وأما قولي: (مررت برجل أسهل خد غلامه أشد سواد طرته) فأسهل مرفوع بالابتداء، وخد غلامه خبرة، والجملة في موضع جر، وكذلك الجملة [125/ب] الثانية؛ كما تقول: مررت برجل أسود غلاه أحمر أبوه.
وهذا أشهر من أن يحتاج إلى أن يستشهد له.
ونظيره قوله عز وجل: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم﴾، على هذه قراءة من قرأ بالرفع، وهو أحسن، وكذلك الرفع في المسألة أحسن، وكذا كل ما لم يكن جاريا على الفعل فهذا حكمه.
وأما قولي: مررت برجل أسهل خذ غلامه أشد سواد طرته، فعلى أن أجعل (أسهل) نعتا لـ (رجل)، وأجعله بمعنى (يسهل) فأرفع خد بأسهل، وكذلك الجملة الثانية؛ كما تقول: مررت برجل أحمر أبوه، والرفع أجود، وإنما جاز أن نجريه على الأول لأنه بمعنى ما هو جار على الفعل، ونظيره القراءة ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾.
وأما قولك: إني زدت في المسألة ألفا ولاما وهاء، فقد بينا لم زدنا الألف واللام على مذهب سيبويه وقد ذكرناه.
قال محمد بن بدر النحوي: ذكر أن سيبويه قال: (وكينونة الألف واللام في الاسم الآخر أكثر وأحسن)، ثم جعله في غير موضعه.
وإنما الذي ينبغي أن لو جعلها في موضعها- لو كان من أهل العلم- لعرف الموضع الذي تجعل الألف واللام في الآخر منه دون مالا تجعلان فيه.
قال سيبويه: (وتقول فيما لا يقع إلا منونا عاملا في نكرة، وإما وقع منونا لأنه فصل بين العامل والمعمول، فالفصل لازم له أبدا: مضمرا أو مظهرا، وذلك قولك: هو خير منك أبا، وأحسن منك وجها... وإن شئت: هو خير عملا، وأنت تريد منك) فالفصل الذي قال: هو لازم أبدا في الإضمار والإظهار هو (من)، وأكده بأن قال: (ولا يعمل إلا في نكرة؛ لأنه لم يقو قوة الصفة المشبهة)، هذا نظير كلامه؛ وأين حكايتك عنه: (إن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر أحسن وأكثر من أن لا يكونا فيه)، وقد قال: إنه لا يعمل إلا في نكرة، والنكرة سواء كانت مفردة أو مضافة؛ لأنا نقول: هذه عشرون مثقالا، وعشرون مثقال مسك،
فلا يتغير عن أن يكون تمييزا.
فقولك (أسهل) كقولك (أحسن)، [126،آ] وقولك (وجها) كقولك (خد غلام) كما كان (عشرون مثقالا)، و (مثقال مسك) سواء.
والصفة المشبهة بالفاعل هي الأوصاف التي تكون خصالا، أو ألوانا، أو خلقا في الموصوفين، ولا تكون أعمالا لهم، نحو: كريم وكريمة، ولئيم ولئيمة، وأحمر وحمراء، وأعرج وعرجاء.
والفاعل الذي هذا مشبه به نحو: ضارب وقاتل، ومكرم، ومستمع؛ والأول غير عمل يعمله الموصوف، ولا يقع باختياره، والثاني عمل يعمله الموصوف ويقع باختياره.
والشبه الذي بينهما في اللفظ أن تقول: مررت برجل حسن الوجه، فيكون كقولك: مررت برجل ضارب زيد؛ ومررت برجل حسن الوجه، فيكون كقولك: مررت برجل ضارب زيدا؛ وكذلك: مررت بامرأة حسنة الوجه، كقولك مررت بامرأة ضاربة زيد، وحسنة الوجه، كقولك ضاربة زيدا، وكذلك: مررت برجل أحمر الوجه، وبامرأة حمراء الوجه، وما أشبهه.
وكذلك: مررت برجل حسن وجهه، كقولك: مررت برجل قائم أبوه؛ فهذه الصفة التي قال سيبويه: (وكينونة الألف واللام في الثاني أحسن وأجود)، إلا أن هذه الصفة لا تعمل إلا فيما كان منها أو من سببها، واسم الفاعل
يعمل فيما كان من سببه وغيره.
فأما ما كان من الأوصاف على وزن (أفعل) يراد به التفضيل ويلزمه الفصل على ما شرطه سيبويه=فإنه لا يعمل إلا في نكرة، وتنصبها على التمييز، نحو: هذا أحسن منك وجها، وأكثر منك مالا؛ وإن شئت قدمت فقلت: أحسن وجها منك، وأكثر مالا، وإن شئت حذفت الفصل وأنت تريده كما قال، فتقول: أنت خير أبا، تريد (منه)؛ قال الله عز وجل: ﴿هم أحسن أثاثا ورئيا﴾ يريد: منهم، وإن شئت حذفت المعمول فيه وجئت بالفصل، فتقول: زيد أفضل من عمرو، ولا يجوز أن تحذفهما جميعا إلا أن يكون ذلك مشهورا في الخلق [126/ب]، كقولهم: الله أكبر؛ لأنه قد علم أن الأمر كذلك، فكأنه قد نطق بالفصل؛ أو يكون شائعا في أمة، نحو قول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا.... بيتا دعائمه أعر وأطول
وأنا قول من يقول: إن هذا قد يكون بمعنى فاعل أو غيره، فليس عندنا بشيء؛ لأنه لا نجد عليه دليلا.
فإذا أردت إضافة (أفعل) هذا الذي لتفضيل ومعنى التعجب لم تضفه إلا إلى جمع، والألف واللام تكون جنسا للأول، ويكون الأول بعضا للثاني، نحو قولك: زيد أفضل الرجال؛ ولا تكون الإضافة في هذه الأوصاف التي في هذا المعنى إلا على هذا.
