فليس بآتيك منهيها.... ولا قاصر عنك مأمورها
ولا قاصرا، ولا قاصر، وأكثر كتابه على هذه.
وأما قولك: (إن (تعشو) ليس بإتيان) فليس كما قلت؛ لأن العشو هو الإتيان في الوقت الذي ليس بشديد الظلمة.
والإتيان والقصد والعشو كله قصد، إلا أن العشو هو ما خبرنا به.
والدليل على ذلك أنهم [136/آ] لا يقولون للجالس: هو يعشو، ولا للمقيم، إنما يقال للقاصد: هو يعشو في هذا الوقت؛ فقد صار بمنزلة هو يقصد، ويأتي، ويؤم، وما أشبهه.
وليس هذا بأبعد من قوله:
إن على الله أن تبايعا.... تؤخذ كرها وتجيء طائعا
فجعل (تؤخذ) وهو لم يسم فاعله، بدلا من (تبايع) وهو للفاعل، وكذلك (تجيء)، والأخذ والمجيء نوع من المبايعة.
وأما قول: (إن تعشو بمعنى تعاشى) فهذا لا يعرف في كلام العرب، لا يكون فعل بمعنى تفاعل، إنما تفاعل على وجهين:
إما أن يكون من شيئين فصاعدا، نحو: تضاربا وتضاربوا، أو يكون لمن يريك أنه في حال وليس فيها، نحو قولهم: تباله، وليس به بله؛ قال الراجز:
آمنت بالله وكذبت البصر.... إذا تخازرت وما بي من خزر
ولا يكون هذا للواحد إلا أن يأتي مسموعا فيحفظ، نحو قولهم: تناولت، وطارقت النعل، وعايرت الميزان.
وأما أن يكون فعل بمعنى تفاعل، فهذا ليس في اللغة، وقد كان ينبغي أن تحكيه عن قائل إن كنت صادقا.
وأما قولك: (إنه كسر للشعر) فمتى كان الشعر من عملك أو ولج في عقلك، أو انساغ في طبعك، أو أقمت له وزنا، أو عرفت له معنى؟ ولا فرق بينه، عندك، وبين سائر الكلام، وهذا من تعاطيك مالا تحسن، واعتراضك بما لا تتقن، ودخولك فيما يعنيك، وتحققك بما ينافيك.
والمشهور عنك أنك تكسر الشعر الكسر القبيح، فتنقص منه الجزء، تزيد فيه الجزء، وأنت لا تشعر.
ومن البلية أنك لا تدري أنك لا تدري، وإنما سبيلك في هذه الصناعة سبيل الإسكاف الأدرد أو الفيج [136/ب] المقعد، أو الدليل الأكمه والخطيب الأبكم.
وأخبرني الثقة عنك أنه اجتمع معك في مجلس بعض الرؤساء فقرأت أنت بيتا مشهورا في كتاب سيبويه، وجعلت تعجبه من خطأ كاتبه، وكان كتابه:
ثلاث كلهن قتلت عمدا...
فقال لك: فكيف هو؟ فقلت أنت: إنما هو:
ثلاث كلهن قد قتلت عميدا
وأخبرني الثقة أنه أنشد أبياتا- وأنت حاضر- وهي:
أنت إلف الفتون لي.... فاكحلي أو تمرهي
قادني نحوك الهوى.... طائعا غير مكره
قلت للعاذلين فيـ.... يك مقال المدله:
اعذلوا كيف شئتم.... لست عنها بمنتهي
فقال لك: من أي جنس هذا الشعر؟ فقلت: إن شئت جعلتها بيتين كبار، وإن شئت جعلتها أربعة صغار، بهذا اللفظ، فمن كانت هذه منزلته في العلم لم يسعه أن يتكلم فيه.
قال محمد بن بدر: وليس قوله:
متى تأته تعش إلى ضوء ناره....
مكسورا إلا عند مثلك ممن يجهل ولا يعلم إنه يجهل.
بل هو صحيح، وهو من الطويل، وهذا تقطيعه:
متى تأتهي تعش إلى ضوء نارهي
فعولن مفاعيل فعولن مفاعلن
ويسميه العروضيون مكفوفا بسقوط سابعه الساكن.
ومثله قول امرئ القيس:
ألا رب يوم لك منهن صالح.... ولاسيما يوم بدارة جلجل
وقال جابر التغلبي:
ألا تستحي منا ملوك وتتقي.... محارمنا لا يبؤ الدم بالدم
وأنشد سيبويه: (ألا تنتهي عنا).
