّيراً، وقال بعضهم: عَزَّت الناقة - أي: ضاق إحليلها - تعُزُ بالضم وَشَرَّ وَدَمَّ: أي صار دميماً، وثلاثتها فَعُلَ بالضم.
ولم يثبت ما قاله سيبويه " لا يكاد يكون فيه - يعني في المضاعف - فَعُلَ " وقال الجوهري: إن لَبُبْتَ لا نظير له في المضاعف، وإنما غَرَّهم الدَّميم وَالشَّرير والدَّمَامة وَالشَّرَارَة! ! والمستعمل دَمَمْتَ بالفتح تَدُمُّ لا غير، ولم يستعمل من شديد فعل ثلاثي (2) استغناء باشْتَدَّ، كما استُغْنِيَ بافْتَقَرَ عن فقر، وبارتفععن رَفُعَ، فقالوا: افتقر فهو فقير، وارتفع فهو رفيه واشتد فهو شديد، وأما قول علي رضي الله عنه " لَشَدَّ ما تشطرا ضرعيها " 2 فمنوقول إلى فَعُلَ كما قلنا في حَبَّذا وَحَبُبْتَ، فلا يستعمل حَبَّ وَشَدَّ بمعنى صار حبيباً وشديداً إلا في التعجب كما في حبذا وَشَدَّمَا قوله " وأما باب سُدْتَهَ " جواب عن اعتراض وارد على قوله " كان لازماً " أجاب بأن سدته ليس من باب فَعُلَ بالضم في الأصل، ولا هو منقول إليه كما هو ظاهر قول سيبويه وجمهور النحاة، وذلك لأنهم قالوا: نقل قَوَلْتُ إلى قولت

وبيعث إلى بَيِعَتُ لينقلوا بعد ذلك ضمة الواو وكسرة الياء إلى ما قبلها فيبقى بعد حذف الواو والياء ما يدل عليهما، وهو الضمة والكسرة، واعترض المصنف على قولهم بأن الغرض المذكور يحصل بدون النقل من باب إلى باب، وَبَابُ فَعُلَ المضموم العين وَفَعِلَ المكسور العين في الأغلب يختص كل منهما بمعنى مخالف لمعنى فَعَلَ المفتوح العين، ولا ضرورة ملجئة إلى هذا النقل، لا لفظية ولا معنوية، أما المعنى فلأنه لا يدعي أحد أن قُلْتُ وَبِعْتُ تَغَيَّرَا عما كانا عليه من المعنى، وأما اللفظ فلأن الغرض قيام دلالة على أن أحدهما واوي والآخر يائي، ويحصل هذا بضم الفاء قال وكسر فاء باع من أول الأمر بعد إلحاق الضمير المرفوع المتحرك بهما وسقوط ألفهما للساكنين من غير أن يُرْتَكب ضَمُّ العين وكسرها ثم نقل الحركة من العين إلى الفاء.
وَأَيْشٍ الْمَحْذُورُ في ذلك 1 ؟ وكيف نخالف أصلاً لنا مقرراً؟ وهو أن كل واو أو ياء في الفعل هي عين تحركت بأي حركة كانت من الضم والفتح والكسر وانفتح ما قبلها فإنها تقلب ألفاً، فَقَوَلْتُ بالفتح يجب قلب واوه ألفاً، وكذا لو حولت الفتحة ضمة، وكذا بَيَعْتُ بالكسر والفتح، وأَيُّ داعٍ لنا إلى إلحاق الضمائر المرفوعة بقَوَلَ وبَيَعَ اللذين هما أصلا قال وباع؟ وهل هي في الفاعلية إلا كالظواهر في نحو " قال زيد "، و " باع عمرو "؟ فالوجه إلحاق هذه الضمائر بقال وباع مقلوبي الواو والياء ألفاً، فنقول: تحركت الواو في قَوَلَ وَطَوُل وَخَوِف والياء في بَيَعَ وَهَيِب وانفتح ما قبلهما ألفاً، وإنما لم تقلب الياء في هَيُؤَ لما تقدم، فصار الجميع قال وطال وخاف وباع وهاب، فلم يمكن مع بقاء الألف التنبيه على بنية هذه الأبواب وأن أصلها فَعَل أو فَعُل أَو فَعِل لأن الألف يجب انفتاح ما قبلها.
فلما اتصلت الضمائر المرفوعة المتحركة بها وجب تسكين اللام لما هو معلوم، فسقطت الالف في جميعها للسكانين، فزال ما كان مانعاً من التنبيه

على الوزن - أي الألف - فقصدوا بعد حذفها إلى التنبيه على بِنْيَة كل واحد منها لما ذكرنا من أن بنية الفعل يُبَقَّى عليها وتراعى بقدر ما يمكن، وذلك يحصل بتحريك الفاء بمثل الحركة التي كانت في الأصل على العين، لأن اختلاف أوزان الفعل الثلاثي بحركات العين فقط، ولم يمكن هذا التنبيه في فَعَل المفتوح العين نحو قَوَلَ وَبَيَعَ، لأن حركتي الفاء والعين فيه متماثلتان، فتركوا هذا التنبيه فيه ونَبَّهُوا على البنية في فَعِلَ وَفَعُل فقط، فقالوا في فعل نحو خاف وهاب: خِفْتُ وَهِبْتُ، وَسَوَّوا بين الواوي واليائى لما ذكرنا أن المهم هو التنبيه على البنية، وقالوا في فعل نحو طال فهو طويل: طلت، والضمة لبيان البنية لا لبيان الواو، لما ذكرنا، ولم يجئ في هذا الباب أجوف يائى حتى يسووا بينه وبين الواوى في الضم كما سووا بينهما في فعل خفت وهبت، إلا هيؤ، كما ذكرنا، ولا تقلب ياؤه ألفا لما مر، فلما فرغوا من التنبيه على البنية في بابى فعل وفعل.
ولم يكن مثل ذلك في فعل ممكنا، كما ذكرنا، قصدوا فيه التنبيه على الواوي واليائي والفرقَ بينهما، كما قيل: إن لم يكن خَلّ فَخَمْرٌ 1، فاجتلبوا ضمة في قال بعد حذف الألف للساكنين، وجعلوها مكان الفتحة، وكذا الكسرة في باع، لتدل الأولى على الواو والثانية على الياء، وأما إذا تحركت الواو والياء عينين وما قبلهما ساكن متحرك الأصل في الأفعال والأسماء المتصلة بها فإنه ينقل حرك العين إليه وإن كانت فتحة رعايةً لِبِنْيَة الفعل والمتصل به، وذلك لأنه يمكن في مثله المحافظة على البنية في المفتوح العين، كما أمكن في مضمومها ومكسورها، بخلاف المفتوحة المفتوح ما قبلها نحو قَالَ وبَاعَ، كما ذكرنا، لأن الفاء ههنا ساكنة، فإذا تحركت