ألا ترى أنك لا تقول: زيد أفصل الخيل، ولا فرسك أفضل الناس؛ لأن الناس ليسوا جنسا للفرس، ولا الفرس بعضا لهم، وهكذا جميع هذا.
وقد يجوز أن تحذف الألف واللام وبناء الجمع من الجنس استخفافا، فتقول: زيد أفضل رجل، وأنت تريد: أفضل الرجال، كما قلت هذه مائة درهم،
تريد: من الدراهم، وكل رجل، تريد الرجال.
ولا يشبه (أفعل) الذي يكون بلا فصل أفعل الذي يلزمه الفصل، ولا هو منه في شيء؛ لأن الذي لا يلزمه الفصل يثنى ويجمع ويؤنث ويذكر، والذي يلزمه الفصل لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ تقول: زيد أفضل من عمرو، والزيدان أفضل من عمرو، والزيدون أفضل من عمرو، وهند أفضل من دعد، وما أشبه ذلك
ولـ (أفعل) الذي يلزمه الفصل جوه كثيرة تدل على أنه ليس من (أفعل) الذي لا يلزمه الفصل بشيء، وليس بها خفاء على من اعتبرها أدنى اعتبار.
والذي يدل على تمويهه أن قوله: (ألا ترى أن قولهم: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة أنه لم يتعرف
أسهل ولا أشد) فيحتاج إلى أن يعلم من قاله، فإنه كذب لم يقله أحد.
وقوله: (أما قولي: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة فهو كقولك: مررت برجل أحمر [127/آ] خد الغلام، وما أشبهه، وهو كثير في كلام العرب، وأنشد سيبويه... البيت الذي ذكره، وأن أسفع الخدين بمنزلة أسهل خد الغلام) = محال كله.
أما قوله: (هو مثل مررت برجل أحمر خد الغلام، وهو كثير) فكذب.
وكان ينبغي أن يذكر من ذلك ولو حرفا واحدا.
و (أسهل خد الغلام) لا يقوله أحد لا من العرب، ولا من العجم؛ لما تقدم من الفرق بين أفعل الذي لا يلزمه الفصل، والذي يلزمه وليس (أسفع) مثل (أسهل) لأن (أسفع) إنما الصفة واقعة فيه على الثاني وهو الخدان، والسفعة لهما دون الأول؛ و (أفضل الناس) الصفة هي للأول دون الثاني، والفضل له دون المضاف إليه.
فإذا قلت: (أسهل الخد) فإنما تعني موضعا من الخد، كما تقول: الصدر أجود الدراج، والسرة أطيب الحوت، ووجه أخيك أحسنه.
ولو أردت بـ (أسفع) ما أردت بـ (أسهل) لم يجز؛ لأنك
تقول: مررت برجل أسهل خدا من زيد، ولا تقول: مررت برجل أسفع خدا من زيد.
وإن (أسهل خد الغلام) معرفة، وقد وصفت به النكرة، ويدل على أن (أفعل) الذي يلزمه الفصل يكون معرفة إذا أضفته إلى الألف واللام أنك لا تدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا الأفضل الناس، ولا: هذا الأسهل خد الغلام، وأنت تقول: هذا الأحمر الوجه، والأسفع الخدين.
وأما البيت فإن سيبويه قال في الصفة المشبهة: إنما تنون فتنصب، ويحذف التنوين فتضيف.
ثم قال: (ومما جاء منونا قول زهير:
(أهوى لها...)، فذكر البيت على أن الشاهد (مطرق) لا غير؛ كذا قال أهل العلم.
وأنشد في آخره للعجاج:
محتنك ضخم شؤون الرأس
قوله: (وأما [127/ب] قولي: مررت برجل أسهل خد غلامه أشد سواد طرته، فأسهل مرفوع بالابتداء، وخد غلامه خبره، وكذلك الجملة الثانية) = يدخله الخطأ من وجوه:
أحدهما: أنه رفع أسهل بالابتداء، وهو نكرة، وخد غلامه، الخبر وهو معرفة.
وأن أسهل للمفاضلة لا يجوز أن يحذف منه الفصل والمعمول فيه معا، ولا دليل على ذلك.
وأنه جعل الجملتين وصفا للرجل، والجمل- إذا كانت أوصافا، أو أخبارا، أو أحوالا- يعطف بعضها على بعض، فتقول: مررت برجل قام أبوه وقعد، ولا تقول: قام أبوه قعد.
وأنه إن جعل الهاء في (طرته) للرجل أحال.
إنما المراد أن الغلام هو الأسهل الخد الأسود الطرة ليس الرجل.
وإن جعلها للغلام أحال؛ لأن الإعراب يصير لحنا ويجوز أن يكون أشد مجرورا ولكن يكون منصوبا كما تقول: هذا رجل أسهد خد غلام أشد سواد طرة، فتجعل أشد منصوبا على الحال، كما قالوا: مررت برجل مقيمة أمه منطلقا أبوها، لا غير.
وقوله: (هذا أشهر من أن يستشهد له) كذب.
قوله: (أما قولي: مررت برجل أسهل خد غلامه أشد سواد طرته) فعلى أن أجعل أسهل نعتا لرجل، بمنزلة سهل فأرفع خد بأسهل، وكذلك الجملة الثانية) قد أحال فيه؛ لأنه لم يأت لأسهل ولا لأشد بالفصل ولا المعمول فيه ورفع به الظاهر، وإنما سبيله أن يرفع المضمر؛ لأن هذا الوصف الذي للمفاضلة لا يرفع إلا المضمر لا غير.
ومثلوه بقولهم: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عينه، و (ما من أيام أحب إلى الله عز وجل فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة).
