فصححوا الياء والواو في هذه المواضع لما لزم تحريكها.
على أن قولهم: تأوه، وظهور الهمزة يوضح أن الهمزة فاء.
وإذا ثبت أن الهمزة فاء ثبت أن الألف زائدة.
وكما أن قولهم: تأوه يدل على أن الهمزة فاء، كذلك قولهم: (تأله) يدل على أن الهمزة [25/ب] فاء، وأن من قال: إن (إلاها) مأخوذ من (توله) العباد إليه مخطئ خطأ فاحشا.
ألا ترى أن أبا زيد أنشد لرؤبة:
سبحن واسترجعن من تألهي
ومن قال في وشاح: (إشاح)، ورأى بدل الهمزة من الواو لم يقل: (توشح) إلا بتصحيح الواو.
ومن ذهب إلى أن الألف في (داوية) بدل من العين التي هي واو فلا دلالة على ما قال
لأنه يجوز أن يكون بنى من الدو فاعلة، وألحقه يائي النسب، كما ألحقهما من قال: أحمر وأحمري، وأعجم وأعجمي، كذلك يجوز ههنا؛ ولأن الواو لم يكثر بدل الألف منها كثرته من الياء في نحو: عاعيت، وحاحيت.
وإذا كانت مواقع البدل تعتبر كما تعتبر مواقع الزيادة فنفس الحرف المبدل أولى.
وألحق هذا بكلام أطاله، لا حاجة إلى ذكره.
وهذا الذي قاله إنما هو على قياس العربية والتصرف فيه.
وإنما الأمر على ما ذكره أبو بكر رحمه الله.
وهي كلمة توجع وشكاية، وفيها لغات:
أوه، ساكنة الواو، كما قال:
فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها
ومن بعد أرض بيننا وسماء
قال الجوهري: (ويقلبون الواو ألفا فيقولون: آه من كذا.
قال: وربما شددوا الواو وكسروها وأسكنوا الهاء [26/آ] فقالوا:
أوه من كذا.
وربما حذفوا، مع التشديد، الهاء فقالوا: أو من كذا، بلا مد.
وبعضهم يقول: آوه، بالمد مع التشديد وفتح الواو وسكون الهاء، لتطويل الصوت بالشكاية.
وربما أدخلوا فيه التاء، فقال: أوتاه، بمد وبغير مد.
وقد أوه تأويها: إذا قال: اوه، وتأوه تأوها.
والاسم منه: الآهة، بالمد؛ قال المثقب العبدي:
إذا ما قمت أرحلها بليل
تأوه آهة الرجل الحزين
ويروى (أهة)، من قولهم: أه، إذا توجع.
قال العجاج:
بأهة كأهة المجروح
ومنه قولهم في الدعاء على الإنسان: آهة لك، وأوة لك، بحذف الهاء أيضا مشددة الواو).
وقول أبي علي في هذه الكلمة كقوله في واحد (ألو) على
ما يوجبه القياس، فإنه قال: إن قيل: ماواحده على القياس، وكيف يكون لو تكلم به؟ قال: ينبغي أن يكون واحده: (أل) يدلك على ذلك قولهم في جمعه: (ألون)، كما قالوا في جمع (عم) عمون، فأسكنوا الياء التي هي لام الفعل من (عم) حيث لزم تحريكها بالضم، وألقيت حركتها على الميم التي هي عين وحذفت الياء [26/ب] التي هي لام لالتقاء الساكنين هي وواو الجمع، فصار: (عمون)، وكذلك تجريك اللام التي هي عين من قولك: (ألون) بالضم يدل على أن الآخر ياء لزوم تحريكها بالضم، فأسكنت وألقيت حركتها على العين التي هي لام، وحذفت فصار: (ألون) كقولك: (عمون).
فإن قيل: فكيف يسوغ هذا، و (أل) على هذا فعل، وليس مثل هذا في الأسماء، وإذا لم يكن كان فاسدا لخروجه عما لا نظير له، وما كان كذلك كان ساقطا؟.
قيل: لا يمتنع أن يكون هذا على لفظ (فعل) إذا لم يكن أصل
الكلمة كذلك.
وإنما الأصل (فعل) مثل قولك أذن وعنق وطنب، فلما لزم أن يكون آخر الاسم واوا قبلها ضمة كره ذلك فأبدل من الضمة كسرة ليصير الآخر ياء.
