قول الشاعر:
فبات ابن شماخ يفسخ عجوة.... ولم يسقنا غير السمار المضيح
وتفسير البيت على وجه الصواب أنه يصف حمار وحش أو ثور وحش آنس طملًا، أي صائدًا، والطمل: الذئب، شبهه به: والطمل أيضًا: اللص.
يقول: هذا الثور الوحشي آنس صائدًا له عائلة وأطفال ليس لهم غذاء إلا اللبن المخلوط بالماء، فهو لذلك أشد الناس اجتهادًا في أن ينال صيد هذا الثور الوحشي ليشبع به عياله وأولاده.
المسألة التاسعة
قال أبو نزار: سئلت في بغداد، عن قول الشاعر:
غير مأسوف على زمن.... ينقضي بالهم والحزن
فلم يعرف وجه رفع (غير).
وأول من أخطأ فيه شيخنا الفصيحي رحمه الله، فعرفته ذلك.
والذي ثبت الرأي عليه أن المعنى: لا يؤسف على زمن، فـ (غير) مرفوع بالابتداء، وقد تم الكلام بمعنى الفعل، فسد تمام الكلام وحصول الفائدة مسد الخبر، ولا خبر في اللفظ، كما قالوا: أقائم أخواك؟ والمعنى: أيقوم أخواك؟ فـ (قائم) مبتدأ، وسد تمام الكلام مسد الخبر ولا خبر في اللفظ.
فقيل له: قد عجبنا أن أخطأت مرة بالصواب، وجريت في توجيه هذه المسألة على سنن الإعراب.
المسألة العاشرة
قال أبو نزار: تقول العرب: جئت من عنده؛ لأن من قضى وطرًا من شخص فقد صار المعنى عنده غير مهم في نظره؛ لأن الذي انقضى قد خرج عن حد الاهتمام به، وبقس اختصاص الشخص بالموضع المختص بمن كان الغرض متعلقًا به، فأردت أن تذكر انفصالك عن مكان يخصه، فقلت: (من عنده).
فأما إذا كان الإنسان قد اعتزم أمرًا يريده من شخص، فإن المكان القريب من ذلك الشخص لا يهمه، وإنما المهم ذكر الإنسان الذي حاجتك عنده، فالحكمة تقتضي أن يقول: (إليه)،ولم يجز (إلى عنده)؛ هذه حكمة العرب.
فأما سيبويه فقال: استغنوا بـ (إليه) عن (إلى [176/آ] عنده)، كما استغنوا بـ (مثل) وشبهه عن (كـ).
فقال الراد عليه: يا هذا، كانت إصابتك في مسألتك آنفًا فلتة
اغتفلتها، وجميع ما وجهت به في مسألتك هذه خارج عن الأصل المنقول، ولم يذهب إليه أحد من ذوي العقول.
وذلك أن الذي ذهب إليه المحصلون من أهل هذه الصناعة هو أن الظروف التي ليست بمتمكنة مثل: عند، ولدن، ومع، وقبل، وبعد، حكمها ألا يدخل عليها شيء من حروف الجر، لعدم تمكنها وقلة استعمالها استعمال الأسماء.
وإنما أجازوا دخول (من) عليها توكيدًا لمعناها وتقوية له، ولما لم يجز في شيء منها أن يكون انتهاء إلا بذكر (إلى) لم يجز دخولها عليه تأكيدًا لمعناه، كما كان ذلك في (من)، وقد قدمت أن حكم هذه الظروف ألا يدخل عليها شيء البتة من حروف الجر، للزومها الظرفية وقلة تصرفها.
ولولا قوة الدلالة فيها على الابتداء، وقوة (من) على سائر حروف الجر بكونها ابتداءً لكل غاية= لما جاز دخول (من) عليها.
ألا ترى أنه قد جاء في كلامهم كون (من) يراد بها الابتداء والانتهاء في مثل: رأيت الهلال من خلل السحاب؟ فخلل السحاب هو ابتداء الرؤية ومنتهاها، فهذا مما يدل على قوة (من) وضعف (إلى)؛ فلذلك أجازوا: من عنده، ومن معه، ومن
لدنه، ومن قبله، ومن بعده، ولم يجيزوا: إلى عنده، وإلى قبله، وإلى بعده؛ فهذه خمسة الظروف لا يدخل عليها شيء من الحروف الجارة سوى (من)، وسبب ذلك ما تقدم ذكره.
وأما قولك: إن سبب ذلك هو أن من قضى وطرًا من شخص فقد صار ذلك الشخص عنده غير مهم في نظره، وخرج عن حد الاهتمام فلم يبق إلا أن يذكر موضعه المختص به، فلهذا قلت: جئت من عنده.
وإذا عزم الإنسان على أمر يريده من شخص فإن المكان القريب [177/ ب] من ذلك الشخص لا يهمه، وإنما المهم ذكر الإنسان الذي حاجتك عنده.
فالحكمة تقتضي أن يقول: (إليه)، ولا يقول [إلى] (عنده) = فهذيان المبرسمين دعوى المتحكمين.
وذلك أنه لو كان الأمر على ما ذهبت إليه لامتنع أن تقول: رجعت إلى داره [وعدت إلى منزله]، فينبغي على هذا أن يكون الصواب: رجعت إليه، وعدت إليه، ويكون قول من قال: رجعت إلى منزله، وعدت إلى داره، لا يصح كما لا يصح: رجعت إلى عنده؛ لأن المهم إنما هو الشخص دون محله، وإذا امتنع ذلك مع (عنده) فكذلك يمتنع
مع البيت والمنزل وغيرهما.
وأما قولك: (إن المكان القريب من ذلك الشخص لا يهمه)
فإن هذا الكلام يقتضي انه إذا بعد مكانه منه احتيج إلى ذكره، فيقال: رجعت إلى عنده.
وذلك أنه إنما جاز إسقاطه لقرب المكان الذي فيه الشخص فاستغنى عن ذكره لقربه، فيلزمه ألا يسقط عند بعده، ولو قدرنا أن جميع ما ذكرته من جواز دخول (من) على (عند)، وامتناع دخول (إلى) عليها صحيح لوجب عليك أن تستأنف جوابًا آخر عن امتناع دخول (إلى) عليها صحيح لوجب عليك أن تستأنف جوابًا آخر عن امتناع دخول (إلى) على (قبل وبعد)، و (مع)، و (لدن)، وجواز دخول (من) عليها وليس في جميع ما ذكرته ما يكون جوابًا عن ذلك، وليس الجواب عند النحويين إلا ما قدمناه؛ فافهم ذلك.
ذكر طرف من أحكام المبنيات
زعم بعض النحاة أن البناء هو الأصل، وأن الإعراب إنما وقع للضرورة.
وقد غلط؛ لأن البناء في الأسماء لم يكن الأصل ثم خرجت عنه إلى الأعراب للضرورة؛ لأن الكلام إنما وضع للتفاهم.
وإذا كانت الأسماء لا يفهم المراد بها إلا بالإعراب لم يكن الإعراب طارئًا عليها.
فإن قيل: فإنها قبل التركيب مبنية، فدل ذلك على أن الأصل البناء؛ لأن التركيب إنما هو بعد الإفراد= قيل: الأصل هو التركيب؛ لأنها إنما وضعت ليخبر بها وعنها، والإفراد بعد ذلك.
وإيرادها غير مركبة ليس الأصل إنما هو خارج عن المقصود الأكبر الذي هو فائدة الكلام.
ولو كان البناء في [177/آ] الأسماء الأصل لم يقل: لم بني (يا زيد) مثلًا؟ لأنه جاء على الأصل؛ فعله البناء في (قبل) و (بعد)، في نحو قول
الله عز وجل: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ أنهما لما قطعا من الإضافة، مع أنها مرادة فيهما أشبها في قطعهما عن الإضافة الإتيان ببعض حروف الكلمة فبنيا لذلك.
وإنما بنيا على حركة؛ لأنهما قد كانا معربين في حال الإضافة، فجعل بناؤها على الحركة تنبيهًا على حال الإعراب.
فإن قيل: فلم كانت ضمة؟ قيل: أريد بناؤهما على حركة لم تكن لهما في حال الإعراب؛ لتحالف حال البناء حال الإعراب.
وكذلك القول في (أسفل) و (من عل) و (وراء) و (قدام)، وجميع الغايات إذا قطعت عن الإضافة.
وحيث مشبهة بالغايات، لأنها مبهمة في جميع الجهات، والجهات كلها مضافة إلى ما بعدها، وأوقعت (حيث) عليها كلها فبنيت لذلك.
وإنما بنيت على حركة هربًا من اجتماع الساكنين، وكانت ضمة؛ لما ذكرته من شبهها بالغايات.
ومنهم من بناها على الكسر لالتقاء ساكنين، ومنهم من فتح استثقالًا للضمة
والكسرة مع الياء.
ومنذ: لابتداء الغاية في الزمان، فبنيت لشبهها بـ (من).
ولا يقال لم بنيت (من)؟ لأن البناء للحروف وبنيت على الضم إتباعًا لحركة الميم.
فإذا قيل: (مذ)، زال الموجب لبنائها على الحركة، وبنيت على السكون الذي هو أصل البناء.
ويازيد: بني لوقوعه موقع المبني، وهو (أنت)؛ قال:
يامر يابن واقع ياأنتا
أنت الذي طلقت عام جعتا
حتى إذا اصطبحت واغتبقتا
أقبلت مرتادًا لما تركتا
قد أحسن الله وقد أسأتا
وبني على الضم لأنه وقع موقع الضمير المرفوع، والضم
يناسب الرفع.
وكذلك نحن، بني على حركة لسكون الحاء، وكانت الحركة ضمة لأنه ضمير المرفوع [177/ ب].
وأما علة بنائه فلأنه ضمير، والضمائر كلها مبنية؛ لافتقارها إلى ما ترجع إليه، فشابهت الحرف في الافتقار، فبنيت.
وبنيت، قط لأنها مشابهة لـ (قط) الخفيفة؛ لأنك إذا قلت: ما رأيته قط، فقد قطعت الطمع عن الرؤية، فقرب في المعنى من قولك: قط، أي اكتف.
وبني على حركة للإدغام، وكانت ضمة؛ لأن بناءه على الكسر يلبس بفعل الأمر؛ لأنه يكون مثل: غط، وبناؤه على الفتح أيضًا يلبس بالفعل الماضي وبفعل الأمر.
و (أين) و (كيف) بنيا لما تضمناه من الاستفهام، فأشبها حرف الاستفهام.
وبنيا على الفتح، لأن السكون لا يمكن،
والضم والكسر مع الياء ثقيل.
والأفعال الماضية كلها مبنية، ولا يقال لم بنيت؛ لأن أصل البناء للأفعال والحروف.
وإنما أعرب الفعل الذي أعرب لمشابهة الاسم.
وإنما بني على حركة لأنه قد يقع موقع المعرب في قولك: إن أكرمتني أكرمتك ويقع موقع الاسم المعرب في قولك: ممرت برجل ضحك، كما تقول: مررت برجل ضاحك.
وبنيت على الفتح، لأنه أقرب الحركات إلى السكون من قبل الخفة.
و (أيان) بني لما فيه من معنى الحرف، وهو الاستفهام.
وكانت الحركة فتحة من أجل ثقل الكسرة فيه، والضمة من أجل الياء، والألف غير حاجز حصين.
و (الآن) بني لمخالفته ما عليه الأسماء؛ لأن الأسماء إنما تقع نكرة ثم تتعرف، ووقع هذا من أول أحواله معرفًا بالألف واللام فلما خرج عن شبه الأسماء بني.
وبني على حركة
لسكون ما قبل آخره، وكانت فتحة لأتها تناسب ما قبلها.
شتان وسرعان بنيا لأنهما اسم لـ (بعد) و (سرع).
وبنيا على الفتح لما ذكرناه في (الآن).
وكذلك علة بناء (هلم) و (هيهات).
وأسماء العدد من أحد عشر إلى تسعة عشر مبنية إلا اثني [178/آ] عشر.
وإنما بنيت لتضمنها واو العطف؛ إذا كان الأصل عطف الاسم الثاني على الأول.
ولم يبن اثنا عشر؛ لأن الألف فيها علامة التثنية، وهي علامة الإعراب، وما أعرب بالحرف لا يصح بناؤه، لأن الحرف لازم له.
وبني على اخف الحركات لطوله.
وكذلك حضر موت، ورامهرمز، ومارسرجس.
وتقول في المؤنث من العدد: ثماني عشرة، فتفتح الياء، كما تقول: ثلاث عشرة.
ومنهم من يسكنها تشبيهًا بـ (معدي كرب).
وقول الشاعر:
ولقد شربت ثمانيًا وثمانيًا.... وثمان عشرة واثنتين وأربعًا
حذف الياء من (ثماني)، وبقيت النون على كسرتها.
وأمس مبني، وبني لأنه خالف ما عليه الأسماء من لزوم مسمياتها.
وذا لا يخص يومًا بعينه، ولأنه أشبه المبهم.
لأنك إذا قلت: (ذا) أشرت إلى حاضر، ثم لا يلزم المشار إليه بل يزول عنه وينتقل إلى غيره.
وكذلك إذا قلت: أمس، أشرت إلى اليوم الذي قبل يومك، ثم يزول عنه كما زال (ذا).
وبني على الكسر هربًا من التقاء الساكنين.
أو بني على السكون، ثم كسر لالتقاء الساكنين، واختير الكسر لالتقاء الساكنين دون غيره؛ لأن الكسرة إذا كانت إعرابًا كان معها التنوين ولابد، وليس كذلك غيرها؛ فاختيرت هذه الحركة لالتقاء الساكنين؛ لحصول العلم بأنها غير حركة الإعراب لمفارقتها التنوين.
وأيضًا فإن الكسر يناسب السكون، من أجل اختصاص كل واحد منهما ببابه وانفراده به؛ فلما افتقروا إلى تحريك الساكن حركوه بنظيره.
وأيضًا فإن الساكن قد يقع في الفعل.
وقد علم أن الفعل لا يدخله الكسر.
فلو حرك بالضم أو الفتح لتوهم أن ذلك حركة إعراب لأنهما يدخلانه في حالة الإعراب.
وإنما حرك الأول من الساكنين دون الثاني، لأن سكون الأول منع من النطق بالثاني.
ونزال وأخواته مبني، لأنه اسم لفعل الأمر، ومعناه: انزل.
والمعدول عن المصدر نحو: فجار وعن الصفة نحو: حلاق، وفساق، وعن فاعله نحو: حذام؛ كل ذلك أشبه نزال فبني.
ومن بنيت لمضارعتها الحرف في أحوالها: من الاستفهام، والجزاء، وكونها موصولة لأنها بعض اسم [178/ ب].
وكم بنيت لمضارعة حرف الاستفهام وفي الخبر شابهت (رب) لأنها للتكثير، و (رب) للتقليل.
وقط بالسكون اسم للفعل بمعنى: اكتف، وكذلك قد التي في معناها.
وإذ وإذا بنيتا لمشابهة الحرف في الافتقار إلى ما يوضحهما
مما يضافان إليه.
وقيل: لمضارعة (الذي).
والمبهمات والمضمرات علتهما في البناء سواء، وهو أنهما لا يلزمان ما يرجعان إليه ويقعان عليه، وليس كذلك الأسماء؛ فلما خرجا عما عليه الأسماء بنيا.
وإن شئت قلت: شابها الحرف فبنيا، وذلك لافتقارهما.
والضمائر كالمبهمات.
والأصوات مبنيات كلها، لأنها مدات كأصوات المزامير.
ذكر شيء من أحوال الحروف
من الحروف مالا يتغير ولا تراه زائدًا أبدًا، وهي أوائل هذين البيتين: ثم زارت حسناء دار شبيب.... خل عنها جاءت صباحًا ذلولا طالعات ظعونها غائرات.... ضاحيات راحت قليلًا قليلًا
طرف من علم القوافي للقوافي مخمسات ثلاث:.... حركات، وأحرف، وفساد فابتداها: رس، وحذو، وإشبا.... ع، ومجرى، وفي النفاذ المراد
والحروف: الروي، والردف، والتأ.... سيس، والوصل، والخروج العماد
والعيوب: الإيطا، والأقوا، والأكفا.... ء، ومنها التضمين، ثم السناد
الرس: هو حركة الحرف الذي قبل ألف التأسيس، ولا تكون هذه الحركة إلا فتحة؛ لأن ما قبل الألف لا يكون إلا مفتوحًا، كقوله:
هجرتك إشفاقًا عليك من الأذى.... وخوف الأعادي واتقاء النمائم
فجركة الميم من (النمائم) هي الرس.
والحذو: الحركة التي قبل الردف كقوله:
.......... العتابا................
فحركة التاء حذو.
وكذلك الكسرة قبل الياء، والضمة قبل الواو إذا كانا ردفين، كقوله:
ولقد نظرت إلى شموس ودونها.... حرج من الرحمن غير قليل [179/آ]
قد كنت أحسبني كاغنى واحد.... ورد المدينة عن زراعة فول
فكسرة اللام، وضمة الفاء حذو.
والإشباع: حركة الدخيل، كقوله:
قإن لم تجد من دون عدنان والدًا.... ودون معد فلتزعك العواذل
فكسرة الذال، من (العواذل) هي الإشباع.
والمجرى: حركة حرف الروي، ككسرة الدال في قوله:
ببرقة ثهمد................ وضمة الميم في قوله: دمن ألم بها فقال: سلام................ والنفاذ حركة الوصل، نحو الفتحة في هاء: .......... مقامها............. والكسرة في هاء: ................ سودائه
وتسمى الحركة قبل الرؤى المقيد التوجيه، كقول رؤبة:
..... خاوي المخترق
وأما الرؤى فهو الذي تبنى القصيدة عليه.
وجميع الحروف تكون رويًا إلا الألف والواو، والياء اللواتي يتبعن ما قبلهن، نحو الألف في قوله:
............ قلت: يا ريح بلغيها السلاما
والياء في نحو:
................ منزلي
والواو في نحو:
........ سقيت الغيث أيها الخيامو
وكذلك ألف التثنية وواو الجمع وياء ضمير المؤنث؛ نحو: قاما، وقاموا، وقومي، لا يكن رويًا إلا إذا انفتح ما قبل الواو والياء، نحو: عتوا، وغزوا، واخشى يا امرأة واسعي؛ فإنهما ههنا يكونان رويًا.
والهاء أيضًا تكون رويًا إذا سكن ما قبلها، ولا تكون رويًا إذا تحرك ما قبلها، نحو (غلامهو) و (صاحبها) و (حمزه) و (طلحة) و (فيمه) و (لمه).
وأما الردف فالألف أو الياء أو الواو تكون قبل حرف الروي مجاورة له، كالذي يردفه الراكب خلفه.
فإذا كان الردف ألفًا لم يجز معها الواو ولا الياء كقوله:
.......... أيها الطلل البالي....................
وأما الواو والياء فغنهما تترادفان في القصيدة الواحدة، كما قال الشاعر [179/ ب]:
أأن ترسمت من خرقاء منزله.... ماء الصبابة من عينيك مسجوم
كأنها بعد أحوال مضين لها.... بالأشيمين يمان فيه تسهيم
وتستعملان أيضًا ردفًا إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما، ولم تخرجا عن حروف المد.
وإن اجتمعا في قصيدة واحدة على هذه الحال فذلك جائز أيضًا نحو: (خود) و (زيد).
ولكن لا يجوز أن تأتي كل واحدة منها ردفًا وقد انضم ما قبلها، أو انكسر مع مثلها إذا انفتح ما قبلها.
ولا تكون واوان ردفًا إحداهما مضموم ما قبلها، والأخرى مفتوح ما قبلها؛ ولا ياءان إحداهما مكسور ما قبلها، والأخرى قبلها فتحة.
لا يجتمع في القصيدة الواحدة: (ثوب) مع (حوب)، ولا (عير) مع (عِير)، ويجوز اجتماع (راس)
مع (فلس)، والألف المبدلة من الهمزة تجيء ردفًا، كقول امرئ القيس:
.............. كأن مكان الردف منه على رال
ويجوز أن يكون الردف في كلمة، وحرف الروي في أخرى، كقول الأعشى:
رحلت سمية غدوة أجمالها.... غضبي عليك، فما تقول بدا لها؟
ولا يكون المدغم ردفًا، لعدم المد فيه؛ ولهذا أجاز الخليل (غيا) مع (ظبيا).
وأما التأسيس فالألف الساكنة التي بينها وبين حرف الروي حرف متحرك أي حرفٍ كان، إلا أنه لا بد منه؛ ولا يجوز أن يكون التأسيس غير ألف، وذلك نحو: (السمالق)، و (المفارق).
وهذا الحرف الذي بين التأسيس وبين الروي هو الدخيل، وحركته
في أكثر الشعر كسرة.
وأجاز قوم أن تكون فتحة وضمة أيضًا، وأجازوا الجمع بين الضم والكسر، نحو: التفاخر، والمحابر.
فأما أن يدخل الفتح معهما فذلك مستقبح يجري مجرى السناد في العيوب.
وإنما أجيز اجتماع الضم والكسر كما جاز اجتماع الواو والياء ردفين.
وقد تقدم أن هذه الحركة تسمى الإشباع [180/آ].
ولا تكون الألف تأسيسًا إلا إذا كانت مع حرف الروي في كلمة واحدة.
فإن كانا في كلمتين لم تكن تأسيسًا، وجاز حينئذ مع الألف غيرها، كما قال عنترة:
.............. والناذرين، إذا لم القهما دمي
فالألف ههنا غير تأسيس؛ لما ذكرنا.
إلا أن تكون الكلمة الأخرى التي فيها الروي معه فيها حرف إضمار، فحينئذ يجوز في الألف أن تكون تأسيسًا فلا يقع معها غيرها، ويجوز أن تكون غير تأسيس فيقع معها غيرها.
وأما الوصل فهو الحرف الذي يكون بعد حرف الروي، ألفًا إن كانت حركة الروي فتحة، أو واوًا إن كانت ضمة، أو ياءً إن كانت كسرة، نحو: ............. جديدًا و: ............ اسلمي و: ودع هريرة إن الركب مرتحل.............. وتكون الهاء وصلًا، وهي ثلاثة أضرب:
هاء الضمير، كقوله: لما رأيت الدهر جمًا حيلة أخطل والدهر كثير خطله وهاء التأنيث، كقولي: لا تقنطن واسأل إله الورى.... تيسيره إن كنت في عسره والهاء اللاحقة في الوقف لبيان الحركة، كقوله: بالفاضلين ألي النهي.... في كل أمرك فاقتده وهاء الضمير وحدها تأتي ساكنة ومتحركة، وغيرها لا يكون إلا ساكنًا فمجيئها متحركة كقوله:
عفت الديار محلها فمقامها............
وحركتها تسمى العماد.
ولا يكون وصلًا إلا هذه الأربعة.
والأصل في الوصل حروف المد؛ لاحتياجهم إليها في الترنم والحداء والغناء، واستعملت الهاء معهن لقربها منهن.
أما هاء التأنيث فلها بالألف شبه خاص لأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحًا.
وأما هاء السكت فإنها تقع معها في محل واحد، كقولك: أنا، وأنه؛ وكلها يشبه الألف وأخواتها في الرخاوة والخفاء.
وأما الخروج: فما وقع من حروف المد واللين الثلاثة بعد هاء الإضمار التي تكون وصلًا لا غير، نحو: (مالها)، و (أجمالهوا)، و (وصالهي).
وأما الإيطاء فهو تكرير القافية [180/ ب]، وذلك إذا تحد اللفظ والكعنى، وزاد الخليل في ذلك (دخول العامل) يعد
ذلك إيطاء وإن اختلف المعنى.
مثال ذلك: أن (الثغر) من الفم و (الثغر) من ثغور الإسلام متى أتيا في شعر واحد قافية فذلك إيطاء، لأن العامل يدخل عليها جميعًا.
فأما (ذهب)، الذي هو فعل و (ذهب) الذي هو اسم، فإن وقعا قافية نحو:
ليس يرد الزمان ما ذهبا.... ولو بذلنا في رده ذهبا
فذلك عنده ليس بإيطاء.
وأما غير الخليل نحو النضر بن شميل، والأخفش، والجرمي، ومؤرج، وكل أصحاب القوافي= فإنهم لا يعدون اتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى إيطاء.
ومتى اتفق اللفظ والمعنى فذلك قبيح.
إلا أن الأخفش يقول: إذا كان أحدهما معرفًا، والآخر نكرة فليس بإيطاء.
وأما الإقواء فهو أن يرفع آخر البيت، ويجر آخر الآخر،
كقوله: أمن آل مية رائح أو مغتدي.... عجلان ذا زاد وغير مزود ثم قال: زعم البوارح أن رحلتنا غدًا.... وبذاك خبرنا الغراب الأسود وأما الإكفاء فأن يجمع في القوافي بين السين والشين والنون والميم، وما أشبه ذلك؛ كقوله: بنات وطاء على خد الليل لا يشتكين ألمًا ما أنقين
وكقوله: إذا ركبت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا وقوله: يا قاتل الله بني السعلاة عمرو بن يربوع شرار الناس وأما التضمين فأن لا يتم المعنى في البيت، ولا يعلم إلا بالذي بعده، كقول النابغة: هم وردوا الجفار على تميم.... وهم أصحاب يوم عكاظ إني شهدت لهم مواطن صالحات.... أثبتهم بنصح الصدر مني
ويروى: بود الصدر.
وأمر التضمين أخف من غيره من العيوب [181/آ]، ولهذا لم يعده بعضهم ولا ذكره فيها.
وأما السناد فعلى نوعين، أحدهما: اختلاف الحركة قبل الردف، كقوله:
لقد ألج الخباء على عذاري.... كأن عيونهن عيون عين
فإن يك فاتني يومًا شبابي.... وأضحى الرأس مني كاللجين
وقال عمرو بن كلثوم:
.......... فاصبحينا........
و: .......... تصفقها الرياح إذا جرينا والثاني: أن تختلف الحركات قبل حرف الروي، كقول رؤبة: .... المخترق ثم قال: .... فنق ثم قال: .... الحمق
وقيل اختلاف الحذو سناد، واختلاف الإشباع سناد، واختلاف التوجيه سناد.
وعد اختلاف الحروف اللوازم سنادًا، مثل أن يأتي بيت مردف مع غير مردف، أو مؤسس مع غير مؤسس.
وقيل: السناد أيضًا أن تختلف حركة ما قبل الردف، وهي الحذو، فتكون تارة مفتوحة، وتارة مضمومة، وتارة مكسورة؛ ولم يعدوا سنادًا غير هذا.
وقال قوم: إن اختلاف حركة التوجيه وحركة الدخيل بالكسر والضم ليس بسناد.
ولم يختلفوا في اختلاف حركة الحذو أنها سناد، وأجمع الكل على أن نحو ما ذكرناه في قصيدة عمرو بن كلثوم سناد.
وأما القافية ففيها ستة أقوال:
الأول: أنها آخر كلمة في البيت.
وهو قول الأخفش.
وجعل بعضهم القافية في كلمتين.
وقال الأخفش: سألت
أعرابيًا وقد أنشد:
بنات وطاء على خد الليل
أين القافية؟ فقال: (خد الليل).
وقيل: القافية: النصف الأخير.
وقيل: القافية: البيت بكماله، وقد يطلقون على القصيدة قافية، كما قال:
وقافية مثل حد السنا.... ن تبقى ويذهب من قالها
وقال الخليل: القافية: (ما بين آخر حرف في البيت، إلى أول ساكن قبله، مع المتحرك الذي قبل الساكن).
فالقافية في قوله:
.......... ومنزلي........
الميم والنون [والزاي] واللام [والياء].
وكذلك القافية من قوله: (فحومل) هي الحاء إلى الياء.
والذي قاله لا يختل، فهو لذلك أجود الأقوال.
واحتج قوم لقول الأخفش أن العرب إذا أوردت البيت إلى أن يبقى من آخره كلمة قالوا: [181/ ب] قد بقيت القافية، يعنون الكلمة الأخيرة.
وقال الأخفش: لو أن شاعرًا قال لك: اجمع لي قوافي، لم تجمع أنصافًا وإنما كنت تجمع له كلمات فيها حروف تلزمها لا تختلف في اللفظ والصورة، وإن اختلف الكلمات؛ نحو: (الشواظ) و (الغلاظ) ومثل (الخفاف) و (العجاف)، وما أشبه ذلك.
قال: ومن زعم أن حرف الروي نفسه هو القافية فقد أحال أيضًا؛ وذلك أن العرب إذا سمعت: (قام) مع (قيم) أو (رام) مع (ريم)، أو (العلام) مع (العلم) قالوا: اختلفت القافية، ولو كانت القافية هي حرف الروي لما قالوا ذلك؛ لأن الميم في كل هذه الحروف لم تخالف، ولم يزل لفظها.
وقال قائل: ومما يفسد قول الأخفش أن الكلمة الأخيرة في البيت قد تستوعب الحروف والحركات اللوازم للقافية، وقد لا تستوعب ذلك.
ويلزم الشاعر تكرار ما هو خارج عنها، نحو: (مالها) فإن ألف (ما) في غير الكلمة الأخيرة وهي ردف لابد منها.
وكذلك (كلاهما) ألف (كلا) تأسيس لابد من تكرارها.
وإذا اختلف الردف أو التأسيس قيل: اختلفت القوافي.
فالقافية على هذا ما اشتمل على اللازم من الحروف والحركات، وهذا هو الذي صار إليه الخليل.
قال الأخفش: كل قافية سلمت من الفساد في الشعر التام دون المجزوء والمشطور والمنهوك فإنها تسمى (النصب)، لأنها وردت في شعر تام سليمة من العيب تكاملت أجزاء شعرها، وترنم بها.
والنصب: الغناء، ولعل هذا الذي نحن فيه سمي نصبًا من ذلك.
وتسمى أيضًا القافية الموصوفة بما ذكرته: (البأو).
وتسمى العرب القافية المعيبة الفاسدة: (التحريد).
وذكر الأخفش أنهم لم يعينوا لهذا الاسم رعيبًا بعينه، إلا أنهم يطلقونه على غير
المستقيم، وذلك مأخوذ من الحرد في الرجلين، والله أعلم [182/آ].
بسم الله الرحمن الرحيم
وهذه ذات الحلل ومهاة الكلل، تغر بالألفاظ المؤتلفة، وتشر بالمعاني المختلفة، تخدع سامعها خدع الساحر، وتجن في باطنها خلاف الظاهر، لها وجهان معشوقان، ولسانان موموقان، تتلون في أثوابها، وتتفنن في مخارج أبوابها؛ فغن أضلك ظاهرها وحير، ذلك باطنها وخبر.
وها أنا أجلوها على الأعيان، وأبرزها للمشاهدة والعيان، وأقول- والله المستعان، وهو أقدر من أرشد وأعان-:
1 - بحمد الله رب العالمينا.... ورب العرش أبدا مستعينًا
2 - وصلى الله خلاق البرايا.... على خير البرية أجمعينا
3 - محمد النبي وآله والـ.... قرابة والصحابة والبنينا
القرابة والصحابة في الأصل مصدران سمي بهما الأقرباء والأصحاب، إما على حذف مضاف بمعنى ذوي قرابة وصحابة، وإما على أنهم جعلوا نفس المصدر مبالغة.
ويقال: بينهما قرابة، وقربى، وقرب، ومقربة، بفتح الراء، ومقربة، بضمها.
ويقال: صحبته صحبة وصحابة.
وقالوا في جمع صاحب: صحبة أيضًا، كما قالوا: فاره وفرهة؛ وقالوا صاحب وصحاب، مثل جائع وجياع.
4 - وبعد فإنني أظهرت ما لو.... حواه سواي كان به ضنينا
5 - كنوز ما اهتدى غيري إليها.... فأبرز جوهرًا فيها دفينا [182/ ب]
6 - عن العلماء ايماء إليها.... وعون الله سهل لي الحزونا
الحزون: جمع حزن، وهو ما غلظ من الأرض.
والحزن أيضًا: بلاد بعينها.
والحزن: حي من غسان.
7 - سأخبر بالغريب من المعاني.... وأطرف بالعجيب السامعينا
8 - بأم بنين مرجعهم إليها.... وما ولدت ولا حملت جنينا
الأم: الراية التي معها الجيش، وهو المراد بالأم ههنا.
والأم أيضًا: المفازة البعيدة، يقال لها أم التنائف.
وأم المثوى: صاحبة المنزل.
والأم: الأصل.
والأم: رئيس القوم.
وأم النجوم: المجرة.
9 - وأم لم تزل تؤتى حرامًا.... وحلا لا تعيب الواطئينا
10 - إذا ما انحط عنها ابن أتاها.... أبوه وعد ذلك منه دينا
المراد: أم الطريق، وهي معظمه.
والحرام: أرض الحرم، والحل: ما سوى ذلك.
أي يطؤها الناس في أرض الحل وأرض الحرم، الابن وأبوه وغيرهما.
وإذا كانا في سفر فيه طاعة لله عز وجل كالحج وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك؛ فذلك معدود من الدين.