قال محمد بن بدر: وللعروضيين شواهد في الكف من الشعر لم نأت بها لنريك أنه فاش في أشعار العرب غير منكر.
وأما جوابك الذي أختره في هذه المسألة فقلت: (إن سارا سره حديثك كلامك، والتقدير: إن قولا سارا رجلا ساره [137/آ] حديثك كلامك، فـ (ساره) منصوب لأنه نعت لـ (قول)، و (قول) اسم إن، و (ساره) نعت لرجل [ورجل] منصوب بوقوع (ساره) عليه، و (حديثك) رفع بقولك (ساره) و (كلامك) خبر إن) فهذه المسألة، على هذا الجواب، خطا من وجهين:
أحدهما أنك دخلت فيما أنكرت على خصمك في الهاء التي في (ساره)؛ لأنك قلت: (تعود على ما لا يعرف) ولا يجوز
عندك، زعمت ذلك.
وقولك: إني إنما أضمرت قولا، وليس في اللفظ ما يدل على أن (سارا) تريد به قولا دون غيره.
وقول خصمك: إنه أضمر (شيئا) أصح من قولك؛ لأن شيئا يقع على كل مدرك.
والخطأ الثاني الذي أطلت فيه الغيبة، وأتيت بالخطيئة: أن جعلت اسم (إن) نكرة وخبرها معرفة؛ وهذا لا يجوز في الكلام وقد منع النحويون منه، إلا إن اضطر إليه شاعر، هكذا أثبتوه في كتبهم.
وقد ذكر المبرد فقال: (ولا يصلح: إن منطلقا زيد إلا في شعر، على قبح) واستشهد ببيت القطامي:
قفي قبل التفرق يا ضياعا.... ولا يك موقف منك الوداعا
لأنه لم يجد في الشعر اسم إنك نكرة وخبرها معرفة، وإنما أجازه قياساً.
فإن اعترض علينا معترض، فألزمنا إجازة ذلك، واستدل بقوله عز وجل: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا﴾ = فالجواب عن ذلك أنه إنما يجوز هذا إذا اجتمعت فيه ثلاث خلال: إحداهن: أن يكون الاسم نكرة إذا ذكر دل على مخصوص معين لا يشركه في ذلك الاسم المنكور غيره، فيحل محل اسمه الذي هو علامة له وإن كان لفظه لفظ النكرة.
والأخرى: أن يكون مخرج الكلام التعجب في التفضيل في المعنى المقصود إليه.
والأخرى: لزوم اللام للخبر، وذلك نحو قول القائل: إن امرءا خلقه الله بيده [137/ب]، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته= للكريم عليه، فكأنه قال: إن آدم للكريم على الله؛ وكأنه قال: إن الكعبة للبيت الذي بمكة.
ويجوز أن يكون (الذي)، وإن كانت الألف واللام لا تفارقه أنه، بمنزلة الاسم الذي تكون فيه الألف واللام، فيتكلم به على نية إسقاطهما، نحو قولهم: ما يحسن بالرجل مثلك يفعل كذا وكذا، وإنما هو: ما يحسن برجل مثلك.
وعلى هذا قرأ القراء ﴿ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة﴾ على نية إسقاط الألف واللام من
الواقعة كأنه قال- والله أعلم-: إذا وقعت واقعة خافضة رافعة ليس لوقعتها كاذبة.
وعلى هذا قالوا: هم فيهما الجماء الغفير على نية إسقاط الألف واللام.
وقال الشاعر:
وتفرقوا شيعا فكل جزيرة.... فيها أمير المؤمنين ومنبر
وله أيضا أشباه في اللغة ونظائر.
وفيه انفصالات وأجوبة غير ما ذكرنا، وفيما شرحنا مقنع لمن كان غرضه الإنصاف؛ لموافقة كتاب الله جل وعز، وكلام العرب، وصحة المعنى؛ وبالله حسن التوفيق.
المسألة السادسة
ثم سأل أبو العباس فقال: كيف تقول: هذه ساعة أنا فرح، بغير تنوين؟
فقال أبو جعفر: أقول: هذه ساعة أنا فرح.
فيكون (هذه) موضع رفع بالابتداء، وقولك: (ساعة) خبر، و (أنا فرح) مبتدأ وخبر في موضع جر، وكأنه جرى شيء ثم ذكر الوقت فقلت: هذه ساعة أنا فرح.