ونظير هذا ما سمع منهم وحكاه سيبويه في جمع (ثني): ثن، ألا ترى أن ثنيا فعيل، كرغيف وكثيب، وجمعه فعل، كرغف وكثب، فقيل: (ثن) فأبدل، وكذلك الواحد من (ألون) كان على هذا، للدلالة التي ذكرنا، ويجوز أن يكون واحده: فعل، مثل: صرد وهدى.
قال: فإن قلت: لو كان على هذا لوجب أن يكون الجمع: (ألون)، ألا ترى أنك لو سميت بـ (هدى) [27/آ] و (أعشى) لقلت في الجمع: هدون وأعشون، فلما لم تجئ اللام التي هي عين من (ألون) مفتوحة دل ذلك على أنه لا يجوز أن يكون فعل كما ذكرت؟.
قيل: إنه يجوز أن يكون في الأصل، فعل، كما ذكرنا، ولكنهم أبدلوا من الفتحة كسرة إتباعا للجمع الذي في معناه.
ألا ترى أنهم قالوا في جمع (ذو): الذوين؛ قال الكميت:
فلا أعني بذلك أسفليكم
ولكني عنيت به الذوينا
يخاطب بذلك أهل اليمن.
ويعني بـ (الذوين) ملوكهم، كذي يزن وذي كلاع، فجمعهم على ذوين.
فلما كان (الذوين) في معنى (ألين) كسره لكسره، وإن كان الأصل الفتح؛ كما أن (يذر) فتح لما كان في معنى يدع.
ويؤكد هذا ويقويه أنهم جعلوا جمع المؤنث بالألف والتاء كجمع تأنيث ذوين، ألا تراهم قالوا: (ألات)؟ وفي التنزيل: ﴿وألات الأحمال﴾؛ فحذفوا لام الفعل كما كانت محذوفة من (ذوات)، فكما أتبعوا جمع التأنيث التأنيث في أن حذفوا اللام كذلك أتبعوا جمع التذكير التذكير في أن كسروا، قالوا: (ألين)،
وإن كان الأصل فتح العين إتباعا للجمع الذي هو بمعناه، وهو (الذوين).
وجاز أبضا أن يجمع على (ألين)، وإن كان الواحد (ألا)، مثل هدى، كما جاز أن يجمع (ذوا) على ذوين، ألا ترى أن واحد [27/ب] الذوين (ذوا)؛ يدلك على ذلك ﴿ذواتا أفنان﴾ و ﴿ذواتي أكل خمط وأثل﴾ وجمعه الكميت على الذوين.
فكما جاز أن يجمع (ذوا) الذي هو فعل جمع ما آخره ياء، وكان واحده ذوا، كذلك يجوز أن يجمع (ألا) الذي هو فعل كأنه على وزن فعل.
يؤكد ذلك أنهم قد جمعوا في الشعر (قنى) على (قنين)؛ قال الكميت:
وبالغدوات منبتنا نظار
ونبع لا فصافص في كبينا
الكبا: مثل المزبلة؛ وقال الكميت أيضا في هذه القصيدة:
ظعائن من بني الحلاف تأوي
إلى خرس نواطق كالقنينا
فأبدل من الفتحة كسرة في الجمع.
وكذلك يجوز أن يكون واحد ألين (ألا)، وإنما غيروا في الجمع.
وحكى أبو زيد أن بعضهم قال في (مقتوين): (مقتوين) فأبدل من الكسرة فتحة.
فكما جاز أن تبدل من الكسرة فتحة في هذا الذي حكاه أبو زيد كذلك يجوز أن تبدل من الفتحة كسرة في (ألين)؛ لأن الفتحة والكسرة كالمثلين.
ألا ترى
أنهم قد حركوا بالفتح مكان الكسر في جميع ما لا ينصرف، وجعلوا النصب والجر على لفظ واحد في التثنية وضرب الجمع المسلم للتذكير والتأنيث؟.
- آمين: اسم من أسماء الأفعال.
وهو اسم؛ لقولك: اللهم استجب.
قال ابن عباس والحسن: معنى آمين: [28/آ] كذلك يكون.
وهو مبني لما ذكرته من أنه اسم للفعل.
وفيه لغتان: المد، والقصر؛ قال: تباعد مني فطحل إذ رأيته أمين، فزاد الله ما بيننا بعدا وقال آخر:
يا رب لا تسلبني حبها أبدا
ويرحم الله عبدا قال: آمينا
وبني على الحركة لالتقاء الساكنين لو بني على السكون الذي هو أصل البناء.
وكانت الحركة فتحة استثقالا للضمة والكسرة بعد الياء.
ولا تشدد منه الميم، وتشديدها خطأ.
وهو عندهم صوت بمنزلة الأصوات، غير مشتق.
وقد خطأ أبو علي- رحمه الله- من قال في (آمين): إنه اسم من أسماء الله عز وجل، وقال: لا أدعي ما لا دليل عليه وما قامت الدلالة على فساده؛ لأن أسماء الله عز وجل ليس فيها
جملة، وهذا جملة يتحمل الضمير كما تحمله صه ومه؛ لأنه بمعنى: استجب.
قال: وأسماء الله- عز وجل- على ضربين:
اسم فاعل: كـ: عالم، ورازق.
ومصدر: كـ: السلام، والعدل، والإله.
وإذا لم تخل من هذين، ولم يكن (آمين) واحد منهما، ولا اسما غير مصدر ولا وصف، كقولنا: شيء ثبت أنه صوت.
قال: وأما ما روي عن هلال بن يساف وعن مجاهد أنه اسم من أسماء الله عز وجل فإن تأويله أن (آمين) لما تضمن
الضمير الذي [28/ب] هو مصروف إلى الله عز وجل قيل: إنه اسم لله عز وجل على هذا التقدير لا أن الكلمة اسم من أسمائه عز وجل دون الضمير.
قال: ومما يدل على أنه ليس من أسماء الله عز وجل أنه مبني، وليس في أسماء الله عز وجل ما هو مبني على هذا الحد.
قال: فإن قيل: فقد حكى سيبويه وعامة البصريين: (لهي أبوك) وزعم أنهم يريدون: لله أبوك؛ فهذا الاسم مبني لأنه لا يخلو أن يكون على قول من قال: (الله لأفعلن)، فأضمر حرف الجر، أو على قول من قال:
ألا رب من قلبي له الله ناصح
.........
فأوصل الفعل لما حذف الجار وأعمله.
فمن البين أنه ليس
على إضمار حرف الجر لأنه مفتوح في اللفظ، ولا على قول من قال: (ألا رب من قلبي له الله ناصح)؛ لأنه ليس بمنون، وليس من نحو: إبراهيم وعمر، فيكون مفتوحا في حال الجر أو منصوبا بلا تنوين نحو: رأيت عمر؛ لتعري هذا الاسم مما يمنع الصرف.
فإذا لم يكن على شيء من هذه الأنحاء التي يكون المعرب عليها ثبت أنه مبني، وإذا كان مبنيا لم يمتنع أن يكون (آمين) مثله مبنيا.
ويكون اسما من أسماء الله عز وجل فالجواب أنه إنما بني هذا الاسم الذي حكاه سيبويه لتضمنه [معنى] حرف التعريف.
ألا ترى أنه زعم أنهم أرادوا [29/آ]: لله أبوك، فلما لم تذكر لام المعرفة وتضمن الاسم معناها بني كما بني (أمس) لما تضمن معنى الألف واللام، وكما بني (خمسة عشر) لما تضمن معنى حرف العطف، و (كم) و (كيف) و (أين) لما أغنت عن حروف الاستفهام، والاسم إذا تضمن معنى الحرف بني.
فأما (آمين) فلم يتضمن معنى الحرف على هذا الحد، ولا على نحو (كم) و (كيف)؛ وإنما بني كما بني (صه) و (مه) و (نزال) و (تراك) و (حذار) ونحو ذلك من الأسماء التي تستعمل في الأمر للخطاب.
وحكى قطرب (له أبوك) بإسكان الهاء، وهذا صحيح في القياس مستقيم.
وذلك أنه لما وجب البناء، وحرك الأخير منه بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم حذف حرف اللين الواقع موضع اللام، كما حذف في (يد) و (دم)، وبقى على حرفين زال التقاء الساكنين فبني على السكون لزوال ما كان يوجب التحريك.
قال: فإن قيل: فهلا بني على الحركة، وإن كان على حرفين لأنه قد جرى متمكنا في غير هذا الموضع كما بني (عل) على الحركة عند سيبويه في قولهم: (من عل)، وإن كان على حرفين لجريه متمكنا قبل حال البناء قيل [29/ب]: لم يشبه هذا (عل)؛ لأن (عل) ونحوه مما يلحقه الإعراب
والتمكن على اللفظ الذي [هو] عليه، و (له) من قولهم: (له أبوك) لحقه الحذف من شيء لم يتمكن قط في كلامهم، فإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون مثل (عل) لمفارقته لـ (عل) من جهة أنه لم يجر الاسم المحذوف هذا منه متمكنا.
فلما كان كذلك صار بمنزلة حذفهم (مذ) من (منذ) في أن المحذوف مبني، كما أن المحذوف منه كذلك، وفي أن المحذوف أسكن لزوال ما كان له حرك الحرف وهو التقاء الساكنين.
وهذا الذي قاله أبو علي، في تصحيح ما قاله قطرب، يوجب أن البناء لما لحق هذا الاسم أسكنت الهاء للبناء، ثم اتصل بها حرف اللين، وهو الياء الساكنة، ففتحت الهاء لالتقاء الساكنين، فصار: (لهي أبوك)، ثم حذفت الياء، فزال الموجب لتحريك الهاء فبقيت على السكون، وهذا خطأ وإنما الرواية (لهي أبوك) وأصله: لاه أبوك.
وقد جوز سيبويه أن يكون أصل إله: (لاها)، ثم أدخلت
الألف واللام، فجرى مجرى الاسم العلم.
فالألف في (لاه) منقلبة عن ياء.
ومن قال: (لهي أبوك) فإنما هو على تحويل اللام والعين [30/آ] كل واحد إلى موضع الآخر.
وقد أطال أبو علي الكلام في هذه المسألة، ورأيت أن استوفي كلامه للفائدة.
قال: فأما قوله، عز وجل: ﴿مكانكم أنتم وشركاؤكم﴾ فهو مبني غير معرب، من حيث صار اسما للفعل، كما أنه (صه) و (مه)، و (هلم) ونحوها مبني.
قال: وليست الحركة في (مكانكم) بنصبة، إنما هي فتحة.
قال: لأنه لو كان منصوبا لم يخل انتصابه من أن يكون لعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، أو أن يكون بعد التسمية [به] في الانتصاب على ما كان عليه قبل ذلك، فلا يجوز أن يكون انتصابه الآن، وقد سمي به الفعل، على ما كان عليه قبل.
ألا ترى أن تقديره معمولا لذلك العامل، واتصاله به لا يصح كما يصح اتصاله به في الموضع الذي [لا] يكون فيه اسما
للفعل؟ وذلك قولك: زيد مكانك، والذي مكانك زيد، فهذا سد مسد الفعل الذي عمل فيه وأغنى عنه من حيث كان تقدير العامل الذي تعلق به هذا الظرف في الأصل غير ممتنع، نحو: زيد استقر مكانك، أو: مستقر، والذي استقر مكانك زيد.
ولو قدرت هذا العامل في الموضع الذي سمي الفعل به [30/ب] لم يتعلق [به] على حد تعلق الظروف والمعمولات بعواملها.
ألا ترى أنك إن علقته بها على أنه ظرف بطل أن يكون جملة، وزال عنه معنى الأمر؟ فإذا كان كذلك لم يتصل به بعد أن صار اسما للفعل، كما كان يتصل به قبل؛ وإذا لم يتصل به لم يكن معمولا له؛ وإذا لم يكن معمولا له لم يجز، وهو اسم للفعل، أن يكون معربا بالإعراب الذي كان يعرب به قبل، ولا يجوز أن يكون انتصابه بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل؛ وذلك أنه بمنزلة أمثلة الأمر وهو نفسه العامل، كما أن مثال الأمر نفسه العامل، فكما أنه لا عمل لشيء في أمثلة الأمر، كذلك ما أقيم مقامه.
فإن قلت: إن الأفعال المضارعة عاملة في فاعليها، ولم يمنع ذلك من أن تكون معمولة لعوامل أخر، فكذلك ما ينكر أن
لا يمنع كون (مكانك) ونحوه عاملا في الفاعل المضمر فيه أن يكون هو نفسه أيضا معمولا لغيره، كما لم يمتنع المضارع أن يكون معمولا لغيره، وإن كان عاملا في فاعله؟.
قيل: المضارع لما أشبه الأسماء، ووقع موقعها في بعض المواضع التي تقع فيه لم يمتنع أن يعرب للمشابهة التي بينه وبين الاسم.
وهذه الأسماء إذا سمي بها الفعل تخرج بذلك عن أن تقع مواقع الأسماء، فواجب بناؤها لوقوعها موقع [31/آ] ما لا يكون إلا مبنيا، كما بني قولهم: (فداء لك) لما وقع موقع الأمر، وكما بني المضارع في قول أبي عثمان، لما وقع موقع
الأمر، في قوله عز وجل: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾، فكما بنيت هذه الأشياء لوقوعها موقع فعل الأمر كذلك بني (حذرك) و (دونك) ونحوه، لوقوعه موقع الأمر.
ألا ترى أنه بنوا (رويد) في هذا الباب مع أنه مصغر؛ فما عداه من هذه الأسماء أجدر بالبناء.
وإذا كان كذلك لم يجز أن يتعرب (مكانك) بإعراب بعدما سمي به الفعل؛ فإذا لم يجز أن يتعرب بما كان متعربا به قبل أن سمي به الفعل، ولم يجز أن يتعرب بشيء بعدا سمي به ثبت أنه غير معرب؛ وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش.
وإذا لم يكن معربا كان مبنيا، ولم يجز أن يكون في موضع رفع ولا نصب ولا جر؛ لأن ما يعمل في الأسماء لا يعمل فيه الآن.
فأما ما يعمل في الفعل فلا يعمل فيه أيضا؛ لأنه ليس بفعل؛ وإذا كان كذلك ثبت أنها غير معربة.
فأما تحرك بعض هذه الأسماء بحركات يجوز أن تكون للإعراب نحو (مكانك) و (حذرك) و (فرطك)، فإن ذلك لا يدل على أنها معربة.
ألا ترى أن الحركات قد تتفق صورها وتختلف معانيها، كقولك: يا منص، ترخيم رجل اسمه منصور، على قول من قال: [31/ب] (يا حار) و (يا حال) وكذلك من قال: درع (دلاص) وأدرع (دلاص)، لا تكون الكسرة التي في الجميع الكسرة التي في الواحد؛ لأن التي في الواحد مثل التي في: (كناز) و (ضناك)، والتي في الجميع مثل التي في: (شراف)، و (ظراف)، وكذلك ﴿الفلك المشحون﴾ ضمة
الفاء مثل ضمة (قفل) و (برد)؛ وفي قوله عز وجل: ﴿والفلك التي تجري في البحر﴾ ضمة الفاء فيه للجمع، على حد (أسد) و (أسد) و (وثن) و (وثن).
وكذلك لا ينكر أن تتفق الحركتان في (مكانك) ويختلف معناهما بما ذكرنا من الدلالة؛ فتكون- إذا كان ذلك ظرفا أو مصدرا- حركة إعراب، وإذا كان اسما للفعل حركة بناء.
ألا ترى اتفاق حركة الإعراب وحركة البناء في ﴿يا بن أم﴾ و (لا رجل عندك)؟ فكذلك اتفاقهما في (مكانك) ونحوه.
قال أبو علي: وفي آمين لغتان: (أمين) على وزن فعيل، و (آمين) على وزن هابيل وحاميم.
فأما الذي وزنه (فعيل) فلا إشكال فيه، لأنه على وزن تكون عليه أوزان الكلم العربية كثيرا.
وأما الممدود فقد قال أبو الحسن الأخفش فيه: إنه اسم أعجمي مثل شاهين، قال: فإن سميت به رجلا لم ينصرف.
وقال محمد بن يزيد: آمين على مثال عاصين.
فأما وجه [32/آ] قول أبي الحسن: إنه أعجمي، فإنما قال ذلك؛ لأنه وزن لم يجئ عليه شيء من العربي، وإنما جاء في الأعجمي، نحو: (هابيل) و (قابيل)، فلما لم يجئ له مثال في العربي، ووجد ما جاء مثله غير مصروف في المعرفة، كما أن سائر الأعجمية كذلك حكم فيه بالعجمة فمما جاء على مثاله غير مصروف ما أنشده سيبويه:
يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم وقال: وجدنا لكم في آل حاميم آية تأولها منا تقي ومعرب قال أبو علي: فللقائل أن يقول: إنه ليس بأعجمي، وذلك أن الأعجمية لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون اسم جنس، نحو: (النيروز) و (الفرند)
و (اللجام)؛ أو علما كـ: (إبراهيم) و (إسحاق)؛ فإذا لم تخل من هذين الضربين ولم يكن (آمين)، فمين من مد الألف، على واحد منهما دل ذلك على أنه ليس بأعجمي.
ألا ترى أن هذا البناء بعينه في الأعجمية لم يعد ما جاء منه أن يكون من هذين النحوين فما جاء منه من أسماء الأجناس، فنحو: (شاهين)، وما جاء منه من الأسماء الأعلام فنحو: (هابيل) و (قابيل)، وحاميم من هذا النحو، ألا ترى أنه اسم صورة مختصة.
قلت: هذا غلط؛ فإنه حاميم ليس كـ (هابيل) و (قابيل)؛ لأنهما من الأعلام الأعجمية التي تلقتها العرب وهي أعلام في الأعجمية، وأما حاميم فليس بأعجمي.
قال أبو علي: فأما (آمين) فبمنزلة ما ذكرنا من الأسماء المصوغة للأمر في المواجهة، نحو: (افعل).
فكما أن تلك
[32/ب] الأسماء الأخر عربية فكذلك (آمين).
وأما لحاق هذه الألف له، وزيادة البناء بها على لفظ (آمين) الذي هو بوزن فعيل، فالقول فيه عندي أنه زيادة للمد، وأن الأصل: (آمين) الذي هو على زنة فعيل، ولحقت هذه الألف كما لحقت في قول ابن هرمة:
وأنت من الغوائل حين ترمى
ومن ذم الرجال بمنتزاح
وإنما هو: مفتعل من (نزح): إذا بعد؛ وقد يكون على هذا قوله:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة
.........
وإنما هو المضارع من (نبع).
ولا تجعله (ينفعل) وإن كان على لفظ (ينقاد) لأن ذلك الوجه كأنه أظهر في المعنى؛ [و] كما أنشد أحمد بن يحيى:
وأنني حوثما يثني الهوى بصري
من حيثما سلكوا أذنو فأنظور
وإنما أراد: أنظر، فزاد واوا.
فكما لا يسوغ لقائل أن يقول: منتزاح وأنظور أعجميان؛ لأنه ليس في الأسماء [شيء] على (مفتعال) ولا في الأفعال [شيء] على (أفعول) كذلك لا يسوغ أن يقول ذلك في (آمين) فيمن ألحق الألف بعد الهمزة.
فأما قول الأعشى:
أمن جبل الأمرار صرت خيامكم
على نبأ أن الأشافي سائل
فيحتمل (الأشافي) عندي ضربين من الوزن:
أحدهما: أن يكون مثل (أجارد) في الأسماء و (أباتر) و (أدابر) في الصفة، فيكون هذا على (أشاف)، إلا أنه زاد ياء كما زيدت واو في (فأنظور) [33/آ] وألف في (بمنتزاح).
ويجوز أن تكون الياءان للإضافة مثل (سداسي)، وعلى هذا يتجه عندي ما أنشده سيبويه للفرزدق:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة
نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
ألا ترى أن الواحد منه ليس على فعلال ولا فعليل ولا فعلول، فتكون الياء في الجمع بدلا من هذه الحروف اللينة، كـ (قراطيس) و (بهاليل) و (قناديل)؛ إنما واحده (درهم)، وليس كـ (خواتيم) لأنهم قد قالوا: (خاتام)، فكما زيدت هذه الحروف اللينة في هذه المواضع، ولم يوجب ذلك في شيء منها لخروجها عن أبنيتهم أنها أعجمية، كذلك إذا زيدت في (آمين) لم يجب أن يكون أعجميا؛ بل قد ثبت أن آمين على وزن كثير من كلامهم، و (آمين) مثله، كما أن (منتزاح) مثل (منتزح)، والكلمة عربية، كما أن أخواتها من نحو: (صه) و (دراك) عربية.
فأما قوله عز وجل: ﴿فما استكانوا لربهم﴾، وقوله عز وجل: ﴿وما ضعفوا وما استكانوا﴾ فلا أحمله على أنه (افتعلوا) من السكون، وزيدت الألف كما زيدت [33/ب] في (منتزاح)؛ ولكنه عندي (استفعلوا) مثل (استقاموا) والعين حرف
علة.
ألا ترى أن حرف العلة قد ثبت في اسم الفاعل منه؟ نحو قول ابن أحمر:
فلا تصلي بمطروق إذا ما
سرى في القوم أصبح مستكينا
قلت: قال الأصمعي: المطروق: الذي فيه ضعف ورخوة.
قال أبو علي: فأما قول محمد بن يزيد: (إن (آمين) بمنزله عاصين) فالذي أراد به عندي أنه يعلم أن الميم من (آمين) خفيفة كما أن الصاد التي هي عين من عاصين خفيفة.
ولم يرد أن وزن (آمين) يكون (عاصين)، ولا أن النون في (آمين)
فتحت من حيث كانت نون جمع، كما فتحت في (عاصين) لهذا المعنى؛ لبعد ذلك وفساده.
ألا ترى أن المعنى في (أمين) و (آمين) واحد؟ وقد ثبت أن النون من (أمين) في موضع اللام من فعيل، فيجب أن تكون في (آمين) مثله في أنه في موضع اللام.
ولو جعلته جمعا مثل (عاصين) للزم أن تكون اللام منه حرف علة محذوفا لالتقاء الساكنين، كما أنه من (عاصين) كذلك، وهذا يلزم منه أن يكون (آمين) من لفظ آخر غير (أمين).
ويمتنع ذلك من وجه آخر، وهو أن الناس في هذه الكلمة على قولين، أحدهما: أنه اسم سمي به الفعل، والآخر [34/آ]: أنه اسم من أسماء الله عز وجل.
فإن كان اسما من أسماء الله عز وجل فالجمع فيه كفر، وإن كان اسما سمي به الفعل لم يجز أيضا؛ لأن الأسماء التي سميت بها الأفعال لم يجئ شيء منها مجموعا جمع تصحيح ولا تكسير.
وذلك أن الجمع لو لحقها لم يخل من ثلاثة أضرب: إما أن يلحق الأسماء مجردة من الضمير، أو يكون لاحقا للضمير، أو لاحقا لهما؛ فلا يجوز أن يلحق الأسماء مجردة من الضمير
لأنها إذا سميت بها الأفعال صارت بمنزلة الأفعال كما صارت بمنزلتها في البناء، وكما لا تجمع الأفعال كذلك لا تجمع هذه الأسماء لكونها بمنزلتها.
فإن قلت: إن أسماء الفاعلين لم تمنعها مشابهتها الأفعال أن جمعت، فهلا جاز ذلك في هذه الأسماء أيضا؟.
قيل: إن هذه الأسماء كما أجريت مجرى الفعل في البناء كذلك أجريت مجراه في ترك جمعها وتثنيتها، ألا ترى أن هذا النحو من المبني لا يجمع ولا يثنى؟.
فأما أسماء الفاعلين فلما كانت كسائر الأسماء المتمكنة ثنيت وجمعت تثنيتها وجمعها، ولم يلحقها ما يمنه من جمعها ما تضمنت من ضمير ما تجرى عليه؛ لأن ذلك الضمير لما لم يسد مسد الجمل كان اسم الفاعل به بمنزلة المفرد الذي لا ضمير فيه، نحو: (رجل) و (ثوب)، ألا ترى أنها لم تقع صلات [34/ب] للموصولات؟.
وليست هذه الأسماء المسمى بها الأفعال كذلك؛ لأنها مع ما تضمنته من الضمير بمنزلة تلك الأفعال التي هي أسماء لها مع ضمير فاعليها؛ فمن هنا افترقت هذه الأسماء وأسماء الفاعلين.
ولا يجوز أن يكون الجمع لاحقا للضمير؛ لأن الضمير إذا تضمنه الفعل أو ما كان بمنزلته فأظهر، لم يظهر على هذا الحد، إنما يظهر على حد ما يكون في الأفعال.
ألا ترى إلى قولهم: (هاء) و (هاءا) و (هاؤوا) و (هاؤما) و (هاؤموا) وهو ضمير الفاعل؟.
ولا يجوز أيضا أن يكون لاحقا لهما؛ لأنهما جمل، والجمل لا تثنى ولا تجمع، وإنما يثنى أحد جزأيها تارة، وجزآها تارة أخرى.
فإن قلت: أوليس في أسماء الفاعلين عندكم والصفات المشبهة بها أسماء مرفوعة وقد لحقها التثنية والجمع؟ فما تنكر أن يلحق الجمع هذا الاسم كما لحق أسماء الفاعلين؟.
قيل: إن الجمع والتثنية اللذين لحقا أسماء الفاعلين إنما لحق بذلك الأسماء دون الضمير الذي فيها، ولم يمنع تضمنها الضمير من جمعها لما وصفت.
ألا ترى أن علامة التثنية والجمع تنقلب وتختلف لاختلاف العوامل، كما تختلف في (رجلين) ونحوه مما لا [35/آ] مناسبة بينه وبين الفعل.
ولو كان لاحقا للضمير لم يختلف هذا الاختلاف كما لم تختلف علامة الضمير في (يذهبان) و (يذهبون) ونحوه.
فانقلاب حروف الإعراب واختلافها في هذه الأسماء دلالة على أن التثنية والجمع لا حق لها من حيث كانت أسماء، ولم يلحق الضمير.
فأما قول الأخفش: (إنك إذا سميت بـ (آمين) رجلا لم تصرفه) فإن قال قائل: أحد السببين المانعين من الصرف: التعريف، فما السبب الثاني المنضم إلى التعريف؟ وليس (آمين) بمنزلة (هابيل) في أنه اسم جرى معرفة في كلام العجم، فمنعه الصرف، كما يمنع (إبراهيم) ونحوه قيل: يجوز أن
تقول: إنه لما لم يكن جنسا كـ (شاهين) أشبه المختصة، فامتنع من الصرف كما امتنعت؛ وهذا التشبيه فيما لا ينصرف معمل.
ألا ترى أنهم شبهوا (عثمان) في التعريف بـ (سكران)؟.
ومن كان (آمين) عنده عربيا فالقياس أن يصرفه إذا سمى به رجلا، على قول بني تميم، ولا يمنعه خروجه عن أبينة كلامهم الانصراف؛ لأنه يصير بمنزلة عربي لا ثاني له في وزنه نحو (إنقحل)، وعلى قياس قول أهل الحجاز ينبغي أن يحكى، ألا ترى أنهم لو سموا رجلا [35/ب] بـ (فعال) لحكوه ولم يعربوه كما أعربه الأولون؟.
ولو سميت رجلا بـ (ينباع) من قوله: (ينباع من ذفرى
غضوب) وأنت تريد (ينبع) لزم أن تصرفه؛ لأن حرف المد ههنا كحرف المد في (يعسوب) و (يعضيد)، كما تصرف هذين لو سميت بهما رجلا كذلك تصرف (ينباع).
ولو سميته بـ (أنظور) للزم أن تصرفه لأنه ليس على وزن الفعل- وإن كان المراد به الفعل- لأن البناء الموجب لمنع الصرف قد زال.
ألا ترى أنك لو سميت رجلا بـ (تضارب) وحقرت لقلت: (تضيرب)، فلم تصرف لموافقته في التحقير بناء الفعل، فكما لم تصرف هذا لموافقته الفعل في المثال كذلك تصرف (أنظور) لخروجه بالمدة الزائدة عن أمثلة الفعل، وكونك لا تجد له مثالا في كلامهم على وزنه لا يمنع الانصراف، كما لم يمنع ما ذكرنا من الأبنية نحو (إنقحل) و (زيتون) و (كذبذب) وما أشبه ذلك.
انتهى كلام أبي علي.
وإذا وقعت الهمزة في حشو الكلمة فهي أصل علم
الاشتقاق أو جهل؛ لأنها في الغالب كذلك، فاقض بأصالتها حتى يدل دليل على الزيادة، فـ (زئبر)، على هذا [36/آ] (فعلل) وكذلك (ضئبل) بكسر الضاد والباء، وهو من أسماء الداهية؛ قال الكميت:
ولم تتكأدهم المعضلات
ولا مصمئلاتها الضئبل
وقد جاء فيه وفي (زئبر) ضم الباء.
قال ثعلب: ولا نعلم في الكلام (فعلل)، فإن كان هذان الحرفان قد سمع ضم الباء فيهما فهو من النوادر.
وقال ابن كيسان: هذا إذا جاء على هذا المثال شهد بزيادة الهمزة؛ لأن حروف الزيادة إذا وقعت في الكلمة جاز أن تخرج عن بناء الأصول؛ فلهذا ما جاءت هكذا.
وعلم زيادة الهمزة في (جرائض).
بقولهم في معناه: جرواض، وفي (حطائط) لأنه المحطوط.
وسيأتي من زيادتها حشوا ما تراه في مواضعه إن شاء الله عز وجل.
وقد اطردت زيادتها للتأنيث في آخر الكلمة في الجمع والإفراد، وذلك نحو: صحراء.، وحمراء، وعشراء، وحروراء، وعاشوراء؛ ونحو أربعاء، وأخمساء، وأنبياء، وأصدقاء؛ فاعلم ذلك، والله الموفق.