سفر السعادة وسفير الإفادةصفحات 761-800

قد أطول الحمائل، أي إنه طويل.
وقول الشاعر: هجرتك حتى قيل: ما يحسن: القلى وزةتك حتى قيل: ما إن له صبر (ما) الأولى: موصولة، والقلى: خبر.
وقول الفرزدق: إلى ملك ما أمه من محارب أبوه ولا كانت كليب تناسبه فيه وجهان، أحدهما: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، فهذا وجه، على هذه الرواية؛ وقد أنشده قوم: (ما أمه من محارب أبوها).
وقول الشاعر:

أليس بصيرا من يرى وهو قاعد بمكة أهل الشام يختبزون رأى أهل الشام بمكة لما حجوا وهم يختبزون [159/آ].
وقول سيبويه- والشعر له فيما ذكر-: يسر الفتى ما كان قدم من تقى إذا طرق الداء الذي هو قاتل قطوب فما تلقاه إلا كأنما زوى وجهه لو لاكه فوه حنظل أي: زوى وجهه حنظل لو لاكه فوه.
وفي قوله: (قاتل) مع قوله (حنظل) لا يجوز؛ لأن ألف التأسيس لا يكون معها

غيرها؛ فما أظن هذا يصح عن سيبويه، إلا أن يكون هذا الشعر قد غير، مثل أن يكون: ......... إذا طرق الداء الذي هو يقتل وأنشد أبو محمد التوزي النحوي: إني أرى دارا بأغدرة السـ ـيدان لم يدرس لها رسم إلا رمادا هامدا دفعت عنه الرياح خوالد سحم قال: و (إلا) ههنا في معنى الواو، وكأنه قال: ورمادا هامدا، قال: كذا قال الخليل فيه؛ كما قال الشاعر: من كان أشرك في تفرق فالج فلبونه جربت معا وأغدت ويروى (أسرع) مكان أشرك.

إلا كناشرة الذي ضيعتم كالغصن في غلوائه المتنبت يقول: وكناشرة.
قال أبو محمد التوزي: وقال أبو عبيدة في قول الله عز وجل: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا﴾، قال: (إلا) في معنى الواو.
قلت: فيكون (والذين ظلموا) على هذا مستأنفا، كأنه قيل: والذين ظلموا منهم لا يفلحون، ونحوه.
وقول الشاعر: إذا نحن نلنا من ثريدة عوكل فقدنا لها ما بعدها من طعامها

فقدنا معناه: فحسبنا؛ كما قال: قدني من نصر الخبيبين قد وقال يزيد بن الحكم: مرحبا بالذي إذا جاء جاء الـ.. ـخير أو غاب غاب عن كل خير تقديره: إذا جاء الخير أو غاب غاب هو عن كل خير.
وقال النابغة:

أتاني- أبيت اللعن- أنك لمتني وتلك التي تستك منها المسامع ملامة أن قد قلت سوف أناله وذلك من تلقاء مثلك رائع نصب ملامة على معنى لمتني ملامة.
وقول الشاعر [159/ب]: آتي الندي فلا يقرب مجلسي وأسوق للشرف الرفيع حماري يعني أنه يسوق حماره إلى شرف ليركب؛ لأنه لكبر سنه لا يطيق الركوب إلا على تلك الحال.
وقول النابغة: تبدو كواكبه والشمس طالعة لا النور نور ولا الإظلام إظلام والقوافي مجرورة؛ توهم الباء، فكأنه قال: ولا الإظلام

بإظلام.
وقول الأعشى: ولقد شربت ثمانيا وثمانيا وثمان عشرة واثنتين وأربعا النون من (ثمان عشرة) مكسورة؛ لأنه أراد ثماني عشرة ويروى: (ولأشربن).
وقول قيس بن الخطيم: لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضنا تدحرج عن ذي سامة المتقارب المتقارب: صفة لـ (بيضنا).
وذي سامة: موضع ولم يصرف للتأنيث والعلمية.
والسام: عرق من فضة يكون في المعدن فضربه مثلا.

وقول الأعشى: فإن يمس عندي الشيب والهم والعشى فقد بن مني والسلام تقلق بأشجع أخاذ على الدهر حكمه فمن أي ما تجني الحوادث أفرق قوله: (بأشجع) متعلق بقوله: بن مني، أي: ذهبن مني بأشجع أي بفتى أشجع.
وقوله: والسلام تفلق: مبتدأ وخبر، يعني والحجارة تتكسر، فكيف الإنسان؟!.
وقال متمم بن نويرة: سقى الله أرضا حلها قبر مالك ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا تجيته مني وإن كان نائيا وأمسى ترابا فوقه الأرض بلقعا

أي: هذه تحيته مني.
وبلقعا نصب على الحال.
وقول عمر بن أبي ربيعة: أمسى بأسماء هذا القلب معمودا إذا أقول صحا يعتاده عيدا نصب عيدا؛ لأنه جعله مصدرا.
وقال آخر [160/آ]: المال يزري بأقوام ذوي حسب.... وقد يسود غير السيد المال

خفض المال وجعله صفة للسيد.
يقال: رجل مال، وفطر وصوم.
وتقول العرب: ملت فأنا أمال وأنا مائل غدا، وأنا مال، فعلى هذا يكون في (يسود) ضمير يرجع إلى المال في قوله (المال) في أول البيت.
قال أحمد بن يحيى ثعلب: دخلت على محمد بن عبد الله فإذا عنده أبو العباس المبرد، وجماعة من أسبابه وكتابه.
فلما قعدت قال لي محمد بن عبد الله: ما تقول في بيت امرئ القيس: لها متنتان خظاتا كما أكب على ساعديه النمر قال: فقلت: أما الغريب فإنه يقال: لحم خظابظا: إذا كان صلبا مكتنزا، ووصفه بقوله: (كما أكب على ساعديه)، أي: في

صلابة ساعدي النمر إذا اعتمد على يديه.
والمتن: الطريقة الممتدة من عن يمين الصلب وشماله.
وأما الإعراب فإنه: خظتا، فلما تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة.
فأقبل بوجهه على المبرد، فقال: أعز الله الأمير!! إنما أراد، في (خظاتا)، الإضافة؛ أضاف (خظاتا) إلى (كما).
قال ثعلب: فقلت له: ما قال هذا أحد.
فقال: بلى، سيبويه يقوله.
فقال ثعلب: فقلت لمحمد بن عبد الله: لا والله ما قال هذا سيبويه قط، وهذا كتابه فليحضر.
ثم قلت: وما حاجتنا إلى الكتاب؟ أيقال: مررت بالزيدين ظريفي وعمرو، فيضاف نعت الشيء إلى غيره؟ فقال: والله ما يقال هذا.
ونظر إلى محمد بن يزيد فأمسك.
ويروى أن الأصمعي لقي الفراء على الجسر ببغداد، فقال له الأصمعي: أأسألك؟ فقال الفراء: سل يا أبا سعيد فقال: ما معنى قول الشاعر:

أصم دعاء جارتنا تحجى لآخرنا وتنسى أولينا فقال الفراء: صادفت قوما صما، قال الشاعر: فأصممت عمرا وأعميته عن الجود والمجد يوم الفخار أي: صادفته [160/ب] أصم أعمى؛ وقال الكسائي: دخلت بلدة فأعمرتها ودخلت بلدة فأخربتها، أي صادفتها كذلك.
فقال الأصمعي: الفراء أعلم الناس؛ ومضى ولم يكلمه بعد.

وهذه عشر مسائل سماها أبو نزار الملقب بملك النحاة (المسائل العشر المتعبات إلى الحشر) وتحدى بها، ولها قصة يطول ذكرها، ولكني أذكرها وأذكر ما قيل في جوابه عنها؛ فإن ذلك هو المقصود، ولا فائدة في سواه.

المسألة الأولى

سأل عن قوله عز وجل: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾، فقال: إن (أن) الأولى لم يأت لها خبر.
وسأل عن العامل في (إذا)؛ ثم قال: (إذا) بمعنى الوقت وهو يضاف إلى الجمل على تأويل المصدر؛ فإذا قلت: تقديره: مخرجون وقت موتكم، كان محالا؛ لأن الإخراج وقت الموت لا يتصور؛ لأنه جمع بين ضدين.
ثم أجاب هو عما سأل فقال: والجواب: أما الأول فنقول: إن العرب قد حذفت خبر (أن) كثيرا في شعرها وكلامها، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى لاسيما إذا دل على الخبر مثله.
وههنا خبر الثانية دل على خبر الأولى، ونوي عاملا في (إذا) والتقدير: أيعدكم أنكم مخرجون بعد وقت مماتكم؛ إلا أن (بعد وقت) حذفت وأريدت.

ألا ترى إلى قوله عز وجل: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ و (ينفعكم) لا يعمل في ظرفين مختلفين أحدهما حال والآخر ماض، وذلك محال؛ ولكن المعنى: ولن ينفعكم اليوم بعد إذ ظلمتم.
وكذلك يضارع هذا قوله عز اسمه: ﴿إن مع العسر يسرا﴾ والعسر ضد اليسر، والضدان لا يجتمعان، ولكن الأصل: إن مع انقضاء العسر يسرا، إلا أن المضاف حذف.
فأما فائدة تكرير (أن) فالعرب تكرر الشيء في الاستفهام استبعادا، كما يقول الرجل لمخاطبه، وهو يستبعد أن يجيء منه الجهاد: أأنت تجاهد، أأنت تجاهد!! فكذا ههنا [161/آ]، قالوا: أيعدكم أنكم مخرجون أنكم مخرجون استبعادا.
فقيل له: أما سؤالك الأول عن خبر (أن) وكونه لم يأت

فهو سؤال من قطع بما حكاه، ولم يعرف وجها سواه.
وهذا قول من لم يتقدم له بهذا العلم فضل دراية، ولا وقف على ما سطره فيه أولو النقل والرواية؛ إذ كان معظم النحويين قد أجمعوا على أن خبر (أن) في هذه المسألة ثابت غير محذوف.
فلو قلت: يسأل عن خبر (أن) لم حذف في هذه الآية على قول بعض النحويين= لأتيت بعذر مبين.
وللنحويين، في هذه الآية، أربعة أقوال: الأول منها قول أبي العباس المبرد ومن تابعه، وهو: أن تجعل موضع (أنكم مخرجون) رفعا بالابتداء، و (إذا) ظرف زمان في موضع خبره، والجملة في موضع خبر (أن)؛ فيصير التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم، كما تقول: أيعدكم أنكم يوم الجمعة إخراجكم، فيكزن (إخراجكم) مرفوعًا بالابتداء،

ويوم الجمعة خبره والجملة في موضع خبر (أن) الأولى؛ وهذا مذهب بين ظاهر لا يحتاج فيه إلى خبر محذوف.
والقول الثاني قول أبي عمر الجرمي: أن تجعل (مخرجون) خبر (أن) الأولى، وتكون الثانية كررت توكيدا لتراخي الكلام، على حد قوله سبحانه: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾، فكرر (رأيتهم) توكيدا لتراخي الكلام، ويكون انتصاب (ساجدين) بـ (رأيت) الأولى، كأنه قال: رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين؛ ومثل قوله سبحانه: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبهم بمفازة من العذاب﴾ فيكون (تحسبنهم) توكيدا لتراخي الكلام.
ومن ذلك قولهم في النداء:

يا تيم تيم عدي......... ............. الثالث: قول أبي الحسن الأخفش: أن تجعل (أنكم) في موضع رفع بـ (إذا) على أن يكون [161/ب] فاعلا به على حد قياس مذهبه في الرفع بالظرف في نحو قولك: يوم الجمعة الخروج، فالخروج عنده مرتفع بالظرف، كأنه قال: يستقر الخروج يوم الجمعة.
ومذهب سيبويه وأصحابه أن الخروج مرفوع بالابتداء لا غير.
القول الرابع قول سيبويه، وهو: أن تجعل (أنكم مخرجون) بدلا من (أن) الأولى، على حد قوله عز وجل: {ويوم

تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون}.
فقوله (يومئذ) بدل من قوله (يوم تقوم الساعة).
ويحتاج في هذا القول إلى حذف شيء يتم به الكلام؛ لأنه لا يصح أن يبدل من (أن) إلا بعد تمامها وتكملتها من اسمها وخبرها.
وقد وجه أبو علي قول سيبويه في هذه الآية على وجهين، أحدهما: أن يكون قد حذف مضافا من (أن) الأولى تقديره: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيصح حينئذ أن يبدل (انكم مخرجون) من (أن) الأولى؛ لأنها قد تمت.
وإنما احتاج إلى حذف هذا المضاف من جهة أن (إذا) ظرف زمان، وظروف الزمان لا تكون أخبارا عن الجثث.
فإذا حملت وقوله: (أنكم إذا متم) على تأويل: أن إخراجكم إذا متم، تم الكلام وصارت إذا خبرا لـ (أن) على حد قولهم: الليلة الهلال، تريد: الليلة حدوث الهلال أو ظهوره، ولولا ذلك لم يجز لأن الهلال جثة والليلة ظرف زمان.
ومثل الآية في حذف المضاف قوله عز وجل: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون﴾

لابد من تقدير مضاف محذوف تقديره: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون؛ فحذف الدعاء وهو يريده.
والثاني في توجيه أبي علي لقول سيبويه، وهو أن يكون خبر (أن) محذوفا تقديره: أيعدكم أنكم إذا متم مخرجون، ثم حذف خبر (أن)، لدلالة [خبر] (أن) الثانية عليه، على حد قوله عز وجل: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ تقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، فحذف خبر المبتدأ الأول [162/آ] استغناء عنه بخبر الثاني.
وعلى ذلك قول الشاعر:

نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تقديره: نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض إلا أنه حذف استغناء عنه بالخبر الأخير.
وهذا الوجه وحده هو الذي لم يفتح عليك أيها المتقمص بقميص الزهو، التائه في غيابة السهو، الملقب نفسه بملك النحو الأبه.
وأما قولك بعد السؤال الأول: وكذلك يسأل عن العامل في (إذا)، ثم بينت في جوابك انه محذوف= فقولك هذا مبني على ما قام في نفسك من كون خبر (أن) محذوفا، وقد بينا أنه غير محذوف إلا على أحد الوجهين الموجه بهما قول سيبويه؛ وإلا فهو موجود غير محذوف على المذاهب المتقدمة.
أما على مذهب أبي العباس فالعامل عنده في (إذا)

الاستقرار؛ لأنها في موضع خبر المبتدأ.
وكذلك مذهب الأخفش، هي عنده معمولة الاستقرار المقدر في كل ظرف رفع فاعلا.
وأما مذهب الجرمي فإن العامل عنده فيها (مخرجون) التي هي خبر (أن) على ما تقدم ذكره.
وأما قولك بعد السؤال الثاني: إن (إذا) بمعنى الوقت، وهو يضاف إلى الجمل على تأويل المصدر، وما ذكرت من أن المعنى يستحيل إذا جعلت العامل في (إذا) (مخرجون)؛ لأنه يصير التقدير: أنكم مخرجون وقت موتكم، والإخراج وقت الموت لا يتصور، وإجابتك عن ذلك بتقديرك حذف مضاف قبل (إذا) وهو (بعد) = فإنك أتيت في هذا المكان بضرب من الهذيان.
أما قولك: إن (إذا) بمعنى الوقت، وهو يضاف إلى الجمل على تأويل المصدر فليس تقدير الجملة بعدها على تأويل المصدر بصحيح.
وذلك ممتنع فيها، وفي (إذ) وفي (لما) خاصة.
ألا ترى أنه يحسن أن تقول في نحو: آتيك يوم يقدم زيد: آتيك يوم قدوم زيد، فتقدر ما بعد (يوم) بتقدير المصدر؟.
ولو قلت: آتيك إذا يقوم زيد لم يحسن أن تقول: آتيك [162/ب] إذا

قيام زيد.
وكذلك (إذ) تقول: أتيته إذ قام، ولا تقول: أتيته إذ قيامه.
وكذلك (لما)، تقول: أكرمته لما قام، ولا تقول: أكرمته لما قيامه؛ لأن هذه الظروف لا تضاف إلى مفرد، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الجمل.
وأما قولك: إنه لابد من تقدير حذف مضاف قبل (إذا) وهو (بعد) ليصح المعنى ويسلم من الإحالة؛ فهو قول بين الفساد لا محالة.
وذلك أن المتقرر عند جميع النحويين أنه لا يصح أن يصاف إلى (إذا) ولا إلى (لما)، وذلك لتوغلهما في البناء، وقلة تمكنهما.
ولا يجوز، على هذا، أن تقول أكرمتك بعد إذا أكرمتني، ولا: قبل إذا أكرمتني، ولا: بعد لما أكرمتني، ولا نحو ذلك من ظروف الزمان ولا غيرها؛ ولم يسمع من ذلك شيء إلا في (إذ) والمعنى، في الآية، يصح على غير هذا التقدير إذ في مفهوم الخطاب من قوله جل وعلا: ﴿وكنتم ترابا وعظاما﴾ أن الإخراج ليس هو وقت الموت، وإنما هو بعد زمان

متراخ يقتضي الاستحالة من اللحمية والدموية إلى الترابية، ثم الإخراج بعد ذلك.
و (إذا) وإن كانت بمعنى الوقت فليس يلزم أن يكون وقوع الفعل في أول ذلك الوقت دون آخره؛ مثال ذلك قولهم: إذا جاء زيد أحسنت إليه، ومعلوم، من جهة المعنى، أن الإحسان لم يكن في أول المجيء، إنما كان بعده وتقدير الإعراب يوجب أن وقت المجيء وقت الإحسان؛ لأن (إذا) ظرف، والعامل فيه أحسنت، فيصير التقدير: أحسنت إليه وقت مجيئه، وليس الأمر كذلك.
وسبب ذلك أنه لما تقارب الزمانان، وتجاور الحالان صارا كأنهما وقعا في زمان واحد، وإن كان لابد أن تقدر أن زمان الإحسان بعد زمان المجيء، إذ الإحسان مسبب عن المجيء، والسبب يتقدم المسبب.
ويكون تقدير الآية على هذا: أيعدكم أنكم مخرجون آخر وقت موتكم وكونكم ترابا وعظاما؟.
ثم [163/آ] قلت بعد هذا: (فأما فائدة تكرير (أن)، فإن العرب تكرر الشيء في الاستفهام استبعادا، كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان يستبعد منه أن يجاهد: أنت تجاهد أنت

تجاهد!!) وهذا قول غير محرر ولا محقق.
وهذه العبارة بتكرير الاستبعاد شيء خارج عن المألوف المعتاد.
وإنما التكرير في كلام العرب لمعنى التأكيد، على ذلك جاء في كتاب الله عز وجل: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا﴾ فكرر (دكا) على جهة التأكيد بدلالة قوله في الأخرى: ﴿فدكتا دكة واحدة﴾، وقوله عز وجل: ﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾، وقوله عز وعلا: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ كرر (رأيتهم) توكيدا، وقوله عز وجل: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾ ومن أمثلة ذلك في كتاب سيبويه: (قد علمت أنه إذا فعل أنه سيمضي)، و (زعم أنه إذا قال أنه

سيفعل).
وقول رؤبة: إني وأسطار سطرن سطرا لقائل: يا نصر نصر نصرا وقول الآخر: ألا فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ثلاث تحيات وإن لم تكلمي وقول الآخر: يا تيم تيم عدي...... ........

وليس في شيء من هذا استبعاد.
قلت: قال ابن السراج والمبرد: بيت رؤبة: يا نصر نصر نصرا إنه ينشد على وجوه منها: يا نصر نصر نصرا قال: تجعل المنصوبين تبيينا للمضموم- يعني عطف بيان على الموضع- وينشد أيضا: يا نصر نصر نصرا على أنهما أيضا عطف بيان، لكن أجريت أحدهما على اللفظ، والآخر على الموضع، كما تقول: يا زيد الظريف العاقل.
قال: ولو جعلت العاقل على (أعني) كان جيدا.
وينشد أيضا: يا نصر نصر نصرا فيكون الثاني بدلا من الأول، والثالث عطف بيان؛ كأنه قال:

يا نصر يا نصر [163/ب].

المسألة الثانية

قال أبو نزار: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من جمع مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر) يسأل عن مادة هاتين الكلمتين، وزيادتهما، ومكان استعمالهما.
قال: فأول ذلك أن تعلم أن (نهوشا) واحد قدر أنه جمع على نهاوش، وهو من الهوش بمعنى الاختلاط.
قال: وكذلك (نهابر) هو جمع، واحده: نهبر، وهو من الهبر بمعنى القطع المتدارك.
والمعنى: من جمع مالا من جهات مختلطة لا يعلم جهات حلها وحرمتها قطعه الله عليه.
قال: فإن قيل: ما سمعنا في الواحد نهبرا ونهوشا، قلنا: قد

نص سيبويه على أن العرب تأتي بجموع لم تنطق بواحدها.
ثم قال: إن قياسواحد (ملامح) و (محاسن) ملمحة ومحسنة، وما سمعنا بملمحة.
وكذلك قدروا أن واحد (أباطيل) إبطيل، أو أبطول، وأباطيل جمع لم ينطق بواحده.
فأجيب بأن قيل له: أبديت عوارك لمناظرك، وأبرزت مقاتلك لسهام مناضلك.
إن هذه اللفظة تروى على أوجه مختلفة، وجميعها يرجع إلى أصل واحد، وعدة أوجهها أربعة: يروى: من جمع مالا من (مهاوش)، بالميم، وهذه هي المشهورة عند العلماء باللغة.
ويروى: من (تهاوش)، بالتاء، وكسر الواو، وقد صححوه أيضا.
ويروى: من (تهاوش)، بالتاء، وضم الواو، وهو صحيح أيضا.
ويروى: من (نهاوش)، بالنون وكير الواو.
وهذه

هي التي أنكرها أهل اللغة، ولم يثبتوا صحتها، والظاهر من كلامهم أنها من غلط الرواة.
وجميع ذلك، على اختلاف الرواية فيه، يرجع إلى أصل واحد وهو النهوش الذي هو الاختلاط.
فليس الإشكال في (تهاوش) من جهة [164/آ] تفسيرها كما ظننته، ولا من جهة كونها جمعا لواحد لم ينطق به.
ألا ترى أن (مهاوش) و (تهاوش) هما بمعنى الهوش والاختلاط وكلاهما جمع لم يستعمل واحده؟ وإنما المشكل في هذه اللفظة: هل هي صحيحة في الاستعمال معروفة عند أهل اللغة، أو هي على خلاف ذلك؟! فهذا الذي كان حقك أن تبينه وتثبت صحته.
فإذا صح فسرت حقيقة معناها، واشتقاقها، وتثبت هل هي جمع أو مفرد، وما الزائد منها، وما الأصل.
فأما قولك، في (نهابر): إنه مشتق من (الهبر) وهو القطع المتدارك؛ فليس ذلك بالمعروف عند أهل اللغة.
وإنما هو مستعار

من (النهابر) و (النهابير)، وهي تلال الرمل المشرفة، فسميت المهالك نهابر من ذلك.
ولذلك قال عمرو بن العاص لعثمان بن عفان- رحمه الله-: (إنك ركبت بهذه الأمة نهابر من الأمور فتب عنها)، أراد: إنك ركبت بهذه الأمة أمورا شاقة مهلكة، بمنزلة من كلفهم ركوب التلال من الرمل؛ لأن المشي في الرمل يشق على من ركبه.
وقولك: (إن واحد النهابر نهبر وإن لم ينطق به) ليس بصحيح.
بل الصحيح أن واحدها (نهبور) على ما ذكره أهل اللغة؛ لأنهم جعلوا النهابر التي هي المهالك مستعارة من النهابر التي هي الرمال المشرفة، وواحدها (نهبور).
وأسأت العبارة بقولك: (لا يعرف جهات حلها وحرمتها)، وكان الصواب أن تقول: (وحرمها)، لأنه يقال: حل وحلال، وحرم وحرام.
وأخطأت أيضا في تنظيرك نهاوش في كونها جمعا لواحد لم ينطق به، بقولهم: ملامح، وأباطيل، وكان حقك أن تنظرها بـ (عباديد) ونحوه مما لم ينطق له بواحد من لفظه ولا من غير

لفظه.
ألا ترى أن (ملامح) لها واحد مستعمل من لفظها وهو (لمحة)، وكذلك (أباطيل) واحده المستعمل (باطل)، وكذلك (مشابه) واحده المستعمل (مشبه) [164/ب]، وإن كنا نقدر أن واحد الجموع من جهة القياس ليس هو هذا المستعمل، إلا أنه وإن كان الأمر على ذلك فلابد أن يقال: إن هده الآحاد لهذه الجموع، وإن هذه الجموع لهذه الآحاد، من جهة الاستعمال.
ألا ترى أن أبا علي الفارسي قال في كتابه (العضدي): (هذا باب ما بناء جمعه على غير بناء واحده المستعمل.
وذلك: باطل وأباطيل، وحديث وأحاديث، وعروض وأعاريض)؟ ولم يختلف أحد من العلماء في أن أعاريض وأحاديث واحدها عروض وحديث من جهة الاستعمال، كما أن قولهم: (ليال) جمع ليلة من جهة الاستعمال، وإن كان في التقدير كأنه جمع ليلاء.
ولو قلت إن العرب قد تأتي بجموع لم ينطق بواحدها الذي يجب من جهة القياس لكنت قد سلمت في قولك من الوهم

والإلباس.
ثم أسألك أولا: ما معنى قولك في صدر مسألتك: (فأول ذلك أن تعلم أن نهوشا واحد قدر [أنه] جمع على نهابر) فإنه كلام لم يستعمله من أهل الجهل والغباوة إلا من ختم الله على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة.
وأقول: إن الرد الذي رد على أبي نزار في (نهاوش) ما ضربه قائله إلا جدلا ولم يسلم فيه من الإنصاف سبلا؛ لأنه تكلم على هذه اللفظة، وجعل لها مخرجا على تقدير وجودها وصحة ورودها، فكان وجه الرد عليه أن يبين أنه أخطأ في ذلك، وأن لها معنى غير ما ذكر، لا أن يقال له: ليس الإشكال في شيء سوى صحتها، وإن الواجب ألا تتكلم فيها إلا بعد ثبوتها؛ وهذا كلام لا يخفى ما فيه من الجور.

المسألة الثالثة

قال أبو نزار: روى سيبويه في كتابه عن العرب أنهم قالوا: (ليس الطيب إلا المسك)، برفع المسك، والقياس نصبه؛ لأنه خبر (ليس) و (ليس) لا يبطل عملها بنقض النفي؛ إلا أن سيبويه والسيرافي تخبطا في هذا، وما أتيا بطائل.
فأول ذلك أن سيبويه قال: لغة في (ليس) أنها لا تعمل وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم [165/آ]؛ وهذا لا يعرف، فقد أخطأ سيبويه.
ثم قال السيرافي: والصحيح أن اسمها الشأن والحديث في موضع رفع، والطيب مبتدأ، والمسك خبره.
وقيل له: هذا باطل بأن (إلا) الناقضة خبر؛ إذ قد جاءت بين المبتدأ والخبر في الجملة الإثباتية.
واعتذر السيرافي بأن قال: إلا أنها على الجملة قد تقدمها نفي؛ وهذا كله متهافت.
والذي صح أن قولهم: (ليس الطيب): ليس واسمها، و (إلا)

ناقضة للنفي، والمسك: مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: ليس الطيب إلا المسك أفخره؛ والحملة من المبتدأ والخبر في موضع النصب؛ لأنها خبر ليس، وفيه وجه آخر، وهو أن تكون (إلا) بمعنى (غير)، وذلك وجه في (إلا) معروف، والتقدير: ليس الطيب غير المسك مفضلا أو مرغوبا فيه، أو ما شابه ذلك فاعرفه.
فقيل في الرد عليه: أيها المتعالي المتعالم، والمتعاطي المتعاظم قد نسبت سيبويه والسيرافي إلى أنهما تخبطا في هذه المسألة، ولم يأتيا بطائل، وقلت حكاية عنهما: (فأول ذلك أن سيبويه قال: لغة في (ليس) أنه لا تعمل، وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم، وهذا لا يعرف) وكان تخبطك فيما عنه نقلته؛ وإليه نسبته بما أسقطته من كلامه وزدته هو عين التخبط الحقيقي.
والذي ذكره سيبويه على فصه ومنقولا عن نصه هو: وقد زعم بعضهم أن (ليس) تجعل كـ (ما)، وذلك قليل لا يكاد يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد، وقول حميد بن ثور:

.... وليس كل النوى يلقي المساكين وقال هشام: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها.... وليس منها شفاء الداء مبذول والوجه والحد فيه أن تحمله على أن في (ليس) إضمارا، وهذا مبتدأ، كقوله: إنه أمة الله ذاهبة.
إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال: ليس الطيب [165/ب] إلا المسك وما كان الطيب إلا المسك).
إلى هذا انتهى كلام سيبويه؛ فأحلت عبارته عن الصواب بتحريفك وتجزيفك، فقلت: (قال سيبويه: لغة في

(ليس) أنها لا تعمل) فبدأت بنكرة في اللفظ لم تأت لها بخبر، وزدت في كلامه أنها لا تعمل؛ ولم يذكر سيبويه ذلك ولا يصح أن يذكره؛ لأنه لم يقطع بكونها غير عاملة.
ثم قلت عنه: (وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم) فزدت ما لم يذكره.
وكيف يجعلها مثل (ما) التميمية التي قد حصل القطع بإبطال عملها، وهو يقول بعد ذلك: (والوجه أن يكون فيها إضمار الشأن).
ثم قلت عنه أيضا: (وهذا لا يعرف) فأسقطت (يكاد)، وبإسقاطها يتناقض الكلام؛ لأن سيبويه قد ثبت عنده معرفة هذا، وهو قولهم: ليس الطيب إلا المسك؛ بدليل قوله: إنه يجوز أن يكون عليه قولهم: ليس خلق الله أشعر منه.
وصح ذلك بما حكاه الأصمعي، وأبو حاتم عن أبي عمرو بن العلاء.
قال أبو حاتم حكاية عن الأصمعي: جاء عيسى بن عمر إلى

أبي عمرو بن العلاء وأنا عنده، فقال لأبي عمرو: بلغني عنك شيء!! فقال أبو عمرو: وما هو؟ قال عيسى: بلغني أنك تجيز: ليس الطيب إلا المسك، وترفع.
فقال أبو عمرو: نمت، يا عيسى، وأدلج الناس!! ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع.
ثم قال: قم يا يحيى- يعني اليزيدي-، وأنت يا خلف- يعني الأحمر- فاذهبا إلى أبي المهدي فلقناه الرفع فإنه لا يرفع، واذهبا إلى المنتجع التميمي فلقناه النصب فإنه لا ينصب.
قال اليزيدي وخلف الأحمر: فأتسينا أبا المهدي، فوجدناه يصلي فوق تل وقد غرس أمامه قصبة يستقبلها، وإذا هو يقول: اخسأنان عني- وكان به عارض- فأمهلناه حتى قضى صلاته، فقال: ما هذه القنمة كأن حولنا حششة؟ فقلنا: إنك منها لعلى ثبج ضخم، فقال: ما خطبكما؟ فقلنا: جئناك

لنسألك عن شيء من كلام العرب، فقال: هاتيا.
فقلنا: كيف تقول: ليس الطيب إلا المسك؟ فقال: أتأمراني بالكذب على كبر سني؟ فأين الجادي، وأين بنة الإبل الصادرة [166/آ]، وأين كذا، وأين كذا؟.
فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل، فقال: فما تصنع بسودان هجر؟ ليس لهم شراب غير هذا التمر.
قال اليزيدي: فلما رأيت ذلك قلت: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، ورفعت، فقال: هذا كلام لا دخل فيه، ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل به، ونصب، فقلت: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، ورفعت؛ فقال: ليس هذا من لحني ولا لحن قومي، فكتبنا ما سمعناه منه.
ثم أتينا المنتجع التميمي فوجدناه رجلا يعقل، فلقناه النصب، وجهدنا به فلم ينصب، وأبى إلا الرفع.
فأتينا أبا عمرو، وعنده عيسى لم يبرح، فأخبرناه بما جرى.
فأخرج عيسى خاتمه من إصبعه، ورمى به إلى أبي عمرو، وقال:

جارٍ التحميل