والكلام على الهاء ههنا كالكلام عليها قبل.
قال أبو جعفر مخاطبا لابن بدر: قلت: قال: فما تقول [128/آ] الآن في المسألة كهيئتها أحق هي وصواب أم خطأ؟!
قلت: الجواب أن المسألة على هيئتها تجوز على بعد، وإنما أجبنا فيها بالأجوبة الأول التي بينها لنأتي بما هو مشهور لا لبس
فيه.
وجوابها على قول من قال: مررت برجل حسن وجه؛ لأنه قد علم أنه لا يريد من الوجوه إلا وجهه، فصار المعني: مررت برجل حسن وجهه، ثم حذفت الهاء وأضفت.
على هذا تقول: مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة، على أن المعنى أنه يراد غلامه وطرته.
قال: هذا لحن، من طريق أنك لو أظهرت هذه الهاء التي أضمرتها لكان الكلام بها محالا.
وذلك أنهم قالوا: لا يجوز: مررت برجل أحسن وجه أبيه؛ لأنك لا تضيفه إلى نفسه.
وبقي جواب هذه المسألة لا يؤت بشيء منه، وكل ما أتي من الكلام فليس مما يتكلم به على هذه المسألة، وهي جائزة على وجه جيد لا زيادة ولا إضمار ولا نقص، من كتاب الله عز وجل؛ وإعراب هذه المسألة: مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة، كما قال الله عز وجل: ﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا﴾ يريد: (أشد الناس كفرا)، وكذلك لو قال قائل: أشد الناس كفر قلوب لكان على هذا جائزا.
وأما إضمار الهاء فإنه محال، على ما بينا من إضافة الشيء إلى نفسه.
قلت: قوله (هذا لحن) لا يلتفت إليه إذ كان تشنيعا.
واعتلاله بأنك لو أظهرت هذه الهاء لكان الكلام بها محالا من أطرف الكلام؛ لأنه لم يبين م أين صار محالا، وقد أجاز سيبويه: مررت برجل حسن وجه، أفتراه إذا قال: مررت برجل حسن وجهه، فأظهر الهاء يكون الكلام محالا؟! وأنشد سيبويه:
لاحق بطن بقرا سمين
وقوله: إنهم قالوا: لا يجوز: مررت برجل (128/ب] أحسن وجه أبيه، لأنك لا تضيفه إلى نفسه) فجاء بما لا يشبه ما جرى، وحكى أنه لا تجوز، واعتل في امتناعها بأنه لا يجوز أن تضيف الشيء إلى نفسه، وهذه علة من لا يدري ما معنى إضافة الشيء إلى نفسه.
ويبين ذلك أنا إنما أضفنا أحسن إلى الوجه، وأضفنا الوجه إلى الأب، وأضفنا الأب إلى الهاء، والهاء عائدة إلى الرجل؛ فما الذي أضفناه إلى نفسه؟!
والمسألة التي جاء بها وقال: (لا تجوز) جائزة، على مذهب
سيبويه.
وذلك أنه يجوز أن تقول: مررت بامرأة حسنة وجهها، وزعم أبو إسحاق أن التقدير: مررت بامرأة حسنة الوجه، ثم جئت بالهاء بدلا من الألف واللام، كما أن الألف واللام تقع بدلا من الهاء في قولك: مررت بحسن الوجه والتقدير: بحسن وجهه.
وأنشدني أبو إسحاق:
أقامت على ربعيهما جارتا صفا.... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
وقوله: (وبقي جواب المسألة لم يؤت بشيء منه) مكابرة وبهت؛ لأني قد جئت فيها بأجوبة.
وأما تشبيهه المسألة بقوله عز وجل: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾
يعني: (أشدُّ الناس كفرا)، فاجتراء على كتاب الله عز وجل، وكلام فيه بغير علم.
وكيف يجوز أن يحذف من المسألة مالا يعرف ويكون معنى كلامه إنه أسهل الناس كلهم خد غلام أشدهم سواد طرة؛ وقد يحتمل أن يراد به وجه بعض الناس فلا يدرى ما حذف، ولا يجوز أن يحذف مالا يعرف.
وأيضا فإنه قد شبه المسألة بقوله: مررت برجل أحسن وجه أبيه فهي على هذا مضافة إلى معرفة فكيف يجوز أن يشبه ما هو مضاف إلى معرفة بما هو مضاف على البيان، والمبين لا يكون إلا نكرة؟.
قال: [129/آ] هذا الذي ألزمتنيه في حذف (الناس) يلزمك في الآية مثله.
وأما قولك: إن هذا لا يشبه الآية من قبل أن البيان في الآية أتى غير مضاف، والبيان في مسألتنا أتى مضافا، فسواء علينا أضفنا البيان إلى نكرة أو لم نضفه؛ لأنه لا يتعرف بالنكرة، فكأنه لم يضف لأنه على كل حال نكرة.
قلت: أما قوله: (هذا الذي ألزمتنيه في حذف الناس يلزمك مثله في الآية) فكيف يلزمني في الآية مثله، وأنا أقول: إن الآية لا
تشبه من المسألة شيئا؟.
وإنما ألزمناه أن لا يحذف إلا ما يعرف.
ألا ترى أنه لا يجوز (زيدا)، وأنت تريد: ضربت زيدا؟ لأن المعنى لا يعرف، وإنما يحذف ما عرف، فكيف يجوز أن يحذف شيء تقع في موضعه أشياء؟ لأنك تقول: أشد الناس، وأشد أصحابه؛ فصار بمنزلة قولك: زيدا، وأنت تريد: ضربت زيدا؛ لأنه لا يعلم ما أضمرت.
قال: هذا كلام مستغنى عن جميعه؛ فالإلزام فيه خطأ.
