سفر السعادة وسفير الإفادةصفحات 561-600

وهذه مسائل جرت بين أبي جعفر النحاس وبين أبي العباس بن ولاد وبعث قولهما إلى ابن بدر ببغداد، ومال مع أبي العباس على أبي جعفر ميلا مفرطا وكأنه قد ارتشى.
وقال لي شيخنا أبو القاسم الشاطبي رحمه الله- وقد وقفته على هذه المسائل واغتبط بها غاية- الاغتباط-: (أبو جعفر النحاس يسلك في كلامه طريق النحاة، وأبو العباس له ذكاء)، وصدق رحمه الله، وستقف من كلام الرجلين على ما يدلك على صحة ما قال.
ابتدأ أبو جعفر فقال لابن ولاد: كيف تبني من رجا يرجو (افعللت) و (افعليت) و (افعلوت)؟.
فقال أبو العباس: أما افعليت فارجويت [116/آ]، وأما افعلوت فارجووت، وأما افعللت فارجووت أيضا.
فقال أبو جعفر: هذا كله خطأ: أما ارجويت في افعليت فلا يعرف في كلام العرب (افعليت)؛

ولو جاز أن يكون ارجويت افعليت للزم أن تقول في (أغزيت): (أفعيت)؛ لأن من زعم ان الراء من (جعفر) زائدة لزمه أن يقول: هو (فعلر) وأن يقول في (ضرب) هو (فعب)، ولا يقوله احد.
قلت: هذه العبارة في قوله: (لأن من زعم أن الراء من جعفر زائدة) ليس بجيدة؛ لأنها توهم أن من الناس من يقول ذلك وكان الصواب أن يقول: إذ لو زعم أن الراء من جعفر.
ثم قال: وإما ارجووت في افعلوت وافعللت فأعجب في الخطأ من الأول؛ لأنا لا نعلم خلافا بين النحويين أن الواو إذا وقعت طرفا فيما جاوز الثلاثة من الفعل أنها تقلب ياء كما قالوا في (أفعلت) من غزوت: أغزيت، وفي استفعلت استغزيت.
والوجه عند أبي جعفر أن لا يبنى من (رجا) إلا افعللت فيقال: ارجويت، فتقول: ارجويت أرجوى ارجواء وأنا مرجو مثل احمررت أحمر احمرارا وأنا محمر، إلا أنك تقلب في ارجويت

أرجوي، وتدغم في أحمر يحمر، وهو كثير في كلام العرب، نحو: ابيضضت واصفررت.
قال محمد بن بدر: إنما قال في (افعليت) ارجويت بالياء؛ لأنها مبدلة من الواو، والمبدل من الحرف زائد بمعنى البدل، والزائد يمثل على لفظه.
قلت: هذا خطأ؛ لأن هذا لو صح لقبل في باع وقال: وزنه (فال).
قال ابن بدر: وأما جوابه في (افعلوت) ارجووت، وفي (افعللت) ارجووت أيضا، فإنه تمثيل على الأصل قبل الإعلال، وسبيل كل ممثل أن يتكلم بالمثال على [116/ب] الأصل ثم ينظر في إعلاله بعد.
فافعللت على الأصل: ارجووت، وعلى الإعلال: ارجويت.
ومن قال (كينونة): فيعلولة ذهب إلى الأصل، ومن قال: فيعولة ذهب إلى اللفظ.
وإذا بنوا مثال (عصفور) من غزا قالوا: (غزوو)؛ فالفراء يتركه على هذا

ولا يعله، وسيبويه يعله بعد ذلك فيقول: غزوي.
قال ابن بدر: وقول أبي جعفر: (لو جاز أن يكون ارجويت افعليت إلى قوله لا يقوله أحد) فغث لا معنى له ولا للإتيان به وجه؛ لأنه يجري كالهذيان.
ثم تمادى في أذاه والإسخاف به.
قلت: أما قول ابن بدر في ارجووت إنه تمثيل على الأصل فغير صحيح؛ لأن ذلك لم ينطق به في الأصل كما نطق بـ (كينونة)، كما قال: يا ليت أنا ضمنا سفينه حتى يعود الوصل كينونه وإنما يمثل بالأصل ما لا يصح تمثيله على اللفظ، كقولك في (عدة): إنه فعلة.
ولا تقول: (علة)؛ وفي (غد): إنه فعل، ولا تقول: هو (فع).
ثم إنه لم يسأل عن تمثيل الأصل، وإنما

سئل عما يصح أن ينطق به فيه، فماله اقتصر على تمثيل الأصل وترك ما ينبغي أن يقال؟!.

المسألة الثانية قال أبو جعفر: سألني هذا الفتى فقال: كيف تقول: ضرب زيد؟ فقلت ضرب زيد.
فقال: كيف تتعجب من هذا الكلام؟ فقلت: ما أكثر ما ضرب زيد!! فقال: فلم لم يجز التعجب من المفعول بلا زيادة كما جاز التعجب من الفاعل بلا زيادة؟ فقلت: لأن التعجب يكون الفعل فيه لازما، فإذا قيل: أخرجه إلى باب التعجب، فمعناه: اجعل الفاعل مفعولا، كما تقول: قام زيد، ثم تقول: ما أقوم زيدا؛ فمعناه على مذهب الخليل: شيء أقوم زيدا.
فإذا جئنا إلى ما لم يسم فاعله لم يجز أن نتعجب منه حتى نزيد في الكلام لأنه لا فاعل فيه.
فقال: ليس يخلو المتعجب منه في حال الزيادة من أن يكون كان فاعلا في الأصل أو مفعولا.
فإن كان مفعولا في الأصل فقد نقضت قولك بأنا لا [117/آ] نتعجب إلا من الفاعل؛ وإن كان فاعلا فقد لزمك أن نتعجب منه، على ما قدمت من القول، بلا زيادة.

