وكنت في مجلس رجلٍ من الفقهاء بالإسكندرية، فجاءت إليه رقعة فيها سؤال:
فتى كان في وطء الحلال مساترًا.... فأعلن في وطء الحرام جهارا
ولا هو يأتي في الصلاة جماعةً.... ويأكل في شهر الصيام نهارا
وليس بذي عذر ولا بمسافرٍ.... ولكن أتى هذي الفعال مرارا
ليبلغ رضوان الإله بفعله.... ويصرف عنه في القيامة نارا
فتوقف ولم يدر ما يقول، فقلت له: أراد بـ (وطء الحلال) أرض الحل [183/ آ] مساترًا: لا يسمع منه فيها ما أعلن به في أرض الحرم، من رفع الصوت بالتلبية والتكبير والجهر بذلك.
ومعنى قوله: (ولا هو يأتي في الصلاة جماعة) أراد بالصلاة الدعاء، وهو معنى هذه اللفظة في كلام العرب؛ قال:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا.... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي.... يوماً فإن لجنب المرء مضطجعا
أي: عليك مثل الذي دعوت.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الذكر الخفي).
ومعنى قوله: (ويأكل في شهر الصيام نهارًا) أراد بالنهار فرخ الحبارى، أي إنه يأكل في صيامه هذا الطائر؛ لأن الصيد من أحل ما يأكله الإنسان.
11 - وعم آكل في بعض يومٍ.... زبيبًا ضعف قنطارٍ وتينا
العم: الجماعة من الناس؛ قال الشاعر:
يا عم يا بن مالك يا عما
أفنيت عمًا وجبرت عما
أي: أفنيت جماعةً وجبرت جماعةً.
وقال المرقش الأكبر:
لا يبعد الله التلبب والـ.... ـغارات إذ قال الخميس: نعم
والعدو بين المجلسين إذا.... آد العشي وتنادى العم
آد العشي أي: مال؛ ومنه قول الهذلي:
أقمت به نهار الصيف حتى.... رأيت ظلال آخره تؤود
وكانوا يعدون بالعشايا إلى النادي، وهو المكان الذي يجلسون فيه للحديث وذكر أيامهم وأنسابهم ونحو ذلك.
ومعنى قوله: (وتنادي العم) أي انتدوا، يعني جلسوا في ناديهم، ومنه قول الله عز وجل [183/ ب]:} وتأتون في ناديكم المنكر {. والعم: الجماعة.
والعم أيضًا مصدر عم الشيء يعم عمًا وعمومًا.
12 - وخالٍ ما يكون له ابن أختٍ.... وتكرهه البرية أجمعونا
الخال: الخيلاء والعجب والكبر، قال العجاج:
الخال ثوب من ثياب الجهال
وقد خال الرجل فهو خائل، أي: مختال.
ويقال: رجل أخائل، مثل أدابر، في المختال أيضًا.
13 - وخالٍ جره خالٌ فأضحى.... لمقت الله في المتعرضينا
الخال: ضرب من البرود؛ سحبه خالٌ، أي: رجل مختالٌ.
وهذا غير الأول، لأن الخيلاء تسمى خالًا، والمختال يسمى خالًا.
14 - وخالٍ سر مرآه عجافًا.... وخالٍ قدوةٍ للمهتدينا
الخال: السحاب والغيم.
وقد أخالت السحابة، وأخيلت، وخايلت: إذا كانت يرجى مطرها.
وأخلتها أنا، واختلتها: إذا رأيتها مخيلة للمطر.
ويقال: ما أحسن مخيلتها، وخالها!! والخال
الذي يهتدى به: لواء الجيش.
15 - وخالٍ تكثر الرغبات فيه.... وخالٍ عدة للظاعنينا
هو الذي يكون في الخد، وفي تصغيره لغتان: خويل، و (خييلٌ).
والذي هو عدة للظاعنينا: الفحل الأسود، عن ابن الأعرابي [184/ آ].