ويجوز أن تقول: هذه ساعة أنا فرح، على كلام قد جرى، كأنك قلت: هذه القصة ساعة أنا فرح تريد هذا الأمر ساعة أنا فرح؛ قال الله عز وجل: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ الفعل والفاعل بمنزلة المبتدأ وخبره عند أهل العربية.
قال أبو العباس: سيبويه وغيره يفسدون هذا الجواب ويحيلونه، وذلك أنهم لا يضيفون إلى الابتداء والخبر والفعل
والفاعل إلا ظرفا [138/آ] في معنى المضي، كقولك: جئتك يوم زيد أمير، وجئتك يوم يقوم زيد، وذلك أنه إذا كان ماضيا كان بمعنى (إذا) كقولك: جئتك إذ زيد أمير، وجئتك إذ يقوم زيد.
فإذا كان في معنى الاستقبال لم يضف إلا إلى الفعل، ولا تجوز إضافته إلى المبتدأ والخبر؛ لأنه يكون حينئذ بمعنى (إذا)، كما تقول: أنا آتيك يوم يقوم زيد، مثل: أنا آتيك إذا يقوم زيد؛ لأن (إذا) في معنى الجزاء.
وإنما تضيف الظرف إذا كان في معناها إلى الفعل ولا تضيفه إلى الابتداء والخبر؛ لأن حروف الجزاء لا تقع على الابتداء والخبر.
وهذه المسألة مسطورة لسيبويه، وهذا الاعتلال اعتلاله، وهي منه مأخوذة، وفي كتاب سيبويه: ([يكون] هذا يوم زيد أمير) لا يجوز للعلة التي ذكرناها.
قال أبو جعفر: قوله: (النحويون يفسدون هذا) خطأ، والرد عليه من كلامه.
وذلك أنه إذا كان الظرف في معنى المضي أضيف إلى الفعل والفاعل وإلى الابتداء والخبر، وجوابنا عن المسألة على معنى المضي.
والدليل على هذا قولنا: (على كلام قد جرى)، وقولنا: (كأنك قلت: هذه القصة ساعة أنا فرح) وكذلك سائر
أجوبتنا إنما هي على معنى المضي، والمسألة جائزة من قوله، وهو لا يدري.
وقوله: (هذه المسألة مسطورة لسيبويه) كذب، وليست هذه المسألة في كتاب سيبويه، وهذا ادعاء، وهو كلام مموه؛ قال الله عز وجل: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ فأضاف يوما إلى الابتداء، ففي هذا مقنع، وهذا ما جرى.
قال محمد بن بدر: أما ما ذكرته عن أبي العباس فإنه صحيح لا يدفعه أحد من النحويين البصريين الذي يرجع إليهم في صناعة النحو وأصول اللغة، ولسنا نعترض فيه لأنه منصوص عليه من سيبويه.
وأما قولك منكرا عليه مستدركا لخطائك: (الرد عليه من كلامه، وذلك أنه قال: إذا كان [138/ب] الظرف في معنى المضي أضيف إلى الفعل والفاعل، والابتداء والخبر، وجوابنا عن المسألة على المضي) فلم تفصل فتقول: إذا أردنا المضي كان كذا، وإذا أردنا الاستقبال كان كذا، حتى نص خصمك ما قال أهل العلم فتكلمت به، وهذا لا ينفعك ولا يشهد لك بفهم ما خاطبك به.
وأما قولك: (وقوله: هذه المسألة مسطورة... وهو ادعاء) فما أجمعك لخصال الشر وقلة الخير!! هذه المسألة، على ما قال خصمك، في كتاب سيبويه، وللنحويين على ما ذكر.
قال سيبويه في (باب ما يضاف من الأفعال إلى الأسماء): (وسألته- يعني الخليل- عن الأزمنة: كان ذلك زمن زيد أمير، فقال: لما كانت في معنى (إذا) أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعض [كما يدخلون (إذا) على ما قد عمل بعضه في بعض] ولا يغيرونه، فشبهوا هذا بذلك، ولا يجوز [هذا] في الأزمنة حتى تكون بمنزلة (إذا)، فإن قلت: [يكون] هذا يوم زيد امير كان خطأ؛ حدثنا بذلك يونس عن العرب).
وفي إثر هذا: (جملة هذا الباب أن الزمان إذا كان ماضيا أضيف إلى الفعل، وإلى الابتداء والخبر؛ لأنه في معنى (إذ)، فأضيف إلى ما يضاف إليه (إذ)؛ فإذا كان لما لم يقع لم
يضف إلا إلى الفعل لأنه في معنى (إذا)، و (إذا)، هذه، لا تضاف إلا إلى الأفعال؛ هذا المنصوص في كتاب سيبويه على ما حكاه خصمك.
ثم شتمه بهد هذا شتما أسقط لأنه لا حاجة إلى ذكره.
ثم قال: وأما قولك: قال الله عز وجل: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ فلا أعرف لك فيه معنى إلا أن تكون قدرت على الخليل ويونس وسيبويه وأصحابهم إلى أهل هذا العصر الزلل.
فإن كان هذا هكذا فلسنا ننكر أن يخلق الله عز وجل، في هذا العصر، من هو أفهم من بعض من تقدم، ولكن لا يكون عقله مثل عقلك.
والذي قلته هو على ما قال سيبويه في كتابه، وهو كقول الشاعر:
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني.... عنيت فلم أكسل ولم أبتلد
وقال آخر:
إذا فئة قُدِمت للقتا.... ل فر الفغا وصلينا بها
وليس هذا بأبعد من قوله: [139/آ]
صعدة نابتة في حائر.... أينما الريح تميلها تمل
ولا من قوله:
إن الله يرجعني إلى الغزو لا أرى.... - وإن قل مالي- طالبا ما ورائيا
وبعد هذا ذم وشتم، وهذا آخر الرسالة بعد إسقاط ما فيها من ذلك.
والفغا في قوله (فر الفغا) أصله للبسر الفاسد المغبر.
ذكر طرفٍ من أبيات المعاني
ولسنا نعني بأبيات المعاني ما لم يعلم ما فيه من الغريب.
وإنما يعنون بأبيات المعاني ما أشكل ظاهره وكان باطنه مخالفا لظاهره، وإن لم يكن فيه غريب، أو كان غريبه معلوما.
كما أنشدني شيخي الإمام العالم تاج الدين- رحمه الله-:
وأنثى، وما كانت من الجن أمها.... ولا الإنس، قد لاعبتها ومعي ذهني
فأولجت فيها قدر شبر موفر.... فصاحت، ولا والله ما عرفت تزني
فلما دنت إهراقة الماء أنصتت.... لأعزله عنها وفي النفس أن أثني
يصف البكرة التي يستقى عليها الماء.
ومن أبيات المعاني:
ذر الآكلين الماء يوما فما أرى.... ينالون خيرا بعد أكلهم الماء
هؤلاء كانوا يبيعون الماء؛ فهذا نوع من أبيات المعاني وهو جعل سبب الشيء الشيء ولما كان الماء سبب الأكل- لأنهم يبيعونه ويأكلون ثمنه- جعله مأكولا؛ ومن ذلك قوله:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة.... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
فلو كان على ظاهره لم يكن عظيما؛ فقد كانوا يأكلون الدم؛ ولهذا قيل: (لم يحرم من فصد له).
وإنما أراد أكل
الدية لأنها من أجل الدم فصار الدم مأكولا بهذا المعنى.
ومنه قوله:
بكرت تلومك بعد وهن في الندى.... بسل عليك ملامتي وعتابي [139/ب]
كيف تقول: بكرت بعد وهن، والوهن ساعة من الليل؟ وإنما المراد: عجلت تلومك، يقال: بكرت على فلان عشية، أي سبقت إليه؛ فهذا هو الأصل في (بكر) أنه بمعنى (عجل) في أي وقت كان، ثم كثر استعماله في الغدوات.
ومن أبيات المعاني:
بني رب الجواد فلا تفيلوا.... فما أنتم، فنعذركم لفيل
أراد: يا بني رب الجواد، أي: يا بني ربيعة الفرس، لأن ربيعة الفرس بمعنى صاحب الجواد؛ ويقال: رجل فيل، أي: مخطئ الرأي، والجماعة أفيال، وقد فال رأيه، أي: أخطأ.
ومنها قوله:
قوم إذا حل الكرام بأرضهم.... قلبوا الثياب وأردفوا الأكوارا
كان من شأنهم أن الضال يقلب ثوبه ويردف؛ فوصف قوما في فلاة يضل من سلكها، يعني لصوصا؛ لأنهم يأوون في القفار التي بهذه الصفة فجعلها أرضهم؛ فإذا حل الكرام بها ضلوا.
ومنها:
وما مائل عند الطعان برأسه؟.... وما راكب في الحرب قد مات طائره؟
المائل برأسه: الرمح.
والراكب في الحرب: السهم.
مات طائره: أي: مات الطائر الذي ريش السهم منه.
ومنها:
وسوداء المناسم يمتطيها.... أخو الحاجات ليس لها نظير
على أن الشفار تنال منها.... فأحملها إذا جد المسير
يعني نعلا.
ومنها قول من قال -وقد أخذت عمامته وأعطي مكانها قلنسوة-
بدلت بعد طويلة بقصيرة.... سوداء تبرق كالغراب الواقع
يضع الجناح على الجناح وتارة.... يلقى الرياح بجؤجؤ متواضع [140/آ]
ومنها في عين الإنسان:
وأشباه يرى فيهن ماء.... يطول بهن سير المهتدينا
يكون لهن طول النشر داء.... ولا يبرأن إلا ما طوينا
ومنها:
وما مقبلات مدبرات تشابهت.... مفرقة الأسماء واللون واحد
تصادف في أطوارهن حلاوة.... ومنهن مرات وسخن وبارد؟
يعني الأيام والليالي.
ومنها:
وأسمر أحياه وقد مات حقبة.... حفيف هراجيب مع الفجر رزح
فهب ولم يطو الجفون لرقدة.... وما كاد، لولا جرسها، يتزحزح
إصلاحه أن يقال: (بمزحزح) وأن يقال: (كان).
يعني قرادا مات زمانا من الدهر لغيبة الإبل، فلما أحس بها عاش.
ويقال إن الرعاء السابقين إلى الماء إذا أرادوا القراد يتحرك
علموا أن الإبل قد جاءت.
والهراجيب، جمع هرجاب، وهي النوق التوام المسرعة.
والرزح جمع رازح، وهي التي ألقت نفسها إلى الأرض من التعب.
ويقال زح عن المكان، وزاح: إذا زال عنه؛ والزحزحة من هذا، وهو في الأصل ثنائي ملحق بالرباعي.
ومنها:
عريفجة الحسل استداحت بأرضنا.... فيا لعباد الله للأشر المردي
عريفجة تصغير عرفجة.
والحسل: ولد الضب، جعل هذه العرفجة له؛ لأنه إذا كانت شجيرة قريبة من موضعه استذلها وتقلب عليها وكسر أغصانها، فضرب هذا مثلا لذليل صار بأرضهم عظيما.
يقول: إن هذه العريفجة صارت دوحة، والدوحة أعظم ما يكون من الشجر.
كما قالوا: استنسر البغاث [140/ب] واستأتن الحمار، يضرب لمن ضعف بعد قوة، واستتيست
العنز [140/ب]، يضرب مثلا لمن يعدو طوره، وقد يقال في هذا المعنى أيضا استنوق الجمل.
ومنها في وصف فرس:
وكأنما اشتملت على وهواهه.... زوراء مائلة الجراب بيون
وهوهته: صهيله.
ومائلة الجراب: يعني بئرا.
والجراب: ما حول البئر.
والبيون: التي بان موقف الشاربة عن جرابها لاعوجاجه؛ وهذا كقول الآخر:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة.... أجش هزيم والرماح دوان
وإنما قيل للفرس: أجش، تشبيها لصهيله بجشة صوت
الرحى.
وهزمه: صوته.
وقال آخر:
ويصهل في مثل جوف الطوي.... صهيلا يبين للمعرب
المعرب: العالم بالخيل العراب؛ فإذا سمع صوت هذا الفرس علم أنه عتيق.
وقال آخر:
يشنفن للنظر البعيد كأنما.... إرنانها ببوائن الأشطان
يقال: شنف يشنف شنفا: إذا أحد النظر.
وشنفت الرجل شنفا: إذا أبغضته.
ولا يكون هذا الصهيل الذي كأنه في بئر إلا في الخيل العراب.
ومنها:
يفد بأميه سراح وينتحي.... على مزدهى يهفو وليس بطائر
إذا ما رأى ملسا ضواحي جلده.... يقول جزاء من حليب وحازر
سراح: اسم فرسه.
يفديها بأميه: يريد أمه وخالته؛ لأنها نجته حين هرب على ظهرها.
وينتحي: يعتمد على مزدهى ازدهار الخوف يعني قلبه.
يهفو: يهم بالطيران، يقال: هفا الطاشر: إذا هم بذلك ولم يطر.
وإذا رأى ضواحي جلده: ما برز منه.
ملسا: سليمة من الجراحة؛ سميت ضواحي لأنها تبرز للشمس وذلك نحو الصدر والكاهل [141/آ].
جزاء من حليب وحازر: أي من لبن سقيتك إياه، يقول ذلك لفرسه، كما قال الآخر:
أهان لها الطعام وأنقذته
غداة الروع إذ أزمت أزام
وكقول الآخر:
على ربذ التقريب يفديه خاله
وخالته لما نجا وهو أملس
فنحن لام البيض وهو لأمه
لئن قاظ لم يصحبنه تتكدس
يقول: نجا على فرس ربذ التقريب، فلسنا لأمنا أي فنحن نعام وهو إنسان إن لم تصحبنه الخيل أن تقيظ.
والتكدس: مشي
الفرس وكأنه مثقل؛ قالت الخنساء:
وخيل تكدس مشي الوعو.... ل نازلت بالسيف أبطالها
ومنها:
بذلوا ذخائر تبع ومحرق.... وتسوموا بعظام عبد مدان
ونعوا أبا وهب وقال عبيدهم:.... اليوم تبرد غلة الصديان
أراد بالذخائر والدروع والسيوف؛ لأنها ذخائر الملوك.
وتبع: ملك اليمن، حميري.
ومحرق: من ملوك الحيرة، لخمي.
ولما انتسبوا إلى عبد المدان عرفوا بذلك فصار كالسيماء وهي العلامة التي تعرف بها الأبطال.
ومنها:
أمنت مراصد عامر ونباله.... عون الشربة حيث حان ورودها
صبت عليه ضئيلة لم يدر من.... أنى يدافعها وكيف يذودها
عامر: صائد لدغته حية فمات؛ فأمنت الوحش نبله ومراصده.
والشربة: الموضع الذي كان يصيد به، وهو اسم له.
والأفعى إذا طالت [141/ب] حياتها صغر جسمها، فهذا معنى (ضئيلة).
ومنها:
عالم بالذي يريد نقي الصـ.... ـدر عف على جثاه نحور
الجثا: قبور آبائه، ينحر عليها دائما.
وهذا معنى قول حسان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم.... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يَسْقُونَ من ورد البريص عليهم.... بردى يصفق بالرحيق السلسل
ومنها:
فأوردها التقريب والشد منهلا.... قطاة معيد كرة الورد عاطف
أراد: إن هذا المنهل لعبده إذا وردته القطا وصدرت عنه رجعت إليه من الطريق لقلة الماء في حواصلها؛ وذلك لبعده.
ورواية الأصمعي: (التقريب والشد) بالنصب.
ومنها:
فلولا طول عنقي سدت قومي.... ولكن طال عنقي فاستمالا
طول عنقه: استشرافه على بيوت الناس لينظر إلى نسائهم، وكان زانيا.
ومنها:
سباهية تخال الشمس أما.... وتحسب أن والدها ثمير
ترد على الحصى طرفا كليلا.... وناظره بما تهوى بصير
السباهية: المعجب.
يقول: إن هذه لعجبها تحسب الشمس أمها والقمر أباها والثمير: القمر، وابن ثمير: الليل المقمر.
وبنت ثمير: الليلة القمراء.
هي من الحياء ترمي ببصرها إلى الأرض، وتنظر بطرف كأنه كليل، وليس بذلك بل هي عالمة بما تريد.
ومنها:
نزلنا بورقاء بن عوف جماعة.... وليس لنا جار سواه بمنبج
وقد خصرت أطرافنا فكأنما.... تجللها مما بها شوك عوسج
فبتنا لديه وادعين بلذة.... وألبسنا قطفا له لم تنسج
كسونا بها الأطراف خملا فأدفأت.... وبتنا بليل المرزبان المتوج
القطف التي لم تنسج أراد بها النار.
منها: [142/آ]
وإن التي ضمت أخلة بيته.... عليها لأم العاويات الفلاحس
فنافس أبا المغراء فيها ابن زارع.... على أنه فيها لغير منافس
يقول: إن التي ضرب عليها خباؤه لهي أم الكلاب العاويات، ويقال للكلب: فلحس.
و (أبا المغراء) منصوب على النداء.
و (ابن زارع) بدل منه، أو عطف بيان، ثم التفت عن المخاطبة إلى الغيبة، فقال: (على أنه فيها لغير منافس).
ومنها:
ألم يك في كف ابن ظبية زاجر.... لعادية الثاوي أبوه بغضورا
وإن القساسي الذي فت ضرسه.... وشاخس فوديه لعند ابن أحمرا
كان ابن أحمر- وهو ابن ظبية- قتل أبا هادية بغضور؛ فالمعنى: ألم يك في كف ابن ظبية الذي قتل أباك يا هادية بغضور زاجر لك وناه؟.