وذلك أن الحذف من المسألة والآية واحد لا فرق، ولم يرنا الفرق، وإنما قال: الحذف إذا لم يكن دليل فهو خطأ، وهذا- لعمري- كلام صحيح غير أنه ليس بمقابل لمسألتنا، ولا فيه دليل على الفرق بين الآية والمسألة.
فأما قوله: إنك إذا قلت: مررت برجل أسهل خد غلام فإنه قد يمكن أن يكون الحذف ههنا لأشياء، كقولك: (أسهل الناس)، وغير ذلك، فهذا سبيل الآية؛ لأنه قد يمكن أن يكون: الأعراب أشد الناس وأشد الأقوام.
قلت: قد تقدم قولنا: إن الآية لا تشبه من المسألة شيئا،
وهذا الإلزام الذي ألزمنيه من أنه قد يكون التقدير في الآية: (أشد الناس، أو أشد الأقوام) إلزام يدعيه علي ولم أقله؛ لأني لم أقل [129/ب]: المحذوف الناس، فيلزمني هذا.
وليس من لم يدر معنى يجب أن يشبهها بشيء من الكلام.
والذي يوجب معنى الآية- والله أعلم- أن يكون المعنى: الأعراب أشد كفرا من غيرهم، ثم حذف، كما قال عز وجل: ﴿وهو أهون عليه﴾، ومثل قولنا: الله أكبر، أي: من كل شيء؛ هذا قول أكثر أهل اللغة.
فكذا قوله: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾ حذف منه كما حذف مما ذكرنا.
قال: أما قوله: (الأعراب أشد كفرا من غيرهم) فإنها إذا حذفت منها الناس ففيها هذا المعنى بعينه، وليس هذا مما ينقذك من اللحن الذي لحنته في المسألة، ولا بمبطل أن يكون أيضا قد أضمر الناس في هذا الموضع.
قلت: قوله: (إذا حذفنا الناس ففيها هذا المعنى بعينه) تقول؛ لأنا قد بينا أنه لا يجوز أن يحذف إلا ما يعرف.
وقوله: (وليس هذا مما ينقذك من اللحن الذي لحنته في هذه المسألة) بهت؛ لأنا قد بينا الأجوبة في هذه المسألة، وجئنا بنظارها من كتاب الله عز وجل؛ ومن كلام العرب.
قال محمد بن بدر النحوي: أما ما حكيت عن خصمك من قوله: (فما تقول الآن في جواب المسألة على هيئتها) فإنه يدل على أنه قد علم تخليطك عليه.
فنقول: أما قولك: (مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة) فخطأ؛ لجعلك الطرة للرجل.
وأما جواب خصمك حين قال: مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة، فصحيح لما قدمنا.
وأما قولك: (واعتلاله بأنك لو أظهرت الهاء في مررت برجل أحسن وجه أبيه كان الكلام محالا؛ لأنه لم يبين من أين كان الكلام محالا) فلعمري إن الصواب عندك لطريف، ولأنه لا يقول عربي ولا عالم: مررت برجل أحسن وجه أبيه، إذا كان لا يشبه قوله: (جونتا مصطلاهما) وإذا كان لا يجوز أن يقال: مررت برجل أحسن الوجه، للعلة المذكورة عن أهل العلم.
فقولك: (مررت برجل أحسن وجه أبيه) أشد إحالة ولو لم نقف على إحالته بالعلم
لكان في الفطرة محالا.
وقد أنكر كثير من النحويين قوله: (جونتا مصطلاهما) واستبعدوه جدا.
وأما استشهادك على إجازة إضمار الوصف إلى ضمير الموصوف بإجازة سيبويه: مررت برجل حسن وجهه، فأي شيء بين هذا وذاك؟ وهذا مضاف، والمضاف داخل في الأول، وذاك فاعل وهو منفصل منه؛ وإنما قال: لا يضاف الشيء إلى نفسه.
وأين المضاف من الفاعل؟
وأما قولك: (قوله: وذلك أنهم قالوا: لا يجوز مررت برجل أحسن وجه أبيه) فهو كما قال؛ لعلتين: إحداهما ما ذكرناه، وإذا أضيف الوصف أو الخبر إلى مضاف إلى ضمير الموصوف أو المخبر عنه فهو كالمضاف إلى عينه لا فرق بين قول القائل: مررت بكريمه، وكريم أبيه في موضوع اللغة، وكذلك إن كان أبعد من هذا، هذا موضوع اللغة.
والذي تكلمت به، في
الإضافة، دليل عند أهل العلم أنك بمعزل هما هم فيه.
وأما قولك: (وتشبيهه المسألة بقوله عز وجل: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾ فاجتراء على كتاب الله عز وجل، وكلام فيه بغير علم)، فما أقل معرفتك بما المسلمون عليه!! وهل يستشهد أحد بأصدق من كتاب الله عز وجل أو يرجع إلا إليه؟ وقد شبهت كلاما خطأ بكتاب الله عز وجل، وهو قولك: (مررت برجل أسهل خد غلامه أشد سواد طرته) وشبهته بقوله عز وجل: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾ وقد نزه الله عز وجل كتابه عنه.
وأما قولك: وكيف يجوز أن يحذف من المسألة مالا يعرف، ويكون معناه: إنه أسهل الناس كلهم خد غلام وأشدهم سواد طرة) فهكذا كلام العرب، وهكذا قال سيبويه، ولابد من الفصل مضمرا أو مظهرا، وإنما يضمره إذا علم ما هو؛ قال الله عز وجل: ﴿فالله خير حفظا﴾ معناه من حافظ، وقال عز
وجل: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾، أي: من مثلهم.