16 - وخالٍ قد أتاه خال مالٍ.... فأصبح عنده في الواردينا
الخال ههنا جبل عنده ماءٌ لبني سليم، يسمى الدثينة مثل السخينة.
وكان يسمى الدفينة، فكرهوا هذا الاسم فسموه الدثينة، قال النابغة الذبياني:
وعلى الدمينة من سكين حاضرٌ.... وعلى الدثينة من بني سيار
أتى هذا الماء خال مالٍ ليرده.
يقال: هو خال مالٍ، أي: يقوم على المال ويصلحه.
17 - وكم خالٍ له في الرأس عين.... وفيه تكون عين الحاذرينا
الخال: الجبل، عن ابن الأعرابي، وله في رأسه عين ماءٍ.
وفيه تكون عين الحاذرينا وهو الربيئة، والديدبان، والجاسوس، وهو الذي يرقب للقوم ويتعرف لهم في الخبر، ويقال له: ذو العينين وعين الركبة: النقرة التي في مقدمتها.
وعين الشمس، وعين الميزان.
والعين: الدينار.
والعين: المال الناض.
وعين الشيء: نفسه، وعينه أيضًا: خياره.
و (لا أطلب أثرًا بعد عين)، أي: بعد معاينةٍ.
وما بها عين، أي: أحد.
والجهة التي عن يمين قبلة العراق تسمى العين، ومنه قيل: نشأت السحابة من قبل العين.
والعين: المطر الدائم لا يقلع.
ولقيته أول
عين، أي: قبل كل شيءٍ.
وأسود العين: جبلٌ، ومنه قول الشاعر:
إذا زال عنكم أسود العين كنتم.... كرامًا وأنتم، ما أقام، ألائم [184/ ب]
أي: إنكم لا تزالون لئامًا.
ورأس عين: بلد معروف.
وعين البقر: نوع من العنب.
والأعيان: الأشراف.
والأعيان: الإخوة الأشقاء.
وفي الحديث: (أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات)، وبنو العلات لأبٍ واحدٍ وأمهاتٍ.
ومعنى الحديث: إن الأشقاء يحجبون الإخوة من الأب فيرثون المال دونهم.
والعين: المشاهدة.
وقال الحجاج للحسن: عينك أكبر من سنك.
وقول الشاعر:
ومن هو عند العين أما لقاؤه.... فحلوٌ وأما غيبه فظنون
أي: هو عندك ما دمت تعاينه، وهو في مغيبك على خلاف ذلك، وأنت على عيني: أي أحفظك، ويقال ذلك في الإكرام أيضًا.
وقال الله عز وجل:} ولتصنع على عيني {. ويقال: في هذا الجلد عين، وقد تعين، وهي دوائر رقيقة، وذلك عيب فيه، وهو عين ومتعين، ومنه قوله:
ما بال عيني كالشعيب العين
رجع الكلام إلى ذكر الخال.
أنشد ثعلبٌ:
1 - أتعرف أطلالاً شجونك بالخال.... وعيش زمانٍ كان في العصر الخالي
الخال: موضع.
والعصر الخالي أي: الماضي، يقال:
عصرٌ وعصرٌ وعصرٌ؛ قال امرؤ القيس:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي.... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
يقال: وعم يعم، بمعنى نعم ينعم.
والعصر والعصر مثل العسر والعسر.
2 - ليالي ريعان الشباب مسلطٌ.... علي بعصيان الإمارة والخال
الخال: الراية.
3 - وإذ أنا خدنٌ للغوي أخي الصبا.... وللغزل المريح ذي اللهو والخال
الخيلاء والكبر [185/ آ].
4 - وللخود تصطاد الرجال بفاحم.... وخد أسيل كالوذيلة ذي خال
أحد خيلان الوجه.
والوذيلة: المرآة في لغة هذيل، روى ذلك أبو عمرو.
وقال أبو عبيدٍ: الوذيلة: القطعة من الفضة.
5 - إذا رئمت ربعًا رئمت رباعها.... كما رئم الميثاء ذو الريبة الخالي
يقول: إني أحب ما تحب، فإذا أحبت ربعًا أحببته.
