هو لك، بهذا-والله- فت الناس.
فقد ثبت من هذه الحكاية أن قولهم: ليس الطيب إلا المسك، بالرفع، معروف في كلام العرب؛ فلا يصح إذًا أن يكون كلام سيبويه إلا بزيادة (يكاد)، وذلك أنه إذا قال الإنسان لا يكاد يوجد في كلام العرب فعل وفيه الألف واللام كان [كلامه صحيحًا، فإن قال: لا يوجد في كلام العرب فعل وفيه الألف واللام كان] قوله غير صحيح؛ لوجود الفعل وفيه لام التعريف، فيما حكاه أبو زيد، وأنشد:
يقول الخنا، وأبغض العجم ناطقًا.... إلى ربنا صوت الحمار البجدع
ومثله قول الفرزدق:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته.... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجلد
وعلى هذا المنهاج جريت فيما حكيته عن السيرافي، وقلت عند فراغك من حكاية كلام سيبويه، بزعمك: (ثم قال السيرافي: والصحيح أن اسمها شأن وحديث في موضع رفع، والطيب مبتدأ، والمسك خبره.
وقيل له: هذا باطل فإن (إلا) الناقضة خبر، إذ قد جاءت بين المبتدأ والخبر في الجملة الإثباتية.
واعتذر السيرافي بأن قال: إلا أنها، على الجملة، قد تقدمها نفي) فإذا بك فيما حكيته عن السيرافي أيضًا قد مسخت ما نسخت، وغيرت ما عنه عبرت، وذلك أن نص [166/ ب] كلام السيرافي في هذه المسألة هو ذا:
(وقد احتجوا له بشيٍء آخر هو أقوى من الأول، وهو قول بعض العرب: ليس الطيب إلا المسك، قالوا: فلو كان في (ليس) ضمير الأمر والشأن لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمًة بنفسها، ونحن لا نقول: الطيب إلا المسك، وليس الأمر كما ظنوا؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها النفي في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: ما زيد أبوه قائم، فقد نفيت قيام أبيه كما لو قلت: ما [أبو]
زيد قائٌم؛ فعلى هذا يجوز أن تقول: ما زيٌد أبوه إلا قائٌم، كأنك قلت: ما أبو زيد إلا قائٌم) هذا كلام السيرافي رحمه الله.
فأما توجيهك المسألة، على ما صح في زعمك، وهو أن تجعل الطيب اسم ليس، والمسك مبتدأ وخبره محذوٌف تقديره: ليس الطيب إلا المسك أفخره، أو على أن تكون (إلا) بمعنى (غير)، والتقدير: ليس الطيب غير المسك مفضلًا أو مرغوبًا فيه= فشيٌء لم يسبقك إليه أحد، ولم يخطر مثله قبلك ببال بشر، وهو تقديرك الاسم مبتدأ وحذف خبره، وهو أفخره، مع كون اللفظ لا يقتضي هذا الخبر ولا يدل عليه؛ وتقديرك، في الوجه الآخر، (إلا) بمعنى (غير) تشير إلى أنها وما بعدها صفة للطيب، على حد قوله عز وجل:} لو كان فيهما آلهة إلا الله {، أي: غير الله، وجعلك الخبر محذوفًا، وهو (مفضلًا) أو (مرغوبًا فيه)، فيكون المعنى عندك: إن الطيب لا يرغب الناس فيه، وإنما يرغبون في المسك؛ لأن هذا تقدير قولك: ليس الطيب غير المسك مرغوبًا فيه.
وعلى أن سيبويه ذكر في حكايتهم ما أوجب التوقف عما أجازه، من أن الوجه أن يكون في (ليس) إضمار، ولا يكون
حذفًا، فقال بعد أن قدم الوجه في قوله:
. وليس منها شفاء الداء مبذول
وقولهم: ليس خلق الله أشعر منه=: (إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال ليس الطيب إلا المسك، وما كان الطيب إلا المسك).
ووجه توقفه عن أن يحمل (ليس) في لغتهم على ضمير الشأن والقصة [167/ آ] أنه وجدهم يرفعون المسك في (ليس) وينصبونه في (كان)، فيقولون: ما كان الطيب إلا المسك، فلو كان في (ليس) إضمار لوجب أن يكون في (كان) إضمار أيضًا، فكونهم يختصون الرفع بـ (ليس) دون (كان) حتى لا يوجد أحد منهم يرفع المسك في كان، ولا ينصب في ليس= دليل على أن (ليس) هنا حرف لا عمل لها، وبهذا يبطل قولك: إنه لو كان على
إضمار (أفخره) في الوجه الأول أو إضمار (مرغوبًا فيه أو مفضلًا) في الوجه الثاني لوجب مثل ذلك في (كان)، فيقال: ما كان الطيب إلا المسك، على تقدير: إلا المسك أفخره، أو على تقدير: غير المسك مفضلًا أو مرغوبًا فيه.
ولو وجهت -أيها المتعسف- هذه المسألة على ما وجهه النحويون لأرحت واسترحت.
وهو أن تجعل (الطيب) اسم (ليس)، و (إلا المسك) بدل منه، والخبر محذوف، وتقديره: ليس في الدنيا الطيب إلا المسك.
وعلى ذلك حملوا قول الشاعر:
لهفي عليك للهفة من خائف.... يبغي جوارك حين ليس مجير
يريد: حين ليس في الدنيا مجير.
وقد أجاز أبو علي أن تكون اللام في (الطيب) زائدة على حد زيادتها في قولهم: ادخلوا الأول فالأول، فيصير: ليس الطيب إلا المسك، على تأويل: ليس في الوجود طيب إلا المسك، أي: إن كل طيب غير المسك؛ فليس بطيب، على طريق المبالغة في وصف المسك.
وبالجملة؛ فإن هذا القول الذي ذهب إليه النحويون لا يصح بما حكاه سيبويه من قولهم: وما كان الطيب إلا المسك، على ما قدمت ذكره، وليس ذلك لغتين فيقال: إن (ليس الطيب إلا المسك) لغة قوم، و (ما كان الطيب إلا المسك) لغة قوم آخرين، بل القوم الذين يقولون: ليس الطيب إلا المسك، فيرفعون هم القائلون: ما كان الطيب إلا المسك، فينصبون، على ما حكاه سيبويه؛ وبهذا السبب توقف عن حمل (ليس) في لغتهم على أن فيها إضمارًا، وهذه اللغة ليست [167/ ب] هي المشهورة، وليس الشاذ النادر الخارج عن القياس يوجب إبطال الأصول.
ثم قال الراد على أبي نزار: وأنا أكشف خبء هذه المسألة، وأوضح السبب الموجب لما تفرع عنها، فإنها من أشكل مسائل العربية التي اضطربت أقوال النحاة في تحقيقها.
وسبب ذلك تعارض الأدلة وتكافؤها في (ليس): هل هي فعل أو حرف؟ وقد حكي عن أبي بكر بن السراج، على مكانته في هذه الصناعة، أنه قام أربعين سنة يتردد في (ليس): هل هي فعل أو حرف.
والصحيح فيها أنها فعل مشبه بالحروف، بمنزلة (نعم) و (بئس) و (عسى) ونحوها من الأفعال المضارعة للحروف.
فمن الأدلة على أنها فعل:
كونها تتصل بها ضمائر الرفع على حد اتصالها بالأفعال في نحو قولهم: لست، كضربت، ولسنا، كضربنا، ولستم.
كضربتم، وليسوا، كضربوا، ولستن، كضربتن.
وكونها يسكن آخرها عند اتصالها بضمير المتكلم والمخاطب في نحو: لست، ولست، كما تقول ضربت، وضربت.
وكونها يستتر فيها الضمير الغائب كما يستر في الفعل وذلك في مثل قولك: زيد ليس قائمًا، ولا تقول: زيد ما قائمًا، حتى تقول: ما هو قائمًاً.
وكونها تنصب خبرها مقدمًا، ومؤخرًا، وموجبًا، ومنفيًا، ولا يجوز ذلك في (ما).
وكونها تمتنع من أن تكون جوابًا للقسم، لا تقول: والله ليس زيد قائمًا، كما تقول: والله ما زيد قائمًا.
وأما وجه شبهها بالحروف:
فكونها لا تأتي إلا لمعنى في غيرها، كحروف المعاني، ولا تأتي لمعنى في نفسها؛ ألا ترى أنها تنفي الفعل الحاضر كما تنفيه (ما)؟.
وكونها لا تدل على حدث وزمان محصل من صيغتها، ولا تدل على الزمان المحصل الذي قد جرد من الحدث كدلالة الأفعال الناقصة مثل (كان) وأخواتها.
وما حكي أنه قد جاء في الشعر (ليسي) على حد قولهم (ليتي)، وذلك نحو قوله:
قد ذهب القوم الكرام ليسي [168/ آ]
ومثال (ليتي) قول الشاعر:
كمنية جابر إذ قال: ليتي.... أصادفه وأفقد بعض مالي
وإنما قوى كونها فعلًا مضارعًا للحروف أنه قد توجد في كلام العرب أسماء كثيرة مضارعة للحروف، مثل: أين، وأنى، ومتى، وكيف، ونحو ذلك؛ وليست حروفًا على الحقيقة بمشابهتها للحروف.
وكذلك في كلامهم أسماء قد شابهت الفعل في كونها تقع أمرًا ونهيًا، مثل: مناع، ولحاق، ودراك، ونزال، بمعنى: امنع، وأدرك، والحق، وانزل، ولم يوجبوا لذلك أنها أفعال، بل قطعوا على أنها أسماء.
وليس مشابهة الشيء الشيء في معنى من المعاني يوجب أن تجعله نفس الشيء للشبه به.
المسألة الرابعة
قال أبو نزار: قال الله عز وجل:} إن كان رجل يورث كلالة {وقد ذكر، في نصب (كلالة)، أشياء كلها فاسدة.
وخلط ابن قتيبية غاية التخليط.
والذي يقال: إن الكلالة قد فسرت بتركة ليس فيها ولد.
لا جرم أن الإعراب ينطبق على هذل، فإن المعتاد أن الإنسان إنما يدأب ليترك لولده بعد موته، فإذا حضر الموت ولا ولد له ظهر تعبه.
فقوله: (يورث) يقدر بعده: كالا كلالة؛ فإن كلا قد جاء بمعنى تعب، فالمعنى: يورث في حال ظهور كلاله وتعبه.
و (كلال) مصدر (كل)، وقد قال سيبويه إن تاء التأنيث تدخل على المصادر المجردة وذوات الزوائد دخولًا مطردًا، فهي
تدل على المرة الواحدة.
فنصب (كلالة) لأنه مصدر منقلب عن حال، وما أكثر ذلك في كلامهم!!! ومنه: أرسلها العراك.
فقال الراد عليه: يا هذا!! غلطت أولًا في التلاوة بإسقاط الواو من قوله عز وجل:} وإن كان رجل {، ثم قلت: إن العلماء ذكروا في نصب (كلالة) أشياء جميعها عندك فاسد، وإن تخبيط ابن قتيبة فيها على تخبيطهم زائد.
وسأبين صحة أقوال العلماء فيها، وأن الفساد إنما جاء من قلة فهمك لمعانيها [168/ ب]
ومن يك ذا فم مر مريض.... يجد مرًا به الماء الزلالا
اعلم أن الكلالة، فيما نحن بصدده، هي في الأصل مصدر قولك: كل الميت يكل كلالة فهو كل، وذلك إذا لم يرثه ولد ولا والد.
وكذلك أيضًا يقال: رجل كل: إذا لم يكن له ولد ولا والد؛ فهذا أصل الكلالة، أعني كونها حدثًا لا عينًا، ثم يوقعونها على العين، ولا يريدون بها الحدث، كما يفعلون ذلك بغيرها من
المصادر فيقولون: هذا رجل كلالة، أي: كل.
كما يقولون: عدل، أي: عادل.
وعلى هذا الوجه حمل جمهور العلماء وأهل اللغة قول الله عز وجل:} وإن كان رجل يورث كلالة {، فجعلوا الكلالة اسمًا للموروث، ولم يريدوا أنها بمعنى الحدث.
فيكون نصب (كلالة) على هذا، من وجهتين:
أحدهما: أن تكون خبر كان.
والوجه الآخر: أن تكون حالًا من الضمير في (يورث)، على أن تقدر (كان) هي التامة، فيكون التقدير فيه: وإن وقع أو حضر رجل يورث وهو كلالة أي: كل.
وعلى هذين الوجهين -أعني في نصب الكلالة- ذهب أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش.
وأجاز غيره أن تكون الكلالة في الآية على بابها -أعني أن تكون اسمًا للحدث دون العين- فيكون انتصابها أيضًا من وجهين:
أحدهما: أن تكون من المصادر التي وقعت أحوالًا، نحو:
جاء زيد ركضًا، والعامل فيه: يورث، على حد ما تقدم.
وكلالة هنا مصدر في موضع الحال، كما كان قولهم: هو ابن عمي دنية.
والوجه الآخر أن يكون انتصاب (كلالة) في الآية انتصاب المصادر التي لم تقع أحوالًا، ويكون في الكلام حذف مضاف تقديره: يورث وراثة كلالة، وعلى ذلك قولهم: ورثته كلالة؛ وقول الفرزدق:
ورثتم قناة الدين غير كلالة.... عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم [169/ آ]
أي: ورثتموها عن قرب واستحقاق.
فهذه أربعة أوجه من كلام العلماء في نصب الكلالة لا شبهة فيها، ولا إنكار على مستعملها.
وقد أجاز قوم من أهل اللغة أن تكون الكلالة اسمًا للوارث، وهو شاذ.
والحجة فيه ما روي عن الحسن أنه قرأ:} وإن كان رجل يورث، (ويورث)، كلالة {، وإذا صح هذا الوجه جاز
أن يكون انتصابها على ما انتصبت عليه أولًا، وهو أن تكون خبر كان، أو حالًا من الضمير في يورث، إذا جعلت (كان) تامة.
إلا أنه لابد من تقدير حذف مضاف تقديره: وإن كان الميت ذا كلالة؛ وهذا كله واضح بين بعيد من التخليط والإشكال كما زعمت أيها المتشبع المختال، بل عين التخليط المحض، والكلام الذي هو جدير بالنبذ والرفض هو قولك: (إن الكلالة قد فسرت بتركة ليس فيها ولد، وإن المعتاد أن الإنسان إنما يدأب ليترك لولده بعد وفاته فإذا حضر الموت ولا ولد له ظهر تعبه).
ثم ذكرت بعد ذلك أنها من المصادر المنصوبة على الحال، فنقضت كلامك، وأوجبت على سامعك ملامك، وذلك أنك زعمت أن الكلالة قد فسرت بتركة الميت، وهذا مذهب من يجعل الكلالة اسمًا للوارث دون الموروث، فيكون على هذا اسمًا للشخص دون الحدث؛ ثم قلت إنها من المصدر المنصوبة على الحال، وإذا كانت مصدرًا فهي اسم للحدث، فهذا تناقض بين.
وقلت: إن الكلالة مشتقة من كل: إذا تعب، وإن التقدير: يورث ذا كلالة، فغلطت، ووهمت، وفي مهامه الجهالة همت.
فلو كانت الكلالة مصدر كل: إذا تعب، لكان اسم الفاعل منها كالًا أو كليلًا، ولجاز في المصدر أن يقال: كلًا؛ وكلولًا.
والمعروف عند أهل اللغة إنما [169/ ب] هو كل؛ لأنه يقال رجل كل: لا ولد له ولا والد، وقد كل يكل كلالة؛ فلما ألزموا المصدر بالكلالة واسم الفاعل بالكل علم أن الكلالة ليست مصدرًا لـ (كل): إذا تعب.
وأما قولك: (إن المعتاد في الإنسان أنه إنما يدأب ليترك لولده، فإذا حضر الموت وليس له ولد ظهر تعبه) = فهو، بحمد الله، كلام غير محصل، وذلك أنه إذا كان إنما يتعب لولده فينبغي إذا ورث كلالة ألا يكون له تعب؛ إذ لا ولد له!!!.
وأقول أنا أيضًا: إن كلام أبي نزار هذا ضرب من الهذيان؛ فإن الذين يضربون في الأقطار ويركبون الأخطار منهم خلق كثير وجم غفير ليس لهم أولاد، ولا يفكرون في شيء مما أراد.
ولو كان الأمر كما ذكر لرأيت من لا ولد له وادعًا غير متحرك في
جمع مال، ولا ممتطيًا، في ذلك، متون الأهوال.
وقوله: (ظهر تعبه) كلمة سخيفة وعبارة ضعيفة.
ثم نعود إلا كلام الراد عليه.
قال:
وأما قولك: (إن سيبويه قال: إن تاء التأنيث تدخل على المصادر المجردة، وذوات الزيادة دخولًا مطردًا فهي تدل على المرة الواحدة) فهذا منك غلط فاضح، وطريق وهمك فيه بين واضح؛ وذلك أنك بينت أن الكلالة مصدر (كل): إذا تعب، ثم وقع في نفسك أنه لا يجوز أن يكون مصدر كل إلا الكلال، فقلت: لا ينكر دخول الهاء؛ لأن سيبويه قد أجاز دخولها على المصادر، فغلطت في ذلك من جهتين:
إحداهما: أن المرة الواحدة في باب المصادر الثلاثية إنما بابها (الفعلة): نحو ضربته ضربة، وقتلته قتلة؛ وذلك هو المطرد فيها؛ وأن المصدر الذي هو الجنس يختلف إلى أوزان مختلفة، ألا ترى أنك تقول: قعدت قعودًا، وجلست جلوسًا، [فإذا أردت المرة قلت: قعدت قعدة وجلست جلسة] لا يجوز غير ذلك؛ لا تقول: جلست جلوسة، ولا: [170/ آ]
قعدت قعودة، ولو كانت الكلالة يراد بها المرة الواحدة لم يجز هنا إلا الكلة.
والجهة الأخرى من غلطك هو جهلك بكون الكلالة جنسًا لا واحدًا من جنس يراد بها المرة؛ وذلك قول الأعشى:
فآليت لا أرثي لها من كلالة.... ولا من حفى حتى تزور محمدًا
إلا ترى أن الكلالة هنا بمعنى الكلال، وليس يراد بها المرة الواحدة؟.
وأما قولك: (إن كلالة مصدر منقلب عن حال) فكلام بين الاضطراب مبني على غير الصواب؛ إذا المصدر إذا صار حالًا فإنما يقال: انقلب إليها لا انقلب عنها؛ لأنه منتقل عن انتصابه على أنه مفعول مطلق إلى انتصابه على أنه حال.
المسألة الخامسة
قال أبو نزار: قال سيبويه: لو بنيت من (شوى) مثل (عصفور) لقلت: (شووي).
ووجه مذهبه أن الأصل: (شويوي)، لا خلاف فيه، فهو يقلب الياء الأولى واوًا، كما يفعل في (رحى) فإنه (رحوي)، ثم يفتح الواو قبلها، وما قبلها واوًا إلا معتزمًا كسرها، كما في النسب، فلما فعل ذلك انقلبت الواو التي بعدها ياء.
وهذا لا يليق بصنعة البناء، ولا يجوز أن يتظاهر بهذا من له صنعة تامة وقوة في علم التصريف، والذي ذكره سيبويه لا يشهد له أصل، ولا يناسب الصنعة، وإنما هو تحكم منه.
والصحيح أن يقال إن الأصل: (شويوي)، ويجب أن يمضى القياس في قلب الواوين يائين، لاجتماعهما مع اليائين وسبقهما بالسكون، فصار إلى (شيء) فاختزلت حركة الياء
الثانية، وهي الضمة، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ثم حذفت الياء الأخرى، لأنه بقي ساكنان أيضًا، فبقي (شيء) فقلبت الضمة التي على الشين إلى الكسرة، فصارت إلى (شيء)، كما فعلوا في (بيض) جمع (أبيض)، وإنما هو (بيض)، بضم الباء، ثم كسرت الباء لمجاورة الياء.
فإن قيل: فقد أجحفت بالكلمة بهذه الحذوف قلت [170/ ب]: العرب تمضي القياس وإن أفضى إلى حذف معظم الكلمة، وشواهد ذلك كثيرة.
قال الراد عليه: يا هذا!! لقد خضت بحرًا لست من واضه، وركبت جامحًا لست من رواضه.
إنك قلت هذه المسألة عن سيبويه فحرفت وجزفت، وأحلت؛ إذ عليه بخطائك أحلت.
وأنا أنص كلام سيبويه، ثم أظهر بعد ذلك فساد ما ذهبت إليه، وأوجه هذه المسألة على الوجه الصحيح المطرد الجاري على طريق كلام العرب بمشيئة الله وعونه.
أما نص كلام سيبويه فيها فهو: (وتقول في فعلول من (شويت) و (طويت): شووي وطووي، وإنما حدها، وقد قلبوا الواوين: طيي وشيي، ولكنك كرهت الياءات كما كرهتها في (حيي) حين أضفت إلى (حية) فقلت: حيوي).
وهذا كلام قد جمع مع لاختصار البيان، واستغنى عما أوردته في توجيهك، بزعمك، من الهذيان!!.
أمل قولك: (والصحيح في هذا، شويوي، ويجب أن يمضى في القياس في قلب الواوين ياءين، فيصير: شيي، ثم تختزل حركة الياء الثانية، وهي الضمة، ثم تحذف لالتقاء الساكنين، ثم تحذف الياء الأخرى لالتقاء الساكنين، فيصير إلى: شي، ثم تكسر الشين فيصير إلى: شي، كما فعلوا في بيض) = فإنك صرفت في هذا التصريف عن وجه الصواب، وأتيت فيه بما لا يصدر مثله عن ذوي الألباب، ما خلا قولك: (إن الوواين قلبنا ياءين لاجتماعهما مع الياءين وسبقهما بالسكون) وهو قول سيبويه الذي بدأنا به.
ألم تعلم أنه تقرر عند جميع النحويين أن كل اسم كانت فيه ياء أو واو، وسكن ما قبلها، أن حركتها لا تختزل لامًا كانت أو عينًا؟ فمثال اللام قولنا: ظبي، ودلو، وكرسي، وعدو؛ ومثال العين: أبيت، وأعين [171/ آ]، وأدور، وأسوق، وأعينة، وأخونة، ومخيط، ومقول، وربما نقلوا حركة الياء أو الواو إلى الساكن الذي قبلها إذا كان يقبل الحركة، وذلك مثل: معيشة، ومشورة.
ولهذا قياس يذكر في التصريف؛ فيعلم بهذا فساد قولك: "إن حركة الياء اختزلت" مع كون ما قبلها ساكنًا، وقد تقرر أنه إذا سكن ما قبل الياء والواو في هذا النحو صحتا.
وإنما تختزل حركة الياء إذا انكسر ما قبلها في مثل (القاضي)، فإن الياء تكون ساكنة في الرفع والجر؛ لثقل الحركة عليها مع كسر ما قبلها، ولو سكن ما قبلها لصحت.
وكذلك الواو أيضًا تختزل حركتها إذا انضم ما قبلها في مثل "يغزو" والأصل فيها أن تكون متحركة بالضم، إلا أنه كره ذلك فيها لثقل الضمة عليها مع تحرك ما قبلها.
وإذا ثبت فساد هذه المقدمة فسد ما بنيته عليها من الحذوف المجحفة الملبسة التي يمنعها جميع النحاة.
ثم قلت: (العرب تمضي القياس وإن أفضى إلى حذف معظم حروف الكلمة) فليس هذا القول بصحيح على الإطلاق إنما ذلك في مثل الأمر من (وعى) و (وشى)؛ فإنه يرجع إلى حرف واحد، من قبل أن فعل الأمر من كل فعل معتل اللام لابد من حذف لامه؛ وكل واوا وقعت بين ياء وكسرة في مثل (يعد) و (يزن)، فلا بد من حذفها، فالضرورة قادت إلى ذلك.
مع زوال اللبس.
وأما مثل (قاول) (وبايع) وما يجري مجراه فليست فيه ضرورة موجبة للحذف، كوجوبها في الأمر من وعى، ووشى.
ثم قال الراد: اعلموا أن معرفة هذه المسألة إنما تصح بعد معرفة النسب إلى (حية)، فإذا عرف كيف ينسب إليها عرف كيف يبنى من (شوى) [171/ ب] مثل (عصفور).
وذلك أن قياس النسب إلى (حية) يوجب أن يقال فيها على الأصل: (حيي)، فتدخل ياء النسبة المشددة على ياء حية المشددة، فتجتمع أربع ياءات، إلا أن العرب كرهت اجتماع الياءات ففتحوا
الياء الأولى الساكنة، لتنقلب الياء الثانية ألفًا، لكونها قد تحركت وانفتح ما قبلها، فإذا صارت ألفًا على هذه الصورة وهي (حياي) وجب قلب الألف واوًا، لأن ياء النسبة لا يكون ما قبلها إلا مسكورًا، والألف لا تقبل الحركة، وإذا لم يمكن تحريكها وجب أن تقلب إلى حرف يقبل الحركة، وهو الواو، كما فعلوا ذلك في (رحى) و"عصًا"، حين قالوا: (رحوي) و (عصوي)، وإنما لم يقلبوها ياء كراهة اجتماع ثلاث ياءات فقد صار الأصل في (حيوي): (حيي)، ([و (حييي)] و (حياي) ثم (حيوي)؛ فهذا هو الأصل المطرد الجاري في كلام العرب.
وعلى هذا يصح لكم كيف يبنى من (شويت) مثل (عصفور)، وذلك أن حقه إذا جاء على الأصل (شويوي)، ثم يجب قلب الواوين ياءين لاجتماعهما مع الياءين وسبقهما بالسكون، فيصير (شيي) مثل قولك: (حيي)؛ و (حيي) قد وجب فيه تحريك الياء الساكنة بالفتحة، ثم قلب الياء الثانية ألفًا، ثم قلبها واوًا بعد ذلك إلى أن صارت إلى قولنا: (حيوي).
وكذلك في قولهم: (شيي) فتحوا الياء الأولى الساكنة، فلما تحركت عادت إلى أصلها؛ إذ أصلها أن تكون واوًا، لأنها عين الكلمة من (شوى)، وإنما قلبت
ياءً لسكونها فقلت: (شووي)، ثم قلبت الياء الثانية ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت (شواي)، ثم وجب قلب الألف واوًا لمشابهة الياء المشددة التي بعد الألف الياء المشددة التي للنسب.
فلما كانت ياء النسبة تقلب الألف التي قبلها واوًا في مثل " (حوي)، إذا نسبت إلى (رحى)، فكذلك تقلب هذه الياء [172/ آ] المشددة الألف واوًا وإن لم تكن للنسب؛ لأنها صورتها في مثل هذا الموضع؛ فلذلك قلت: شووي، والأصل: (شيي) ثم (شويي)، ثم (شووي) على مساق الأمر في النسب إلى حية.
فهذا الذي عليه جميع فضلاء النحاة ولم نعلم أن أحدًا منهم تعداه إلى سواه.
المسألة السادسة
قال أبو نزار: قد شاع في كلام العرب حمل الشيء على معناه لنوع من الحكمة، وذلك كنير في القرآن العزيز.
ومنه قوله عز اسمه:} لقد أحسن بي ﴿بمعنى: لطف بي، وكذلك قوله عز اسمه:﴾ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها {قال ابن السراج: حمله على المعنى؛ لأن من بطر فقد كره، والمعنى: كرهت معيشتها، وهذا أكثر من أن يحصى، وعليه قول المتنبي:
لو استطعت ركبت الناس كلهم.... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
قالوا: معناه: لو استطعت جعلت الناس بعرانًا فركبتهم إليه؛ لأن في (ركبت) ما يؤدي معنى (جعلت)، وليس في (جعلت)
معنى (ركبت).
فقيل في جوابه: غيرت لفظ التلاوة، ونقلت معنى الكلمة عما وضعت له.
أما لفظ التلاوة فهو:} وقد أحسن بي {.
وأما نقل الكلمة فهو تأؤلك (أحسن بي) على (لطف بي.
وإنما حملك على ذلك أنك وجدت (أحسن) يتعدى بـ (إلى)، فهي مثل قول القائل: قد أحسنت إليه، ولا تقول: أحسنت به.
وجهلت أن الفعل قد يتعدى بعدة من حروف الجر على مقدار المعنى المراد من وقوع الفعل؛ لأن هذه المعاني الكامنة في الفعل، وإنما يثيرها ويظهرها حروف الحر؛ وذلك أنك إذا قلت: خرجت، فأردت أن تبين ابتداء خروجك، قلت: خرجت من الدار فإن أردت أن تبين أن خروجك مقارن لاستعلائك قلت: خرجت على الدابة؛ فإن أردت المجاوزة للمكان قلت: [172/ ب] خرجت عن الدار، وإن أردت الصحبة قلت: خرجت بسلاحي؛ وعلى ذلك قول المتنبي:
أسير إلى إقطاعه في ثيابه.... على طرفه من داره بحسامه
فقد وضح بهذا أنه ليس يلم في كل فعل ألا يتعدى إلا بحرف واحد.
ألا ترى أن (مررت) المشهور فيه أنه يتعدى بالباء نحو: مررت به، وقد يتعدى بـ (إلى) و (على)، فتقول: مررت إليه ومررت عليه؟ وكذلك قوه سبحانه:} وقد أحسن بي ﴿، وذلك أن الباء قد جاءت متصلة بـ (حسن) و (أحسن) فتقول: حسن به ظني، ثم تنقله بالهمزة: أحسنت به الظن؛ وكذلك في الإساءة، فيكون التقدير في الآية: وقد أجسن الصنع بي، ثم حذف المفعول لدلالة المعنى عليه، وحذف المفعول كثير في العربية.
من ذلك قوله سبحانه:﴾ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ﴿يريد: وأمر الناس بالمعروف وانههم عن المنكر وكذلك قوه عز وجل:﴾ ربي الذي يحيي ويميت {أي: يحيي الموتى ويميت الأحياء.
فيصير المعنى في قوله: (أحسن بي) أي: أوقع جميل صنعه بي.
وإذا عديته بـ (إلى) يصير المعنى فيه الإيصال، كأنه قال: أوصل إحسانه إلي، والمعنى متقارب، وإن كان تقدير كل واحد منهما غير تقدير الآخر؛ فليس ينبغي أن يحمل فعل على
معنى فعل آخر إلا عند انقطاع الأسباب الموجبة لبقاء الشيء على أصله، كقوله عز وجل:} فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴿، والشائع في الكلام: يخالفون أمره، فحمل على معنى: يخرجون عن أمره؛ لأن المخالفة خروج عن الطاعة، وكذلك قوله عز وجل:﴾ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له {، والشائع في الكلام: فاستمعوه، وإنما حمل على معنى: أنصتوا.
وأقول: إن حمل (فاستمعوا [173/ آ] له) ههنا على (أنصتوا) لا يحسن، لاسيما وقد قال بعد ذلك: (وأنصتوا)، وإنما المعنى: فاستمعوا له، أي: لما يقول، كما تقول، تكلم زيد فاستمعت له؛ لأن القرآن العزيز المخاطب الآمر الناهي المرشد المحذر.
وقد قيل: إن الهاء في (له) تعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل: معنى (فاستمعوا له) فاعلموا به، كما تقول: قال فما استمعت له، أي: لم أحفل بقوله، ولم ألتفت إليه.
رجع الكلام إلى قول الراد على أبي نزار، قال:
وأما قولك في بيت أبي الطيب: إنه على معنى (جعلت)
فيصير (ركبت) قد تعدى في هذا الموضع إلى مفعولين؛ فهو غلط منك، وإنما غلطك في ذلك أنك رأيت (بعرانًا) اسمًا جامدًا لا يصح نصبه على الحال، وإنما ينصب على الحال عندك ما كان مشتقًا من فعل كـ (ضاحك) (ومسرع) وهذا وهم منك.
وهب أنا سلمنا لك هذا التوجيه الذي وجهت به بيته هذا، فكيف تصنع في بيته الآخر:
بدت قمرًا ومالت خوط بان.... وفاحت عنبرًا ورنت غزالًا
أتراك تجعل هذه المنصوبات كلها مفعولات، وتتصيد في كل فعل من هذه الأفعال معنى يصير به متعديًا إلى مفعول به؟ وكيف تصنع في قولهم: بعت الشاء شاة بدرهم، وبينت له حسابه بابًا بابًا، وكلمته فاه إلى في؛ فهذا الأسماء الجامدة كلها عند النحويين أحوال، ويكون تقدير قوله: "بدت قمرًا": مضيئة كالقمر، و (مالت خوط بان): متثنية، و (فاحت عنبرًا) أي: طيبة النشر كالعنبر، و (رنت غزالًا) أي: مليحة المنظر كالغزال.
ومما يدلك على أنها أحوال دخول واو الحال عليها إذا صارت جملة، كقولك: بدت وهي قمر، ومالت وهي خوط بان.
وكذلك بينت به حسابه بابًا بابًا، المعنى: مبوبًا مفصلًا [173/ ب]، وبعت الشاء شاةً بدرهم أي: مسعرًا، ويكون قول أبي الطيب على ذلك: ركبت الناس بعرانًا، بمعنى: مركوبين بي وحاملين.
وعلى ذلك ما أنشده سيبويه لجرير:
مشق الهواجر لحمهن مع الشرى.... حتى ذهبن كلاكلًا وصدورًا
ويكون الذهاب ههنا بمعنى السير لا بمعنى الفناء.
وذهب أبو العباس وغيره إلى أن (كلاكلًا وصدورًا) نصب على التمييز، ويكون الذهاب بمعنى الفناء، ويكون لهزال قد خص الكلاكل والصدور لا غير، والمعنى الأول هو الصحيح.
ومما يدل على أن "بعرانًا" في بيت أبي الطيب حال لا مفعول ثان للجعل= كونه يجوز إسقاطه، ولو كان مفعولًا ثانيًا لم يجز إسقاطه.
ألا ترى أنه لو قال: ركبت الناس إلى سعيد لم يحتج إلى زيادة، ولو قال: جعلت الناس كلهم إلى سعيد وسكت لم يتم الكلام؛ فهذا مما يشهد بفساد ما ذهبت إليه.
وأيضًا فإن الركوب لم يجيء في كلام العرب بمعنى الجعل، كما جاء الترك في مثل قول الشاعر:
وتركنا لحمًا على وضم.... لو كنت تستبقي على اللحم
فعدى (تركت) لما حمله على معنى (جعلت).
فأما الركوب بمعنى الجعل فليس بموجود في شيء من كلام العرب.
المسألة السابعة
قال أبو نزار: وهذه المسألة سئلت عنها بـ (غزنة) لما دخلتها، فبيَّنت مشكلها للجماعة وأوضحتها، وذلك أنى سئلت عن قول الراجز:
وقول إلا ده فلا دهي
فذكرت أن هذه من باب كلمات نابت عن الفعل فعملت عمله، وبعضها في الأمر، وبعضها في الخبر؛ نحو: صه، ومه، وبله زيدًا، وهيهات بمعنى بعد.
و (ده) في كلام العرب بمعنى صح أو يصح، ألا ترى أن قومًا جاؤوا إلى سطيح الكاهن، وخبؤوا له خبأة، وسألوه فلم يصرح، فقالوا: لا ده، أي: لا يصح ما قلت، فقال لهم: إلا ده فلا ده، حيه بر في إحليل مهر [174/ ا]، فأصاب؛ فكأنه قال: إلا يصح
فلا يصح أبدًا، لكنني أقول في المستقبل ما تشهد له الصحة، وكان كما قال.
إلا أن التنوين الداخل على هذه الكلمة ليس هو على نحو التنوين الداخل على رجٍل وفرٍس، ولكنه تنوين دخل [دلالة] على نوع من تنكير.
فقد دخل في كلامهم التنوين على أنحاٍء، منه: دخوله في القوافي تقييدًا حتى في الأفعال، في:
من طلٍل كالأتحمي أنهجًا
قال الراد عليه:
قولك: (ده) اسم من أسماء الفعل، ليس صحيح على مذهب الجماعة ومن له حذق بهذه الصناعة.
والصحيح في هذه الكلمة أنها اسم فاعل من: دهي يدهى فهو ده وداه، والمصدر منه: الدهاء والداهي؛ فيكون المراد بـ (ده) أنه فطن؛ لأن الدهاء الفطنة وجودة الرأي.
فكأنه قال: إن لا أكن دهيًا، أي فطنًا، فلا أدهى أبدًا.
هذا أصله ثم أجريت هذه اللفظة مثلًا، إلى أن صارت يعبر بها عن كل فعل تغتنم الفرصة في فعله، مثال ذلك أن يقول الإنسان لصاحبه، وقد أمكنت الفرصة في طلب ثأر، إن لا ده فلا ده، أي إن لا تطلب الآن ثأرك فلا تطلبه أبدًا.
وهذا الرجز لـ (رؤبة)، وقبله:
فاليوم قد نهنهني تنهنهني
أول حلم ليس بالمسفه.... وقول إلا ده فلا دهي
ومعناه: إلا تفلح اليوم فمتى تفلح، أي: إن لا تنته اليوم فلا تنتهي أبدًا، فهذا معنى (ده) في هذا المثل.
وأما إعرابه فإنه في موضع نصب على خبر (كان) المحذوفة، تقديره: إن لا أكن داهيًا فلا أدهى.
ونظير ذلك من كلام العرب: مررت برجل صالح إلا صالحًا فطالح، تقديره: إلا يكن صالحًا فهو طالح، ويروي، إلا صالحًا فطالحًا، على تقدير: إلا يكن صالحًا فقد لقيته طالحًا، ونحو [174/ ب] ذلك من التقديرات.
وإنما أسكن الياء، وكان من حقها أن تكون منصوبة، من قبل أن الأمثال تتنزل منزلة المنظوم.
وهذه الياء حسن إسكانها في الشعر، وهو عندهم من الضرورات المستحسنة، كقول الشاعر:
يا دار هند عفت إلا أثافيها
وكقول الآخر
كفى بالنأي من أسماء كاف
فقد ثبت بهذا أن (ده) اسم فاعل لا اسمًا للفعل، وهي معربة لا مبنية، وتنوينها تنوين الصرف لا تنوين التنكير.
ويدلك على أنها ليست من أسماء الأفعال كونها واقعة بعد حرف الشرط؛ ألا ترى أنه لا يحسن: إلا صه فلا صه، و: إلا مه فلا مه، و: إلا هيهات فلا هيهات؟!!
وأما قولك، في آخر المسألة: إن التنوين قد دخل في القوافي تقييدًا في نحو:
من طلل كالأنحمي أنهجًا
فهو غلط قبيح؛ لأن هذا التنوين بدل من ألف الإطلاق.
وإذا صح أن الألف للإطلاق فالتنوين للإطلاق.
ألا ترى أن القوافي المقيدة هي مالم يكن بعد الروي منها حركة ولا حرف؟!.
وقوله: (أنهجًا) الجيم منه حرف الروي وبعدها حركة وحرف، فعلمت بذلك أنه ليس بمقيد، وإذا لم يكن مقيدًا لم يكن إلا مطلقًا، فالنون إذًا حرف الإطلاق.
المسألة الثامنة
قال أبو نزار: أنشدنا شيخي الفصيحي- رحمه الله- للأعشى:
آنس طملًا من جديلة مشـ.... غوفًا بنوه بالسمار غيل
فسأل عن غيل فقلت: قد جاء: ماد بها ساعد غيل، للممتلئ.
ألا ترى إلى قوله:
بيضاء ذات ساعدين غيلين
والسمار: اللبن.
كأنه يقول: إن بني هذا الصائد امتلؤوا من شرب اللبن.
إلا أن الواحد بناه على (فعال) فقدر (غيلا) على
زنة حمار وكتاب، ثم جمعه على غيل [175/ آ]، كما قالوا: حمر وكتب.
فإن قيل: فما سمعنا (غيالًا) قيل: قد أسلفنا أن العرب قد تنطق بجمع لم يأت واحده فهي تقدره وإن لم يسمع.
فأجيب بأن قيل له: قد أتعبت الأسماع بلغطك وغلطك وأزعجت الطباع بخطائك وسقطك.
يا هذا، إن تفسيرك للغيل بأنهم الذين امتلؤوا من شرب اللبن قياسًا على الغيل، وهو الساعة الممتلئ= شيء لم يذهب إليه أحد من أهل اللغة.
وإنما ذهبوا إلى أن الغيل هي أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل.
واسم ذلك اللبن أيضًا (الغيل)، ولم يقل أحد منهم: إن الغيل هو الامتلاء من شرب اللبن.
وإنما فسرت لفظة الغيل في بيت الأعشى على غير هذا، وهو:
إني لعمر الذي حطت مناسمها.... تخدي وسيق إليه الباقر الغيل
على وجهين، أحدهما: أنها الكثيرة، من قولهم: [ماء] غيل، أي كثير.
وقيل: الغيل ههنا السمان، من قولهم: ساعد غيل، أي: سمين.
والغيل، بمعنى الكثير، هو المراد في البيت الأول، لأنه يصف هذا الصائد بالفقر، وكثرة الأولاد، وأنهم ليس لهم غذاء إلا السمار، وهو اللبن الرقيق.
وأما قولك: إن غيلا جمع غيال، واحد لم ينطق به= فمن أفحش غلطاتك، وأفضح سقطاتك.
بل هو جمع غيل، والغيل: الماء الكثير وجمعه: غيل، ونظيره: سَقف وسُقف؛ وكذلك الغيل السمان واحدها غيل أيضًا.
وإنما غلطك في ذلك أن الغالب في (فعل) أن يكون جمعًا لـ (فِعال) أو (فَعال) مثل حمار وحمر، وقذال وقذل، فقضيت أن غيلا جمع غيال.
وأما تفسيرك السمار بأنه اللبن على الإطلاق، فغلط يجوز على مثلك من أهل التحريف.
وإنما صوابه أن تقول: السمار: اللبن الرقيق أو اللبن المخلوط بالماء؛ لأن تسمير اللبن هو خلطه بالماء [175/ ب]، فإن أكثر فيه الماء سموه (المضيح)؛ وعليه