فإذا أطلق مثل هذا ولم يقيد حمل على كل ما يمكن فيه ما أمكن في الموصوف أو المخبر عنه، فإذا قال [130/ب] القائل: زيد أكثر مالا، فإن علمنا من يعني وإلا فهو على الناس كلهم حين أطلق اللفظ؛ هكذا قولهم: الله أكبر، إنما هو أكبر من كل شيء يمكن أن يسمى كبيرا، من حيوان أو غيره.
ولم يقل أحد: إن هذا غير جائز، ولست أراك تمتنع من أن تقول ذلك.
ولو علم الناس أن من كانت هذه طريقته هادم للشريعة لعفوا أثرك.
وأما قولك: (وكيف يجوز أن يحذف من المسألة مالا يعرف، ويكون معنى كلامه: أسهل الناس كلهم خد غلام، فهذا موضوع كلام العرب إذا تكلموا بمثل هذا: أن يكون الفصل مضمرا واقعا على كل شيء شركه في ذلك المعنى، وذلك أنهم إذا قالوا: زيد أحسن وجها، فإنما يريدون: أحسن من كل من
يوصف بحسن، وهكذا: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾ إنما هو: من كل من يوصف بالكفر؛ هذا إذا أطلق الكلام.
فإذا قيدوه أخرجوه من العموم كقولك: زيد أحسن وجها من عمرو ويقول القائل: الأعراب شر من الأكراد، فلا يكون هذا الكلام دليلا على أنهم شر من غير الأكراد؛ هذا الذي عليه أهل اللغة.
وأما قولك: (إنه لا يجوز أن يحذف إلا ما يعرف) فليس كما قلت؛ لأن العرب تقول: ضربت، وكسوت، وأعطيت وظننت ولا يذكرون المضروب، ولا المعطى ولا العطية، ولا المظنون، وللمحذوفات من الكلام حقيقة ومواضع إدراكك لها عسير بدليل ما أظهرت من بلادتك في رسالتك.
وأما قولك: (والذي يوجب معنى الآية أن يكون الأعراب أشد كفرا من غيرهم، ثم يحذف) فهذا غير المحال في التأويل، والرجوع إلى قول خصمك.
أما الدليل على استحالته فإن كل شيء غير الأعراب من حيوان وغيره.
فإن قلت به آل ذلك إلى أن تقول: أشد كفرا من الحجارة أو من الخشب؛ لأن الحجارة والخشب غير الأعراب، أو تقول: إنما أعني [131/آ] بذلك ما يميز ويكلف فترجع إلى قول خصمك
ضرورة، وقد عيبت الكلام باستشهادك بقوله عز وجل: ﴿وهو أهون عليه﴾ وهذه آية قد كنت عن ذكرها بمعزل لتنازع الناس معناها.
ولولا أنا نريد هداية من أضللته والنصيحة لمن عورته لكان قارئ رسالتك يعلم أنك معدود من أهل العلم.
هذا أخر كلام الجميع في هذه المسألة.
المسألة الخامسة
قال أبو جعفر: كيف تقول: إن سارا ساره حديثك كلامك؟ قال أبو العباس: تقدير هذه المسألة: إن حديثك سار ساره كلامك.
قال أبو جعفر: هذا التقدير خطأ بإجماع النحويين، لأنهم قد أجمعوا أنه لا يفرق بين (إن) واسمها إلا بالظرف، أو ما قام مقامه.
فإن قال قائل: إني أقدم (حديثك) وأجعله يلي (إن) قلت: هذا فرار من المسألة، ومجيء بمسألة أخرى.
وأيضا فإنه لم يقدر في جواب تقدير المسألة فيفهم ما بناه عليه من الجواب
قال: أما قوله: (إن هذا التقدير خطأ) فعلى خلاف ما ذكر، إذ كنا لم نفرق بين (إن) وبين اسمها في حال التقدير، وإنما كان تفريقنا بينهما في حال الإلقاء، والتقدير صواب.
وأما قوله: إن هذا التقدير أيضا خطا، فهذا خطأ، وقد كان يجب أن يبين من أي وجه كان خطأ؛ لأن الفائدة في
الحجة لا في الدعوى.
قلت: قوله: (لم نفرق بين (إن) وبين اسمها في حال التقدير وإنما كان مفرقا في حال الإلقاء) ليس كما قال، ولم يجب عن المسألة بشيء على ما ألقينا، ولم يقل هي صواب ولا خطأ.
وقد كان يجب أن يبين من أي وجه كان خطأ، وقد بيناه بقولنا: إنه لا يفرق بين (إن) وبين اسمها إلا بالظرف أو ما أشبهه.
قال: قد بينا أنا لم نفرق، بل رددنا كل شيء إلى حقه.
قلت: قوله: (بل رددت كل شيء إلى حقه) ادعاء، ولم يقل في المسألة من غير تقديم ولا تأخير شيئا.
قال: قد قلنا: إنها صواب على التقدير الذي قدرناه، وأعربناها على ما تستحق من الأعراب وبقي عليه أن يبين من أين صار تقديرنا خطأ.
قلت: قوله: (قد أعربناها على ما تستحق من الإعراب) ليس كما قال؛ لأنه أجاب عن مسألة أخرى، وجوابه أيضا خطأ؛ لأنه قال: إن حديثك سار سره كلامك، فإذا نصب الحديث بـ (إن) فما معنى قله: سار ساره؟ وما معنى هذا الكلام؟ ونحن نريد
الجواب عن هذه المسألة بلا تقديم ولا تأخير، وهل هي خطأ أم صواب.
قال: ويجوز في هذه: إن سارا ساره حديثك كلامك؛ على أن تجعل سارا اسم النعت، وأقيم النعت مقام المنعوت وتجعل (كلامك) خبر (إن)، كما تقول: إن ضاربا ضاربه زيد عمرو، كأنك قلت: إن رجلا ضاربا يضربه زيد عمرو.
قلت: هذا الجواب خطأ؛ لأنه زعم أنه أقام النعت مقام المنعوت، وإنما التقدير: إن شيئا سارا، فكيف يجوز أن تعود الهاء على مالا يعرف؟ فكلامه هذا لا يحصل منه شيء؛ لأنا لو قلنا: إن شيئا سارا ساره حديثك كلامك لم يكن للكلام معنى، ففي استحالته من أنه لا يعرف معناه كفاية عن أن يرد.
قال: ويجوز فيها أيضا: إن سارا ساره حديثك كلامك، على أن تجعل (ساره) نكرة موصولة، وتكون اسم (إن)، ويكون الكلام بدلا من الحديث ويضمر الخبز، كما قال الأعشى: [132/]
إن محلا وإن مرتحلا............
كأنه قال: إن محلا لنا.
وكذلك أراد في هذا: إن سارا من قصته، ومن شأنه لنا؛ فهذا وجه.
قلت: من أعجب ما في هذا الانتقال من جواب إلى جواب، وترك الثبات على جواب واحد؛ أو القول في أول وهلة: إن هذه المسألة فيها وجوه.
ومن أعجب ذلك قوله: (نكرة موصولة)، وقد عرفنا النحويون الأسماء الموصولة وهي التي لا تتم إلا بصلة، وقد علمنا أن الصلة إنما تكون أشياء معلومة.
قال: ويكون الكلام بدلا من الحديث، كما قال الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره...
فزعم سيبويه أن (تعشو) بدل من (تأته).
قلت: هذا كذب على سيبويه، وكسر للشعر، ولحن في الإعراب؛ لأن سيبويه إنما قال: إن (تعشو) في موضع الحال، ولو كان (تعشو) بدلا لكان: (متى تأته تعش إلى ضوء ناره) فلا يتم الوزن، ولو كان هذا، في كلام، لم يجز؛ قال النحويون: لو قلت: متى تأتنا تكلمنا نكلمك، لم يجز؛ لأن قولك: (تكلمنا) ليس بإتيان فلا يكون بدلا، وكذلك قوله: تعشو، ليس بإتيان؛ لأن معنى تعشو: تفعل ذلك من غير أن يكون بك عشاء.
يقال: عشا يعشو: إذا تعاشي؛ قال عز وجل: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيضا له شيطانا﴾.
قال: الصلة عندنا على نوعين، كما قال الكوفيون: صلة يتم بها الاسم، وصلة يستغنى عنها، وإنما هي زيادة في التبيين، على أن البصريين قد سموها أيضا صلة.
وأما قوله: (متى تأته عشو)، فإن هذا يجوز أن يكون بدلا لو
لم يكن في شعر، فإن أردت ما يتم به [132/ب] الوزن فبقول الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا...
و (تعش) إن جزمته في الكلام صار بدلا؛ لأن الإتيان بمعناه، وإن أردت الحال قلت: (تعشو) كما قال الشاعر يريد: عاشيا.
قلت: أما ادعاؤه أن الأسماء الموصولة تنقسم قسمين فيحتاج إلى أن يبين القسمين.
فإن كان قول أحد من المحققين عرفناه.
وكيف يجوز أن يكون اسم موصول يستغني عن صلة، والصلة في الموصول بمنزلة الدال من زيد، فهل يجوز ان يستغنى عن الدال من زيد؟.
وأما قوله في البيت: إنه يجوز: متى أته تعش، فخطأ لما بينا، ثم تدارك قوله بأن قال: إنه يجوز في الكلام، وقد بينا أنه
لا يجوز في كلام ولا شعر.
قال: هذا كلام فيه تطويل لا ينتفع به، ولكنا نرد منه ما يستحق الرد.
أما قوله: (إن الصلة بمنزلة الدال من زيد، فلذلك لا يجوز حذف الصلة) فإنا قد وجدنا النحويين يقولون: إن المضاف داخل في الاسم، وقد وجدناهم يستغنون عنه، مثل قولنا: هذا غلام زيد، وهذا غلام فاعلم، فجائز أن يكون بعض الموصولات على هذا السبيل في الاستغناء عن صلته والمجيء بها للتبيين.
قلت: أما قوله: (هذا كلام فيه تطويل) فانقطاع لما تبين عليه من الخطأ؛ لأنا لم نزد على الرد عليه فيما قال وتبيين ذلك.
وأما تشبيهه المضاف إليه بالصلة، فلا يشبه المضاف إليه الصلة من هذه الجهة؛ لأن المضاف إليه وإن كان لا ينفصل فإن الأول قائم بنفسه، وليس كذلك الأسماء الموصولة.
وأما معنى احتجاجه بقول النحويين: إن المضاف داخل في المضاف إليه، فهذا لا يشبه من الصلة [133/آ] والموصول شيئا؛ لأن الموصول لا يقوم بنفسه، والمضاف يقوم بنفسه.
قال: أما قوله: (إن الموصول غير قائم بنفسه، والمضاف قائم بنفسه) فقد عرفناه مرة أن الموصول منه ما يقوم بنفسه، ومنه مالا يقوم بنفسه.
وأما قوله: (وكيف بشبه المضاف وهو يقوم بنفسه، والموصول لا يقوم بنفسه)، فإنا لم نقل: إن المضاف أشبه الموصول الذي لا يقوم بنفسه بل أشبه الموصول الذي يقوم بنفسه، وجاز أن تحذف الصلة منه
قلت: قوله: (إنما لم نقل: إن المضاف أشبه الموصول الذي لا يقوم بنفسه) خطأ؛ لأن الموصولات كلها لا تقوم بنفسها ولا تقيد إلا بصلتها.
ولو كانت تقوم بنفسها لما احتجنا إلى الصلة، وهل يخلو قولنا: مررت برجل ظريف، من أن يكون قولنا (ظريف) نعتا، أو صلة فإن كان نعتا فقد ناقضت قولك، وإن كان صلى فقد أخطأت؛ لأن الصلة لا تكون اسما واحدا، وإنما تكون مبتدأ وخبرا، أو فعلا وفاعلا، أو ظرفا، أو شرطا وجوابه، وقولك (ظريف) ليس مما يكون صلة؛ لما ذكرنا.
قال: أما قوله: ماحاجتنا إلى الصلة والاسم يقوم بنفسه؟ فإنما وصلناه زيادة للتبيين.
وأما قوله: إنه لا يخلو النعت عنده من أن يكون صلة، أو
غيره، فإن النحويين قد يمنعون الشيء من طريق التسمية، ولو سمى النعت مسم صلة، في قولك: مررت برجل ظريف، ومررت بزيد الظريف؛ ومررت بزيد الظريف؛ ما عنفته في ذلك.
قلت: قوله: (لو سمى مسم النعت ما عنفته في ذلك) قول لا نعلم أحدا قال به.
وهل يطلق أحد أن تغير الأسماء، وأن يغير ما اصطلح عليه النحويون من المصادر وغير ذلك مما عرف ولا يجوز تغييره!؟.
فكيف يجوز أن يسمى النعت [133/ب] صلة؟ فإن كنت أنت سميته صل احتجنا أن نعرف قولك حتى نحكي عنك؛ لأن التسمية ليست إلينا.
قال: السؤال أحب إلينا من التطويل في هذا الباب إذا كان قد مضى ما فيه كفاية.
قلت: هذا الكلام لا يوجب اعتذارا من اللحن في هذه المسألة.
وجواب هذه المسألة أن تقول: إن سارا ساره حديثك كلامك، والتقدير: إن قولا سارا رجلا ساره حديثك كلامك، فـ (سار) منصوب لأنه نعت لـ (قول)، و (قول) اسم (إن)، وقولك (ساره) نعت لـ (رجل)، و (رجل) منصوب بوقوع (سار) عليه، و (حديثك) مرفوع بقولك (ساره)، و (كلامك) خبر (إن)
قال محمد بن بدر:
هذا نص ما ذكرته عن خصمك، وارتضيته من قولك، وليس فيما عبت عليه شيء ينكره العلماء ولا يعدل عنه الفهماء.
وأما قوله حين قال لك: (تقدير هذه المسألة: (إن حديثك سار ساره كلامك): هذا التقدير خطأ)؛ ثم قلت في آخر هذا الفصل حين انفصل وألزمك ما لم تنفصل عنه مما نصصته ليقف عليه من تأمله: (ولم تجب عن هذه المسألة بشيء على ما ألقيته، ولم تقل هو صواب ولا خطأ) وعلى أي شيء يعمل، أعلى قولك: هذا التقدير خطأ؟ أم على قولك: ولم تجب عن هذه المسألة بشيء؟ وآخر الفصل قولك: (ونحن نريد الجواب عن هذه المسألة بلا تقديم ولا تأخير، وهل هي خطأ أم صواب) = ففيه دليل على أن ما تقدم من كلام خصمك لم ترضه ولم تسخطه لطلبك الجواب.
ثم قلت: فقال: (ويجوز في هذه المسألة: إن سارا ساره حديثك كلامك، على أن تجعل سارا اسم (إن) وتقيم النعت مقام المنعوت، وتجعل (كلامك) خبر (إن)، كما تقول: إن ضارباً
ضاربه زيد عمرو) فأنكرته وهو صحيح [134/آ] بمنزلة قولك: مررت بضارب يكلمه زيد، فهكذا: مررت بسار سره زيد، وساره زيد، على ما قال.
وقد يكون أراد: إن سارا ساره كلامك حديثك فترفع ساره لأنه خبر الابتداء، ويكون الابتداء (كلامك) والجملة وصف لسار، والهاء عائدة على (سار) في الموضعين جميعا؛ كما نقول: مررت برجل كلامك ساره؛ وهذان الوجهان لا يمنعهما أحد من النحويين.
وأما قولك: (فكيف يجوز أن تعود الهاء على مالا يعرف) فهذيان؛ لأنه لم يقل لك: إنها تعود على ما لا يعرف ولا ادعاه، وإنما تأولته عليه قولته إياه.
وهذا كقولهم: مررت بمعجب أخاك، فلا شك أن معجبا عمل عمل الفعل، وأن ثم إضمارا استغني عن إظهاره؛ لأنه جار على صاحبه وصاحبه محذوف، كقول امرئ القيس:
وظل طهاة اللحن من بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجل
فههنا إضمار موصوف قام (منضج) مقامه، وهو كثير في
اللغة، قال لبيد: وكثيرة غرباؤها مجهولة.... ترجى نوافلنا ويرهب ذامها وقال مبشر بن هذيل الشمجي، من شمج فزارة: يتبعها مطرح همات لو مات كان ضائعا مماته وقال آخر: وهبته من سلس نطاقها كأنما ساق غراب ساقها سائلة الأصداع يهفو طاقها
وقال عبد بني الحسحاس:
فلو كنت وردا لونه لعشقنني.... ولكن ربني شانني بسواديا
فالموصوف محذوف في كل هذا، والمضير عائد عليه؛ فإن لم تقل: ثم محذوف خالفت أهل اللغة أجمعين، وإن أقررت به لزمك ما أنكرت من قول خصمك.
ثم قلت: (وأعجب ما في هذا الانتقال من جواب إلى جواب)، وهذا كلام من لا يعرف ما الانتقال في المناظرة.
وإنما قوله: (ويجوز) إخبار [134/ب] عن الوجوه الجائزة في المسألة، لا أنه انتقل إلى مسألة غيرها.
وهذا كقول الرجل: ضرب زيد عمرا، وضرب عمرا زيد، فليس هذا انتقالا، وليس على الخصم أن يجيب بما يشتهيه خصمه وإنما يجيب بما يراه صوابا ويعمله منساغا.
ثم قلت: (وأعجب من ذلك قوله: (نكرة موصولة)، وقد كان عرفنا النحويون الأسماء الموصولة، وهي التي لا تتم إلا بصلة) وليس في تعريفهم الأسماء التي لا تتم إلا بصلة بمانع لنا أن
نصل غيرها، وإنما غرضهم أن يعرفوا الأسماء التي لا نجدها إلا موصولة، وغيرها قد يوصل ولا يوصل.
ثم قلت: (وكيف يجوز أن يكون اسم يستغني عن صلة، والصلة من الموصول كالدال من زيد) وهذا كلام من لا يدري ما معنى الصلة، وكيف استعمالها؟!.
قال محمد بن بدر: أجمع النحويون على أن قولك: (أكل زيد كثير الطعام) لا يجوز؛ لأنه فرق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء؛ فالطعام من (أكل) كالدال من (زيد).
وأجمعوا على أن قوله: (أكل زيد كثير) جائز، فلو كانت كل صلة بمنزلة الدال من زيد لما جاز هذا الكلام ولو تعلمت الصلات لشغلك عن الفكر في مثل هذه الرسالة.
وقد قال النحويون: ضمير متصل ومنفصل، أفتراه من الصلات التي أشرت إليها؟ وقالوا: (ما)، في قوله عز وجل: ﴿فبما رحمة من الله﴾، صلة، وكذلك (لا) أفتظنها من ذلك؟.
وسمى النحويون نعت النكرة صلة فقالوا: الاسم يوصل بالاسم وبالصفة، فالاسم: مررت برجل قائم، والصفة: مررت برجل في الدار؛ وسموا أيضا الحال صلة للفعل.
قال محمد بن بدر: وصفات النكرات، والأخبار، وصلات الأسماء التي لا تتم إلا بها شيء واحد لا فرق بينها.
وذلك أن تقول: مررت برجل في الدار، وزيد في الدار، وهذا الذي في الدار، ومررت برجل يحب الخير، وزيد يحب الخير [135/آ]، ومررت برجل وجهه حسن، وهذه التي وجهها حسن، وزيد وجهه حسن؛ لا فرق بين هذه الأنواع الثلاثة في المعنى.
وقد سوى سيبويه بينهن أيضا في حذف الضمير، مثل قولك: الذي ضربت زيد، تريد: ضربته، وزيد ضربت، تريد: ضربته، وهذا رجل ضربت، تريد: ضربته؛ وأنشد:
قد أصبحت أم الخيار تدعي.... على ذنبا كله لم أصنع
وأنشد:
فما أدري أغيرهم تناء.... وطول العهد أم مال أصابوا؟
يريد: أصابوه.
فالأمر في هذا أوسع مما تحسب، وليس الغرض في العلم إلا إصابة المعنى لا التعلق بالألقاب؛ فإن المعاني ربنا اشتركت والألقاب مختلفة.
ألا تراهم سموا (ما آكل زيدا، وما أضربه) تعجبا؟ وسموا أكولا وأكالا ومفضالا مبالغة، المعنى واحد؛ إلى هذا يذهب سيبويه، واستدل بامتناعهم من التعجب من هذه الأمثلة لأنها بمعناه.
ألا تراهم يفرقون بين نصب الاسم على المدح والذم والترحم، ومخرج الإعمال واحد، والتقدير سواء، والمعاني مختلفة؟!! وهكذا يقولون (الترخيم) في النداء والتصغير والمعنى مختلف، وكذلك (الإضافة) يعنون بها النسب، ويعنون بها إضافة الملك أو الجنس؛ وهذا كله لا معنى للتعلق بالألقاب فيه.
قال محمد بن بدر:
وحكيت عنه- ولست بصادق- أنه حكى عن سيبويه أن قول
الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره....
أن (تعشو) بدل من (تأته) وقلت: (إن هذا كذب على سيبويه وكسر للشعر، ولحن في الإعراب، ولو كان (تعشو) بدلا لكان (تعش) فلا يتم الوزن) وكيف يجوز أن يكذب المسلم ولم يقم على كذبه دليل؟ وإنما يطلق عليه التكذيب من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون نفس الكلام كذبا في عقول السامعين، كرجل حكى عن نفسه، وهو بمصر، أنه كان في غدوة يومه ذلك بخراسان، أو ما أشبه ذلك.
أو [135/ب] يخبر عن رجل بخبر يأتي التواتر عن ذلك الرجل بأنه لم يقله، وكرجل حكى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يصلي الظهر قبل الزوال، أو كنحو ما ادعيت أنت عن ابن قتيبة أنك قرأت كتب أبيه عليه فدفعه وأنكره.
أو يكون قبول ذلك الخبر يبطل أصول من اعتقده للخبر عنه، كرجل حكى عن الأطباء أنهم قالوا: السمك واللبن ينفعان
من الفالج ويزيلان البرص، وأن الكمأة والباذنجان والكبر ينفعن من السوداء.
وليس في ظاهر خبر خصمك ما يدل على كذبه، ولا جاء تواتر، ولا يجوز تواطؤ بخلاف خبره؛ فيحكون عن سيبويه أنه قال ما قلت هذا، اللهم إلا أن تقول: لم يذكره في كتابه، فليس كل ما لم يذكره في كتابه لا يقوله.
وقد عرفنا جوازه في اللغة؛ فليس القائل بأن (تعشو) بدل يناقض أصلا ذهب إليه سيبويه.
ألا ترى أنه ينشد البيت على وجهين وثلاثة نحو إنشاده:
فما قومي بثعلبة بن سعد.... ولا بفزارة الشعري رقابا
وروى: الشعر الرقابا.
وروى أيضا: