حكم الياء حكم الهمزة إذا وقعت أولا لكثرة ما زيدت في الأول.
يعقوب، ويوسف، ويونس، واليسع: أسماء الأنبياء- على نبينا وعليهم السلام- كلها أعجمية.
فأما اليعقوب الذي هو ذكر الحجل فإنه عربي، والجمع: (اليعاقيب)؛ قال الشاعر:
ولى حثيثا وهذا الشيب يطلبه.... لو كان يدركه ركض اليعاقيب
وقال:
عال يقصر دونه اليعقوب
وهو منصرف في المعرفة والنكرة.
فإن قلت: فلم ينصرف إذا سميت به، والزيادة في أوله؟ قيل: ليس هو على وزن الفعل.
يارق: السوار، وهو فارسي الأصل؛ قال:
لعمري لظبي عند باب ابن محرز.... أغن عليه اليارقان مشوف
يصف امرأة ذات سوارين.
والمشوف: المجلو.
يخضور: بمعنى اخضر، وهو (يفعول)، والجمع (يخاضير)؛ قال:
عيدان شطي دجلة اليخضور
أنشده أبو عبيدة.
و (العيدانة) النخلة الطويلة.
واليخضور
أيضاً: الأرض الواسعة الكثيرة الخضرة.
وكل أخضر من بحر أو عشب فهو يخضور، ويقال أيضا يخضير.
يحامد: جمع (يحمد)، ويحمد: قبيلة من الأزد، وهو مثل المهالب.
يحموم: أسود، والجمع يحاميم.
وقول الله عز وجل: ﴿وظل من يحموم﴾ أي: من دخان أسود.
[104/ب].
يديت: إليه يدا، وأيديت عنده يدا.
واليد في ذلك بمعنى النعمة.
ويديته: إذا أصبت يده.
ويقولون في الصيد يرمونه: أميدي هو أم مرجول.
يرمع: حجر رخو أبيض بين الطين والحجر، ووزنه:
يفعل.
قال أبو الفتح: (يجوز عندي أن يكون: (يرمع) من قولهم: ترمع أنف فلان: إذا تجرك واضطرب؛ لأن (اليرمع) حجر خوار ليس له ثبات لكنه هش، والهشاشة [والخور] قريب من الاختلاج والاضطراب، ألا ترى أنهما جميعا بضد الثبات).
وهذا الذي قاله تشبيه بعيد وجمع فيما لا يكاد يجتمع.
وهلا قال: إن ترمع أنفه مأخوذ من قولهم للحجر: يرمع!!.
قال سيبويه: (ولا نعلمه جاء وصفا)، يعني أن (يفعل) إنما جاء اسما لا وصفا مثل: (يعمل) و (يرمع)؛ وكذلك قال الجرمي.
وقال أبو بكر: قد جاء وصفا، قالوا: ناقة يعملة، ورجل يلمع.
يرقوع: هو يفعول، بفتح أوله.
يقال: جوع يرقوع، كأنه- والله [105/آ] أعلم- من الرقاعة، وهي الحمق، لفساد العقل به.
يربوع: الحيوان المعروف، والجمع: اليرابيع.
يسروع يفعول، وقال قوم: (يسروع)؛ وذلك عند سيبويه إتباع- كما قالوا: الأسود بن يعفر، بالضم والفتح- لأنه ليس في الكلام يفعول.
واليسروع، قال ابن الشكيت: (اليسروع والأسروع: دودة حمراء تكون في البقل، ثم تنسلخ فتصير فراشة) قال ذو الرمة:
وحتى سرت بعد الكرى في لوية.... أساريع معروف وصرت جنادبه
اللوي: ما ذبل من البقل.
يصف شدة الحر؛ لأن الأساريع لا تسري على البقل إلا ليلا، لأن شدة الحر بالنهار تقتلها.
وقال القناني: الأسروع: دود حمر الرؤوس، بيض الجسد، تكون في الرمل تشبه بها أصابع النساء؛ قال امرؤ القيس:
وتعطو برخص غير شئن كأنه.... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
ويقال للقضيب الغض من الكرم وغيره: (سرع) و (سرعرع).
والسرعرع: الشاب الناعم اللدن.
ويقولون: السرع السرع كما يقولون: النجاء النجاء.
يستعور: بلد بالحجاز، قال عروة بن الورد:
أطعت الآمرين بصرم سلمى.... فطاروا في بلاد اليستعور
واسم للباطل.
قال الزمخشري: وكان عندنا إنسان أعور، وكان طيبا، فإذا أخذ في مضحكاته قلت هل: يايستعور، أخذت في يستعور.
و (اليستعور) أيضا: شجر.
و (اليستعور): كساء يعمل على ظهر البعير.
يظلم: في قول زهير.
هو الجواد الذي يعطيك نائله.... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم [105/ب]
معناه: إنه يطلب منه في غير وقت الطلب ولا موضعه فيعطي؛ جعله سؤاله في غير وقت السؤال ظلما، وجعل إعطاءه ما سئل على تلك الحالة وتكلفه لذلك اظلاما.
يعضيد: على يفعيل: نبات؛ قال النابغة:
يتحلب اليعضيد من أشداقها.... صفرا مناخرها من الجرجار
يعسوب: هو ذكر النحل، والجمع: اليعاسيب؛ ووزنه: يفعول.
يعمل: اليعمل واليعملة: الناقة التي يعمل عليها.
يقطين: قال معمر بن المثنى: اليقطين: شجرة تنبسط على وجه الأرض، ولا ترتفع لها ساق؛ واستشهد على ذلك بقول الله عز وجل: ﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾.
وكذلك قال المبرد، قال: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي شجرة.
وقال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وابن جبير، وابن زيد: هي القرع.
وفائدة
ذلك أن القرع يتحاماه الذبان، وقد كان يونس- عليه السلام- على حال لا يحتمل معها الذبان.
فإن قلت: فما معنى إنباتها عليه وهي لا تقوم على ساق؟ قلت: إن لم تقم على ساق فإنها ترتفع، إذا وجدت ما تتعلق به.
وقيل: هي الموز، وقيل: التين، وقيل: شجرة أظلته سماها الله عز وجل (يقطينا).
واليقطين جمع (يقطينة)، وهو مأخوذ من قطن بالمكان؛ لأنها تنبسط على وجه الأرض.
[106/آ].
يكسوم: اسم أعجمي معرب؛ قال عدي بن زيد:
يوم ينادون يال بربر والـ.... ـيكسوم لا يفلتن هاربها
وملك الحبشة (يكسوم)، وهو صاحب الفيل.
يلمع: هو السراب.
وقولهم للكذاب: (يلمع) من ذلك؛ قال الشاعر:
إذا ما شكوت الحب كيما تثيبني.... يردي قال: إنما أنت يلمع
يلمق: هو القباء، وهو أعجمي عرب.
ويلمقة: اسم بلقيس، وبلقيس لقب، وهي يلمقة بنت يلب شرح.
ذكر ذلك أبو العلاء المعري، رحمه الله.
يلندد: هو الخصم، ووزنه: يفنعل؛ وفي معناه: (ألندد)، والنون والياء والهمزة فيه زوائد.
ويقال في تصغير (ألندد): أليد؛ لأن النون زيدت فيه للإلحاق بـ (سفرجل)،
وأوجب التصغير حذفها.
يلنجج ويلنجوج: لغتان في العود؛ وفيه لغتان غير هذين قد سبقا في الهمزة.
قال الجرمي: يزيدون الهمزة مرة والياء أخرى؛ ووزنه: (يفنعل).
اليهير: بتخفيف الراء: الباطل.
واليهير أيضا: الخطل.
قال أبو حاتم: (كلاهما خفيف الراء)؛ قال: و (اليهير، مشدد الراء: الباطل أيضا).
انتهى كلامه.
واليهيرى مثله.
وقال أعرابي لقتيبة الأحمر: يا يحمرى ذهبت في اليهيرى، أي: في الباطل؛ وقتيبة هذا من أهل خراسان.
و (اليهير): صمغ الطلح؛ قال ذلك أبو عمرو الشيباني.
قلت: ويقال له: القهقر [106/ب] أيضاً.
قال الشاعر:
أطعمت راعي من اليهير
فظل يعوي حبطا بشر
خلف آسته مثل نقيق الهر
واليهيرى: الكذب، عن أبي عبيد في (الغريب المصنف).
وعن الكوفيين: (اليهير): الحجر الصغير يكون ملء الكف.
وعن بعض أهل اللغة: (اليهير) الماء الكثير.
و (اليهير) أيضا: دويبة في بعض الصحراء أعظم من الجرذ.
هذا آخر الكلام في الأبنية، وما اتصل بذلك من تفسير ألفاظ عربية، وتبيين مسائل أدبية.
وقد رأيت أن أصل ذلك بتحف مما جرى بين النحاة، وبفوائد تفرح قلب من قصد هذا العلم ونحاه.
[بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين] فمن ذلك ما جرى بين سيبويه والكسائي في مجلس يحيى بن خالد البرمكي، وكان شيخنا أبو اليمن- رحمه الله- شافهني بشيء من ذلك من لفظه، وعن الفراء:
قدم سيبويه- رحمه الله- على البرامكة، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يوما؛ فلما حضر- يعني سيبويه-[107/آ] تقدمت أنا والأحمر.
فدخلنا فإذا بمثال في صدر المجلس، فقعد عليه يحيى، ومعه إلى جانب المثال الفضل وجعفر ومن حضر بحضورهم.
فأقبل الأحمر على سيبويه فسأله عن مسألة فأجاب فيها سيبويه، فقال له الأحمر: أخطأت.
ثم سأله مسألة ثانية فأجابه فيها، فقال له: أخطأت.
فقال سيبويه: هذا سوء أدب.
قال الفراء: فأقبلت عليه فقلت له: إن في هذا الرجل حدة وعجلة؛ ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء (أبون) ومررت بـ (أبين)، كيف تقول على مثال ذلك من (أويت) و (أويت)؟ فقدر فأخطأ.
فقلت: أعد النظر، فقدر فأخطأ.
فقلت: أعد النظر ثلاث مرات يجيب ولا يصيب.
فلما كثر ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره.
فحضر الكسائي، فأقبل على سيبويه فقال: أتسألني أم أسألك؟ فقال: لا.
بل سلني أنت.
فأقبل عليه الكسائي فقال:
كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب.
فقال له الكسائي: لحنت.
ثم سأله عن مسائل من هذا النحو: خرجت فإذا عبد الله القائم، أو القائم [107/ب]؟ فقال سيبويه ذلك كله بالرفع دون النصب.
فقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصب؛ فدفع سيبويه قوله.
فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟!.
فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب، ووفدت عليك من كل قطر، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل البصرة وأهل الكوفة منهم، فيحضرون ويسألون.
فقال يحيى- أو جعفر-: قد أنصفت؛ وأمر بإحضارهم فدخلوا، وفيهم أبو فقعس، وأبو زياد، وأبو الجراح، وأبو ثروان، فسئلوا فاتبعوا الكسائي وقالوا بقوله.
فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع!! فاستكان سيبويه.
وأقبل الكسائي على يحيى، فقال: أصلح الله الوزير!! إنه قد وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت أن لا ترده خائبا!! فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، فأقام هناك ولم يعد إلى البصرة.
قال أبو العباس ثعلب: إنما أدخل العماد في قوله: فإذا هو إياها؛ لأن (إذا) مفاجأة، أي: فوجدته ورأيته؛ و (رأيت) ينصب شيئين ويكون معه خبر؛ فلذلك نصبت العقرب.
قال الزجاجي [108/آ]: وهذا آخر الخبر.
قال لي شيخنا أبو اليمن- رحمه الله-: إن سيبويه إنما قال ذلك؛ لأن المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة.
وقال أيضا: إنه لما دخل من دخل من العرب وقالوا: القول ما قال الكسائي، إن سيبويه قال: مرهم فلينطقوا بذلك؛ فإنهم لا تجري ألسنتهم به.
قال أبو القاسم الزجاجي- رحمه الله-: وأقول في ذلك بحسب ما يوجب النظر.
أما حكاية الفراء عن الأحمر انه سأل سيبويه ثلاث مسائل، فقال له: أخطأت، فقد أقر الفراء بأنه أجاب فيها وشهد له بذلك، ولا يلتفت إلى قول الأحمر: أخطأت.
ومع ذلك فلم يحك المسائل؛ ليعلم وجه الخطأ فيها من الصواب!!.
وأما قول الفراء: إني قلت له: كيف تقول- في مذهب من قال: هؤلاء (أبون)، ومررت بـ (أبين) - مثله من (وأيت) و (أويت)؛ وقوله: إنه قدر ثلاث مرات فأخطأ- فقد كان الواجب أن يحكي كيف قدر ثلاث مرات، ويدل على موضع الخطأ؛ ليعلم أصادق هو في ذلك أم كاذب، فلعل جواب سيبويه في ذلك كان صوابا، ورأى الفراء خلافه؛ فكان عنده، مخطئا لمخالفته إياه.
قلت: هذا الذي قاله أبو القاسم هو الحق؛ وهذا كما سأل بعض الشباب الشافعي- رحمه الله- عن مسألة فأجابه، فقال له: أخطأت.
فقال: يا بن أخي، أخطأت [108/ب] ما في كتابك،
ولم أخطيء الحق والصواب.
قال أبو القاسم: ونحن نذكر الجواب في هاتين المسألتين.
اعلم أن (أوى) تقديره: فعل؛ فالهمز فاء الفعل، والواو عينه، واللام ياء، لأنه إذا حصلت العين واوا فاللام ياء، فإن كانت واوا لم تصحح بل ترد إلى الياء.
ألا ترى أنهم قالوا: قويت، فردوا الواو إلى الياء.
فإذا بنيت (فعل) منه اسما قلت: أوى مثل هوى؛ فإذا جمعته جمع السلامة، على مذهب من قال (أبون)، ومررت بـ (أبين)، قلت: (أوون)؛ تسقط اللام لسكونها وسكون واو الجمع، وفي الخفض والنصب: (أوين)، كقولك: مصطفون ومصطفين.
قال: وهذا مذهب يتفق عليه البصريون والكوفيون.
وللكوفيين في ذلك مذهب آخر نذكره بعد ذكر المتفق عليه.
وكذلك لو جمعت عصا ورحى، وما أشبه ذلك، اسم رجل، جمع السلامة لقلت (عصون) و (عصين)، و (رحون) و (رحين)، والباب واحد.
وأما (وأى) فتقديره أيضا فعل، ولامه ياء لا محالة؛ لأنه ليس في كلامهم مثل: وعوت.
فلو بنيت منه اسما على فعل، وجمعته جمع السلامة قلت: وأون مثل وعون، وفي الخفض والنصب: (وأين) مثل (وعين) [109/آ].
والتفسير، على ما تقدم في إسقاط لام الفعل، وهذا واضح بين متفق عليه، وليس مما يغلط فيه سيبويه ولا من هو دونه.
ولكن الفراء سامه أن يبني منه على مذهبه، على أنه معرب من مكانين؛ لأنه يسمي هذه الأسماء- أعني قولهم: أبوك وأخوك، وأخواته، وابنم، وامرؤ- معربا من مكانين.
وهذا عند البصريين محال؛ لأنه لو جاز أن يجعل في اسم واحد رفعان، كما زعموا، لجاز أن يجتمع فيه إعرابان مختلفان، فيجتمع رفع ونصب، أو نصب وخفض في حال؛ وهذا محال؛ فكما امتنع اجتماع إعرابين مختلفين كذلك يمتنع اجتماع إعرابين متفقين.
فلعل سيبويه قدر أن يجمعه جمع السلامة، على ما ذكرنا، ولم يسبق إلى علمه أن في الكلام شيئا يعرب من مكانين، فكان تقديره على ذلك.
وقول الفراء له: (أعد النظر) إرادة منه أن يقيسه على أنه معرب من مكانين، ولم يصرح له بذلك ليدهشه بقوله: (أعد
النظر) ولا يعرفه من أي جهة أخطأ؛ فكان يرد عليه بما يوجبه القياس.
ونحن نذكر قياس هاتين المسألتين على [109/ب] مذهب الفراء والكسائي لتعرفه؛ إن شاء الله عز وجل.
اعلم أنك إذا أردت أن تبني مثل قولهم: (أبوك) من (أوى) على أنه معرب من مكانين، فإنك تقول: هذا (أيك).
وقياس ذلك أنك لما أعربته من العين واللام تحركت العين، وهي واو وقبلها فتحة، فانقلبت ألفا، كما تنقلب في قام وطال.
وتصح الياء لأنها ليست زائدة ولا واقعة بعد ألف زائدة فيلزمها الاعتلال، ولكن تصح كما صحت في (راي) جمع راية، وفي (معايش).
فإذا ثنيت اختلف الكسائي والفراء:
أما الكسائي فألزم على قياس قوله أن يقول: هذان أوياك فيرد عين الفعل، وهي الواو، إلى الأصل؛ لأن ألف التثنية ردتها
إلى أصلها، كما قالوا: فتيان، ورحيان، وعصوان، فردوا الألف إلى أصلها؛ لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لزمهم حذفها، فكان يلتبس الواحد بالاثنين، وهذا لا لبس فيه.
ويلزم على قياس قول الفراء أن يقال في التثنية: هذان (آياك)؛ وكذلك قالا في مثل (هذا أبوك)، من (هويت): هذا (هايك).
ثم قال الكسائي في التثنية: هذان هوياك [110/آ]؛ وقال الفراء: هذان هاياك، وألزمه ما ذكرت لك، وقول الفراء أقيس.
فإذا جمعت قلت في مذهبيهما: هؤلاء (آيوك)، و (هايوك).
وسبيله أن يقول: هؤلاء (أويوك) و (هويوك)؛ فلزم قلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيصير (آيوك) و (هايوك)؛ وتصح الياء لوقوعها بين ساكنين غير زائدة، وهي لام الفعل، والواو واو الجمع.
فإذا بنيت من (وأى) مثل (هذا أبوك) على أن تعربه من مكانين قلت: (هذا وأوك)، تقديره: وعوك.
وذلك أن الهمزة تجري مجرى الصحيح في الإعراب، فلما أعربته من مكانين ضممت الهمزة، وهي عين الفعل، وأسكنت الياء التي هي لام الفعل؛ لأنها في موضع الرفع كـ (ياء) هذا قاضيك؛ فلما سكنت الياء التي
هي لام الفعل من (وأى)، قبلها ضمة، انقلبت واوا كما انقلبت في (موقن) و (موسر).
وتقول في الخفض: (وئيك)، مثل (حميك)، وفي النصب: (وآك) مثل (حماك)؛ لما انفتحت العين، وهي الهمزة، انقلبت الياء ألفا؛ ولما انكسرت الهمزة صحت الياء.
فإذا ثنيت قلت: هذان (وآياك)، صحت الياء لمجيء ألف التثنية كما تصح في (رحيان).
والفراء يوافق الكسائي ههنا، ولا يخالفه كما خالفه في تثنية المسألة الأولى؛ لأنه يخاف ههنا التباس الواحد بالاثنين.
فإذا جمعت قلت: هؤلاء (وأوك) لفظه لفظ الواحد [110/ب] والتقدير مختلف.
وذلك أنك ههنا أسقطت لام الفعل لاجتماعها ساكنة مع واو الجمع: كان (وأيوك)، فلزم إسكان الياء لأنها في موضع رفع، ثم حذفت لاجتماع الساكنين وبقي ما قبلها مضموما على حاله.
وقولك في الواحد: (هذا وأوك) لم تحذف شيئا، إنما قلبت لام الفعل واوا، كما ذكرت لك.
وتقول في النصب والخفض في الجمع: (وئيك) تسقط لام الفعل
أيضاً؛ لسكونها وسكون ياء الجمع.
فهذا مذهب الكسائي والفراء في هاتين المسألتين، وهو نوع من التصريف فيه غموض وإشكال، وقياسه صحيح ولكنه ليس من كلام العرب، وإنما هي أوضاع وضعوها وعلى أن قولهم: أخوك وأبوك وما أشبههما معرب من مكانين يعنون أن الضمة والواو إعرابان؛ لأن الرفع في الكلام بالضمة وبالواو.
وليس يقول البصريون: إن هذه الأسماء معربة من مكانين، وإنما هي أشياء خرجت عن القياس فسبيلها أن تحكى، ولا يقاس عليها؛ لأن الشاذ لا يجعل أصلا يقاس عليه.
وللبصريين في هذه الأسماء أقوال:
كان المازني يقول: ضمة الباء إعراب، والواو إشباع يؤكد الإعراب.
وإذا [111/آ] قلت: (أباك) فالفتحة إعراب والألف إشباع.
وكذلك (أبيك): الكسرة إعراب والياء إشباع، قال: ونظيره في الأفعال: هو (يضربو) فالباء حرف الإعراب، والضمة
الإعراب، والواو للإطلاق والإشباع؛ ومثله: ﴿أضلونا السبيلا﴾.
قال أبو عثمان: فإن قال قائل: (لم تذهبي)، في خطاب الواحد في لغة من أشبع إذا كان في قافية فاحتيج إلى تحريكه للوصل، أي شيء أكدت بالياء؟ فالجواب أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فكما تكون الياء مؤكدة للجر في الأسماء كذلك تكون مؤكدة للجزم؛ لأنه نظير الجر.
وقال الأخفش، في قولهم (أخوك)، وما أشبهه، أقوالا مختلفة:
قال في موضع: الواو دليل على الإعراب، كما قال ذلك في الواو من (مسلمون) والياء من (مسلمين).
وقال في موضع آخر: قولهم (أبوك) عينه تابعة لأمه، وقال هذا لا يؤخذ بقياس.
فهذان قولان مختلفان، لأن القول الأول ذكر فيه أن الواو دليل الإعراب ولم يجعلها لام الفعل، وقد جعلها في القول الثاني لام الفعل وجعل العين تابعة لها؛ وهذا قول سيبويه؛ لأنه يرى أن الواو من هذه الأسماء هي حرف
الإعراب.
وأن العين تبعت اللام، بمنزلة: هذا (امرؤ)، حين تبعت الراء [111/ب] الهمزة فضممتها بانضمامها، وفتحت بانفتاحها، وكسرت بكسرها.
وأما قول الكوفيين (إنه معرب من مكانين) فلو تخلو الباء من قولك: (أبوك)، أن تكون حرف الإعراب أو الواو.
فإن كانت الباء حرف الإعراب فالواو زائدة وقد سقطت لام الفعل؛ فهذا مذهب المازني.
وإن كانت الواو حرف الإعراب فهي لام الفعل والباء تابعة للام، وهذا أحد قولي الأخفش وهو مذهب سيبويه.
وإن زعموا أن الضمة والواو مزيدان جميعا للإعراب، فهذا ما لا يعقل ولا نظير له: أن يجتمع في كلمة واحدة إعرابان مختلفان.
والذي ذهب الكوفيون إليه أن الواو من قولك (أبوك) لام الفعل ولكنها معربة، وإعرابها عندهم سكونها في موضع الرفع، والباء معربة لأنها مضمومة؛ فلما صاروا إلى النصب انقلبت الواو ألفا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها.
ويلزم من قال بقول سيبويه: (إن الواو لام الفعل والعين تابعة للام) إذا قيل له: كيف تبني على
هذا القياس مثله من (وأيت) و (أويت) وتجعل العين تابعة للام أن يبني كما ذكرنا من قول الكوفيين قياسا وإن لم يكن مسموعا.
وأما مسألة الكسائي: (كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي) فالرفع، لا يجوز غيره؛ كما تقول: خرجت فإذا عبد الله [112/آ] قائم، و (إذا) هذه للمفاجأة، وهي ظرف مكان.
قال أبو بكر بن الخياط: تقدير قولك: خرجت فإذا عبد الله قائم: خرجت فبحضرتي عبد الله؛ فتكون (إذا) بمنزلة قولك (بحضرتي) ظرفا من مكان.
وجائز أن تجيء معها الحال، تقول: خرجت فإذا عبد الله قائما، كما تقول: خرجت فبحضرتي عبد الله قائما.
فإن أدخلت الألف واللام فقلت: خرجت فإذا عبد الله القائم، رفعت القائم، برفع عبد الله بالابتداء، والقائم خبره، ولا يجوز نصبه لأنه معرفة، والحال لا تكون معرفة، فلما بطلت الحال رجع إلى الرفع لأنه لا ناصب له.
وأهل الكوفة يجيزون نصبه، يقولون: خرجت فإذا عبد الله القائم، يرفعون عبد الله بـ (إذا) لأنها ظرف كما يرفعون الأسماء بالظروف ثم يعملونها في الخبر عمل (وجدت) و (رأيت).
وعندي أن هذا القول ظاهر الإحالة؛ لأنه إن كانت (إذا) وحدها بمنزلة (وجدت) وتعمل عمله فالسبيل أن ينصب بها اسمان، ويرفع اسم، كما تقول: وجدت عبد الله عالما فترفع الفاعل وتنصب مفعولين.
إن كان قولك: فإذا عبد الله (إذا) مع (عبد الله) بمنزلة (وجدت) فقد وجب أن ينتصب بعد عبد الله اسمان؛ لأن (وجدت) ههنا ليس من وجدان الضالة وإنما هي عندهم التي بمنزلة (عملت) الناصب مفعولين فكيف صرفوها فلا سبيل لرفع عبد الله ونصب القائم.
وإن قالوا: إن (إذا) إنما هي بمعنى (وجدت) ولا تعمل عمل (وجدت) [112/ب] كما أن قولك: (حسبك) بمعنى الأمر وهو اسم ليس بمجزوم، كما ان (صه) و (مه) بمنزلة اسكت واكفف، وليسا على بناء الفعل ولا مثاله؛ وكما أن قولك: (أحسن بزيد) لفظه لفظ الأمر وهو تعجب في المعنى؛ وكما أن قولنا: (غفر الله
لزيد) لفظه لفظ الخبر وتأويله الدعاء، وكما أن قوله عز وجل: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾، في قراءة من رفع، لفظه لفظ الخبر وتأويله النهي، ومثله كثير؛ فالشيء قد يكون له لفظ وتأويله على خلاف ذلك فنعطيه ما يستحقه لفظا ونتأول معناه على ما وضع له فكذلك نقول نحن: إن قولنا: خرجت فإذا عبد الله قائم، تأويل (إذا) ههنا تأويل (وجدت) في المعنى وهي في اللفظ ظرف، وليس لها عمل (وجدت)، فنعملها في اللفظ عمل الظروف من المكان لأنها ظرف، ونتناول معناها على ما أدت عنه.
فإذا صح ذلك فقد وجب الرفع في الاسمين المذكورين بعدها إذا كانا معرفتين، وبطل النصب، وجاز في القياس نصب الثاني على الحال إذا كان نكرة.
فقد تبين لك ووضح أن قولك: (فإذا هو هي) لا يجوز النصب في (هي) لأنه لا ناصب لها؛ لأنهما ابتداء وخبر، وبطل أن تعمل (إذا) بلفظها عملين مختلفين: عمل الفعل، وعمل الظرف، كما زعموا، فترفع [113/آ] الأول على أنها ظرف، وتنصب الثاني على أنها فعل ينصب مفعولين، فينصب
بها واحد ولم يؤت بالفعل.
وهذا كمثل العامة: (إذا قيل للنعامة: احملي، قالت: أنا طائر، وإذا قيل لها: طيري، قالت: أنا جمل)، وهذا من المحال لأنهم إذا أعملوها عمل (وجدت) طالبناهم بفاعل ومفعولين، ولا سبيل لهم إلى إيجاد ذلك؛ وإن أعملوها عمل الظروف لزمهم رفع اسم واحد، وبقي المنصوب بلا ناصب؛ إلا أن يرجعوا إلى الحق، وقد مضى ذكره.
وإن كان قولهم (فإذا هو إياها) محفوظا عن العرب فهو من الشاذ الذي لا يعرج عليه، وقد حكى أبو زيد الأنصاري: (قد كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها).
فإما أن يكون سيبويه قد بلغته هذه اللغة فلم يقبلها ولا عرج عليها؛ لأنه ليس كل من سمع منه أهلا عنده للقبول منه والحمل عنه.
ألا ترى أنهم قد حكوا أن من العرب من ينصب بـ (لم) ويجزم بـ (لن) و (كي)؛ حكى ذلك اللحياني، وليس ذلك مما يلتفت إليه.
ومثل ذلك، في الشذوذ، خفض بعض العرب بـ (لعل) وحكوا:
..............
لعل أبي المغوار منك قريب
فلم يلتفت سيبويه إلى مثل هذا ولا حكاه؛ والكوفيون حكوه وقاسوا عليه، وتكلموا على الخبر بأي شيء يرتفع، وبنوا عليه مسائل.
ومثله، مما قبله الكوفيون ولم يقبله سيبويه، قولهم: جاء القوم إلا زيد، بالرفع، ولم يقبله [113/ب] البصريون.
ومن ذلك قولهم: (يا اللهم) فجمعوا بين الميم في آخر الاسم و (يا) في أوله، وهذان الحرفان عند البصريين يتعاقبان.
ومثله من رواية الكوفيين: بعبد الله زيد مأخوذا.
وفيك زيد راغبا؛ فنصبوا الخبر مع الظرف الناقص وأجازوا ذلك.
وقال الفراء؛ شبهت العرب الصفة الناقصة بالتامة.
وقال الكسائي: أرادوا المصدر، كأنهم قالوا: فيك رغبة زيد.
ومثل ذلك إجازة الكوفيين: يا عبد الله وزيدا، بنصب زيد عطفا على عبد الله، وهو عند البصريين لحن.
ومثل إجازتهم عطف الظاهر على المضمر المخفوض.
فأجازوا: مررت بك وزيد، وأجمع البصريون على أن هذا لحن.
ومثل هذا، مما لم يجزه البصريون، كثير، وإنما ذكرت لك بعضه لتعلم أن قولهم (فإذا هو إياها) من هذا الجنس فلا تستوحش من رد سيبويه إياه؛ إذ كان فاسدا في القياس.
وإما أن يكون (فإذا هو إياها) لغة لم تبلغ سيبويه فأنكرها، كما أنكر أبو عمرو بن العلاء على ابن خيرة البصري (حفرت
له إراتك) جمع إرة، وهي حفرة، و (استأصل الله عرقاتهم) بنصب التاء؛ لأن أبا عمرو لم يسمع هذه اللغة فاتبع القياس لأنها تاء الجميع فسبيلها أن تكسر في موضع النصب، وهو مذهب أكثر العرب، إلا أن قوما ربما شبهوها في مثل هذا المنقوص بلام الفعل فنصبوها في موضع النصب، وهو من الغلط والتوهم، كما يقول بعضهم: حلأت السويق فيهمز وكما قالوا: هذا جحر ضب خرب، وأنكر سيبويه ما لم يره مطابقا للقياس ولا رأى له وجها يقارب الصواب، ولم ير وجه الصواب فيه فيلزمه ويقطع بحجة.
وكان قصاراهم الالتجاء إلى السماع، والفزع إلى أعراب أحضروا فسئلوا عن ذلك، وسيبويه [114/آ] إذ ذاك غريب طارئ عليهم، وهم مع القوم قاطنون.
وقال أصحابنا: قد كانوا أعطوا جعلا على متابعة الكسائي.
وقالوا أيضا: إنما قصد الكسائي والفراء بالسؤال عنها حين علموا أنه غير جائز عنده؛ ليخالفوه ويرجعوا إلى السماع، فينقطع
المجلس عن النظر والقياس، لأن خبره قد كان عندهم.
ومع هذا فإن الكسائي، والفراء، وأصحابهما لا يدفعون أن قوله (فإذا هو هي) صواب جيد، وأنه الوجه؛ فلا معنى لقولهم: (أخطأت) إذا جاء بما هو صواب عندهم.
وأما قول ثعلب: (إنه إنما أدخل العماد في قوله: فإذا هو إياها، لأن إذا مفاجأة، وهو بمعنى رأيت ووجدت، فلذلك جاز معه العماد) فهو خطأ؛ لأن العماد عند البصريين والكوفيين لا يكون إلا فضلة يجوز إسقاطها، ثم يسميه البصريون الفصل، وذلك مثل قولك: كان زيد هو القائم، إذا جعلت (هو) عمادا نصبت القائم، ألا ترى أنك لو حذفت (هو) كان الكلام سديدا، ولو حذفت (هو) من قولك (فإذا هو إياها) لبطل الكلام؛ لأن (فإذا إياها) لا معنى له؟!.
فقد تبين لك أن (هو) ههنا، لا يكون عمادا، ولو كان عمادا، كما زعم، لكانت مستغنى عنها؛ وهذا كاف فيما قصدنا له، وبالله التوفيق.
وأقول: إني لم أسمع، في هذه المسألة، أحسن من قول الكندي- رحمه الله-: المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة، ولا أبلغ.
وسيبويه هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، من الحارث بن كعب، مولى لهم.
مسألة
سأل عنها علي بن أبي زيد الفصحي
أبا محمد القاسم بن علي الحريري
قال: ما يقول سيدنا- أدام الله توفيقه- في انتصاب لفظي بعض الشعراء، وهو قوله:
تعيرنا أننا عالة
ونحن صعاليك أنتم ملوكا [114/ب]
فعلى ماذا عطف قوله (ونحن)؟ وعلى أي وجه يعمل المتنبي وغيره من الشعراء نحو (أسمر مقبلها) و (أبيض مجردها)؟.
وهل هما من الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين أم لا؟ فإن
الشريطة في الصفة المشبهة باسم الفاعل أن لا تكون جارية على (يفعل) من فعلها نحو: حسن وكريم؛ فإن حسنا ليس على زنة يحسن، و (أسمر) على زنة يسمر ويسمر؛ فإن اللغتين قد حكيتا وليس هذا شرطها تنعم بإيضاحها.
الجواب
اللهم إنا نعوذ بك أن نعنت، كما نستعيذك أن نعنت، ونبرأ إليك من أن نفضح، كما نستعصمك من أن نفضح، ونستمنحك بصيرة تشغلنا بالمهمات عن الترهات وتنزهنا عن التعلم للمباهاة والمباراة، ونسألك اللهم أن تجعلنا ممن إذا رأى حسنة رواها، وإن عثر على سيئة واراها، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وقفت على السؤالين الملوح بشر مصدرهما وهجنة مصدرهما؛ إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات، وزجر عن تطلب السقطات والعثرات.
وكان ابن سيرين رحمه الله إذا سئل عن عويص اشمأز منه وقال: سل أخاك إبليس عن هذا.
ومع هذا فإني كرهت رد السؤال، ولرب عي أفصح من لن
لاسيما إذا لم يأت بحسن.
أما السؤال الأول فهو من مسائل المعاياة وأسئلة الإعنات، ولا عيب أن يجهله النحوي المدرس فضلا عمن لا يدعي ولا يلبس؛ وهو من الأبيات التي جرى فيها التقديم والتأخير لضرورة الشعر، وتقديره: تعيرنا أننا عالة صعاليك ملوكا أنتم ونحن.
و (عالة) فيه جمع عائل المشتق من عال يعول؛ وانتصاب (صعاليك) به، و (ملوكا) صفتهم.
وأما (أسمر) و (أبيض) فإنما أعملا لمجيء الفصل بينهما على افعل وافعال [115/آ] المخالفين لزنتيهما؛ فهذا ما حضرني من الجواب.
ولعلني نكبت فيه عن طريق الصواب.
قلت: وما أرى هذا الجواب مستقيما؛ لأن الملوك لا تكون صفة للصعاليك.
وقوله في تقديره: (صعاليك ملوكا أنتم ونحن) لا معنى له.
وإنما الصواب أن يقال: إن (عالة) بمعنى عالني الشيء: إذا أثقلني، أي: تعيرنا بأنا عالة ملوكا، أي: نثقلهم بطرح كلنا عليه في حال تصعلك؛ فـ (صعاليك) منصوب على
الحال.
وقوله (ونحن) مبتدأ، و (أنتم) خبره، أي: ونحن مثلكم فكيف تعيرنا؟ قال الله عز وجل: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾، ويقول النحاة: أبو يوسف أبو حنيفة.
وتقدير الشعر: تعيرنا أننا عالة ملوكا صعاليك ونحن أنتم.
وفي (عال) بمعنى أثقل جاء قول أمية بن أبي الصلت:
لا على كوكب ينوء ولا ريـ.... ـح جنوب ولا نرى طخرورا
ويسوقون باقر السهل للطو.... د مهازيل خشية أن تبورا
عاقدين النيران في ثكن الأذ.... ناب منها لكي تهيج البحورا
سلع ما ومثله عشر ما.... عائل ما وعالت البيقورا
يصف سنة مجدبة.
أي: أثقلت البقر بما حملت في أذنابها من
السلع والعشر، وكانوا يعقدون ذلك في أذنابها، ثم يشعلون فيها النار وهم يعلون بها في الجبال فتتجاءر البقر [115/ب] ويكون ذلك استسقاء لهم فيمطرون، فيما زعموا.
وأما (أسمر) و (أبيض) و (أحمر) فغنهم أجروا هذا الضرب مجرى الصفة المشبهة باسم الفاعل؛ وكذلك (أجب) في قوله:
ونمسك بعده بذناب عيش.... أجب الظهر ليس له سنام
يجوز في (الظهر) الرفع والنصب والجر.
وكذلك تقول في مؤنث أحمر: مررت برجل حمراء جاريته، كما تقول: حسنة جاريته، أجروا حمراء مجرى حسنة، وشبهت هذه بالصفة المشبهة باسم الفاعل في أنها تذكر وتؤنث وتجمع، وأنها تدل على معنى ثابت، وشبه (أفعل التفضيل) أيضا بالصفة المشبهة إذا لم يكن مصحوبا بـ (من) وكان صفة لما ذكرناه نحو (أجب).