بالفتح وسكن العين علم أن ذلك حركة العين، ولا يراعى هنا الفرق بين الواوى واليائي أصلاً، لأنه إنما يراعى ذلك إذا حصل العجز عن مراعاة البنية كما مر، بلى يراعى ذل ك في اسم المفعول من الثلاثي، نحو مَقُول ومبيع، كما يجئ، فمن الواوي قولهم يَخَاف وَيَقُالُ وأُقِيمَ ونُقِيم ويَقُول ويَطِيح، عند الخليل، وأصله 1 يَطْوِحُ كما يجئ، ويقوم والمقام والمقيم والمعون، فقد رأيت كيف قصدوا في النوعين بيان البنية بنقل الضمة والكسرة والفتحة إى ما قبلها لَمَّا لزمهم إعلال العين بسبب حمل الكلمات المذكورة على أصولها، أعني الماضي الثلاثي كما يجئ في باب الإعلال، ولم يبالوا بالتباس الواويّ واليائى ثم الحركة المنقولة: إن كانت فتحة قلبت الواو والياء ألفاً، كما في يَخَاف ويَهَاب، لأن سكونهما عارض، فكأنهما متحركتان، وما قبلهما كان مفتوح الأصل، وقد تَحَرَّك بفتحة العين، فكأن الواو والياء تحركتا وانفتح ما قبلهما فقلبتا ألفاً، ولا سيما أن تطبيق الفرع بالأصل أولى ما أمكن.
وإن كانت ضمة - ولم يجى في الفعل والاسم المتصل به إلا على الواو، نحو يَقْوُلُ - نقلت إلى ما قبلها وسلمت الواو، بلى قد جاءت على الياء أيضاً في اسم

لمفعول، لكنه روعى فيه الفرق بين الواوي واليائي كما يجئ، وقد جاء أيضاً في هَيُؤَ يَهْيُؤ، وقد مر حكمه 1 وإن كانت كسرة: فإن كانت على الياء سلمت بعد النقل نحو يَبْيِعُ، وإن كانت على الواو - نحو يُقِيم، ويَطِيح عند الخليل - قلبت ياء، لتعسر النطق بها ساكنة بعد الكسرة، ولا تقول: إن الضم والكسر في نحو يَقْوُلُ وَيَبْيِعُ نقلاً إلى ما قبلهما للاستثقال، إذ لو كان له لم تنقل الفتحة في نحو يَخَاف وَيَهَاب، وهي أخف الحركات، فلا يستثقل وخاصةًَ بعد السكون، ولا سيما في الوسط، وأيضاً فالضمة والكسرة لا تُسْتَثْقَلانِ على الواو والياء إذا سكن ما قبلهما كما في ظَبْيٍ ودَلْوٍ فان قيل: ذلك لأن الاسم أخف من الفعل، والأصل في الإعلال الفعل كما يجئ في باب الإعلال قلت: نعم، ولكن الواو والياء المذكورين في طرف الاسم، وهما في الفعل في الوسط، والطرف أثقل من الوسط فإن قيل: لم تستثقل في الاسم لكون الحركة الإعرابية عارضةً قلت: نوع الحركة الإعرابية لازم، وإن كانت كل واحدة منهما عارضة، ولو لم يعتد بالحركة الإعرابية في باب الإعلال لم يُعَلَّ نحو قاضٍ وعَصاً، فإذا تبين أن النقل ليس للاستثقال قلنا: إنه وجب إسكان العين تبعاً لأصل الكلمة، وهو الماضي من الثلاثي، إذ الاصل في الاعلال الفعل كما يبين في بابه، وأصل الفعل الماضي، فلما أسكنت نُقلت الحركة إلى ما قبلها لتدل على البنية كما شرحنا وإنما فَرِقَ في اسم المفعول من الثلاثي بين الواوي واليائي نحو مَقُول وَمَبِيع، لأن الأصل في هذا الإعلال - أعني إسكان الواو والياء الساكن ما قبلهما -

هو الفعل كما ذكرنا، ألا ترى أن نحو دَلْو وَظَبْي لم يسكن الواو والياء فيهما مع تطرفهما، ثم حملت الأسماء المتصلة بالأفعال في هذا الإعلال على الفعل إذا وافقته لفظاً بالحركات والسكنات، كما في مَقَام وَمَعِيِشَة وَمُصِيبة، وَاسْمُ المفعول من الثلاثي وإن شابه الفعل معنى واتصل به لفظاً، لاشتقاقهما من أصل واحد، لكن ليس مثله في الحركات والسكنات فأجرِيَ مُجْرَى؟ ؟ ؟ من وجه، وجُعل مخالفاً له من آخر: فالأول بإسكان عينه، والثاني بالفرق بين واويه ويائيه، مع إمكان التنبيه على البنية، فالأولى على هذا أن نقول: حُذِفَت ضمة العين في مَقْوُول ومَبْيُوع إتباعاً للفعل في إسكان العين، وضمت الفاء في الواوي وكسرت في اليائي كما قلنا في قلت وبعد دلالة على الواوى واليائى قال: " وأفعل للتعددية غلبا، نحو أحلسته، ولِلتَّعْرِيضِ نَحْوُ أَبَعْتُهُ، وَلِصَيْرُورَتِهِ ذَا كَذَا نَحْوَ أَغَدَّ الْبَعِيرُ، وَمنْهُ أحْصَدَ الزَّرْعُ، وِلِوُجُوده عَلَى صِفَةٍ نَحْوَ أَحْمَدْتُهُ وَأَنْحَلْتُهُ، وَلِلسَّلْبِ نَحْوَ أشْكَيْتُهُ، وَبِمَعْنَى فَعَلَ نَحْوَ قِلْتُهُ وَأَقَلْتُهُ " أقول: اعلم أن المزيد فيه لغير الالحاق لابد لزيادته من معنى، لأنها إذا لم تكن لغرض لفظي كما كانت في الإلحاق ولا لمعنى كانت عبثا، فذا قيل مثلاً: إن أقال بمعنى قال، فذلك منهم تسامح في العبارة، ذلك عل نحو ما يقال: إن الباء في (كفى بالله) و " من " في (مامن إله) زائدتان لَمَّا لم تفيدا فائدة زائدة في الكلام سوى تقرير المعنى الحاصل وتأكيده، فكذا لابد في الهمزة في " أقالني " من التأكيد والمبالغة والأغلب في هذه الأبواب أن لا تنحصر الزيادة في معنى، بل تجئ لمعان على البدل، كالهمزة في أفعل تفيد النقل، والتعريض، وصيرورة الشئ ذا كذا، وكذا فَعَّل وغيره

وليست هذه الزيادات قياساً مطرداً، فليس لك أن تقول مثلاً في ظَرُف: أَظْرَفَ، وفي نصر: أَنْصَرَ، ولهذا رُدَّ على الأخفش في قياس أظَنَّ وَأَحْسَبَ وأخَالَ على أعْلَمَ وَأرَى، وكذا لا تقول: نَصَّرَ ولا دَخَّلَ، وكذا في غير ذلك من الأبواب، بل يحتاج في كل باب إلى استعمل اللفظ المعين، وكذا استعماله في المعنى المعين 1، فكما أن لفظ أذهب وأدخل يحتاج في إلى

السماع فكذا معناه الذي هو النقل مثلاً، فليس لك أن تستعمل أذْهَبَ بمعنى أزال الذهاب أو عَرَّضَ للذهاب أو نحو ذلك والاغلب أن تجئ هذه الأبواب مما جاء منه فعل ثلاثي، وقد تجئ مما لم يأت منه ذلك، كألْجَمَ وَأسْحَمَ وَجَلَّدَ وَقَرَّدَ وَاسْتَحْجَرَ المكان واستنوق 1 الجمل، ونحو ذلك، وهو قليل بالنسبة إلى الاول وبعير معلوط، وجرحته وجرحته (بتضعيف العين) أكثرت الجراحات في جسده " اه، فهذه العبارة تفيد أن استعمال فعل (بتضعيف العين) في معنى التكثير بين يديك متى أردت استعمالها منأى فعل ساغ لك ذلك.
ومثل ذلك كثير في عباراته وعبارات غيره من العلماء والذى نراه أنه إذا كثر ورود أمثلة لصيغة من هذه الصيع في معنى من هذه المعاني كان ذلك دليلا على أنه يسوغ لك أن تبنى على مثال هذه الصيغة لافادة هذا المعنى الذى كثرت فيه وإن لم تسمع اللفظ بعينه (1) ألجم - بالجيم - تقول: ألجم الرجل فرسه، إذا وضع في فمه اللجام، ولم يأت منه ثلاثى، ووقع في جميع النسخ المطبوعة " ألحم " بالحاء المهملة، وهو تصحيف، فان هذه المادة قد جاء منها الثلاثي والمزيد فيه، تقول: لحم الرجل يلحم - من باب كرم، وفيه لغة من باب فرح عن اللحيانى - إذا كثر لحم بدنه، وإذا أكل اللحم كثيرا، وتقول: ألحم الرجل، إذا كثر عنده اللحم، وتقول: ألحم الرجل القوم، إذا أطعمهم اللحم.
وأسحم - بالسين المهملة - تقول: أسحمت السماء، إذا صبت ماءها، ولم يذكر صاحبا القاموس واللسان فعلا ثلاثيا من هذه المادة، ولكنذكر المصدر كفرح وكسعال وكحمرة، ووقع في جميع النسخ المطبوعة " أشحم " بالشين المعجمة - وهو تحريف، فانه قد استعمل من هذه المادة الثلاثي والمزيد فيه، تقول: شحم الرجل القوم - من باب فتح - وأشحمهم، إذا أطعمهم الشحم.
وجلد - بتضعيف اللام - تقول: جلد الجزور، إذا نزع جلده، ولا يقال: سلخ، إلا في الشاة، وقد ورد من هذه المادة فعل ثلاثى بغير هذا المعنى، تقول: جلدته، إذا أصبت جلده، كما تقول: رأسه وبطنه وعانه ويداه، إذا أصاب رأسه وبطنه وعينه ويده، وقرد - بتضعيف الراء تقول: قرد الرجل بعيره، إذا أزال قراده (وهو كغراب: دويبة تعض الابل)

فإذا فهم هذا فاعلم أن المعنى الغالب في أفْعَلَ تعديةُ ما كان ثلاثياً، وهي أن يجعل ما كان فاعلاً للازم مفعولاً لمعنى الجعل فاعلاً لأصل الحدث على ماكان، فمعنى " أذهبت زيدا " جعل زيداً ذاهباً، فزيد مفعول لمعنى الجعل الذي استفيد من الهمزة فاعل للذهاب كما كان في ذَهَبَ زيد، فإن كان الفعل الثلاثي غيزإر متعديا إلى واحد فو مفعول لمعنى الهمزة - أي: الجعل والتصيير - كأذهبته، ومنه أعظمت: أي جعلته عظيماً باعتقادي، بمعنى استعظمته، وإن كان متعدياً إلى واحد صار بالهمزة متعدياً إلى اثنين أولهما مفعول الجعل والثاني لأصل الفعل، نحو: أحفرت زيداً النهر: أي جعلته حافراً له، فالأول مجعول، والثاني محفور، ومرتبة المجعول مقدمة على مرتبة معفول أصل الفعل، لأن فيه معنى الفاعلية.
وإن كان الثلاثي متعدياً إلى اثنين صار بالهمزة وقد ورد من هذه الماة الفعل الثلاثي، تقول: قرد الرجل والبعير - كفرح - إذا ذل وخضع، وقيل: قرد الرجل: أي سكت عن عى.
واستحجر المكان: كثرت الحجارة فيه، واستنوق الجمل: صار كالناقة في ذلها، لا يستعمل إلا مزيدا، قال ثعلب: " ولا يقال استناق الجمل (يقص أنه لا تنقل حركة الواو إلى الساكن قبلها، ثم تقل ألفا) وذلك لان هذه الافعال المزيدة أعنى " افتعل واستفعل " إنما تعتل باعتلال أفعالها الثلاثية البسيطة التى لا زيادة فيها، فلما كان استنوق واستتيس ونحوهما دون فعل بسيط لا زيادة فيه صحت الياء والواو، لسكون ما قبلهما " اه.
وقولهم " استنوق الجمل " مثل يضرب للرجل يكون في حديث أو صفة شئ ثم يخلطه بغيره وينتقل إليه، وأصله أن طرفة بن العبد كان عند بعض الملوك والمسيب (كمعظم) بن علس (كجبل) ينشده شعرا في وصف جمل ثم حوله إلى نعت ناقة، فقال طرفة: قد استنوق الجمل، فغضب المسيب، وقال: " ليقتلنه لسانه "، فكان كما تفرس فيه.
قال ابن برى: البيت الذى أنشده المسيب بن علس هو قوله: - وإنى لامضى لهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم

متعدياً إلى ثلاثة أولها للجعل والثاني والثالث لأصل الفعل، وهو فعلان فقط: أعْلَمَ، وَأَرَى وقد يجئ الثلاثي متعدياً ولازماً في معنى واحد، نحو فَتَنَ الرجلُ: أي صار مُفْتَتِناً، وَفَتَنْتُهُ: أي أدخلت فيه الفتنة، وحزن وحزنته: أي أدخلت فيه الحزن، ثم تقول: أفتنته وأحزنته، فيهما، لنقل فَتَنَ وَحَزِنَ اللازمين لا المتعدين، فأصل معنى أحزنته جعلته حزيناً، كأذهبته وأخرجته، وأصل معنى حَزَنْتُه جعلت في الحزن وأدخلته فيه، ككَحَلْتُهُ وَدَهَنْتُهُ: اي جعلت فيه كحلاً ودهناً، والمغزى من أحزنته وَحَزَنْتُهُ شئ واحد، لأن مَنْ أدخلت فيه الحزن فقد جعلته حزيناً، إلا أن الأول يفيد هذا المعنى على سبيل التقل والتصيير لمعنى فعل آخر - وهو حَزِن - دون الثاني وقولهم أسْرَعَ وَأَبْطَأَ في سَرُعَ وَبَطُؤ، ليس الهمزة فيهما للنقل، بل الثلاثي والمزيد فيه مَعاً غير متعديين، لكنالفرق بينهما أن سرُع وَبَطُؤ أبلغ، لأنهما كأنهما غريزة كصَغُرَ وَكَبُرَ ولو قال المصنف مكان قوله " الغالب في أفْعَلَ أن يكون للتعدية ": " الغالب أن يجعل الشء ذا أصله " لكان أعم، لأنه يدخل فيه ما كان أصله جامداً، نحو أفْحَى قِدْرَهُ: أي جعلها ذات (1) فحا وهو الابرار، وأجداه: أي جعله ذا جَدًى (2)، وأذْهَبَه: أي جعله ذا ذَهَب وقد يجئ أفعل لجعل الشء نَفْسَ أصْلِهِ إن كان الأصل جامداً، نحو أهديت الشئ: أي جعلته هَدِيََةً أو هَدْياً 2

قوله " وللتعريض " أي: تفيد الهمزة أنك جعلت ما كان مفعولاً للثلاثي مًعَرَّضاً لأن يكون مفعولاً لاصل الحدث، سواء صار مفعولا له أو لا، نحو أقْتَلْته: أي عرضته لأن يكون مقتولاً قُتِل أولاً، وأبَعْتُ الفرس: أي عرضته للبيع، وكذا أسْقَيْتُهُ: أي جعلت له ماء وسِقْياً شَرِبَ أو لم يشرب، وسَقَيته: أي جعلته يشرب، وأقبرته: أي جعلت له قبرا قبر أو لا قوله " ولصيرورته ذا كذا " أي: لصيرورة ما هو فاعل أفْعَلَ صاحب شئ، وَهو على ضربين: إما أن يصير صاحب ما اشتق منه، نحو الْحَمَ زيد: أي صار ذا لحم، وأطْفَلَتْ: أي صارت طفل، وأعس وأيسر وأقل: أي صار ذا عُسْرٍ ويُسْرٍ وقلة، وأغَدَّ البعير: أي صار 1 ذا غُدَّة، وَأَرَابَ: أي صار ذا ريبة، وإما أن يصير صاحب شئ هو صاحب ما اشتق منه، نحو أجْرَبَ الرجل: أي صار ذا إبل ذات جرب، وأقطف: أي صار صاحب خيل تقطف 2 وأخبث: أي صار ذا أصحاب خبثاء، وألام: أي صار صاحب قوم يلومونه، فإذا صار له لوام قيل: هو مليم، ويجوز أن يكون من الاول: أي صار صاحب لوم، وذلك بأن يلام، كأحصد الزرع: أي صار صاحب الحصاد، وذلك بأن يحصد، فيكون أفعل بمعنى صار ذا أصله الذى هو مصدر الثلاثي، بمعنى أنه فاعله، نحو أجْرَبَ: أي صار ذا جَرَب، أو بمعنى أنه مفعوله، نحو أحْصَدَ الزرعُ، ومنه أكَبَّ: أي صار يُكَبُّ وقولهم " أكَبَّ مطاوع كَبّه " تدريس (3)، لأن القياس كون أفْعَلَ لتعدية فَعَلَ لا لمطاوعته

قوله " ومنه أحصد الزرع " إنما قال " ومنه " لأن أهل التصريف جعلوا مثله قسما آخر، وذلك أنهم قالوا: يجئ أفعل بمعنى حانَ وقتً يستحق فيه فاعلُ أفعل أن يُوقَع عليه أصل الفعل، كأحصد: أي حان أن يُحْصَد، فقال المصنف: هو في الحقيقة بمعنى صار ذا كذا، أي: صار الزرع ذا حصاد، وذلك وجهه، وهذا من النوادر أن يقال: أفعلت أنا، وفعلت غيرى، يقال: كب الله عدو المسلمين، ولا يقال: أكب " اه.
وظاهر قول المؤلف: إن القول بأن أكب مطاوع كب تدريس (أي: تدريب وتمرين) أنه غير موافق على قصة المطاوعة بدليل أنه جعله من أمثلة الصيرورة، وقد سبقه بذلك الزمخشري رحمه الله، قال في تفسير سورة الملك من الكشاف: " يجعل أكب مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب، من الغرائب والشواذ، ونحو قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك، ولا شئ من بناء أفعل مطاوع، ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبوية، وإنما أكب من باب أنفض وألام، ومعناه: دخل في الكب وصار ذا كب، كذلك أقشع السحاب دخل في القشع، ومطاوع كب وقشع انكب وانقشتع " اه كلامه بحروفه، وقد لخص الشهاب الخفاجى هذين القولين تلخيصا حسنا في شرحه على تفسير البيضاوى فقال في بيان مذهب من قال بالمطاوعة: " وهو على عكس المعروف في اللغة من تعدى الافعال ولزوم ثلاثيه، ككرم وأكرمت، وله نظائر في أحرف يسيرة: كأنسل ريش الطائر ونسلته، وأنزفت البئر ونزفتها، وأمرت الناقة (درت) ومرتها، وأشف البعير (رفع رأسه) وشففته، وأقشع الغيم وقشعته الريح: أي أزالته وكشفته، وقد حكى ابن الاعرابي كبه الله وأكبه بالتعدية فيهما، على القياس " اه وقال في بيان رأى من قال بالصيرورة: " وليست الهمزة فيه للمطاوعة كما ذهب إليه ابن سيده في المحكم، تبعا لبعض أهل اللغة، كالجواهري، وتبعه ابن الحاجب وأكثر شراح المفصل، قال بعض المدققين: معنى كون الفعل مطاوعا كونه دالا على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد به، كقولك باعدته فتباعد، فالتباعد معنى حصل من المباعدة، كما يفهم من كلام شراح المفصل والشافية، ومباينة المطاوعة للصيرورة غير مسلمة، وفى شرح الكشاف للشريف: الائتمار: معى صيرورته مأمورا، وهو مطاوع الامر، فسوى بين المطاوعة والصيرورة " اه

يحينونة حصادة، ونحوه أجد النهل وَأَقْطَع 1 ويجوز أن يكون ألاَمَ مثله: أي حان أن يُلاَم ومن هذ النوع - أي: صيرورته ذا كذا - دخول الفاعل في الوقت المشتق منه أفعل، نحو أصْبَحَ وأمْسَى وأفْجَر وأشْهَرَ: أي دخل في الصباح والمساء والفجر والشهر، وكذا منه دخول الفاعل في وقت ما اشتق منه أفعل، نحو أشْمَلْنَا وأَجْنَبْنَا وَأَصَبَيْنا وَأَدْبِرْنَا: أي دخلنا في أوقات هذه الرياح (2) قال سيبويه: ومنه أدنف، ومنه الدخول في المكان الذي هو أصله، والوصول إليه، كأكدى: أي وصل إلى الكدية (4) وأنجد وأجبل: أي وصل إلى نجد وإلى الجبل، ومنه الوصول إلى العدد الذي هو أصله، كأعْشَرَ وأَتْسَعَ وآلَفَ: اي وصل إلى العشرة والتسعة والالف، فجميع هذا بمعنى صار ذا كذا: أي صار ذا الصبح، وذا المْسَاء، وذا الشَّمال، وذا الجنوب، وذا الْكُدْية، وذا الجبل، وذا العشرة قوله " ولوجوده عليها " أي: لوجودك مفعول أفعل على صفة، وهى كونه

فاعلا لاصل الفعل، نحو أكرمن فاربُطْ: أي وجدت فرساً كريماً، وأسْمَنْتَ: أي وجدت سميناً، وَأَبْخَلْتُهُ: أي وجدته بخيلاً، أو كونه مفعولاً لأصل الفعل، نحو أحْمَدْته: أي وجدته محموداً، وأما قولهم " أفْحَمْتُكَ: أي وجدتك مفحماً " فكأنَّ أفعل فيه منقول من نفس أفعل، كقولك في التعجب: مَا أَعْطاكَ للدنانير، ويقال: أفحمت الرجل: أي أسكتُّه، قال عمرو بن معدي كرب لمُجَاشِع بن مسعود السلمي - وقد سأله فأعطاه -: لله دركم يا بنى سليم، سألنا كم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجَيْناكم فما أفحمناكم: أي ما وجدناكم بُخلاء وجُبَناء وَمُفْحَمين 1 قوله " وللسلب " أي: لسلبك عن مفعول أفعل ما اشتق منه، نحو أشكيته: أي أزلت شكواه قوله " وبمعنى فَعَل " نحو قِلْتُ البيعَ وأقلته.
وقد ذكرنا أنه لابد للزيادة من معنى، وإن لم يكن إولا التأكيدَ وقد جاء أفعل بمعنى الدعاء، نحو أَسْقَيْتُه: أي دعوت له بالسُّقْيا، قال ذو الرمة: - 12 - وَقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لمَيَّةَ نَاقَتِي فما زلت أبكى عنده وأخاطبه

وَأُسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُهُ وَمَلاعِبُهْ 1 والأكثر في باب الدعاء فَعَّل، نحو جَدَّعَه وعَقَّرَه: أي قال: جدعه الله، وعقره (2)، وَأَفْعَلَ داخل عليه في هذا المعنى، والأغلب من هذه المعاني المذكورة النقلُ، كما ذكرنا وقد يجئ أفْعَلَ لغير هذه المعاني، وليس له ضابطة كضوابط المعاني المذكورة كأبصره: أي رآه، وأوعزت إليه، وقد يجئ مطاوع فَعَّلَ، كفَطَّرته فَأَفْطَر وبَشَّرْتُهُ فأبشر، وهو قليل قال: " وَفَعَّلَ لِلتَّكثِيرِ غَالِباً، نحو غَلَّقْتُ وَقَطَّعْتُ وَجَوَّلْتُ وَطَوَّفْتُ وَمَوَّتَ الْمَالُ، وَلِلتَّعْدِيَةِ نَحْوُ فَرَّحْتُهُ، وَمِنْهُ فَسَّقْتُهُ، وَلِلسَّلْبِ نَحْوُ جَلَّدْتُهُ وَقَرَّدْتُهُ، وَبِمَعْنَى فَعَّلَ نَحْوُ زِلْتُهُ وَزَيَّلْتُهُ " أقول: الأغلب في فَعَّلَ أن يكون لتكثير فاعله أصلَ الفعل، كما أن الأكثر في أفعل النقل، تقول: ذَبَحْتُ الشاة، ولا تقول ذَبَّحتها، وأغلقت الباب مرة، ولا تقول: غَلَّقْت، لعدم تصور معنى التكثير في مثله، بل تقول: ذَبَّحْتُ الغنم، وغَلَّقْتُ الأبواب، وقولك: جَرَّحْتُه: أي أكثرت جراحاته، وأما جَرَحْتُه - بالتخفيف - فيحتمل التكثير وغيره، قال الفرزدق: -

13 - ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها حَتَّى أَتَيْتُ أبَا عَمْرِو بْنِ عَمَّارِ 1 أي: أُفَتِّحُها وأُغَلِقُّها، وَمَوَّتَ المال: أي أقع الْمَوْتان في الإبل فكثر فيها (2) الموت، وَجَوَّلْتُ وَطَوَّفْتُ: أي أكثرت الجَوَلان والطواف، قيل: ولذلك سمي الكتاب العزيز تَنْزِيلاً، لأنه لم يُنَزَّل جملةً واحدة، بل سورةً سورة وآيةً آية، وليس نصافيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً واحدة) وقوله: (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آية) ثم إن التكثير يكون في المتعدي كما في غَلَّق وقَطَّع، وقد يكون في اللازم كما في جَوَّل وَطَوَّفَ ومَوَّتَ قوله " وللتعدية نحو فَرَّحْته " معنى التعدية في هذا الباب كما في باب أفعل على ما شرحنا، والأولى أيضاً ههنا أن يقال في مقام التعدية: (هو) بمعنى جعل الشئ ذا أصله، ليعم نحوَ فَحَّى الْقِدْرَ: أي جعلها ذات فَحَّا، وشسع النعل (3)، وهذا لا يتعدى إلى ثلاثة كأفعل إلا محمولاً على أفعل كَحَدَّثَ وخَبَّرَ، كما مرَّ في أفعال القلوب

قوله " ومنه فَسَّقْته " إنما قال ذلك لأن أهل التصريف جعلوا هذا النوع قسماً برأسه، فقالوا: يجئ فَعَّل لنسبة المفعول إلى أصل الفعل وتسميته به، نحو فَسَّقْته: أي نسبته إلى الفسق وسميته فاسقاً، وكذا كَفَّرْته، فقال المصنف: يرجع معناه إلى التعدية، أي: جعلته فاسقاً بأن نسبته إلى الفسق ويجئ للدعاء على المفعول بأصل الفعل، نحو جَدَّعْتُه وعَقَّرْته: أي قلت له جَدْعاً لك، وعَقْراً لك، أو الدعاء له، نحو سَقَّيْته: أي قلت له سَقْياً لك قوله " وللسلب " قد مر معهاه، نحو قَرَّدْتُ البعير: أي أزلت قُرَاده، وجَلَّدْته: أي أزلت جِلْدَه بِالسَّلْخ قوله " وبمعنى فَعَل " نحو زَيَّلْته: أي زِلْتُهُ أَزيله زَيْلاً: أي فَرَّقْتُهُ، وهو أجوف 1 يائي، وليس من الزوال، فهما مثل قلته وأقلته

ويجئ أيضاً بمعنى صار ذا أصله، كَوَرَّق: أي أورق: أي صار ذا ورق، وقيح الجرج: أي صار ذا قَيْح 1 وقد يجئ بمعنى صَيْرورة فاعلة أصْلَهُ المشتقَّ منه، كَروَّض المكانُ: أي صار رَوْضاً، وعَجَّزَت المرأة، وثَيَّبَت، وَعوَّنَت: أي صارت عَجُوزاً وَثيِّباً وَعَوَانا (2) ويجئ بمعنى تصيير مفعوله على ما هو عليه، نحو قوله " سبحان الذي ضَوَّأَ الأَْضْوَاء، وكَوَّفَ الكوفة، وبَصَّر الْبَصْرة " أي: جعلها أضواء وكوفة وبصرة ويجئ بمعنى عمل شئ في الوقت المشتق هو منه، كَهَجَّر: أي سار في الهاجرة (3)، وصَبَّح: أي أتى صباحاً، ومَسَّى وغَلَّسَ (4): أي فعل في الوقتين شيئاً

ويجئ بمعنى المشي إلى الموضع المشتقِّ هو منه، نحو كَوَف: أي مشى إلى الكوفة، وَفَوَّزَ وَغَوَّر: أي مشى إلى المفازة والْغَوْر 1 وقد يجئ لمعان غير ما ذكر غير مضبوطة بمثل الضوابط المذكورة، نحو جرب وكلم قال " وفَاعَلَ لِنِسْبَةِ أَصْلِهِ إِلَى أَحَدِ الأَْمْرَيْنِ متعلقا بالآخر للمشاركة صريحا فيجئ الْعَكْسُ ضِمْنًا، نَحْوُ ضَارَبْتُهُ وَشَارَكْتُهُ، وَمِنْ ثَمَّ جاءَ غَيْرُ الْمُتَعَدِّي مُتَعَدِّياً (نَحْوَ كَارَمْتُهُ وشَاعَرْتُهُ) وَالْمُتَعَدِّي إلَى واحِدٍ مُغَايِرٍ لِلْمُفَاعَلِ مُتَعَدِّياً إلى اثْنَيْنِ نَحْوَ جَاذَبْتُهُ الثَّوْبَ، بِخِلاَفِ شَاتَمْتُهُ، وَبِمَعْنَى فَعَّلَ نَحْوُ ضاعفته، وبمعنى فَعَلَ نَحْوَ سَافَرْتُ " أقول " لنسبة أصله " أي: لنسبة المشتق منه فَاعَلَ إلى أحد الأمرين: أي الشيئين، وذلك أنك أسندت في " ضَارَبَ زَيْدٌ عَمْرًا " أصل ضارب - أي الضَّرْبَ - إلى زيد، وهو أحد الأمرين، أعني زيداً وعمراً، وهم يستعملون الامر بمعنى الشئ فيقع على الأشخاص والمعاني قوله " متعلقاً بالآخر " الذي يقتضيه المعنى أنه حال من الضمير المستتر في قوله " لنسبة " وذلك أن ضارب في مثالنا متعلقٌ بالأمر الآخر، وهو عمرو، وَتَعَلُّقُه به لأجل المشاركة التي تضمنها، فانتصب الثاني لأنه مشارك - بفتح الراء - في الضرب لا لأنه مضروب، والمشارَكُ مفعول، كما انتصب في " أذْهَبْتُ عمراً " لانه مجعول

ويَسْمُج جعله حالاً من قوله " أصله " أو من قوله " أحد الأمرين " لأن الظاهر من كلامه أن قوله " لنسبة أصله إلى أحد الأمرين متعلقا بالآخر للمشاركة صريحاً " مقدمةٌ يريد أن يبني عليها صيرورة الفعل اللازم في فَاعَل متعدياً إلى واحد، والمتعدي إلى واحد غير مشارك متعدياً إلى اثنين، مشيراً إلى قوله في الكافية " المتعدي ما يتوقف فَهْمُهُ على متعلق " فعلى هذا الذي يتوقف فهمه على هذا الأمر الآخر الذي هو المشارك - بفتح الراء - ويتعلق به هو معنى فَاعَل، لكونه متضمناً معنى المشاركة، لا أصْلُه، فإن قولك " كارمت زيداً " ليس فهم الكرم فيه متوقفاً على زيد، إذ هو لازم، وكذا " جاذبت زيداً الثوب " ليس الْجَذْبُ متعلّقاً بزيد، إذ هو ليس بمجذوب، بلى في قولك " ضارب زيد عمراً " الضرب متعلق بعمرو، لأنه مفعول له، لكن انتصابه ليس لكونه مضروباً، بل لكونه مشاركاً، كما في قولك " كارمت زيداً " و " جاذبت زيداً الثوب " وكذا ليس أحد الأمرين متعلقاً بالآخر في " ضاربت زيداً " تعلقاً يقصده المصنف، إذ هو في بيان كون فال متعديا بالنقل، وإنما يكون متعديا إذا كان معنى الفعل متعلقاً بغيره، على ما ذكر في الكافية، ومن ثم قال في الشرح " ومن ثم جاء غير المتعدي متعدياً لتضمنه المعنى المتعلّق " يعني المشاركة، وفي جعله حالاً من المضاف إليه - أعني الضمير المجرور في قوله " أصله " - ما فيه، كما مر في باب 1 الحال، والظاهر أنه قصد جعله حالأً من أحد الأمرين مع سماجته، ولو قال " لتعلق مشاركة أحد الأمرين الآخَرَ في أصل الفعل بذلك الآخر صريحاً

فيحئ العكس ضمناً " لكان أصرح فيما قصد من بناء قوله " ومن ثم كان غير المتعدي " إلخ عليه.
قوله " صريحاً " أي: أن أحد الأمرين صريحاً مشارِك والآخر مشارك، فيكون الاولى فاعلاً صريحاً والثاني مفعولاً صريحاً، " ويجئ العكس ضمناً " أي: يكون المنصوب مشاركاً - بكسر الراء - والمرفوع مشارَكَاً ضِمْناً، لأن من شاركته فقد شاركك، فيكون الثاني فاعلاً والأول مفعولاً من حيث الضِّمْنُ والمعنى قوله " ومن ثم " أي: من جهة تضمن فَاعَلَ معنى المشاركة المتعلقة بعدَ أحد الأمرين بالآخر.
قوله " والمعتدى إلى واحد مغاير للمفاعَل " بفتح العين: أي إلى واحد هو غيرُ المشارَك في هذا الباب - بفتح الراء - أي: إن كان المشارَك ههنا - بفتح الراء - مفعول أصل الفعل كان المتعى إلى واحد في الثلاثي متعدياً إلى واحد ههنا أيضاً، نحو " ضَارَبْت زيداً " فإن المشارَك في الضرب هو المضروب فمفعول أصل الفعل ومفعول المشاركة شئ واحد، فلم يزد مفعولٌ آخر بالنقل، وإن كان المشارَكُ ههنا غيرَ مفعول أصل الفعل، نحو " نازعت زيداً الحديث " فإن مفعول أصل الفعل هو الحديث إذ هو المنزوع، والمُشارَكُ زيد، صار الفعل إذن متعدياً إلى مفعولين، وكذا " نازعت زيداً عمراً " فاعلم أن المشارك - بفتح الراء - في باب فَاعَل قد يكون هو الذي أُوقِعَ أصل الفعل عليه ك " ضاربت زيداً " في المتعدي ر و " كارمته " في اللازم، وقد يكون غير ذلك نحو " نازعت زيداً الحديث " في المتعدي، و " سايرته في البرية " في اللازم، وقد يكون ما زاد من المفعول في باب المفاعلة هو المعامَلَ - بفتح الميم - بأصل الفعل، لا على وجه المشاركة كما في قول علي رضي الله عنه " كاشَفْتُكَ الْغِطَاءاتِ " وقولك: عاودته، وراجعته.

قوله " بمعنى فعل " يكون للتكثير كَفَعَّلَ، نحو " ضَاعَفْتُ الشئ " أي: كثرت أضعافه كضَعَّفَتْه، و " نَاعَمه الله " كنَعَّمه.
أي كثّر نَعْمَتَهُ 1 بفتح النون.
قوله " بمعنى فَعَلَ " كسافَرت بمعنى (2) سَفَرْتُ: أي خرجت إلى السفر ولا بدّ في " سافرت " من المبالغة كما ذكرنا، وكذا " ناولته الشئ " أي: نُلْتُه إياه - بضم النون - أي أعطيته، وقرئ (إن الله يَدْفَع) و (يُدَافِع) وقد نجئ بمعنى جعل الشئ ذا أصله كأَفْعَلَ وَفَعَّلَ، نحو " رَاعِنا سَمْعَكَ " أي: اجعله ذا رعاية لنا كأرعِنا، و " صَاعَرَ خَدَّه " أي: جعله ذا صَعَرٍ (3) و " عافاك الله " أي جعلك ذا عافية، و " عاقَبْتُ فلاناً " أي: جعلتُه ذا عقوبة وأكثر ما تجئ هذه الابواب الثلاثة متعدية.
قال: " وَتَفَاعَلَ لِمُشَارَكَةِ أَمْرَيْنِ فَصَاعِداً فِي أَصْلِهِ صَرِيحاً نَحْوَ تَشَارَكَا، ومن ثم نقص مفعولاً عن فاعل، وليدل على أن الفاعل أَظْهَرَ أَنَّ أَصْلَهُ حَاصِلٌ لَهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ نَحْوُ تَجَاهَلْتُ وتغافلت، وَبِمَعْنَى فَعَل نَحْوُ تَوَانَيْتُ، وَمُطَاوعَ فَاعَلَ نَحْوُ باعدته فتباعد ". النعمة: المسرة والفرح والترفة (2) ظاهر هذه العبارة أن الثلاثي ن هذه المادة مستعمل، ويؤيده ما في الصحاح واللسان، قال ابن منظور: " يقال: سافرت أسفر (من باب طلب وضرب) سفورا: خرجت إلى السفر، فأنا سافر، وقوم سفر، مثل صاحب وصحب " اه.
لكن قال المجد في القاموس: " ورجل سفر وقوم سفر وسافرة وأسفار وسفار: ذوو سفر، لضد الحضر، والسافر: المسافر، لا فعل له " اه (3) الصعر - بفتحتين -: ميل - بفتحتين - في الوجه، وقيل: في الخد خاصة، وربما كان خلقة في الانسان، يقال: صعر خده وصاعره، إذا أماله من الكبر، قال الله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا)

أقول: لا شك أن في قول المصنف قبلُ " لنسبة أصله إلى أحد الأمرين متعلقا بالآخر للمشاركة صريحاً " وقوله ههنا " لمشاركة أمرين فصاعدا في أصله صريحا " تخليطاً وَمَجْمَجَةً (1) وذلك أن التعلق المذكور في الباب الأول والمشاركة المذكورة ههنا أمران معنويان، لا لفظيان، ومعنى " ضَارَبَ زيد عمراً " و " تضارب زيد وعمرو " شئ واحد، كما يجئ، فمعنى التعلق والمشاركة في كلا البابين ثابت، فكما أن للمضاربة تعلقا بعمر وصريحا في قولك " ضارب زيد عمراً " فكذا للتضارب في " تضارب زيد وعمرو " تعلق صريح به، وكما أن زيداً وعمراً متشاركان صريحاً في " تضارب زيد وعمرو " في الضرب الذي هو الأصل فكذاهما متشاركان فيه صريحا في " ضارب زيد عمرا " فلو كان مطلق تعلق الفعل بشئ صريحاً يقتضي كون المتعلِّق به مفعولاً به لفظاً وجب انتصاب عمرو في " تَضَارَبَ زيد وعمرو " ولو كان مطلق تشارك أمرين فصاعداً صريحاً في أصل الفعل يقتضي ارتفاعهما لارتفع زيد وعمرو في " ضارب زيد عمراً " فظهر أنه لا يصح بناء قوله في الباب الأول " ومن ثم جاء غير المتعدي متعدياً "، ولا بناء قوله في هذا الباب " ومن ثم نقص مفعولاً عن فاعل " على المشاركة، وكان أيضاً من حق اللفظ أن يقول: تفاعل لاشتراك أمرين، لأن المشاركة تضاف إما إلى الفاعل أو إلى المفعول تقول: أعجبتني مشاركة القولا عَمْرَاً، أو مشاركة عمرو القومُ، وأما إذا قصدت بيان كون المضاف إليه فاعلاً ومفعولاً مَعاً فالحق أن تجئ بباب التفاعل أو الافتعال، نحو أعجبني نشاركنا، واشتراكنا، هذا، والأولى ما قال المالكي (2) وهو أن فاعل

لاقسام الفاعلية والمفعولية لفظاً، والاشتراك فيهما معنى، وتفاعل للاشتراك في الفاعلية لفظاً، وفيها وفي المفعولية معنى واعلم أن الأصل المُشْتَرَكَ فيه في بابي المفاعلة والتفاعل يكون معنى، وهو الأكثر، نحو: ضاربته، وتضاربنا، وقد يكون عيناً نحو 1 سَاهَمْتُهُ: أي قارعته وسَايَفْتُهُ، وساجلته، وتقارعنا، وتسابقنا، وَتَسَاجَلْنا (2) ثم اعلم أنه لا فرق من حيثُ المعنى بين فَاعَلَ وَتَفَاعَلَ في إفادة كون الشئ بين اثنين فصاعداً، وليس كما يتوهم من أن المرفوع في باب فَاعَلَ هو السابق بالشروع في أصل الفعل على المنصوب بخلاف باب تَفَاعَلَ، ألا ترى إلى قول الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما لبعض من خاصمه: سَفِيهٌ لم يجد مُسَافِهاً، فإنه رضي الله عنه سمى المقابل له في السفاهة مُسَافِهاً وإن كانت سفاهته لو وجدت بَعْدَ سفاهة الأول، وتقول: إن شتمتني فما أشاتمك، ونحو ذلك، فلا فرق من حيث المغزى والمقصد الحقيقي بين البابين، بل الفرق بينهما من حيث التعبير عن ذلك المقصود، وذلك

أنه قد يعبر عن معنى واحد بعبارتين تخالف مفرداتُ إحداهما مفردات الأخرى معنى من حيث الوضع، وكذا إعراباتها، كما تقول: جاء في القوم إلا زيداً، وجاءني القوم ولم يجئ من بينهم زيد، أو جاءوني وتخلّف زيد، أو لم يوافقهم زيد، ونحو ذلك، والمقصود من الكل واحد، فكذا " ضارب زيد عمرا ": أي شاركه في الضرب، و " تضارب زيد وعمرو " أي: تشاركا فيه، والمقصود من شاركه وتشاركا شئ واحد مع تعدي الأول ولزوم الثاني قوله " ومن ثم نقص " أي: ومن جهة كون تفاعل في الصريح وظاهر اللفظ مسنداً إلى الأمرين المشتركين في أصل الفعل بخلاف فَاعَلَ فإنه لإسناده في اللفظ إلى أحد الأمرين فقط ونصب الاخر لفظ شَارَكَ لمفعوله، فإن كان فَاعَلَ متعدياً إلى اثنين نحو " نازعتك الحديث " كان تفاعل متعديا إلى ثانيهما فقط، ويرتفع الاول داخلا في الفاعلية، نحو " تنازعنا الحديث " و " تنازع زيد وعمرو الحديث " وإن كان فَاعَلَ متعدياً إلى واحد نحو " ضاربتك " لم يتعد تفاعل إلى شئ لدخول الأول في جملة الفاعل، نحو " تضاربنا " و " تضارب زيد وعمرو " قوله " نقص مفعولاً " انتصاب " مفعولاً " على المصدر، وهو بيان النوعي كقولك: ازددت درجة، ونقصت مرتبة، ودنوت إصبعاً، أي: نقص هذا الْقَدْرَ من النقصان، ويجوز أن يكون تمييزاً، إذ هو بمعنى الفاعل: أي نقص مفعول واحد منه قوله " وليدل على أن الفاعل أظْهَرَ إلخ " معنى " تَغَافَلْتُ " أظهرت من نفسي الغفلة التي هي أصل تغافلت، فتغافل على هذا لإبهامك الأمر على من تخالطه وَتُرِيَ من نفسك ما ليس فيه منه شئ أصلاً، وأما تَفَعَّلَ في معنى التكلف نحو: تَحَلَّمَ وَتَمَرَّأَ 1 فعلى غير هذا لأن صاحبه يتكلف أصل ذلك الفعل

ويريد حصوله فيه حقيقة، ولا يقصد إظهار ذلك إيهاماً على غيره أن ذلك فيه وفي تَفَاعَلَ لا يريد ذلك الأصل حقيقة، ولا يقصد حصوله له، بل يوهم الناس أن ذلك فيه لغرض له قوله " وبمعنى فعل " لابد فيه من المبالغة كما تقدم قوله " مطاوع فَاعَلَ " ليس معنى المطاوع هو اللازم كما ظنَّ، بل المطاوعة في اصطلاحهم التأثر وقبول أثر الفعل، - سواء كان التأثر متعدياً، نحو: عَلَّمْتُهُ الفقه فتعلَّمهُ: أي قبل التعليم، فالتعليم تأثير والتعلم تأثر وقبول لذلك الأثر، وهو متعدٍّ كما ترى، أو كان لازما، نحو: كَسَرْتُهُ فانكسر: أي تأثر بالكسر، فلا يقال في " تنازع زيد وعمرو الحديث "، إنه مطاوع " نازع زيد عمر الحديث " ولا في " تضارب زيد وعمرو " إنه مطاوع " ضارب زيد عمراً " لأنهما بمعنى واحد، كما ذكرنا، وليس أحدهما تأثيراً والآخر تأثرأً، وإنما يكون تَفَاعَلَ مطاوع فَاعَل إذا كان فاعل لجعل الشئ ذا أصله، نحو: باعدته: أي بَعَّدْتُهُ، فتباعد: أي بَعُدَ، وإنما قيل لمثله مطاوع لأنه لما قبل الأثر فكأنه طاوعه ولم يمتنع عليه، فالمطاوع في الحقيقة هو المفعول به الذي صار فاعلاً، نحو " بَاعَدْتُ زيداً فتباعد " المطاوع هو زيد، لكنهم سَمَّوا فعله المسند إلى مطاوعا مجازا وقد يجئ تَفَاعَلَ للاتفاق في أصل الفعل لكن لا على معاملة بعضهم بعضا كمال الرجولية، وقال الاحنف: المروءة العفة والحرفة، وسئل بعضهم عن المروءة فقال: المروءة ألا تفعل في السر أمرا وأنت تستحى أن تفعله جهرا.
ويقال: تمرأ أيضا، إذا صار ذا مروءة، ويقال: تمرأ بنا، إذا طلب كرامنا اسم المروءة، قال سيبويه (ج 2 ص 240): " وإذا أراد الرجل أن يدخل نفسه في أمر حتى يضاف إليه ويكون من أهله فانك تقول تفعل، وذلك: تشجع وتبصر وتحلم وتجلد وتمرأ: أي صار ذا مروءة، وقال حاتم الطائي: - تحلم عن الادنين واستبق ودهم ولن تستطيع الحلم حتى تحلما وليس هذا بمنزلة تجاهل، لان هذا يطلب أن يصير حليما " اه

بذلك، كقول علي رضي الله تعالى عنه " تَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ ذَاتِهِ " 1 وقولهم: " بمعنى أفْعَلَ نحو تَخَاطأَ بمعنى أَخْطَأَ " مما لا جدْوَى له، لأنه إنما يقال هذا الباب بمعنى ذلك الباب إذا كان الباب المحال عليه مختصا بمعنى عام مضبوط بضابط فيتطفل الباب الآخر عليه في ذلك المعنى، أما إذا لم يكن كذا فلا فائدة فيه، وكذا في سائر الأبواب، كقولهم: تعاهد بمعنى تَعَهَّدَ، وغير ذلك كقولهم تَعَهَّدَ بمعنى تعاهد (2) قال: " وَتَفَعَّلَ لِمُطَاوَعَةِ فَعَّلَ نَحْوُ كسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، وَلِلتَّكَلُّفِ نَحْوُ تَشَجَّعَ وَتَحَلَّمَ، وَلِلاِتِّخَاذِ نَحْوُ تَوَسَّدَ، وَلِلتَّجَنُّبِ نَحْوُ تَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ، وَلِلْعَمَلِ الْمُتَكَرِّرِ في مُهْلَةٍ، نَحْوُ تَجَرَّعْتُهُ، وَمِنْهُ تَفَهَّمَ، وَبِمَعْنَى اسْتَفْعَلَ، نَحْوَ تَكَبَّرَ (وَتَعَظَّمَ) " أقول: قوله " لمطاوعة فَعَّلَ " يريد سواء كان فَعَّلَ للتكثير نحو قَطَّعْتُهُ فَتَقَطَّعَ، أو للنسبة نحو قيسته ونزرته وَتَمَّمْتُهُ: أي نسبته إلى قَيْس وَنِزار وتميم فتقيس وتنزر وَتَتَمَّمَ، او للتعدية نحو عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ والأغلب في مطاوعة فَعَّلَ الذي للتكثير (3) هو الثلاثي الذي أصل فَعَّلَ، نحو عَلَّمْتُهُ فَعَلِمَ، وفَرَّحْتُهُ فَفَرِحَ، فقوله: " وللتكليف " هو من القسم الأول: أي مطاوع فَعَّلَ الذى هو

جارٍ التحميل