فقلت: ألزمتني ما لم أقل؛ إن كان مفعولا في الأصل فقد نقضت قولك، وإلا فقد قلت: إني لا أتعجب منه إلا على كلام آخر، فكيف تلزمني أن تعجبت منه؟ فقال: أما قولك: إني ألزمتك ما لا يلزمك فدعوى لا بينة معها.
وأما قولك: إني لا أتعجب منه إلا بزيادة، فليس يخلو تعجبك من أن يكون واقعا عليه في نفسه، أو على الزيادة؛ فإن كان واقعا عليه فقد لزمك ما ألزمتك؛ وإن كان واقعا على الزيادة فقد تعجبت مما لم أسألك عن التعجب منه.
فإن قلت: إني إنما تنكبت التعجب منه، وتعجبت من الزيادة التي لم تسألني التعجب منها لأنه لا يجوز التعجب منه إذ كان مفعولا قلنا: ولم لا جاز ذلك؟ وصرت في هذا إذا سألتك [لم] لا تتعجب منه تعجبت من غيره وهي الزيادة.
فقلت: قد أجبناك فيما مضى من الكلام لم لا يجوز أن يتعجب منه، فليس لإعادتنا إياه معنى.
قال: قد نقضت العلة التي اعتللت بها في ترك الجواز.

وهو أنه مفعول وأريناك أن ذلك فاسد؛ فإن كانت عندك زيادة فزد.
قلت: هذه المطالبة محال، أن يتعجب من المفعول بما بينا من أن المفعول لا يتعجب منه.
فيجب على من أنكر هذا أن يتعجب من المفعول، فكأنه يجعل المفعول مفعولا، وهذا محال.
فقال: نحن إذا قلنا: اجعل الفاعل مفعولا ساغ لنا ذلك في الفاعل إذا تعجبنا منه، ولم يكن في الأصل مفعولا، كان ذلك جائزا فيما قام مقامه وهو مال يسم فاعله، وإلا لم يكن في موضعه ولا في مقامه.
قلت: هو وإن قام مقامه في أنا نحدث عنه كما نحدث عن الفاعل فنحن نعلم أنه مفعول في الأصل؛ فكيف يقال: أقمه مقام المفعول؟! وأيضا فإن أقمناه [117/ب] مقام المفعول فإن الفاعل هو المحدث للفعل، وليس كذلك ما يقوم مقامه.
فقال: قد لزمك بهذا القول ألا تتعجب منه على حال من الأحوال بزيادة ولا بغير زيادة؛ فإنك إن زدت فيه فهو مفعول في الحقيقة، اللهم إلا أن تكون تزعم أنك لم تتعجب منه البتة

وإنما تعجبت من غيره، ونحن لم نسألك عن التعجب من غيره.
قلت: هذا الذي ألزمتنيه من قولك: (فقد لزمك بهذا القول ألا تتعجب منه على حال من الأحوال بزيادة ولا بغير زيادة) يبين نقضه أنه لا يجوز أن تقول: ما أحمر زيدا، فإذا زدت فيه وقع التعجب فقلت: ما أشد حمرة زيد!! فقال: أما تشبيهك (أحمر) ونحوه بباب الثلاثي فإنه خطأ؛ وذلك أنهم قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكون لونا ولا خلقة؛ وذلك أن الخليل زعم في قوله: (ما أحمر زيدا) وما أشبهه أنهم لم يتكلموا به لأنه صار عندهم بمنزلة اليد والرجل؛ لأنك لا تقول: ما أيداه ولا ما أرجله! فخالف باب الثلاثي لهذه العلة؛ فقد بان بقول الخليل الفرق بين هذين؛ وشبهت بين شيئين غير مشتبهين.
قلت: هذا الكلام فيه تطويل، لأني إنما شبهته بالألوان من أنهما جميعا لا يجوزان.
وليس يلزمني إذا شبهت به من جهة أن أشبهه به من كل الجهات.
فأنا أقول- إذا سئلت: كيف يتعجب

من قولنا: انطلق زيد-: لا يجوز؛ فقد صار لا يجوز في هذا كما لا يجوز (ما أحمر زيدا)؛ فهل يلزمني أن أكون شبهت اللون بغير اللون؟ وأنا إنما شبهته به من أن هذا لا يجوز كما أن هذا لا يجوز.
وأما قوله: (قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو خلقة) فاستثناؤه ما لم يكن لونا أو خلقة من أعجب الكلام؛ لأنه لا يتعجب إلا من الثلاثي، أو مما [118/آ] يكون أصله الثلاثي، وزيد عليه مثل أعطى وشبهه.
وأيضا فإنه لا يعرف في الألوان فعل ثلاثي، فكيف يستثنى ما ليس يعرف في الكلام؟! وأما ما كان خلقة وهو ثلاثي فلم يترك التعجب منه عند الأخفش إلا أن أصله أكثر من الثلاثة، وذلك (عور) و (حول)؛ والأصل عنده (اعورا) و (احول) و (اعوار) و (احوال).
فلم ارآه ثلاثيا ولم يدر ما أصله استثناه من الثلاثي.
ولو كان من الثلاثي لما قيل عور ولا حول، ولكان يقال (عار) و (حال)؛ فتنقلب الواو ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها.
وقولهم (عور) و (حول) يدل على أن

أصله اعوار واحوال واعور واحول.
والذي يقول في هذا: إنه لم يتعجب منه وهو ثلاثي لا يعرف أصله؛ وهذا القول مشهور من قول الأخفش.
قال" أما قوله: إنه استثنى اللون والخلقة من الثلاثي، إنه من أعجب العجب، فليس ذلك بعجب لأني إنما استثنيت ذلك من الثلاثي؛ لأنه قد يأتي شيء بمعنى الخلقة يكون فعله ثلاثيا، كقولك عور الرجل، فاستثنيت لك لهذه العلة.
وأما قولك: (انطلق زيد) لا يجوز أن يتعجب منه، فهذا نقض لما قدمته في الكتاب.
وذلك أنك ذكرت أن الفاعل يتعجب منه، وجعلت ذلك علة التعجب منه وهو أنه فاعل، وجعلت علة الامتناع من التعجب أن يكون مفعولا؛ فقد لزمك أن تتعجب من زيد في قولك: انطلق زيد.
قلت: قوله: (إنما استثنيت من الثلاثي لأنه قد يأتي شيء بمعنى الخلقة يكون فعله ثلاثيا كقولك: عور الرجل) يدل على أنه لا يدري ما أصل (عور)؛ وقد بينا أن أصله عند النحويين [118/ب] اعور واعوار.

وإنكاره منعنا أن نتعجب من (انطلق زيد) فهذا شيء قد أجمع النحويون على منعه إلا بزيادة؛ فما معنى إنكاره ما أجمع النحويون عليه؟! وأما قوله: (إنك ذكرت أن الفاعل يتعجب منه وجعلت ذلك علة للتعجب منه وهو أنه فاعل) فنحن لم نقل: إنا تعجبنا منه لأنه فاعل، وإنما قلنا: إنه لا يتعجب من المفعول، وبينا لم ذلك.
وأما الفاعل فإنه يتعجب منه في أكثر المواضع.
وإنما منع الفاعل، في قولك: انطلق زيد، أن يتعجب منه؛ لأن الفعل قد جاوز ثلاثة أحرف، فلا يجوز أن ينقل إلا بزيادة نحو قولك ما أكثر انطلاق زيد، وما أشبهه.
قال محمد بن بدر النحوي: أعطي أبو جعفر علة قياسية في التعجب فقال: (إنما معنى التعجب ان أجعل الفاعل مفعولا)؛ ونحن نجعل الفاعل مفعولا ثم لا يكون تعجبا نحو أقمته وأجلسته، ونجد معنى التعجب والفاعل موجود كقولنا: جل الله وعز الله على معنى ما أجل الله وما أعزه!! لا على معنى الخبر بأنه صار جليلا، ولا بأنه صار عزيزا؛ وهكذا: عظم شأنك، وعلت منزلتك، إذا لم ترد الخبر.
قال الله عز وجل: {كبرت كلمة

تخرج من أفواههم}، وقال جل وعلا: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾، وقال ساعدة: هجرت غضوب وحب من يتغضب.... وعدت عواد دون وليك تشعب أي: ما أحبها متغضبة.
وقال الشاعر: لم يمنع الناس منهم ما أردت ولا.... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا أي: ما أحسن هذا أدبا.
ومما حكاه النحويون من اللفظ ومعناه التعجب: لا إله إلا الله، وسبحان الله، ولله دره، ولله أنت، وتالله

ولله؛ وأنشد سيبويه: لله يبقى على الأيام ذو حيد.... بمشمخر به الظيان والآس [119/آ] وقال: هذا الرجل تعجب.
و (ياللماء): تعجب، وأنشد: لخطاب ليلى يالبرثن منكم.... أدل وأمضى من سليك المقانب وأعطى علة أخرى قياسية فقال: لا يتعجب مما لم يسم فاعله؛ لأنه لا فاعل فيه.
ويبطل هذه العلة قول العرب في (جن زيد): ما أجنه وما أعتهه، وما أشبه ذلك.

وأما قوله: (أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو خلقة) فاستثناؤه ما لم يكن لونا ولا خلقة من أعجب الكلام، ثم قال: (لأنه لا يتعجب إلا من الثلاثي أو ما يكون أصله الثلاثي ثم زيد عليه مثل أعطى).
وليس في قوله: (إنما يتعجب من الثلاثي) دليل على أنه أراد لا يتعجب إلا من الثلاثة.
ألا ترى أن قائلا لو قال: إنما صلاة الظهر أربع لم يكن في قوله دليل على أن غيرها من الصلوات لا يكون أربعا، أو قال: إنما في الرقة ربع العشر، لم يكن هذا دليلا على أن غير الرقة لا يكون فيه ربع العشر؛ وهذا موضع من مفهوم الخطاب أنت معذور في جهله إذ لست من أهله.
وأقول: لا يخفى على العلماء ميل هذا الرجل وحيفه على أبي جعفر، وتخليطه فيما يتكلم به.
ألا تراه يقول: (وليس في قوله: (إنما يتعجب من الثلاثي) دليل على أنه أراد: لا يتعجب إلا من الثلاثة ظنا منه أن هذا كلام أبي العباس، وأخذا في الجواب عنه؛ وهذا إنما هو كلام أبي جعفر.
وأما ابو العباس فإنما قال: (قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو

خلقة)، فأنكر عليه أبو جعفر استثناءه اللون والخلقة من الفعل الثلاثي؛ لأن الألوان ليس فيها فعل ثلاثي.
ولو قال أبو العباس: إنما يتعجب من الثلاثي، لأنحصر التعجب في الثلاثي، وليس هذا كقوله: إنما صلاة الظهر أربع، وإنما ذلك لمن يمنع أن يكون أقل من أربع أو أكثر.
وقوله: (هذا موضع من مفهوم الخطاب [119/ب]) خطاب من ليس بمفهوم الخطاب.
وقوله: (أعطى أبو جعفر علة قياسية في التعجب فقال: إنما معنى التعجب أن أجعل الفاعل مفعولا، قال: ونحن نجعل الفاعل مفعولا ثم لا يكون تعجبا نحو: أقمته وأجلسته)؛ وهذا لا يلزمه لأنه لم يقل: لا يصير الفاعل مفعولا إلا في التعجب، إنما قال: إن قولك: ما أحسن زيدا أخرجت فيه الفعل الذي كان لازما فجعلته متعديا، وكان الأصل: حسن زيد، فصار فاعل (حسن) مفعول (أحسن).
وما أورده عليه، من الكلمات التي معناها التعجب، لا يرد عليه لأنه إنما يتكلم في التعجب المبوب له؛ ألا ترى أن من تكلم في باب التأكيد لا يرد عليه ما يجيء فيه معنى التأكيد من (إن) و (اللام)، وما أشبه هذا.

ثم قال محمد بن بدر: وقوله (مثل أعطى وما أشبهه) ركاك في العبارة، كما قال: لا يجوز التعجب من قولنا: انطلق زيد، كما لا يجوز ما أحمر زيدا، فهلا قال: لا يجوز، كما لا يجوز أن تصلي الظهر ثلاثا ولا المغرب أربعا؛ فإنه أظهر.
قلت: وأين هذا من ذاك؟ إنما شبه ممتنعا في التعجب بممتنع فيه، وأنه يتعجب من القبيلين بأشد ونحوه.
ثم قال محمد بن بدر: على أن بعض النحويين قال: لا يجوز التعجب من (أفعل) إلا على شريطة.
قال: وأما قوله أيضا: (فلا يعرف في الألوان فعل ثلاثي) فقد قال سيبويه: أدم يأدم أدمة، وأدم يأدم، وشهب يشهب، وشهب يشهب شهبة، وقهب يقهب، وكهب يكهب، وصدئ يصدأ صدأة، وسود يسود؛ وأنشد لنصيب:

سودت فلم أملك سوادي وتحته.... قميص من القوهي بيض بنائقه وقال غيره: ذرئت عينه ذرءا والذرأة: البياض؛ وقال الراجز: وقد علتني ذرأة بادي بدي ورثية تنهض في تشددي وقال الشاعر: [120/آ]

لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر.... كما كل ضبي من اللؤم أزرق وأما قوله: (إنما ترك الأخفش التعجب في عور وحول لأن أصله اعور واحول) فخلاف ما عليه أهل العلم؛ لأنهم مجمعون على أن الأصل الثلاثي وما فيه الزيادة فرع، فـ (حول) أصل لـ (احول واحوال).
قال سيبويه: (وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء) فضرب واستضرب مأخوذان من الضرب، لا أن ضرب من استضرب، ولا استضرب من ضرب.
قلت: هذا لا يلزم أبا جعفر لأنه رد على الأخفش لا عليه، وإنما يلام لو نقل عن الأخفش ما لم يقل.
وأيضا، فإن ما ذكره عن سيبويه لا يلزم منه تخطئة الأخفش فيما ذهب إليه؛ لأنه لم يقل: إن عور مأخوذ من اعوار واعوار، ولا إن حول مأخوذ من احول واحوال؛ وإنما قال: إنه في معناه، فكما لم يتعجب من ذاك لم يتعجب من هذا.
ثم قال محمد بن بدر: وأما قوله (ولو كان من الثلاثي لما

قيل: حول وعور، ولقيل: حال وعار، بالقلب) فليس كما توهم وإنما صحت الواو لأنهم أرادوا بـ (حول) من المعنى ما أرادوا بـ (احول)، فأجروه مجراه، لا أن أصل فعل افعل ولا أفعال؛ ألا ترى أنهم قالوا: احتال واعتاد، واقتاد، بالإعلال، وإنما أصحوه حين أرادوا معنى ما يصح فقالوا: اجتوروا، واعتونوا، واحتوشوا؛ لأنهم أرادوا معنى تجاوروا، وتعاونوا، وتحاوشوا، لا أن أحدهما أصل للآخر؛ فهكذا عور وحول.
يدل على هذا أنهم إذا أرادوا غير هذا المعنى أعلوه فقالوا: عار [120/ب] زيد عين عمرو، وسادها؛ وأنشدوا بيت نصيب على وجهين: سودت ولم أملك سوادي وتحته.... قميص من القوهي بيض بنائقه قال: وأما قوله: (فتقلب الواو؛ لحركتها وحركة ما قبلها) فيلزمه أن يقول في (أدلو): (أدلا) لحركتها وحركة ما قبلها؛

والوجه: لحركتها وانفتاح ما قبلها.
قال: وأما قول الأخفش فإنما أراد به أن افعل وافعال الأصل في الاستثقال؛ لا أن حول مأخوذ منهما، وهذا قول سيبويه استغنوا عن حمر باحمر، كما استغنوا عن فقر بافتقر، والمستغنى به هو الفرع، والمستغنى عنه هو الأصل.
قلت: قوله: (إن الأخفش أراد أنهما الأصل في الاستثقال) فأي استثقال في عور وحول؟ وليس ما قاله بمعنى ما قال سيبويه في حمر واحمر، ثم استدرك خطأه فقال: على أن افعل وافعال مطردان في الألوان نحو: اسود واسواد، وابيض وابياض، واصفر واصفار، إلا أن افعل أكثر لأنه أصل في الاستثقال.
قال: وأما حول وعور فمن باب الأدواء لأنهما عيبان، والعيب أشبه بالأدواء، وليس افعل وافعال في باب الأدواء كثيرا؛ لا يكادون يقولون في اجرب اجراب، ولا في اجذم

اجذام، وإنما يجرونه مجرى الداء نحو: جرب، وضلع، وشتر، وهو أدخل في الداء منه في الألوان، إلا أنهم يشبهون الشيء بالشيء إذا قاربه، فيقولون: حول، وعور، وجرب، كما قالوا: وجع، وضمن، وزمن، ولا نكاد نجد في الألوان اسما على (فعل)؛ لا يقولون: حمر، ولا صفر، ولا شهب.
قال: فهذا يقوي أن العيوب مخالفة للألوان التي لا يمتنع فيها افعل وافعال، وافعال لا يمتنع من الألوان لأنه مبني له، وأما العيوب [1121/آ] فأقرب إلى الأدواء؛ هكذا ذكر سيبويه.
قلت: قوله: (لا نكاد نجد في الألوان اسما على فعل)، مع أنه أنشد قول نصيب: (سودت...)، من العجب.
ثم قال محمد بن بدر: إنما لم يتعجبوا من (ضرب زيد) وأشباهه إلا بالزيادة كراهة أن يلتبس، ففرقوا بين التعجب من فعل الفاعل المفعول.
وذلك أنهم فرقا بين فعل الفاعل وفعل

المفعول في غير التعجب، وأرادوا ان يفرقوا بينهما أيضا في التعجب.
فلو قالوا في (ضرب زيد): ما أضرب زيدا! لالتبس فعل الفاعل بفعل المفعول، فأتوا بالزيادة ليصلوا إلى الفرق بينهما.
فإن قال: فقد قالت العرب في (جن زيد): ما أجنه!! وهذا يبطل علتك قيل له: إن قولهم (ما أجنه) محمول على المعنى، فاستجازوا فيه ما استجازوا فيما حمل عليه.
ألا ترى أن جن زيد فهو مجنون داخل في حيز الأوصاف التي لا تكون أعمالا.
وإنما تكون خصالا في الموصوفين بغير اختيارهم، مثل: كرم فهو كريم، ولؤم فهو لئيم: خصال لا يفعلها الموصوف؟؛ فهكذا جن زيد فهو مجنون، إنما هي خصلة في الموصوف لا اختيار له فيها، فأجرى مجرى رقع فهو رقيع، وبلد فهو بليد إذ كان داخلا في معناه.
والدليل على صحة هذا أن العرب لا تتعجب من (افعل)، لا يقولون: ما احمره، ولا ما اسوده، ولا ما افطسه ويتعجبون من: أحمق، وأرعن، وألد، وأنوك، فيقولون: ما أحمقه! وما أرعنه وما ألده وما أنوكه؛ لأن أحمق بمنزلة بليد، وألد بمنزلة

مَرِسَ، وأنوك بمنزلة جاهل، فحملوه على المعنى؛ فهكذا (جن زيد) حمل على المعنى لأن العرب تشبه الشيء بالشيء، ويحمل على المعنى إذا واقفه واقترب منه.
فمن ذلك قولهم: (حاكم زيد عمرو)، برفع الاثنين جميعا؛ لأن كل واحد منهما فاعل؛ قال أوس [121/ب]: تواهق رجلاها يداه ورأسه.... له قتب خلف الحقيبة رادف وقال القطامي: فكرت تبتغيه فصادفته.... على دمه ومصرعه السباعا لأن السباع قد دخلت في المصادفة.
وقال:

لن تراها- وإن تأملت- إلا.... ولها في مفارق الرأس طيبا لأن الطيب قد دخل في الرؤية.
وأقول: إنما قالوا: ما أجنه؛ لأن (جن) لا فاعل له، فهو في المعنى تعجب من الفاعل؛ لأنه لا يقال: جنة، إنما يقال: أجنه.
قال محمد بن بدر: فإن قال: فقد قالوا: ما أسرني بكذا وكذا، وهذا دليل على أنه يجوز أن يتعجب من (ضرب زيد) قيل له: ليس في هذا دليل يدل على جواز التعجب من (ضرب زيد)؛ لأنه يجوز أن يكون (ما أسرني) تعجبا من سررت، ويكون محمولا على ما قدمنا ذكره في (جن زيد)، فيكون منزلة: بر حجك فهو مبرور.
قال: ويجوز أن يكون (ما أسرني بكذا) تعجبا من سار، كما يقال: زيد سار، أي: حسن الحال في نفسه وأهله وماله، وفرس سار، أي: حسن الحال في جسمه ولحمه، وضيعة سارة، بمعنى آهلة عامرة، فيكون سار بمعنى قولك: (ذو سرور) ثم يتعجب منه على هذا، كما قالوا: عيشة راضية، أي: ذات رضى، ورجل

طاعم كاس، أي: ذو طعام وسكوة؛ قال الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها.... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فيكون (ما أسرني) جاريا على ما قدمنا، غير خارج عما رتبنا.

المسألة الثالثة قال أبو جعفر: كيف تأمر من قوله عز وجل: ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾، ومن قوله عز وجل: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؟ فقال أبو العباس: هاتان مسألتان: أما (إدا) فلا يؤمر منه؛ لأنه اسم موضوع للداهية والأمر العظيم.
قال أبو جعفر: قد قالت العرب: أد يؤد [122/آ]، فنطقت بالفعل، ثم صرفه النحويون فقالوا في الأمر منه: أد يا هذا، بالإدغام، والضم والكسر؛ وبالإظهار نحو: اودد مثل اردد.
قال أبو العباس: التصريف فيها دعوى تحتاج إلى برهان.
قال أبو جعفر: لا يحتاج إلى ذلك.
وقد حكوا لها نظائر من المضاعف، منها قول أحمد بن يحيى: (تول: ازرر عليك

قميصك، وزره، وزره، وزره، مثل: مد، ومد، ومد).
قال أبو العباس: هذه الأشياء لا تصرف قياسا، ولا يشبه بعضها ببعض إلا بسماع من العرب، إذ لو كان هذا لجاز أن نقول: وذر يذر، وودع يدع قياسا على قام يقوم، وضرب يضرب؛ وإنما نصرف منه ما صرفت العرب، ونترك منه ما لم تصرفه العرب اقتداء بها.
قال أبو جعفر: ليس هذا قول أحد من النحويين علمناه.
وذلك أنه لا يمتنع القياس في شيء من المضاعف على رد يرد فنقول: سن يسن، وأد يؤد، كما قلنا رد يرد، ولو كنا لا ننطق إلا بما نطقت العرب، ولا نقيس على كلامها لبطل أكثر الكلام.
ولا يجوز قياس وذر يذر، وودع يدع على المضاعف لأنه معتل قل استعمالهم الماضي فيه؛ لاستثقالهم الواو حتى تبدل، فيقولون في وحد: أحد؛ فلما استثقلوا الواو، وكان ترك في

معنى ودع ووذر، استغنوا عنه بـ (ترك).
وإن كان بعض العرب قد قال: وذر وودع على القياس فلا معنى لقوله: (لجاز أن نقول: وذر، وودع)؛ لأنه قد قيل.
قال أبو العباس: إنا لم نشبه مضاعفا بمضاعف، وإنما أردنا أن نريك أن العرب قد تصرف شيئا وتمنعه في نظيره.
وأما قولك: (إن هذا معتل) فليس بالاعتدال منع من أن يبني له ماض مثل وزن يزن.
قال أبو جعفر: هذا الذي ألزمنيه من أنه قال: إني قلت: (إنه لم يبن منه ماض لأنه معتل) غير لازم، وكلامي يبين خلاف هذا؛ لأني قلت: لم يبن منه ماض لعلة، فكيف ألزم أني اعتللت بأنه لم يقع منه ماض، لأنه معتل؟! قال أبو جعفر: ولم يجب عن المسألة الأخرى [122/ب]، وهي: ﴿ولا يؤوده﴾ والجواب أن تقول: أد يا هذا، نظير قل؛ لأن آد يؤود مثل قال يقول.
وأقول: عن أبا جعفر نحوي إلا أنه يضع الأشياء في غير مواضعها، وأبو العباس غير قوي في العربية إلا أنه في غاية من

الذكاء، فهو يلعب بأبي جعفر كيف شاء.
والدليل على صحة ما قلته أن أبا جعفر قال له: كيف تأمر من قوله عز وجل: ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾؟ فقال له: لا يؤمر من هذا؛ فقال: (قد قالت العرب: أد يؤد) فلو كانت لأبي العباس قوة لقال: ليس قول العرب: أد يؤد، من قول الله عز وجل: ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾، إنما الإد: الداهية، وقولهم: أد يؤد، مأخوذ من الإد؛ يقال أدت فلانا الداهية تؤده أدا.
فقول أبي جعفر: كيف تأمر من قوله عز وجل: ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾ خطأ، وهو كقول القائل: كيف تأمر من (الشيطان) في قوله عز وجل: ﴿فأزلهما الشيطان عنها﴾؟ فإذا قال: لا آمر منه لا يصح أن يقال له: بلى، قد قال العرب: تشيطن فلان.
فأخذ أبو العباس يرد تصرف العرب في أد يؤد، وهو تصرف صحيح لا إشكال فيه إلا أنه تصرف في غير ما سئل عنه.
قال محمد بن بدر النحوي: قول أبي العباس: (لا يجوز أن يؤمر من قوله عز وجل (إدا)؛ لأن العرب لم تبن منه فعلا) الذي

عليه عامة أهل العلم والدين.
قلت: قوله: (والدين) ههنا عجيب.
ثم قال: لأن الإد وصف غير جار على فعل، وإنما هو موضوع في كلام العرب للأمر العظيم، فحكمه حكم الأسماء التي جاءت غير جارة على فعل.
وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يبنى منه فعل من حيث إن الأسماء ليست مأخوذة من الأفعال، وإنما الأفعال تصدر عنها.
قوله: (لم يجز أن يبنى منه فعل)، لو قال: لم يجز أن يؤمر منه لكان صوابا، وإلا فقد قالوا: تفرعن، وتشيطن، وتمندل، من المنديل، وتدرع، من الدرع.
ثم قال: ولو كانت الأسماء كلها مشتقة لارتفع أن يكون في الكلام اسم البتة.
قال: والدليل على هذا أنه ليس أحد من العرب ولا من العلماء يجيز أن يأمر من صاع وفرس، ولا من جعفر وحبرج وضفدع، ولا [123/آ] من الأوصاف التي ليست بجارية على فعل نحو: خود، وبكر، ولص، وسلهب، وعرطل، وجعشم؛ لأن هذه الأسماء غير جارية على فعل.
ما يدل على أن من الأوصاف ما لا يجوز ان يبنى له فعل متصرف في الأمر

والدعاء والخبر وغير ذلك الأسماء المبنية للمبالغة نحو: أكال وأكول، لا يجوز أن يصرف منها فعل؛ لأن هذه الأبنية، وإن كانت تعمل عمل الأفعال فهي غير جارية على الفعل.
وإذا كان ما يعمل عمل الفعل لا يجوز أن يصرف له فعل فما لا يعمل عمل الفعل أولى أن لا يصرف له فعل؛ هذا قول أهل التحصيل من أهل صناعة النحو.
ولا يقال: أد يؤد فهو إد، أد يؤد أدا، فهو آد، وليس الإد هو الآد؛ لأن الآد جار على الفعل، والإد وصف غير جار على فعل.
وقول أبي جعفر (قد صرفه النحويون) تقول منه.
والذين يقولون: أد يؤد فهو آد: إذا ألقاه في الإد، بمنزلة: لحمه يلحمه فهو لاحم: إذا أطعمه اللحم؛ فلو قيل لنا: كيف تأمرون من (اللحم)؟ لقلنا: لا يجوز؛ لأن اللحم اسم غير مشتق من فعل، ولا هو وصف جار على فعل، ولا تكلم من لفظه بفعل، فيكون هو اسما لذلك الفعل؛ وكذلك شحمه، وزبده: إذا أطعمه الشحم والزبد.
وقولك أده بمنزلة قولك: زبده، وقولك: يؤده كقولك يزبده، وقولك: آد كقولك: زابد؛ والإد الذي هو

الأمر العظيم بمنزلة الزبد الذي هو اللبن؛ فكما لا يجوز أن تأمر من الزبد كذلك لا يجوز أن تأمر من الإد، ولا تصرف له فعلا يكون هو اسما له؛ هذا هو الذي عليه [123/ب] أهل العلم باللغة.
ومعنى قولهم: (كيف يؤمر من الأسماء؟) إنما هو مجاز؛ لأن الأسماء لا يؤمر بها وإنما يؤمر بالفعل إذا كان غير واقع.
فإذا قال قائل: كيف يؤمر من ضارب أو من طويل؟ فإنما معناه: كيف يؤمر من الفعل الذي هو جار عليه أو اسم له فتقول: اضرب، وطل؛ لأنهم يقولون: ضرب، وطال.
فإن قيل لنا: كيف يؤمر من (بكر) و (خود)؟ قلنا: لا يجوز؛ لأنه ليس اسما للفعل، ولا جاريا على فعل؛ فسبيله سبيل الأسماء التي موضوعة غير مشتقة؛ وكذلك قتال، وأكال، وضروب لا أفعال لها؛ وهكذا سلهب، وجعشم، وعكروت، وما أشبهه، وهو كثير، فهذا حقيقة ما ذهب إليه خصمك، ولا حجة لك فيما حكيته عن ثعلب لأنا لا نخالفك فيه.
وحكايتك عن النحويين أنه (لا يمتنع شيء من الأسماء من أن نقيسه على رد يرد)، كذب عليهم.
وقولك: (لو كنا لا ننطق إلا بما نطقت به العرب، ولا نقيس على كلامها لبطل أكثر الكلام) يدل على جهل باللغة لأن من الكلام ما لا يقاس، ومنه ما يقاس.
ثم أخذ بعد هذا في أذاه بما أضربنا عنه وتركناه.

ثم قال بعد ذلك: لو قيل: كيف يؤمر بـ (إد) أو (بكر) أو (صارورة) أو (قتال)، أو ما أشبه ذلك مما ليس بجار على فعل لقلنا: العرب لا تأمر من هذه الأوصاف بلفظ الصفة إلا أن يكون له فعل منطوق به نحو: طل، واقصر، واسهل، واكرم؛ لأنهم يقولون: طال، وقصر، وسهل، وكرم، ولا يأمرون من بكر، ولا خود، ولا غد، ولا لص، ولا ما أشبهه؛ لأنها لا فعل لها فإن آثرنا أن نأمر بشيء منها ألزمناه (كان) وجعلناه خبرا لها، فنقول: كن إدا، أو كوني خودا؛ وذلك أن معنى اضرب: كن ضاربا [124/آ]، فهكذا ينبغي إذا أمرت بهذه الأوصاف.
وكذلك الأسماء يؤمر بها على هذا، فيقال: كن عليه سيفا، وكن له حجرا، وكن فيها أسدا؛ قال الله عز وجل: ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا في الأسماء، وقال عز وجل: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى﴾، وقال عز وجل: ﴿ولكن كونوا ربانيين﴾، في الأوصاف.
وقال الشاعر:

أحار بن بدر، قد وليت ولاية.... فكن جرذا فيها تخون وتسرق وهو موجود في اللغة.
فإن قال: فكيف يؤمر من طريق ما يتكلم عليه أهل اللغة في التصريف من الأبنية قياسا لم يتكلم به؟ قيل له: نحن نبين ذلك، فنقدم مقدمة للأصول ليعلم أنها أحق بالرد فترد إليه قياسا، فنقول: إن الأفعال الثلاثية المضاعفة على ضربين: أحدهما يتعدى، والآخر لا يتعدى.
فأما ما لا يتعدى فيجيء على مثالين: (فعل)، و (فعل)، وليس فيه (فعل).
وسبيل مستقبل (فعل) أن يجيء على (يفعل) نحو: فر يفر، وقر يقر، وحن يحن؛ وعلى (يفعل) نحو: شك يشك،

وهب من نومه يهب.
و (يفعل)، في مستقبل (فعل) من المضاعف، أكثر من (يفعل).
وسبيل مستقبل (فعل) أن يجيء على (يفعل) مثل: لج يلج، وضن يضن، واسم الفاعل منها بمنزلة غيره أيضا، نحو: قار، وجان، وشاك، وهاب، وما أشبه ذلك.
وأما ما كان معتديا فإنه إذا كان على (فعل)، بفتح العين، يجيء المستقبل على (يفعل) بقياس، نحو: شده يشده، وعقه يعقه، وما أشبهه.
وليس في كلام العرب فعل ثلاثي مضاعف متعد على (يفعل)، بالكسر، إلا قولهم: يحبه، وهو قليل لا تستعمله العرب، وإنما الأكثر فيه الأفصح: أحبه يحبه.
واسم الفاعل منه فاعل [124/ب] أيضا نحو: شاد، وماد، وما أشبهه.
وما كان على (فعل) فهو كغيره أيضا، نحو: عضه يعضه، وبره يبره، والاسم: عاض، وبار.
وأما ما كان غير عامل فإنه إن كان داء، أو خلقة، أو علة، أو حزازة، أو ما قارب هذه الأشياء، أو كان ضدا لها فإنه يكون على (فعل يفعل) نحو: صم يصم، وشلت يده تشل، وجم يجم، وما أشبه ذلك.
فإن كان خصلة فإنه يجيء على (فعل) بفتح العين،

والمستقبل: (يفعل)، بكسرها، نحو: ذل يذل، وقل يقل، وعف يعف، وضج يضج، وصح يصح؛ والصفة منه: قليل، ذليل، عفيف، صحيح.
وقد يقال في الاسم منه (فعل) نحو: غث يغث فهو غث، وشف الثوب يشف فهو شف؛ وقد قيل فيه أيضا: (فعل)، نحو: غر، وخل، وهم، وقد يجيء ما كان خصلة على (فعل يفعل)، وهو قليل، نحو: شح يشح فهو شحيح، وقد قالوا: شح يشح، على الأكثر؛ وليس في هذا الباب (فعل) أيضا إلا ما حكاه يونس في (لب) فقال: لببت، والأكثر: لببت.
فهذه حقيقة أمثلة الأفعال الثلاثية المضاعفة، فإذا تكلفنا أن نقيس (إدا) على هذا نظرنا فإذا إد ليس بعمل، ولا هو داء، ولا علة، ولا لون، ولا خلقة، وإنما هو خصلة.
وأفعال الخصال لا تكون، على ما قدمنا، إلا على (فعل يفعل) فيكون الفعل من (إد) كالفعل من (حل)، فيكون إد، بكسر الهمزة، كقولك: (حل)؛ وإن شئت قلت: (إد)، بكسر الهمزة والدال كقولك: حل، وإن

شئت قلت: ائدد، كما تقول: احلل وقولك: إد، كقولك: حل؛ هذا هو القياس الذي يعمل عليه، وبالله الثقة.

المسألة الرابعة سأل أبو العباس فقال: كيف تقول: مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة؟ فقال أبو جعفر: في هذه المسألة وجوه: [125/آ] أجودها أن تزيد فيها ألفا ولاما، فتقول: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة.
وإنما قلنا: إ، هذا أجود الوجوه؛ لأن سيبويه قال: (اعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر أكثر وأحسن من أن لا يكون فيه الألف واللام؛ لأن الأول في الألف واللام وغيرهما ههنا على حال واحدة).
يعني سيبويه أن الأول لا يتعرف بإدخالك الألف واللام في الثاني.
ألا ترى أن قولك: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة أنه لم يتعرف أسهل ولا أشد، فاختير دخول الألف واللام ليكونا بدلا من الهاء، وإن شئت جئت بالهاء فقلت: مرت برجل أسهل خد

غلامه أشد سواد طرته.
قال أبو العباس: في هذه الأجوبة ما قد أحلت فيه، على قول النحويين أجمعين، وليس فيها جواب عما سألناك عنه.
وذلك أنا سألناك عنها بلا ألف ولا لام ولا هاء، فزدت فيها ما ليس فيها، وكان ينبغي أن ترد المسألة فتقول: هي خطأ على هيئتها إذا لم يدخل فيها الألف واللام والهاء، وتبين من أي وجه كانت خطأ، أو تجيب فيها إن كانت صوابا على هيئتها كما ألقيت.
قال أبو جعفر: أما قولي: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة، فهو بمنزلة قولك: مررت برجل أحمر خد الغلام، وما أشبهه هو كثير في كلام العرب.
وأنشد سيبويه بيتا، وهو قوله: أهوى لها أسفع الخدين مطرق.... ريش القوادم لم تنصب له الشبك فقوله: (أسفع الخدين) بمنزلة (أسهل خد الغلام).

جارٍ التحميل