يقال:
رئمت الناقة ولدها رئمانًا: إذا أحبته.
وقول الشاعر:
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به.... رئمان أنفٍ إذا ما ضن باللبن
فالعلوق: الناقة التي تعطف على غير ولدها فلا ترأمه، وإنما تشه بأنفها، وتمنع لبنها فلا تدر، أي: لا ينفع رئمان الأنف من غير إعطاء اللبن.
وينشد (رئمان) بالرفع والنصب والجر؛ فالرفع على أنه فاعل (ينفع)، والنصب على أنه مفعول (تعطي)، والجر على البدل من الهاء في (به).
وأنشده الكسائي الرشيد بالنصب، فقال له الأصمعي: رئمان أنف بالرفع! فقال له الكسائي: وما أنت وهذا؟!! رئمانُ أنفٍ، ورئمانَ أنفٍ، ورئمانِ أنف.
وفي معنى هذا البيت قول الجعدي:
وما نحني كمناح العلو.... ق ما تر بي غرة تضرب
والميثاء: الأرض السهلة، وكأنه أراد به ههنا امرأة لينة
الخلق، وقد سميت بذلك المرأة؛ قال الأعشي [185/ ب]:
لميثاء دار قد تعفت طلولها............
وذو الريبة، أي: ذو التهمة.
والخالي: العزب.
6 - ويقتادني منها رخيم دلاله.... كما اقتاد مهرًا حين يألفه الخالي
هو الذي يخيله، أي: يلقي اللجام في فيه.
7 - زمان أفدي من يراح إلى الصبا.... بعمي، من فرط الصبابة، والخال معروفٌ.
8 - وقد علمت أني- وإن ملت الصبا.... إذا القوم كفوا لست بالرعش الخال
الجبان الضعيف.
9 - ولا أرتدي إلا المروءة حلة.... إذا ضن بعض القوم بالعصب والخال
ضربٌ من برود اليمن.
10 - وإن أنا أبصرت المحول ببلدةٍ.... تنكبتها واشتمت خالًا على خال
السحاب.
11 - فحالف بحلفي كل حلفٍ مهذبٍ.... وإلا تحالفني فخال إذا خال
من المخالاة بمعنى التخلي.
12 - وإني حليف للسماحة والندى.... كما اختلفت عبس وذبيان بالخال
موضعٌ.
13 - وثالثنا، في الحلف، كل مهندٍ.... لما ريم من صم العظام به خال
أي: قاطع.
14 - ألم بربع الدار بان أنيسه.... على رغم أنف اللهو قفراً بذي الخال
ذو الخال: موضع.
15 - مساعد خل، أو مقضي ذمةٍ.... ومحيي قتلى بعض سكانه خال
أراد: يا خالد، فرخم.
16 - خلا منهم من حيث لم تخل مهجتي.... ولم يخل من نؤي وأورق كالخال
الأورق: الرماد.
والخال: الحبل الأسود.
17 - وكم جللت أيدي النوى وصروفها.... على الزمن الخالي المحبين بالخال
ثوبٌ يستتر به الميت.
18 - تبصر خليلي الربع شيعت دائمًا..... بقلبٍ من الوجد الذي جد في الخال
أي: في فارغ.
19 - ألم ترني أرعي الهوى من جوانحي.... رياضاً كهم المرء ذي النعم الخال [186/ آ]
الخال: الحسن القيام على الإبل.
20 - أذوق أمريه بغير تكره.... مذاقه موفور على جرعه خال
يقال: خلا على اللبن وغيره: إذا لزمه.
21 - وأسكن منه كل وادي مضلة.... وآلف ربعًا ليس من مألف الخال
الخال: الدائم الإقامة، وقد خلا بالمكان، أي: أقام به.
22 - وكم أنتضي فيه سيوف عزائمٍ.... وأنضو ثياب البدن عن جمل خال
البعير الضخم.