والقساسي: السيف.
وقساس: جبل فيه معدن تعمل منه السيوف الماضية.
ومن ههنا أخذ أبو الطيب قوله:
فإن الحسام الصقيل الذي.... قتلتم به في يد القاتل
ومنها- وهو لأبي العرندس العوذي، من بني عوذ، بفتح العين، ابن سود-:
أقول لذي البوائق من لكيز.... أليل مد فوقك أم صباح
فلو تحت الكواكب حيث تسري.... لما علقت بثوبك الملاحي
أقوى في هذا الشعر وإصلاحه: أفي ليل فعالك أم صباح.
والبوائق: الدواهي؛ أي أقول لصاحب الدواهي أي: الذي يرتكبها: أليل تفعلها فيه أم نهار؟ أي: إن هذه البوائق التي تركبها بالنهار ظاهرة للناس ولا تكترث [142/ب]، إنما عملك هذا عمل من لا يدري أنه في نهار، فلو أن الكواكب سرت حيث سريت- لأنه الكواكب في ظاهر الأمر الذي يعتقدونه لا تسري بالنهار- فلو كانت تسري حيث تسري أنت لما لحيت، أي: لو فعلت هذا حيث تسري الكواكب، أي: لو فعلته بليل لما أصابك لوم؛ لاستتارك.
ومنها:
كأن ذات العرش لما بدت.... مقصورة بيضاء في مجسد
ذات العرش: الثريا.
والمقصور: من قوله عز وجل: ﴿حور مقصورات﴾.
شبهها بامرأة مقصورة في ثوب أحمر وهو المجسد، لأنها من أجل الجدب طلعت في حمرة الأفق.
ومنها:
ولهم قباب كالهضاب شوامخ.... شدوا بكل مطهم أبوابها
شدوا، أي: ربطوا خيلهم على أبوابها.
والمطهم: الفرس التام الجمال.
والمطهم من كل شيء كذلك.
ومنها:
وإذا تعذرت السواعد والتوت.... جال المفدى وسطها المضبوح
أغلى به رخو الإزار معدل.... فبدا يمار له دم مسفوح
السواعد: مجاري اللبن في الضرع.
يقول: إذا تعذر اللبن جال المفدى، يعني القدح.
والمضبوح: الذي به ضبح، وهو أثر النار لأنه يقوم بالنار.
أغلى به من الغلاء، أي: أخذ به، أي بالقدح، سهاما كثيرة لكثرة فوزه؛ ولذلك سمي المفدى لما يتكرر له من الفوز.
معذل، أي يعذل كثيرا على الإنفاق.
فبدا، يعني القدح، يمار له دم الناقة التي قامر عليها.
وهكذا كقول لبيد:
وجزور أيسار دعوت إلى الندى.... بمغالق متشابه أجسامها [143/أ]
وقول الأعشى:
وجزور أيسار جررت إلى الندى.... ونياط مقفرة أخاف ضلالها
وكان الميسر من مفاخرهم؛ لأنهم كانوا يفعلونه في أيام الشدة وعدم اللبن، وأيام الشتاء، يجتمع الفتيان منهم وذوو اليسار ويشترون جزورا أيما بلغت، ويدعون الجازر ويسمونه (القدار)
فينحر ويجعلها عشرة أجزاء.
وقوله: (بمغالق) يعني القداح، واحدها: مغلق.
وقوله: (متشابه أجسامها) يريد أنها جعلت على قدر واحد.
فإذا قسمت الجزور على ما تقدم حضر الأيسار، وواحدهم يسر، وجيء بالقداح، وهي عيدان من نبع قد نحتت وملست وجعلت سواء في الطول.
وقد نظمت أسماءها فقلت:
يلي الفذ منها توأم ثم بعده.... رقيب وحلس بعده ثم نافس
ومسلبها ثم المعلى فهذه السـ........ ـهام التي دارت عليها المجالس
فللأول- وهو الفذ- سهم إن فاز، وفوزه خروجه، وعليه غرم سهم إن خاب، أي لم يخرج.
وكذلك باقيها على الترتيب فيما له وعليه إلى المعلى وهو السابع له سبعة وعليه سبعة، ويفرض في كل سهم منها بحسب ماله، وعليه حز.
وتكثر هذه السهام بثلاثة أخر أغفال ليس فيها حزوز، ولا لها علامات؛ ليكون ذلك أنفى للتهمة، وأبعد من المحاباة وهي:
(المنيح) و (السفيح) و (الوغد).
فإذا أحضرت القداح، وحضر الأيسار أخذ كل منهم من القداح على قدره وقدرته وطاقته ورئاسته.
فمنهم من لا يبلغ حاله أكثر من الفذ فأخذه له؛ فإن خاب غرم سهما ورأى ذلك سهلا؛ وإن فاز أخذ سهما ورأى ذلك كافيا [143/ب].
ومنهم من يأخذ المعلى ولا يبالي بما يغرم إن خاب، وينال النصيب الأوفر إن فاز.
ومنهم من يأخذ المعلى وسهما أخر إن لم يحضر من يتمم السهام، فيأخذ ما فضل من القداح، ويقول للأيسار: قد تممتكم؛ وفي ذلك يقول متمم بن نويرة في أخيه مالك:
إذا حضر القوم القداح وأودقت.... لهم نار أيسار كفا من تضجعا
يقول: من تضجع من الفتيان ولم يأخذ ما بقي أخذ هو ما بقي حتى يتممهم.
وقال الغنوي:
إذا شهد الأيسار أو غاب بعضهم.... كفى الحي وضاح الجبين أريب وإنما سميت هذه القداح (مغالق)؛ لأنها تغلق الرهن إذا ضربوا بها.
و
التجزئة التي يقسمها القدار
: أن يجعل الكتفين جزأين كل واحد جزء، والصدر جزء وهو الزور، والعضدان جزءان ويقال لهما: ابنا ملاط، والكاهل جزء، وهو ابن مخدش، والملحاء وهو ما بين السنام إلى العجز جزء، والعجز جزء، والفخذان كل واحد منهما جزء؛ ويرد على الفخذين خزرات العنق والطفاطف.
ثم يقسم على الأجزاء العشرة ما فضل من الجنبين والسنام والكبد ومن قطع اللحم حتى تستوي، فإذا استوت الأجزاء العشرة كلها بقي العظم الذي لا يصلح أن يكون على واحد من الأجزاء؛ فإن شاء الجزار أخذه، وإلا كان لأهل الفاقة والفقر من العشيرة، ولا يأخذه أحد من الأيسار؛ لأن ذلك عندهم عيب وعار، ويسمى
ذلك العظم (الريم).
وأظن قول الشاعر:
إذا مت فاعتادي القبور فسلمي.... على الريم أسقيت السحاب الغواديا
مأخوذا من ذلك.
وقد زعم أبو العلاء أن (الريم) في هذا البيت القبر؛ والذي ذكرته أولى.
[144/آ].
ثم يبقى الرأس والقوائم ويأخذها الجزار في أجرته وتسمى (الجزارة)، ثم اتسعوا في ذلك فسموا الرأس والقوائم جزارة؛ قال ذو الرمة:
شخت الجزارة مثل البيت سائرة.... من المسوح خدب شوقب خشب
فإذا أخذ كل واحد من الأيسار قدحه دفع جميعها إلى رجل ويسمونه (الحرضة)، ومن شأنه المعروف له أنه لم يأكل قط لحماً
بثمن، إنما يأكله عند غيره، أو يهدي له الأيسار.
وكانوا أكثر ما يجتمعون على الميسر بالليل، ويوقدون نارا لذلك، ثم يؤخذ ثوب شديد البياض، فيلف على يد الحرضة، ويسمى ذلك الثوب (المجول)، وإنما يجعل ذلك الثوب على يده ليغشي بصره، فلا يعرف قدح زيد دون عمرو، وهذا بعد أن يلف كفه بقطعة من جرا لئلا يجد مس قدح يكون له مع صاحبه محاباة.
فإذا أخذ القداح لم ينظر إليها، ويجلس خلفه آخر، ويسمى (الرقيب) ثم يجلس الأيسار حوله دائرين به.
ثم يفيض بالقداح، فإذا نشز، أي ارتفع، منها قدح استله الحرضة من غير أن ينظر إليه، ثم ناوله الرقيب، فينظر الرقيب لمن هو فيدفعه إلى صاحبه، فيأخذ من أجزاء الجزور على قدر نصيب القدح منها؛ وذلك هو الفوز.
فإن شاء بعد ذلك أمسك وإن شاء أعاد السهم على خطار آخر، ويمسى ذلك (التثنية)، وهو مراد النابغة في قوله:
أني أتمم أيساري وأمنحهم.... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما