سفر السعادة وسفير الإفادةصفحات 681-720

فإن خرج الفذ أخذ صاحبه نصيبه، وله جزء واحد كما تقدم.
ثم ضربوا بالقداح الباقية على التسعة الأجزاء الباقية.
وإن [144/ب] خرج التوأم أخذ صاحبه جزأين وقعد إن شاء.
وضربوا بباقي القداح على السبعة الأجزاء الباقية، فإن خرج المعلى أخذ صاحبه الأجزاء السبعة التي بقيت، ووقع الغرم- أعني ثمن الجزور- على من لم يخرج سهمه، وهم أربعة: أصحاب الرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل.
ولجملة هذه القداح ثمانية عشر سهما، فيجزأ الثمن على ثمانية عشر جزءا، ويلزم كل صاحب قدح من هذه القداح مثل ما كان نصيبه من اللحم لو فاز قدحه.
فإن لم يخرج الفذ ولا التوأم وخرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أجزاء، ثم ضربوا ثانية فخرج المعلى أخذ صاحبه السبعة الأجزاء الباقية، وهي تتمة الجزور، وكانت الغرامة على من لم يخرج قدحه، وهم أصحاب القداح الستة التي خابت.
فإن خرج المعلى أول القداح أخذ صاحبه سبعة أجزاء الجزور واحتاجوا إلى نحو جزور أخرى؛ لأن في القداح التي خابت المسبل وله ستة أجزاء، ولم يبق من اللحم إلا ثلاثة

أجزاء.
ومن خاب قدحه في الجزور الأولى لم يأكل منها شيئا، وذلك عندهم قبيح يعاب.
فإذا نحروا الجزور الثانية وضربوا عليها بالقداح فخرج المسبل أخذ صاحبه ستة أجزاء، منها الثلاثة التي بقيت من الجزور الأولى، ولزمه الغرم في الجزور الأولى ولم يلزمه في الثانية شيء؛ لأن قدحه قد فاز فيها.
وصار غرم الجزور الثانية على من لم يخرج قدحه، على ما سبق من الحساب.
وبقي من الجزور الثانية سبعة أجزاء يضرب عليها بقداح من بقي.
فإن خرج النافس أخذ صاحبه خمسة أجزاء ولم يغرم من ثمن الجزور الثانية شيئا، ولزمه الغرم في الأولى.
وبقي جزءان من اللحم وقد بقي من القداح [145/آ] الحلس، وله أربعة أجزاء، فاحتاجوا إلى نحر أخرى لتتمة الأجزاء الأربعة، ولا يأكل من خاب في الجزور الثانية منها شيئا.
فإن نحروا الجزور الثالثة وفاز الحلس أخذ صاحبه أربعة أجزاء، منها جزءان من الثانية وجزءان من الثالثة، ولم يغرم من ثمن الجزور الثانية شيئا؛ لأنه قد فاز، وكان ثمنها على من خاب قدحه.
وبقي من الجزور الثالثة ثمانية أجزاء، فيضرب عليها

بالقداح من بقي حتى تخرج قداحهم موافقة لأجزاء الجزور.
فإن كانت أجزاء اللحم موافقة لأجزاء القداح لم يحتاجوا إلى نحر شيء؛ فإن أعاد من فاز قدحه مرة ثانية فخاب غرم من ثمن الجزور التي خاب قدحه فيها، على هذا الحساب.
فإن فضل من أجزاء اللحم شيء وقد خرجت القداح كلها كانت تلك الأجزاء الفاضلة لأهل الوبد من العشيرة، وهم أهل الضعف وسوء الحال، وشدة العيش.
ويقال: رجل وبد، أي: سيء الحال، ويستوي في الوصف به الواحد والجمع، كما تقول: رجل عدل؛ ويجمع أيضا على أوباد، كما يقال: عدول؛ ومنه قوله: لأصبح الحي أوبادا ولم يجدوا.... عند التفرق في الهيجا جمالين ورج مستوبد بمعنى الوبد.
ومن أبيات المعاني قوله:

1 - يا عين بكي حنيفا رأس حيهم.... الكاسرين القنا في عورة الدبر 2 - أيسار صدق ينسيهم مراديهم.... صك القداح مواريب على الخطر قوله: (الكاسرين القنا في عورة الدبر) فعورة الدبر: ما وراء القوم [145/ب] إذا انهزموا؛ لأنهم إذا انهزموا بقي ما وراءهم عورة ضائعا؛ فهؤلاء يحامون عن العورة ويطاعنون عنها حتى تتكسر رماحهم.
ومن هذا قوله عز وجل: ﴿إن بيوتنا عورة﴾، وقول الشاعر:

الحافظو عورة العشيرة لا.... يأتيهم من ورائنا وكف وقوله: (ينسيهم مراديهم) يريد أرديتهم، أي إنهم لإقبالهم على الميسر وطربهم لصك القداح يذهلون عن أرديتهم.
و (المواريب) من قولهم: أربت العقدة: إذا أحكمت شدها، أي: هم شداد إذا قامروا لا ينحل لهم عقد.
3 - أعداء كوم الذرى ترغو أجنتها.... عند المجازر بين الحي والحجر الكوم: جمع كوماء، وهي العظيمة السنام.
وهم أعداؤها لأنهم ينحرونها، يعني أنها تنحر وهي حوامل فيخرج الجنين حيا يرغو.
4 - يمشي إليها بنو هيجا وإخوتهم.... شم مخاميص لا يعكون بالأزر

الهيجا: الحرب، تمد وتقصر.
ومخاميص، أي: خمص البطون والواحد خميص، وهذا الجمع على غير القياس.
وقوله (لا يعكون بالأزر) أي يطرحون الأشياء ولا يكترثون بشد إزار ولا غيره؛ وذلك مما تمدح به ملوكهم.
ومثل المخاميص في خميص الأناجيح في جمع منجح، قال: بغاته إنما يبغي الصحاب من الـ.... ـفتيان في مثله الشم الأناجيح 5 - لا يفرحون إذا ما فاز فائزهم.... ولا تضيق عليهم أربة العسر يقول: إذا فازوا لم يفرحوا بذلك، ولا يبطرهم الفوز.
ومنه قول [146/آ] الله عز وجل: ﴿إن الله لا يحب الفرحين﴾.

والأربة: الشدة، أي: لا يبالون بالغرم وإن كانوا معسرين.
6 - هم الخضارم والأيسار إن ندبوا.... إذ لا تجيل قداحا راحتا يسر الخضارم: الأسخياء، والواحد خضرم، وأصل الخضرم للبحر.
ومنها: 1 - يا بنت آل هشام هل علمت إذا.... أمسى المراضيع في أعناقها خضع 2 - أني أتمم أياسري بذي أود.... من فرع شنحاط ضاحي ليطه قرع يعني القدح.
وإذا كان ذا أود كان أسرع لخروجه.
وشنحاط أرض.
وضاحي ليطه: ظاهر جلده وما ضحا منه للشمس أي برز.

3 - يحدو قتائله بيض غطارفة.... شم الأنوف مغاليق الضحى خلع القتائل: الأشباه، وهذا قتل هذا أي شبهه، والجمع: أقتال؛ قال الأعشى: رب رفد هرقته ذلك اليو.... م وأسرى من معشر أقتال ويقال أيضا: فلان قتل فلان أي عدوه.
فقول ابن مقبل: (يحدو قتائله) أي قتائل قدحي.
و (مغاليق الضحى) أي: يغلقون الرهن والخطر.
و (خلع) معناه: يسلبون الرجال أموالهم بالقمار ويخلعونها.
4 - ألو الوفاء ولو أدوا قداحهم.... ولا يزال لهم من لحمها قنع ألو الوفاء، أي: يؤدون ما يلزمهم وفاء به، ولو لم يبق لهم إلا

قداحهم لأدوها.
والقنع: الزيادة والكثرة، ويقال: هو ذو قنع، أي: كثير المال جواد.
ومنها قول عمرو بن قميئة- وهو صاحب امرئ القيس في قوله: بكى صاحبي لم رأى الدرب دونه..................... -: 1 - بودك ما قومي على أن تركتهم.... سليمى إذا هبت شمال وريحها يريد: بودك يا سليمى قومي، و (ما) زائدة.
على أنك تركتهم وفارقتهم [146/ب] وسليمى: امرأته وكانت أرادت منه فراق قومه.
2 - إذا النجم أمسى مغرب الشمس رابيا.... ولم يك برق في السماء يليحها

رابياً، أي: مرتفعًا.
والنجم: الثريا.
وأشد البرد عند طلوع الثريا أول الليل.
ويليحها: يظهرها ويضيئها.
يقول لها: لعل ودك أنك عند قومي في هذه الحال.
3 - وغاب شعاع الشمس في غير جلبة.... ولا هبوة إلا وشيكا مصوحها الجلبة: السحابة، وكذلك الجلب.
والوشيك: السريع.
والمصوح: الذهاب.
والهبوة: الغبرة.
4 - وهاج غمام مقشر كأنه.... نقيلة نعل بان منها سريحها مقشعر: لا ماء فيه.
والنقيلة: النعل البالية من النعال التي تنعل بها الإبل إذا حفيت، وجمعها: نقال.
والسريح: السيور التي تشد بها النعل، الواحدة: سريحة.

5 - إذا عدم المحلوب عادت عليهم.... قدور كثير في القدور قديحها القديح: المغروف.
6 - يثور إليها كل ضيف وجانب.... كما رد دهداه القلاص نضيحها الجانب: الأجنبي الغريب.
والدهداه: صغار الإبل، سميت بذلك لأن الإبل إذا وردت الماء دهدهتها ودحرجتها.
والنضيح: الحوض.
7 - بأيديهم مقرومة ومغالق.... يعود بأرزاق العباد منيحها مقرومة، يعني القداح بها علامات.
وليس المنيح ههنا القدح الذي ذكرناه أنه لا سهم له؛ وإنما المنيح ههنا الممنوج منها المعطى وهو القدح الفائز.
ويجوز أن تعيد الهاء في (منيحها) على العباد، ويكون المنيح بمعنى الفاعل، أي: تمنحهم هذه القداح ما أصابوه من قمرها.
ومنها قول الطرماح:

1 - وابن سبيل قريته أصلا.... من فوز بح منسوبة تلده [147 آ] البح: القداح كأن أصواتها فيها بحة.
وتلد أي: قديمة منسوبة إلى الشجر التي تتخذ منها نحو النبع.
2 - لم تستدر في ربابة ونحا.... أصلابها وشوش القرا حشده الربابة: الجلدة التي تجمع القداح فيها، وفي غير هذا الموضع: القداح نفسها.
ونحا أصلابها، أي: اعتمد عليها هذا القدح.
الوشوش القرا أي الخفيف، فخرج.
والحشد: المجتهد.
3 - دفعت فيها ذا ميعة صخبا.... مغلاق قمر يزينه أوده

الميعة: النشاط.
والصخب: الصوت، يعني قدحا.
4 - لم يبق فيه من كف صاحبه.... أخلاق سرباله ولا جدده يقول: إنه من كثرة ما تمسه كف صاحبه.
وأراد بالسربال ههنا ماله من القشر.
5 - موعب ليط القرا به قوب.... سود قليل اللحاء منجرده موعب الليط، أي: قد استؤصل جميع ليطه، واستوعب جميعه.
والقوب: الآثار.
6 - يغدو من الحي ضيفه دسما.... وقد أوى وهو ظاهر وبده 7 - مجرب بالرهان مستلب.... خصل الجواري طرائف سبده

يعني أنه مجرب أنه يفوز.
والجواري: القداح التي تجال معه فيستلبها خصلها، والخصل: الفوز.
والسبد.
استعارة لما يصيب ويكسب بفوزه.
8 - إذا انتحت بالشمال سانحة.... جال بريحا واستفردته يده يعني إذا انتحت القداح جال وحده.
واستفردته يد المفيض أي إنه يخرج وحده من بينها فردا فائزا.
ومنها قوله: ورأته معلبيا يرقع الشن.... وفي ذاك ما يصد الكعابا فزوت صافيا كليط ابنة البحـ.... ـر وردت على الوميض الحجابا [147/ب] يقال: علبى الرجل: إذا تشنج علباؤه من الكبر، وهو العرق في جانب العنق.
ويقال له إذا اعتمد على يده عند القيام: رقع الشن؛ فلما رأته كذلك زوت وجهها عنه، وشبه وجهها بالصدفة

في صفائها.
والليط: القشر.
وابنة البحر: الدرة.
والوميض: بريق ثغرها.
ومنها: تلقاهم زمرا خضرا نعالهم.... قد نشرت كنفيها فيهم الضبع لو صاب واديهم رسل فأترعه.... ما كان للضيف في تغميره طمع خضر النعال، أي أخصبوا فاخضرت نالعلهم، لأنهم يطؤون العشب؛ وهم مع ذلك بخلاء كأن الضبع، وهي السنة المجدبة، قد نشرت فيهم جانبيها.
ولو وقع المطر على واديهم حتى ملأه ما كان للضيف في التغمير مطمع.
والتغمير أن يسقى لبنا في الغمر، وهو القدح الصغير؛ قال:

تكفيه فلذة كبد إن ألم بها.... من الشواء ويكفي شربه الغمر ومنها: تأود فيه النبت حتى تحيرت.... رباه وحتى لا ترى الوحوش نوما يصف مكانا جادته السماء فكثر فيه النبت وطال حتى تأود، أي أعوج لطوله، وتحيرت رباه: ركب بعض نبتها بعضا، فكأن نبتها كالمتحير منه مائل إلى جهة ومائل إلى أخرى؛ لأن المتحير لا يقصد جهة.
ومنه قول الشاعر: وقضين ما قضين ثم تركنني.... بفيفا خريم قائما أتلدد

فلم أر مثل العين ضنت بمائها.... علي ولا مثلي على الدمع يحسد أتلدد: معناه: أتلفت إلى هذه الجهة وإلى هذه الجهة.
واللديدان: عرقا العنق.
وقيل للمتحير متلدد، من ذلك.
وقوله: (حتى لا ترى الوحش نوما) منصوب على الحال، أي: تنام به الوحش فلا تراها نوما.
ومنها- أنشده الأصمعي-: [148/آ] قامت تبكي لأن مرت بها أصلا.... بجانب الدو أسراب من العين قالت: أبو مالك أمسى ببلقعة.... تسفي الرياح عليه غير مدفون فبنيت صدق ما قالت وما نطقت.... وصاحب الدهر في خفض وفي لين

غاب عن هذه المرأة أبو مالك، فمرت بها أسراب من الظباء بارحة، والبارح: الذي يريك مياسره، فتطيرت من ذلك وبكت؛ وورد خبر أبي مالك بذلك، فبنيت الظباء البوارح صدق ما قالت.
وقوله: (وما نطقت) في موضع الحال، أي: بنيت صدق قولها غير ناطقة.
وفي (بينت) ضمير فاعل يرجع على الظباء، أي: إن الظباء بينت صدق ما قالت.
وفي (قالت) ضمير فاعل للمرأة، أي: صدق ما قالت المرأة.
و (صاحب الدهر في خفض) أي: في انحطاط تارة، وتارة في رفعة.
ومن هذا الباب قول رؤبة: وقد أرى واسع جيب الكم أسفر عن عمامة المعتم عن قصب أسحم مدلهم يقال: فلان واسع الجيب، أي: رخي البال لا يكترث.

وأراد بالقصب الأسود شعره.
ومن هذا الباب قوله أيضا: إذا الدليل استاف أخلاق الطرق كأنها حقباء بلقاء الزلق أخلاق الطرق: التي درست العلامة فيها، فكأنها قد بليت كما تبلى الأخلاق من الثياب.
واستاف: شم؛ لأنه إذا ضل شم التراب، فإن وجد ريح بول أو رمة علم أنه لم يضل، وإن وجد ريح العذاة، وهي الريح الطيبة، علم أنه قد ضل.
و (بلقاء الزلق) يريد عجيزتها.
والحقباء: الأتان التي بموضع حقبها بياض، شبه ناقته بها.
قال أبو عبيدة: لم يقل رؤبة شعرا إلا أربعة أبيات- يعني أنه إنما كان يقول الرجز-:

إذا ما الموت أقبل قبل قوم.... أكب الحظ وانتقص العديد أرانا لا يفيق الموت عنا.... كأن الموت إيانا يكيد والبيتان الآخران: أيها الشامت المعير بالشيـ.... ـب أقلن بالشباب افتخارا قد لبست الشباب غضا طريا.... فوجدت الشباب ثوبا معارا في هذين البيتين الأخيرين شيء مما يناسب أبيات المعاني، وإنما أوردت البيتين الأولين لما قال أبو عبيدة، وهي من الفوائد.
ومن أبيات المعاني: وأبي الذي قاد المهزم عانيا.... غب الوقاع مكبلاً مجنوباً

كيف يكون مجنوبا وهو مكبل؟ قيل: معناه: إنه شده إلى كبال السرج، والكبالان حلقتان في قربوس السرج.
حكى الأشنانداني قال: كنا في حلقة [148/ب] الأصمعي، فأقبل أعرابي يرفل في الخز فقال: أين عميدكم؟ فأشرنا إلى الأصمعي؛ فقال: ما معنى قول الشاعر: لا مال إلا العطاف يؤزره أم ثلاثين وابنة الجبل لا يرتقي النز في ذلاذله ولا يعدي نعليه عن بلل فتبسم الأصمعي ثم قال:

عصرته نطفة تضمنها لصب تلقى مواقع السبل أو وجبة من جناة أشكلة إن لم يرغها بالقوس لم تنل فولى الأعرابي يقول: لم أر كاليوم عضلة.
قال: وأنشدنا الأصمعي القصيدة.
العطاف: السيف.
وأم ثلاثين، يعني كنانة فيها ثلاثون سهما.
وابنة الجبل: القوس؛ لأنها نبتت فيه.
وقوله: (لا يرتقي النز في ذلاذله)، أي: إنه لا يكون إلا في الجبل، وليس هناك نز.
وكذلك قوله (ولا يعدي نعليه)، أي: ليس هناك بلل فيتخطاه.
وعصرته: ملجؤه.
والنطفة: النقعة من الماء.
والوجبة: أن يأكل مرة واحدة.
والجناة: الثمرة.
والأشكلة: الضالة، أي: إن لم يضربها بالقوس لم تلق ثمرتها.

و

من أبيات المعاني الأبيات المشكلة الإعراب

. فمنها قول الشاعر: أبوك بسيف كان لاقى محمد به الله في بيض حديث صقالها معناه: أبوك محمد لاقى به الله بسيف.
ومنها: ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يوما فتدركه العواقب قد نمى يجزيك أو يثني عليك وإن من أثنى عليك بما صنعت فقد جزى (لا يحر) أي: لا يرجع، وجزمه على جواب الأمر، أي: يرجع ضعفه عليك، أي: ينزل بك الدهر فيصير ضعفه فيك ويرفعه.
وفي معناه:

لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد يرفعه أي لا تهينن، بنون التأكيد الخفيفة.
قال المبرد: حذفها لالتقاء الساكنين.
وفي معناه: ولا تحرم المرء الكريم فإنه أخوك ولا تدري لعنك سائله لعن لغة في لعل.

ومنها قول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه [149/آ] كان هذا الممدوح خال هشام بن عبد الملك.
وهشام بن عبد الملك هو المراد بقوله: (إلا مملكا)، واسم هذا الممدوح إبراهيم وكان أميرا على المدينة من قبل ابن أخته هشام بن عبد الملك.
وتقديره: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه.
فـ (إلا مملك) بدل من (حي يقاربه)، فلما قدمه بطل البدل ونصب على الاستثناء.
وأبو أم هشام بن عبد الملك أبو إبراهيم الممدوح، فأبو هذا الممدوح أخو أم هشام.
وكان الفرزدق يصد في شعره مثل هذا، كقوله:

لئن أخرجت برزة من أبيها إلي لأدفعن لك العنانا كمدحة جزول لبني قريع إذا من فيه أخرجها اللسانا الهاء في (أخرجها) للمدحة، والتقدير: إذا أخرجها باللسان من فيه، فحذف الجار فتعدى الفعل فنصب.
ومن أبيات الإعراب قوله: بي الغرام يذيب بلاها رب هذا دعاء صب كئيبا الغرام مبتدأ، والخبر مقدم عليه.
ويذيب جملة لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها صلة (الذي).
ثم قال: (بلاها) من بلاه يبلو.
رب: فاعل (بلا) والهاء مفعوله، وأصل الكلام ربي، فحذف الياء واجتزأ بالكسرة.
و (هذا دعاء) مبتدأ وخبر، ويجوز أن تنصبه على المصدر، والتقدير: أدعوه دعاء صب.
(كئيبا) منصوب على الحال من الياء في (ربي) والعامل بلا، والحال لا تكون من مثل

هذا المضمر إلا قليلا.
ومنها: لقد قال عبد الله شر مقالة كفى بك يا عبد العزيز حسيبها (عبدا الله) مثنى، وحذف النون للإضافة، والألف لالتقاء الساكنين، و (شر مقالة): مصدر؛ لأن ما أضيف إلى المصدر من هذا فهو مصدر، وهما كشيء واحد، والناصب له (قال)؛ لأنه من جنسه.
و (يا عبد) منادى مرخم، والأصل: يا عبدة، ثم ابتدأ فقال: العزيز حسيبها كما تقول: الله حسيبك.
ومنها: إن فيها أخيك وابن زياد وعليها أبيك والمقدارا [149/ب] (أخيك): جمع أخ جمع السلامة تعويضا له ما حذف منه، والأصل: أخين، فحذف النون للإضافة.
و (ابن زياد) معطوف على (أخيك) الذي هو اسم إن.
و (أبيك) مثل أخيك، وهو جمع

أب وهو معطوف على أخيك.
و (المقدار) أيضا كذلك.
ومنها: فما أدري أغيرهم تناء وطول العهد أم مال أصابوا (مال): مبتدأ، والنكرة يبتدأ بها لعد الاستفهام كقولك: أرجل عندك أم امرأة؟ والأصل: أصابوه، والهاء عائدة على المال، ولكنه حذف الضمير.
و (أصابوه) خبر المبتدأ.
ومنها: أرى رجلا منكم أسيفا كأنما يضم إلى كشحيه كفا مخضبا إن شئت جعلت (أرى) من رؤية القلب، فيكون (منكم) مفعولا ثانيا، وإن جعلته من رؤية العين فهو منصوب صفة

لـ (أسيف) و (مخضبا) صفة لكف، والكف مؤنثة، ومجازه أن التأنيث غير حقيقي، ولك أن تتأوله بمعنى العضو كما تأولت في قوله: ...... ولا أرض أبقل.... ويجوز أن تجعل (مخضبا) صفة لرجل أو تجعله حالا من الهاء في (كشيحه).
ومنها:

ومن قبل آمنا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمدا نصب محمد بآمنا؛ لأنع بمعنى صدقنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: بإسقاط الخافض، وهذا أحسن.
ومنها: أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع (ما أنت) عوض من (كنت) وتقديره: إن كنت، فحذف (كان) وأقام مقامها (ما)، ونقل (إن) الشرطية إلى (أن) المصدرية، والتقدير: لأن كنت؛ فـ (أن) وما بعدها منصوب بإسقاط الخافض، و (أنت) اسم كان، و (ذا) خبرها.

ومنها: إن مستهترًا بحبك قلبي فاهجريني فما بقي لك حظ الأصل إن أنا، فألقيت حركة الهمزة من (أنا) على نون (إن) وحذفت الهمزة وأدغمت النون في النون، فصار (إنا) ثم حذفت الألف فصار (إن) وهو مبتدأ، أعني أنا، ومستهتر خبره.
ومنها: الواهب المائة الهجان وعبدها عوذا تزجى خلفها أطفالها [150/آ] يجوز في (المائة) النصب والجر، على المفعولية والإضافة.
ويجوز في قوله (وعبدها) الوجهان المذكوران في المائة.
ويجوز أن تخفض المائة على الإضافة، وتنصبه عطفًا على الموضع.

و (عوذا) منصوب على الحال.
و (تزجى)، وما بعده، في موضع نصب صفة لعوذ.
وتزجى مبني للمفعول، و (أطفالها) مرفوع به.
ويجوز أن يرتفع (أطفالها) على الابتداء وخبره (خلفها) وفي (تزجى) ضمير يعود إلى المائة.
ومنها: والله لو كنت لهذا خالصا لكنت عبدا آكل الأبارصا (والله) جار ومجرور في موضع نضب بفعل مقدر.
وإن شئت: في موضع رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي: قسمي أو يميني والله.
و (كنت) في موضع جزم بما في (لو) من معنى الشرط.
و (لهذا): في موضع نصب، أي خالصا لهذا.
و (آكل): صفة عبد.
و (الأبارص): مفعول آكل، والأصل آكلا، وإنما حذف النون لالتقاء الساكنين.

ومنها: يا خالق الحبة السودا بلا سأم علا خوانك ملح غير مدقوق يا خال: منادى مضاف، وحذف ياء الإضافة، وحذفها كثير في النداء.
ق: فعل أمر من وقى يقي، ولم يبق من هذا الفعل إلا عينه؛ لأن فاءه حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وحذفت لامه للأمر.
والحبة: مفعول.
و (بلا): جار ومجرور؛ لأن (لا) ههنا اسم بمعنى غير، وإن شئت جعلتها زائدة فتكون الباء جارة لـ (سأم) وخوانك: مفعول؟ وعلا: فعل ماض.
وملح: فاعل علا.
ومنها: ولو أن واش باليمامة بيته وبيتي بأعلى حضرموت اهتدى ليا والوجه: ولو أن واشيا.
والنجاة يقولون: هذا من أحسن

الضرورة؛ لأنه حمل لحال على حالين، وهذا كقوله: خذا حدثاني عن فل وفلان لعلي أرى باق على الحدثان ومنها: وقد كنت لا أرضى بنعمان منزلا فصار مناي أن يلوح بها برقا برقا: منصوب على أنه خبر صار، والتقدير: فصار مناي برقا أن يلوح، أي: برقا يلوح، فيكون (يلوح) في موضع الصفة لبرق، وتكون (أن) زائدة فلما تقدم على الموصوف كان في موضع نصب على الحال، على ما قالوا في نعت النكرة إذا تقدم عليها [150/ب] وها أنا أذكر في هذه المسألة ما يكشف عن حقيقتها بمعونة الله عز وجل.

قال النحاة في قول الشاعر: لعزة موحشا طلل قديم عفاه كل أسحم يستديم انتصب (موحشا) على الحال من طلل، والعامل الجار والمجرور؛ وهذا كلام فيه نظر؛ لأن الجار والمجرور إما أن يقال فيه ما قال سيبويه، أو ما قال الأخفش.
فإن قلنا بقول سيبويه فالجار والمجرور خبر المبتدأ، والمبتدأ: طلل، والخبر مقدم على المبتدأ والنية به التأخير، وفيه- أعني الخبر الذي هو الجار والمجرور- ضمير يعود إلى المبتدأ، وهذا الضمير مرفوع بالجار والمجرور كما كان مرفوعا بالفعل الذي جعل الجار والمجرور نائبا عنه.
ومما استقر عندهم أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال.
والحال ههنا صاحبها (طلل) والعامل في طلل معنوي، فكيف يكون الجار والمجرور عاملا في الحال، وهو غير عامل في طلل؟!.
وإن قلنا بقول الأخفش فارتفاع طلل على أنه فاعل، والرافع له

الجار والمجرور، كما يرتفع بالفعل الذي هو نائب عنه.
وقلت: لا مرية، على قول الأخفش، أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال، بقي عليك أن العامل إذا كان غير متصرف لم تتقدم عليه الحال ولا على صاحب الحال؛ ألا ترى أنه لا يجوز: هذا قائما زيد، ولا: قائما هذا زيد؟ والذي ينبغي أن يقال: العامل في الحال: الجار والمجرور، وصاحب الحال، الضمير الذي في الجار والمجرور.
ولما كان (موحشا) حالا عنه، وهو عائد إلى طلل الذي هو نكرة، وكان موحشا قبل التقدم نعتا للنكرة قالوا: وإذا تقدم نعت النكرة عليها نصب على الحال.
ولا ريب في انتصابه على الحال إذا تقدم عليها، فقولهم: (إذا تقدم عليها نصب على الحال) كلام صحيح على ما ذكرته.
ومن أبيات الإعراب [151/آ] قول عمرو بن يربوع: رأى برقا فأوضع فوق بكر فلا بك ما أسال ولا أغاما يقال: أوضع بعيره، أي: ساقه.
ووضع في سيره يضع وضعا

ووضوعا.
والإيضاع دون الشد.
والبكر من الإبل: الفتي.
و (فلا بك) معناه: لا أقسم بك؛ كما قال الله عز وجل: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾، قالوا: (لا) زائدة، وقيل: رد على المخاطب، وقيل: نفي للقسم أي: لا يحتاج إلى القسم لأنه أوضح من أن يقسم عليه.
ولا يدخل على المقسم به غير الباء لأنها الأصل.
وقال أبو الفتح: لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها في كثير من المواضع، تقول: أعطيتكم درهما، ثم تقول: الدرهم أعطيتكموه، وما حكاه يونس من قولهم: أعطيتكمه، شاذ.
وقال أبو بكر محمد بن عبد الملك النحوي: إنما يرد الإضمار الأشياء إلى أصولها لأسباب توجب الرد، لا لأجل الإضماؤ؛ فلا يقاس عليه ما لا سبب فيه.
مع أن الشيء إذا جاء على أصله ولم يمنعه مانع فلا سؤال فيه.
ولا يحتاج إلى تعليل إلا أن يخالف

الاستعمال.
فقوله (أعطيتكم درهما) أصله أعطيتكمو، فأسكنوا الميم تخفيفا، وكرهوا الإسكان مع الهاء لخفائها وقربها من الساكن.
ولذلك كان (عليه مال) أحسن من قولك: (عليهي مال)، وكذلك: اليوم سرت فيه؛ لأن الإضمار يبطل كونه ظرفا، فاحتاجوا فيه إلى (في) كسائر الأسماء التي ليسن ظروفا.
قلت: قوله: (إنما يرد الإضمار الأشياء إلى أصولها لأسباب توجب الرد، لا لأجل الإضمار) كلام متناقض يقتضي أن الإضمار يرد ولا يرد.
وقوله: (مع أن الشيء إذا جاء على أصله ولم يمنعه مانع فلا سؤال فيه) فأقول: بلى، فيه سؤال؛ لأن قولنا: (بك لأفعلن) قد جاء على أصله، وفيه من السؤال: لم لم يجز أن نقول: وك، ولا: تك؟ فاختصاص الباء بهذا لابد له من سبب، ولا سبب إلا أن الباء الأصل؛ ولهذا تقول: أقسم بالله، ولا تقول: أقسم والله، ولا: أقسم تالله.
[151/ب] ومنها بيت وضعه النحاة للتعليم، وهو قولهم:

كيف يخفى عنك ما حل بنا أنا أنت الضاربي أنت أنا قال فيه الشيخ أبو محمد عبد الله بن بري النحوي- رحمه الله-: فيه وجهان، أحدهما: أن تجعل الألف واللام لـ (أنا)، والفعل لـ (أنت) فـ (أنا) مبتدأ، و (أنت) مبتدأ ثان؛ و (الضاربي) مبتدأ ثالث؛ لأنه غير (أنت) إذ الألف واللام لـ (أنا)، والعائد على الألف واللام الياء في (الضاربي)؛ لأنها (أنا) في المعنى، و (أنت) فاعل بـ (الضاربي) أبرزته لما جرى على غير من هو له؛ إذ الألف واللام لـ (أنا)، والفعل لـ (أنت)، و (أنا) خبر (الضاربي)، و (الضاربي) وخبره خبر (أنت) و (أنت) وخبره خبر (أنا).
والوجه الثاني: أن تكون الألف واللام والفعل لـ (أنت) فـ (أنا) على هذا مبتدأـ و (أنت) مبتدأ ثان، و (الضاربي) خبر أنت.
ولا يبرز الضمير فيه لأنه جرة على من هو له، ويكون الكلام قد تم عند قوله: (الضاربي)، [ويكون] أنت أنا على طريق المطابقة للأول، ليكون آخر الكلام دالا وجاريا على أوله.
ألا تراه قال في أول الكلام: (أنا أنت)؟ ولهذا قال في آخره: (أنت أنا)،

أي: كيف أشكو ما حل بي منك وأنا أنت، وأنت أنا؛ فإذا شكوتك فكأنما أشكو نفسي.
قال: ولو جعلت الألف واللام والفعل في هذه المسألة لـ (أنا) لقلت: أنا أنت الضاربك أنا، فـ (أنا) مبتدأ، و (أنت) مبتدأ ثان، و (الضاربك) مبتدأ ثالث، لأنه غير (أنت)، وفيه ضمير يعود على الألف واللام التي هي (أنا) في المعنى، ولم يبرز الضمير الذي في (الضاربك)، و (الضاربك) وخبره خبر (أنت)، و (أنت) وخبره خبر (أنا).
هذا ما لغني من كلامه في هذه المسألة.
ومنها: ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانا [152/آ] (دار) مبتدأ، و (بالمدينة) خبره مقدم عليه، و (غير) صفة له- أعني للمبتدأ- و (دار الخليفة) بدل منه، و (دار مروانا) بدل من (دار الخليفة).
ويجوز رفع (دار الخليفة) على أنه خبر مبتدإ محذوف والتقدير: (هي دار الخليفة)، وتجعل (دار مروان) بدلا منها.

جارٍ التحميل