23 - وكم من هدى نكبت عنه إلى هوى.... وحق يقين حدت عنه إلى خال
أي: إلى ظن وتهمةٍ.
24 - ومهما تذللني الليالي صبابةً.... فغير معرى القدر من ملبس الخال
الرجل المتكبر.
25 - تطامن طودي للهوي يستقيده.... وألحق أطواد الأعزين بالخال
الأكمة الصغيرة.
26 - أضن بعهدي ضن غيري بروحه.... وأبذل روحي بذل ذي الكرم الخال
الجواد السمح.
27 - وإن أخل من شيءٍ فلا من صيانةٍ.... خلت شرتي كالغيث بل به الخالي
بل به، أي: ظفر به.
والخالي: الذي يجز الخلى.
28 - فإن تخل ليلى من تذكر عهدنا.... فكم أيقن الواشون أني بها خال!!
أي منفرد.
29 - وإن زعموا أني تخليت بعدها.... فما أنا عنها بالخلي ولا الخالي
الخلي من الحزن، والخالي: البريء.
انقضى ذكر الخال.
18 - وجد لم يلد ولدًا ولكن.... به نال المراد الطالبونا
الجد ههنا: الحظ والبخت.
والجد أيضًا: العظمة؛ قال الله عز وجل:} وأنه تعالى جد ربنا {أي: عظمة ربنا، وقيل غناه.
وعن أنس رحمه الله: (كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا) أي: عظم.
وقال الشافعي -رحمه الله-:
الجد يدني كل أمرٍ شاسعٍ.... والجد يفتح كل بابٍ مغلقٍ
فإذا سمعت بأن مجدودًا حوى.... عودًا فأورق في يديه فصدق
وإذا سمعت بأن محدودًا أتى.... ماءً ليشربه فغار فحقق
يقال: جد فلان فهو جديد ومجدود.
وفي الدعاء: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) أي لا ينفع ذا الغني منك غناه، أي: لا يخلصه مما تريده به.
وقول أبي بكر بن دريد -رحمه الله-: [186/ ب]
لا ينفع اللب بلا جد ولا.... يضرك الجهل إذا الجد علا
أراد الحظ والبخت.
فالجد الحظ، والجد: الغنى.
وسمعت بعض من يقرئ العربية ينشد:
إذا صدق الجد افترى العم للفتى.... مكارم لا تكرى وإن كذب الخال
وتفسير ذلك:
الجد: الحظ.
والعم: العامة، والجماعة من الناس.
و (صدق الجد) و (افترى العم) من محاسن الكلام، أي: اختلقوا له مكارم لا تكرى أي: لا تنقص، يقال: أكرى الشيء: إذا نقصه، وأكراه: إذا زاده، وهو من الأضداد؛ قال الشاعر:
كذي زادٍ متى ما يكر منه.... فليس وراءه ثقة بزاد
وقوله: (وإن كذب الخال) معناه: المخيلة.
19 - وآل ليس يسمع من ينادي.... وفي عجل يجيب الصارخينا
الآل ههنا: نواحي الجبل.
ومعنى قوله: يجيب الصارخين على عجل يريد بذلك رجع الصدى.
20 - وآل يدخلون الآل نارًا.... وكان يقيهم ما يكرهونا
الآل الأول: الأهل والعيال والأتباع؛ قال الأعشى:
فكذبوها بما قالت فصبحهم.... ذو آل حسان يزجي السم والسلعا
والآل الثاني: الخشبات التي تبنى عليها الخيام؛ قال:
عرفت لها منزلاً دارسًا.... وآلاً على الماء يحملن آلا
لأن بعضها يقام ويحمل عليها بعض، وهو جمع آلة، ألا تراه يقول: (يحملن)؟ ويقال أيضا في الجمع: آلات، قال:
وتعرف- إن ضلت- فتهدى لربها.... لموضع آلات من الطلح أربع
يصف ناقته، وشبه قوائمها بأربع خشبات من الطلح، فهؤلاء أوقدوا النار بالخشبات التي كانت تظلمهم وتقيهم المكروه من الحر والبرد والريح.
21 - وآل قد أحاط به بواك.... على آل تسر الشامتين
الآل: سرير الميت، وقيل للسرير، آلة، والجمع: آل، قال كعب بن زهير:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته.... يوما على آله حدباء محمول
والآل الثاني في البيت جمع آلة وهي الحالة، يقال: هو بآلة
سوء، أي: بحال سوء، قال:
قد أركب الآلة بعد الآلة
وأترك العاجز بالجدالة
ويجوز أن يريد بالآلة ههنا ما أشرف من البعير، والجمع آل أيضا.
22 - وآل لا يرى إلا نهارا.... ويخفى الليل آل القانتينا
الآل: السراب، والسراب يذكر ويؤنث.
وقيل: الآل: هو الذي يكون ضحى كالماء بين السماء والأرض، يرفع الشخوص والذي يكون نصف النهار لاطئا بالأرض كأنه ماء جار هو السراب، وقال النابغة:
حتى لحقناهم تعدي فوارسنا.... كأنها رعن قف يرفع الآلا
قال قوم: إنه من المقلوب، وإنما أراد: يرفعه الآل.
ويجوز أن لا يكون مقلوبا، لأن الآل إنما ظهر وتصور برفعه الرعن، فكأن الرعن أيضا رفعه، إذ لولاه لما ظهر الآل.
والآل الثاني في البيت: الشخص.
23 - ومحدود ولم يقرف بذنب.... وحداد وما إن كان قينا
المحدود: الممنوع من كل شيء، من حظ وغيره.
والحداد البواب، قال الأعشى:
فقمنا ولما يصح ديكنا.... إلى جونة عند حدادها
والحد كله يرجع إلى المنع.
ويقال للسجان أيضا: حداد، لهذا المعنى.
وقيل: إنما قيل للسجان: حداد، لأنه يعاني الحديد من القيود وغيرها، قال:
يقول لي الحداد وهو يقودني.... إلى السجن: لا تجزع، فما بك من باس.
24 - وفي بطن العجوز أقام كلب.... فدامت وهي تحمله سنينا
العجوز: قبيعة السيف.
والكلب: المسمار الذي فيها، وفي ذلك يقول الشاعر:
وعجوز رأيت في فم كلب.... جعل الكلب للأمير جمالا
والحديدة التي يعلق فيها المسافر زاده تسمى الكلب أيضا،
وهي حديدة معقفة.
ورأس كلب: جبل، وإياه أراد الشاعر بقوله:
إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفاعا
وكلب الفرس: الخط الذي في وسط ظهره.
وقد استوى الفارس على كلب فرسه.
25 - وكم متعفف يجفى ويهجى.... وكم متجمل قد عد شينا
المتعفف: الذي يشرب العفافة، وهي ما بقي في الضرع من اللبن، والمتجمل: الذي يأكل الجميل، وهو الشحم المذاب، يصفهما بالبخل أو الشره.
26 - وصوم إن تخلل من نواه.... نهارا لم يكن في الصمائينا
تخلل: أي أكل الخل.
27 - وصوم مفسد لصلاة قوم.... ويكره شينه المتورعونا
الصوم: ذرق النعام، وهو يفسد صلاة من صلى به عند من يرى أنه نجس.
وأهل الورع من جميع المذاهب يكرهون أن يصلوا به ولو اعتقدوا طهارته.
28 - وقوم بالغ مائتي ذاع.... إمامهم وكان لهم معينا
الإمام: خيط البناء.
29 - وقوم يصبحون إذا تعشوا.... ونصف الليل أيضا يصبحونا
أصبح: إذا أوقد المصباح، قال:
فأصبحت والليل مسحنكك.... وأصبحت والأر ض بحر طما
أصبحت الثاني من الصباح.
وعندهم أتان في غدير.... وقد ألفت به ماء وطينا
الأتان: الصخرة تكون في الماء الضحضاح، ويقال لها: أتان الضحل.
والضحل: الماء القليل، وهو الضحضاح، قال:
عيرانة كأتان الضحل ناجية.... إذا تراقص بالقور العساقيل
شبه ناقته بالصخرة المذكورة في صلابتها.
والقور: جمع قارة وهي الأكمة.
والعساقيل: السراب.
قال الجوهري: (ولم أسمع بواحده).
والعساقيل أيضا: ضرب من الكمأة، والواحد: عسقول.
31 - وإن عطش المواشي أوردوها.... على ثعبان واد فارتوينا
الثعبان: مسايل الماء إلى الوادي، والواحد: ثعب.
ويقال ثعبت الماء: إذا فجرته.
32 - وتصدر وهي حامضة رواء.... جفت ذا خلة وعلت متونا
بقال: إبل حامضة، وحوامض، للتي تأكل الحمض.
والحمض: ما أمر من النبات وملح، كالطرفاء والأثل والرمث ونحو ذلك.
والعرب تقول الحمض فاكهة الإبل.
وقوله: (جفت ذا خل) أي: جفت من الأمكنة ما كان ذا خلة، والخلة من النبات: ما كان حلوا.
والخلة عندهم خبز الإبل، وإذا ملت الإبل الخلة اشتهت الحمض.
وفي الحديث: (الأذن مجاجة، والنفس حمضة).
و (علت متونا)، أي: ارتفعت ظهورها وسمنت.
33 - يظل بصيرهم يجفى ويقصى.... ويرميه الأصاغر بالقلينا
بصيرهم: كلبهم.
وإنما سمي بذلك، لأنه يبصر على بعد، قال:
خذا شامة باليعملات لعلني.... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
والقلين: جمع قلة، وهي التي يضربها الصبيان، أعني الخشيبة الصغيرة التي يلعبون بها ويسمونها القيقزة.
وأصلها: قلو والهاء عوض من لامها المحذوفة.
قال الفراء إنما ضم أولها ليدل على الواو، وهذا فيه بعد.
وتجمع (قلون) وهذا الجمع جبر لما وقع فيها من الوهن.
ومنهم من يقول: قلون، بكسر القاف فلا يكمل لها جمع السلامة.
وتجمع أيضا على (قلات).
34 - وتمنع مقلة لهم اعتداء الظلوم.... فهم بها يتناصفونا
المقلة: حجر يقسم به الماء، قال الشاعر:
قذفوا صاحبهم في ورطة.... قذفك المقلة شطر المعترك
أي: قذفوا صاحبهم شطر المعترك في ورطة مثل قذفك المقلة.
وهذه المقلة هي التي أراد الفرزدق:
وجاء بجلمود له مثل رأسه.... ليشرب ماء القوم بين الصرائم
على ساعة لو كان في القوم حاتم.... على جوده ضنت به نفس حاتم
وهذه الرواية هي الجيدة.
وقد روي: لضن بالماء حاتم، وزعموا أنه مخفوض على البدل من الهاء (جوده).
والمقلة في غير هذا مصدر مقلته مقلة في الماء، ومقلا أيضا: إذا: غمسته.
وتقول: مقلته بعيني، ومقلته بمقلتي: إذا نظرت إليه مقلة.
والمقلة، بالضم، شحمة العين التي تجمع البياض والسواد.
وقول ابن مسعود- رحمه الله- في مسح الحصى: (والترك خير من مائة ناقة لمقلة) معناه: خير من مائة ناقة مختارة لمقلة، أي: على عين المختار ونظره كما يحب.
والمقلة مما سمي به، والوزير ابن مقلة مشهور، وفيه يقول بعضهم:
خط الوزير ابن مقلة.... بستان قلب ومقلة
35 - وكم بدن لهم يبكي ويشكو العقوق.... ويشتكي ظلم البنينا
36 - وكم بدن لهم ذبحوه أيضا.... فكان أحل قوت العابدينا
البدن في البيت الأول: الشيخ المسن.
والبدن في البيت الثاني: الوعل الكبير.
37 - لديهم عجلتان فذي لشرب.... وذي فيها جميعا يرتعونا
العجلة الأولى: السقاء، والثانية نبت من أفضل المرعى.
38 - لهم من بطن شافعهم حليب.... بعيد الرد يغني الشاربينا
الشافع: الشاه التي معها ولدها.
والشافع في غير هذا: الشفيع: وهو الذي يسأل حاجة غيره.
ومعنى قوله: (بعيد الرد) أي: بعد ردها من الرعي.
39 - وفيهم صندل يتلو المثاني.... ويحمل عنهم ما يحملونا
الصندل: العظيم الرأس.
40 - يرى لهم الأهلة كل شهر.... ضرير فاق فيها المبصرينا
الضرير: الصبور على المكروه.
والصبر نفسه يقال له: الضرير، أيضا.
وإنه لذو ضرير: إذا كان ذا صبر.
والضرير في غير هذا: الذاهب البصر.
ومما يستظرف قول بعضهم وقد ذهبت عينه اليسرى، وسايره
آخر ذاهب العين اليمنى:
فلو أبصرتني ورأيت عمرا.... نريد السوق ليس لنا نظير
أسايرة على يمنى يديه.... وفيما بيننا رجل ضرير
والضرير: جانب الوادي.
وقد نزل على أحد ضريري الوادي، قال أوس بن حجر:
وما خليج من المروت ذو شعب.... يرمي الضرير بخشب الطلح والضال
يوما بأجود منه حين تسأله.... ولا مغب بترج بين أشبال
يوما بأجرأ منه حد بادرة.... على كمي بعضب الحد قيصال
المروت: اسم واد.
والضرير أيضا: الغيرة، ويقال: ما أشد ضريره، أي غيرته.
41 - ويحكم عاجن فيهم عليهم.... إذا رحلوا عليه مسلمينا
العاجن: الشيخ الكبير، لأنه إذا حاول القيام اعتمد على يديه كأنه يعجن.
وفي هذا المعنى أنشد بعض شيوخنا:
وتريبني أشياء مني لم تكن.... موجودة وعلمت ما تعنيه
أرض تجاذبني وأنهض جاهدا.... عنها وسوف تنال ما تبغيه
وقال بعضهم:
وأصبحت كنتيا، وأصبحت عاجنا.... وشر خصال المرء كنت وعاجن
ويروى: (وهيجت عاجنا)، وهو من قولهم: رجل مهيج،
أي: ثقيل النفس.
والعاجن في غير هذا: اسم الفاعل من عجن عجينه فهو عاجن.
ويقال: عجنت الناقة فهي عاجن: إذا ضربت بيديها الأرض في سيرها.
وأما عجنت الناقة، بالكسر، عجنا فهي عجينة وعجناء، فمعناه: سمنت.
والكنتي: من قولهم: (كنت)، لأن الشيخ يقول: كنت، وكنت، وهذا دليل على أن ضمير الفاعل عندهم كالجزء من الفعل، ألا تراه جعل (كنت) كلمة واحدة ونسب إليها؟.
42 - له في عروة بيت كبير.... يلاذ به ويؤوى المجحرينا
العروة، من الشجر: ما يبقى على الجدب، قال ابن دريد: (وبه سمى الرجل عروة).
وقال الفراء: العروة من الشجر مالا يسقط ورقة في الشتاء كالأراك.
ويقال أيضا للشجر المجتمع: عروة.
والعروة من النبات ما تبقى له خضرة في الشتاء،
فتعلق به الإبل إلى الربيع، ويقال له: العلقة، أيضا.
فاجعل بيته في أيها شئت والعروة في غير هذا: عروة المزادة والجوالق ونحوه.
والعروة أيضا: العلق النفيس من المال، كالفرس الكريم ونحوه.
43 - تظل ببيته العنقاء تقري.... أخا سغب وتؤوي الطارقينا
العنقاء في هذا: الطويلة العنق.
والعنقاء في غير هذا: طائر عظيم، يقال: إنه اختطف صغيرا في زمن أهل الرس، وكان لهم نبي يقال له: حنظلة بن صفوان، صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء، فدعا عليها فغيبها الله عز وجل، فلم ترجع.
يقال: عنقاء مغرب، بالرفع، ومغرب، بالخفض.
فالرفع صفة، والخفض بالإضافة، والرف أجود.
ومعنى (عنقاء مغرب) أي: مبعد، أي إنها أبعدت.
وقال:
عرضت عليها ما أرادت من المنى.... لترضى فقالت: قم، فجئني بكوكب
فقلت لها: هذا التعنت كله.... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب
سليني شيئا أستطيع طلابه.... ولا تذهبي في الجور بي كل مذهب
فهذا على الإضافة.
وفي أمثالهم.
(طارت به عنقاء مغرب) إذا فقد، وفي شعر أبي العلاء:
أرى العنقاء تكبر أن تصادي.... فعاند من تطيق له عنادا
ومعنى (تصادي): تعارض.
والعنقاء: الداهية.
وقال ابن دريد: (عنقاء مغرب) كلمة لا أصل لها.
ثم قال: ويقال: إنها طائر عظيم لا يرى إلا في الدهور، قال: وكثر ذلك حتى سموا الداهية عنقاء مغربا وأنشد:
ولولا سليمان الخليفة حلقت.... به من يد الحجاج عنقاء مغرب
قال شيخ شيخنا أبو السعادات- رحمهما الله-: وأقول: إن الشاعر في هذا البيت لم يرد بقوله: (من يد الحجاج عنقاء العرب) إلا الطائر المسمى بهذا الإسم، وإن كان معدوما، لأن المثل به يضرب في الاختطاف.
قال: والداهية إنما يقال بها: عنقاء، ولا توصف بـ (مغرب).
44 - يسر بعانة مهما رآها.... ويشتم من يراه مستعينا
العانة: القطيع من حمر الوحش.
والعانة في غير هذا: الشعر الذي تحت السرة، وحلقه من الفطرة.
والعانة: كواكب أسفل من القوس.
وعانة: اسم البلد الذي تنسب إليه الخمر العانية، وهي من قرى الجزيرة.
والمستعين: الذي يحلق عانته، فهو يشتم من يتصدى لرؤيته.
والمستعين في غير هذا: الذي يطلب الإعانة.
45 - وعاتقه عليه عاتق قد.... تلته عاتق وغدت معينا
العاتق: ما بين الكتفين مما يلي العنق، وهو يذكر ويؤنث.
عليه عاتق: هو الزق الكبير الجيد الواسع.
تلته عاتق، أي: تبعته لتعينه، وهي الجارية التي أدركت، قال لبيد:
أغلي السباء بكل أدكن عاتق.... أو جونة قدحت وفض ختامها
الأدكن العاتق: زق الخمر.
والعاتق أيضا: الخمر نفسها، قال:
أو عاتق كدم الذبيح مدام
والعاتق أيضا: القوس التي تغير لونها.
والعاتق: الشيء العتيق أي القديم، يقال: عتق، بالضم، وعتق، بالفتح، يعتق فهو عاتق.
46 - له في كل عافية نجيب.... ويطعم علجة للجائعينا
العافية: الدار الخالية يبكى على أهلها.
ويقال في غير هذا: عفت هند عن ذنبه فهي عافية.
والعافية أيضا النسور التي تقع على القتلى.
قال:
وكأن عافية النسور عليهم.... حج بأسفل ذي المجاز نزول
و (يطعم علجه) أي: رغيفه.
والعلج في غير هذا: حمار الوحش.
والعلج أيضا: العجمي.
47 - له في مخرج العاني امتصاص.... إذا ما القوم باتوا معطشينا
العاني: الماء السائل.
ومخرجه: موضع خروجه.
ويقال: عنى يعني: إذا سال، يقال هذا في كل سائل.
وعنت القربة: إذا سالت.
والعاني في غير هذا: الخاضع، قال الله عز وجل: