كلمات السداد على متن الزادكتاب المناسك

الحج والعمرة واجبان على المسلم الحُرِّ المُكلَّفِ القادرِ في عُمرِهِ مرةً على الفور، فإن زال الرِّقُّ والجنونُ والصِّبَا في الحج بعرفة، وفي العمرةِ قَبْلَ طوافِها صَحَّ فَرْضاً، وفِعْلُهما من الصَّبي والعبدِ نَفْلاً.
والقادر من أمكنه الركوبَ ووجد زاداً وراحلةً صالِحَيْنِ لمِثْله بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية، والحوائجِ الأصلية، وإن أعجزه كِبَرٌ أو مرضٌ لا يُرْجَى بُرْؤه لَزِمَه أن يُقيم من يَحُجُّ ويعتمر عنه، من حيث وجبا، ويجزئ عنه، وإن عوفي بعد الإحرام، ويُشترط وهو زوجُها أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مُباح، وإن مات مَنْ لَزِمَاه أُخْرِجا من تَرِكَتِه.
قوله: (مِنْ حيثُ وَجَبَا) أي: من بلده.
قوله: (ويجزئ عنه وإن عُوفي بعد الإحرام) أي لم يَجِبْ عليه حجٌ آخر، قال الشافعي وغيره: يَلْزَمُه.
قوله: (وإن مات مَنْ لَزِمَاه أُخْرِجَا من تَرِكَتِه)، قال في المقنع: ومَنْ وجب عليه الحجُّ فتُوفي أُخْرِج من جميع ماله حجة وعمرة؛ فإن ضاق مالُه عن ذلك، أو كان عليه دَيْنٌ أُخِذَ للحجِّ بحصته وحج به من حيث يبلغ، هذا المذهب وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت فإن وصَّى بها فهي من الثلث.

باب المواقيت

وميقاتُ أهل المدينة: ذو الحُلَيْفة، وأهل الشام ومصر والمغرب: الجُحْفَةُ، وأهل اليمن يَلَمْلَمُ، وأهل نجد قَرْن 1، وأهل المشرق ذاتُ عِرْقٍ، وهي لأهلها، ولمن مَرَّ عليها من غيرهم، ومن حجَّ من أهل مكةَ فَمِنْها، وعمرتُه من الحِلِّ، وأشهرُ الحجِّ من ذي الحجة.
قوله: (أشهرُ الحج شوال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة)، قال في الشرح الكبير: وهو ميقات الزمان للحج؛ فأما العُمرةُ فكل الزمان ميقاتٌ لها، ولا يُكْره الإحرامُ بها في يوم النَّحْر، وعَرَفَةَ وأيامِ التَّشْريقِ في أشهر الروايتين، وعنه يُكره وبه قال أبو حنيفة.

باب

ٌ الإحرام: نية النسك.
سُنَّ لمُريدِه غسْلٌ أو تيممٌ لِعَدَمٍ، وتنظيفٌ وتَطَيُّبٌ وتَجَرُّدٌ من مَخِيْط، ويُحْرِمُ في إزارٍ ورداءٍ أبيضين نظيفين، وإحرامٌ عَقِبَ ركعتين، ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويستحبُ قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي، وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ، وصفته أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ، وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ وأَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعْمةَ لك والمُلكَ لا شريك لك، يُصَوِّت بها الرجلُ وتُخفيها المرأةُ.
قوله: (وأفضلُ الأَنْساك التمتعُ)، قال في الاختيارات: والقِرَانُ أفضلُ من التمتعِ إن ساق هدياً، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومن اعتمر وحجَّ في سَفْرَتين، أو اعتمر قبل أشهرِ الحجِّ فالإفرادُ أفضلُ باتفاقِ الأئمةِ الأربعةِ، ومن أَفْرَدَ العمرَةَ بسَفْرَةٍ ثم قَدِمَ في أشهر الحج؛ فإنه يتمتع إلى أن قال: ولو أَحْرم بالحج ثم أَدْخل عليه العُمْرةَ لم يَجُزْ على الصحيح ويجوز العكسُ بالاتفاق.

باب محظورات الإحرام

وهي تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشعرِ، وتَقْليمُ الأظْفارِ، فمن حَلَقَ أو قَلَّم ثلاثةً فعليه دمٌ، ومن غطَّى رأسَه بملاصقٍ فَدَى، وإن لبس ذَكَرٌ مَخِيْطاً فَدَى، وإن طيَّبَ بدنَه أو ثوبَه أو ادَّهن بِمُطَيِّبٍ أو شمَّ طيباً أو تبخَّر بعودٍ ونحوه فَدَى، وإن قتل صيداً مأكولاً برِّياً أصلاً، ولو تولَّد منه ومن غيره، أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤُه، ولا يحرم حيوانٌ إنسي، ولا صيدُ البحر، ولا قتلُ محرَّمِ الأكلِ، ولا الصائلُ،   قوله: (حلق الشعر)، المذهبُ أنه إذا حَلَقَ ثلاثَ شعرات فَأَزْيد وجبتْ عليه الفدية، وقال أبو حنيفة: لا يجب الدمُ بدون رُبع الرأس، وقال مالك: إذا حلق مِنْ رأسه ما أماطَ به الأذى وجب الدمُ، قال في الاختيارات: والمحرمُ إن احتاج وقطعَ شعرهُ لحجامة أو غُسل لم يضرَّه، والقملُ والبعوضُ والقُرادُ إن قَرَصَهُ قَتَلهُ، وإلا فلا يقتله.
قوله: (أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه)، قال في المقنع: وإن أَحْرم وفي يده صيدٌ أو دخل الحرمَ بصيدٍ لزمَهُ إزالةُ يده المشاهدة دون الحُكْميَّةِ عنه، فإن لم يفعل فتلف ضَمِنَهُ، قال في الفروع: وإن ملك صيداً في الحِلِّ فأدخله الحَرَمَ لزمه رفعُ يده وإرسالُه، فإن أتلفه أو تَلِفَ في حق المُحرمِ، نقله الجماعةُ، وعليه الأصحاب وفاقاً لأبي حنيفة، ويتوجه لا يلزمه إرسالُه، وله ذبحُه، ونقل الملك فيه وفاقاً لمالكٍ والشافعي، لأن الشارعَ إنما نهى عن تنفيرِ صَيْدِ مكةَ، ولم يبينْ مثل هذا الحُكْمِ الخَفِيّ مع كثرةِ وقوعِه، والصحابةُ مختلفون، وقياسُه على الإحرام فيه نَظَرٌ؛ لأنه آكدُ لتحريمة ما لا يحرم ا. هـ.

ويحرم عقدُ نكاحٍ، ولا يصحُّ، ولا فديةٌ، وتصحُّ الرجعةُ، وإن جامَعَ (المحرمُ) قبل التحلُّلِ الأولِ فَسَدَ نُسكُهما، ويَمضيانِ فيه ويَقضيانهِ ثانيَ عامٍ، وتحرمُ المباشرةُ، فإن فعلَ فأنزلَ لم يَفْسُدْ حجُّه، وعليه بَدَنَةٌ، لكنْ يُحْرِمُ من الحِلِّ لطوافِ الفرضِ، وإحرامُ المرأةِ كالرجلِ إلا في اللباس، وتجتنبُ البُرْقُعَ والقُفَّازَين وتَغْطِيَةَ وجْهِها، ويُباحُ لها التحلِّي.
قوله: (وإحرامُ المرأةِ كالرَّجلِ إلا في اللباس وتجتنب البرقُعَ والقُفَّازَينِ وتَغْطِيَةَ وجْهها)، قال في الاختيارات: ويجوز للمرأة أن تُغطِّيَ وجْهَها بملاصقٍ خَلا النِّقابَ والبُرْقُعَ، ويجوز عَقْدُ الرِّداء في الإِحْرام ولا فِدْيةَ عليه.
قوله: (ويباح لها التحلِّي)، قال في المقنع: ولا تَلْبَس القُفَّازَين ولا الخُلْخَال ولا تكتحلُ بالاِثْمِد، وعن قَتَادةَ: أنه كان لا يَرَى بأساً أن تَلْبَس المرأةُ الخاتمَ والقُرْطَ وهي مُحرمةٌ وكَرِهَ السِّوارين والُخْلخالين والدُّمْلُجَين.

باب الفدية

يُخَيَّر بفديةٍ حلقٌ وتقليمٌ وتغطيةُ رأسٍ وطيبٌ ولبسُ مَخِيْطٍ بين صيامِ ثلاثةِ أيامٍ أو إطعامِ سِتة مساكين لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ أو شعيرٍ أو ذبحِ شاةٍ، وبجَزَاءِ صيدٍ بين مِثْلٍ إن كان، أو تقويمُه بدراهمَ يشتري بها طعاماً فيطعم كلَّ مسكينٍ مُدّاً، أو يصوم عن كلِّ مُدٍّ يوماً وبما لا مِثْلَ له بين إطعامٍ وصيامٍ، وأما دمُ مُتْعَةٍ وقِرانٍ فيجبُ الهَدْيُ، فإنْ عَدِمَهُ فصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والأفضلُ كونُ آخرِها يومُ عرفة، وسبعة إذا رجع إلى أهله، والمُحْصَرُ إذا لم يجدْ هَدْياً صام عشرةً ثم حَلَّ، ويجبُ بوطءٍ في فرج يُغْنِي الحجِّ بدنةٌ، وفي العُمْرة شاةٌ، وإن طاوعتْه زوجتُه لزماها (1).

فصل

ومن كرَّر محظوراً من جنسٍ ولم يَفْدِ فَدَى مَرَّةً، بخلافِ صيدٍ، ومَنْ فعل محظوراً من أجناسٍ فَدَى لكلِّ مرةٍ، رَفَضَ إحرامَه أو لا، ويسقطُ بنسيانٍ فديةُ لُبْسٍ وطيبٍ وتغطيةِ رأسٍ، دون وَطْءٍ، وصيدٍ وتقليمٍ، وحِلاَقٍ، وكلُّ هَدْيٍ أو إطعامٍ فَلِمساكين الحَرَمِ، وفديةُ الأذى واللُّبْسِ ونحوِهما ودمُ الإحصارِ حيثُ وجد سببه، ويجزئُ الصومُ بكل مكان، والدمُ شاةٌ أو سُبعُ وبدنةٍ 2 وتجزئُ عنها بقرة.
قوله: (وكلُّ هَدْيٍ أو طعامٍ فلمساكينِ الحرم)، قال في المقنع: إذا قَدَرَ على إيصاله إليهم، قال في الشرح الكبير: وما وَجَب لترك نُسكٍ أو فَوَاتٍ فهو لمساكين الحرم دون غيرهم؛ لأنه هَدْيٌ وجب لترك نُسكٍ أشبه دَمَ القرانِ، قال: ومساكينُ الحرمِ من كان فيه من أهله ومَنْ ورد إليه من الحجاج وغيرهم.1

باب صيد الحرم

يحرم صيدُه على المُحْرِمِ والحَلاَلِ، وحُكْمُ صيدِه كصيدِ المُحْرِم، ويَحْرمُ قطعُ شجرهِ وحَشيشهِ الأخضرَين، إلا الإذْخر، ويحرم صيدُ المدينةِ، ولا جزاءَ فيه، ويباحُ الحشيشُ لِلْعَلَفِ وآلة الحرث ونحوه، وحَرَمُها ما بين عَيْر إلى ثَوْر 1.   قوله: (ويَحْرُم قطعُ شجرهِ وحشيشهِ الأخضرين).
قال في الإفصاح: واتفقوا على أن شجر الحرم مضمونٌ على المُحِلِّ والمُحرِم، إلا مالكاً فإنه قال: ليس بمضمون.

باب دخول مكة

يسنُّ من أَعْلاها، من باب بني شَيْبةَ، فإذا رأى البيتَ رَفَعَ يديْه وقال ما وَرَد، ثم يطوفُ مضطبعاً يبتدئُ المعتمرُ بطوافِ العُمْرةِ والقارنُ والمفردُ للقدوم، فيحاذي الحجرَ الأسودَ بِكُلِّه (1)، ويستلمُه ويقبِّله، فإن شَقَّ قَبَّلَ يَدَهُ، فإن شَقَّ اللَّمْسُ أشار إليه، ويقول ما ورد - ويجعلُ البيتَ عن يساره، ويطوفُ سبعاً يرمل في هذا الطواف ثلاثاً، ثم يمشي أربعاً ويستلم الحجرَ والرُّكْنَ اليمانيِ كلَّ مرةٍ، ومن ترك أو لم ينوه أو نكَّسَهُ، أو طاف على الشَّاذَرْوان أو جدار الحِجْرِ أو عُرْياناً أو نجساً لم يصِحَّ، ثم يصلِّي ركعتين خلف المقام.

فصل

ثم يستلمُ الحَجَرَ ويَخْرجُ إلى الصَّفَا من بابه فيرقاه حتى يرى البيتَ ويكبر ثلاثاً، ويقول ما ورد، ثم ينزل ماشياً إلى العَلَمِ الأولِ، ثم يَسْعى شديداً إلى الآخِرِ، ثم يمشي ويَرْقَى المَرْوَةَ، ويقول ما قاله على الصَّفَا، ثم   قوله: (أو نكَّسه)، وفي أكثر النُسَخِ "أو نُسُكه"، والصواب تقديم الكاف على السين، وعبارةُ المقنع: وإن طاف مُنَكِّساً أو على جدار الحجْرِ أو شاذَرْوان الكعبة، أو ترك شيئاً من الطوافِ وإن قلَّ، أو لم يَنْوِه لم يُجزئه 2 ا. هـ.1

ينزل فيمشي في موضع مَشْيهِ، ويَسْعَى في موضع سَعْيهِ، إلى الصَّفَا، يفعل ذلك سبعاً ذهابه سَعْيَةً ورجوعه سعيه، فإن بدأ بالمروة سَقَط الشوطُ الأول، وتُسَنُّ فيه الطهارةُ والسِّتارة 1 والموالاة، ثم إن كان مُتمتعاً لا هَدْيَ معه قَصَّرَ من شعره وتَحلَّل، وإلا حَلَّ إذا حج، والمتمتعُ إذا شَرَعَ في الطواف قَطَعَ التلبيةَ.
..................................

باب صفة الحج والعمرة

يسن للمُحِلِّين بمكة الإحرامُ بالحج يومَ التَّرْويةِ قبل الزوالِ منها، ويجزئُ من بقيةِ الحرم، ويبيت بمِنَىً، فإذا طلعتْ الشمسُ سار إلى عَرَفة، وكلُّها موقفٌ إلا بطنَ عُرَنَة، ويسنُ أن يجمع بها الظهرَ والعصرَ، ويقفُ راكباً عند الصَّخراتِ وجبلِ الرحمة، ويُكثر من الدعاء بما ورد، ومن وقف ولو لحظةً من فجرِ يومِ عرفةَ إلى فجرِ النَّحْرِ وهو أهلٌ له صحَّ حجُّه وإلا فلا، ومن وقف نهاراً ودَفَعَ قبل الغروب، ولم يَعُدْ قبله فعليه دمٌ، ومن وقف ليلا فقط فلا، ثم يَدْفَعُ بعد الغروبِ إلى مُزْدَلِفَةَ بِسَكِيْنَةٍ، ويُسرع في الفَجْوةِ، ويَجْمع بها بين العشاءَيْن ويَبيتُ بها، وله الدَّفْعُ بعدَ نصفِ الليلِ، وقبلَه فيه دمٌ، كوصولهِ إليها بعد الفجر لا قَبْلَه، فإذا صلَّى الصبحَ أتى   قال في الفروع: ومن وقف نهاراً ودَفَعَ قبل الغروبِ ولم يَعُدْ قَبْلَه، وفي الإيضاح: قبل الفجر، قاله أبو الوفاء في مفرداته، وقيل: أو عاد مُطْلَقاً، وفي الواضح: ولا عُذْرَ لزمه دمٌ، وعنه: لا كواقفٍ بليلٍ.
قال في الشرح الكبير: فإن دَفَعَ قبلَ ثم عاد نهاراً فوقف حتى غربت الشمسُ فلا دمَ عليه، وبه قال مالك والشافعي، وقال الكوفيون وأبو ثور: عليه دمٌ لأنه بالدَّفْعِ لزمه الدمُ فلم يسقطْ عنه برجوعه، كما لو عاد بعد الغروب، ولنا أنه أتى بالواجب وهو الوقوف بالليل والنهار فلم يجب عليه دم، كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه فإن لم بعد حتى غربت الشمس فعليه دم، لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه، فأشبه من تجاوز ثم عاد إليه اهـ. قلتُ: والراجحُ عدمُ لزومِ الدمِ إذا عاد إلى عَرَفة قبل الغروب أو بعده.

المشْعَرَ الحرامَ فيرقاه، أو يقفُ عنده ويحمدُ الله ويكبِّرُهُ ويقرأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.. ﴾ الآيتين، ويَدْعو حتى يُسْفِرَ، فإذا بَلَغَ مُحَسِّراً أسرعَ رَمْيةَ حجرٍ وأخذ الحَصَى - وعددُه سبعونَ بين الحِمّصِ والبُنْدقِ - فإذا وصل إلى مِنَىً: وهي من وادي مُحَسِّرِ إلى جَمْرةِ العقبةِ رماها بسبع حَصَيَاتٍ مُتَعاقباتٍ يرفع يدَه اليُمنى حتى يرى بياضَ إِبْطِه، ويكبِّر مع كل حَصَاةٍ، ولا يجزئُ الرَّمْيُ بغيرِها، ولا بها ثانياً، ولا يقفُ، ويقطعُ التلبيةَ قبلَها، ويرمى بعد طلوع الشمسِ ويجزئُ بعد نصف الليلِ، ثم ينحرُ هدياً إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميع شعرِه، وتُقَصِّرُ منه المرأةُ قدرَ أُنْمُلةٍ، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، والِحلاَقُ والتقصيرُ نُسكٌ، لا يَلَزَمُ بتأخيرِه دمٌ، ولا بتقديمِهِ على الرَّمْيِ والنَّحْرِ.

فصل

ثم يُفيض إلى مكةَ، ويطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنيَّةِ الفريضة طوافَ الزيارةِ وأولُ وقته بعد نصف ليلةِ النَّحْر، ويسنُّ في يومه، وله تأخيرُه، ثم يسعَى بين الصَّفا والمروةِ إن كان مُتَمتعاً، أو غيره ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيء، ثم يشربُ من ماء زمزمَ لما أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ منه، ويدعو بما ورد.
قوله: (لا يَلْزَمُ بتأخيره دمٌ).
قال في المقنع: ويحصُل التحلُّل بالرمي وحدَه فإن قَدَّم الحَلْقَ على الرمْي أو النَّحرِ جاهلاً أو ناسياً فلا شيءَ عليه، وإن كان عالما فهل عليه دم؟ على روايتين.

ثم يرجعُ فيبيتُ بِمَنَىً ثلاثَ ليالٍ، فيرمي الجَمْرةَ الأولى وتلي مسجدَ الخيْفِ بسبعِ حَصَيَاتٍ ويجعلُها عن يساره، ويتأخرُ قليلاً، ويدعو طويلاً، ثم الوسطى مِثْلَها، ثم جمرة العَقَبَة ويجعلُها عن يمينه، ويَستبطِنُ الوادي، ولا يقف عندها، يفعل هذا في كلِّ يومٍ من أيام التشريق بعد الزوال، مستقبلَ القِبْلةِ مرتِّباً، وإن رماه كلَّه في الثالث أجزأه، ويرتِّبُه بِنِيَّتِه، فإن أَخَّرَه عنه أو بها فعليه دمٌ، ومن تعجَّل في يومين خرجَ قبل الغروب، وإلا لزمه المبيتُ والرَّمْيُ من الغد، فإذا أراد الخروجَ من مكةَ لم يخرجْ حتى يطوفَ للوداعِ فإن أقام أو اتَّجَرَ بعده أعاده، وإن تركه غير حائضٍ رجع إليه، فإن شَقَّ أو لم يرجعْ فعليه دمٌ، وإن أَخَّر طوافَ الزيارة فِطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقفُ غيرُ الحائض بين الرُّكْن والباب داعياً بما ورد -وتقف الحائضُ ببابه وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارةُ قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقبري صاحبيه.
قولُه: (بسبع حصيات)، وعنه يُجزئه خمسٌ، وعن سعد بن مالك - رضي الله عنه - قال: رجعنا في الحجة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعضُنا يقول: رمَيْتُ بسبع حَصَيَاتٍ، وبعضُنا يقول: رميتُ بستِّ حَصَيَاتٍ، فلم يَعِبَ بعضُهم على بعض، رواه أحمدُ والنَّسائي.
قوله: (وتستحبُّ زيارةُ قبرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -) إلى آخره، هذا قول الجمهور، والمرادُ بذلك: الزيارةُ المشروعةُ، فيسلِّمُ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويُصلِّي عليه ويدعو له، وأما دعاؤُه والإقسامُ على الله به وسؤالُ الحوائجِ فلا يجوز بالإجماع، وهو شِرْكٌ ظاهرٌ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] وكان ابنُ عمر إذا دخل المسجدَ قال: السلامُ عليك يا رسول الله، السلامُ عليك يا أبا بكر، السلامُ عليك يا أبتِ ثم ينصرف.
رواه مالك في المؤطَّأ، قال الموفَّقَ في المُغني 1: ولا يستحبُّ التمسحُ بحائط قبرِ النبيِّ ولا تقبيلُه.

وصفةُ العمرةِ أن يُحرم بها من الميقات، أو من أدنى الحلِّ من مَكِّيٍ ونحوه، لا من الحَرَم، فإذا طاف وسعى و (حلق أو) قصَّر حَلَّ، وتُباح كلَّ وقتٍ، وتُجزئ عن الفَرْض.
وأركانُ الحج: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الزيارةِ، والسَّعْي.
وواجباتُه: الإحرامُ من الميقاتِ المُعْتَبَرِ له، والوقوفُ بعرفَةَ إلى الغروب والمبيتُ لغير أهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بمنىً ومزدلفة إلى بعد نصف الليل، والرَّمْيُ والِحلاَقُ، والوَداع.
والباقي سُنن.
وأركانُ العمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ.
وواجباتُها: الحِلاقُ، والإحرامُ من ميقاتِها.
فمن ترك الإحرامَ لم ينعقدْ نُسكَه، ومن ترك رُكناً غيره أو نيَّته لم يَتِمَّ نسكُه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
..................................

باب الفوات والإحصار

من فاته الوقوفُ فاتَهُ الحجُّ وتحلَّل بعُمْرةٍ، ويقضي وُيهدي إن لم يكن اشترطَ، ومن صدَّه عدوٌ عن البيت أهدى ثم حَلَّ، فإن فَقَدَه 1 صامَ عشرةَ أيامٍ ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عرفةَ تحلَّل بعُمرةٍ، وإن أَحْصَرَه مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ بقي مُحرماً إن لم يكن اشترط.
قوله: (ويقضي ويُهدي إن لم يكن اشترط).
قال في المقنع: ويتحلَّلُ بطواف وسَعْي، وعنه: أنه ينقلب إحرامُه لعمرةٍ ولا قضاءَ عليه، إلا أن يكون فرضاً، وعنه: عليه القضاءُ وهل يلزمه هَدْيٌ؟ على روايتين.
قوله: (وإن أحْصَرَه مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ بقي مُحرِماً إن لم يكن اشترط).
قال في الاختيارات: والمُحْصَر بمرضٍ أو ذهابِ نفقةٍ حجَّ كالمُحْصَر بعدوٍ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومثلُه حائضٌ تعذَّر مُقامُها وحَرُمَ طوافُها ورجعتْ ولم تَطُفْ لجهلها بوجوبِ طوافِ الزيارةِ، أو لعَجْزها عنه، أو لذهاب الرُّفقة، في أصح ولا يَلزمُه قضاءُ حجِّه إن كان تطوعاً، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ا. هـ.

باب الهدي والأضحية والعقيقة

أفضلُها إبلٌ، ثم بقرٌ، ثم غنمٌ، ولا يُجزئُ إلا جَذَعُ الضَّأْنِ وثني سواه؛ فالإبلُ خمسُ سنين، والبقرٍ سنتانِ، والمَعْزُ سنةٌ، والضَّأْنُ نصفُها، وتجزئ الشاةُ عن واحد، عن سبْعةٍ، ولا تجزئُ العَوْراء والعَجْفاءُ والعَرْجاءُ والهَتْماءُ والجَدَّاءُ والمريضةُ والعَضْباءُ بل البَتْراء خِلْقةً، والجَمَّاءُ والخَصِيُّ غيرُ المجبوبِ وما بأُذُنِه أو قَرْنِه قطعُ أقل من النِّصف.
والسُّنَّةُ نحرُ الإبل قائمةً معقولةً يدُها اليسرى، فيطعنُها بالحَرْبة في الوَهْدَةِ التي بين أصل العُنُق والصَّدْر، ويذبحُ غيرها، ويجوز عكسُها، ويقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك: ويتولاها صاحبُها أو يوكِّلُ مسلماً ويشهدُها.
ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قَدْرَهُ إلى يومينِ، ويُكْرَه في ليلتهما فإن فاتَ قَضَى واجبَه.
قوله: (والهَتْماء).
قال في الاختيارات: وتجزيُ الهَتْماء التي سقط بعضُ أسنانِها في أصح الوجهين.
قوله: (إلى يومين بعده).
قال في الاختيارات: وآخرُ وقتِ ذبحِ الأضحيةِ آخرَ أيامِ التشريقِ، وهو قولُ الشافعيين، وأحد القولين في مذهب أحمد.
قوله: (فإن فاتَ قضى واجبه).
قال في الشرح الكبير: إذا فات وقتُ الذَّبْح - ذبحِ الواجبِ- قضاه، وصنع به ما يصنع بالمَذْبوح في وقته، لأن حُكْمَ القضاءِ حكمُ الأداء، فأما التطوعُ فهو مخيَّر فيه، فإن فرَّق لحمها كان القربةُ بذلك دون الذبح؛ لأنه شاةُ لحمٍ وليست أضحيةً، وبهذا قال الشافعي.
قال في الاختيارات: والأضحيةُ من النفقة بالمعروف، فتضحِّي امرأةٌ من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه، ومَدِينٌ لم يطالبه رب الدين.
قال: والتَّضْحيةُ عن الميت أفضلُ من الصدقة بثمنها.

فصل

ويتعينان بقوله: هذا هَدْيٌ أو أُضحيةٌ، لا بالنِّيَّة، وإذا تَعينتْ لم يجزْ بيعُها ولا هبتُها إلا أن يبدلَها بخيرٍ منها، ويَجُزُّ صُوفَها ونحوه إن كان أنفعَ لها ويتصدقُ به، ولا يُعطي جازِرَها أجرتَه منها، ولا يبيعُ جلْدَها ولا شيئاً منها؛ بل ينتفع به، وإن تَعَيَّبَتْ ذَبَحَها وَأَجْزأتْه، إلا أن تكونَ واجبةً في ذمتِه قبل التعيين.
والأضحيةُ سُنَّةٌ، وذبحُها أفضلُ من الصدقة بثمنها، ويسنُّ أن يأكلَ ويُهدي ويتصدق أثلاثاً، وإن أكلها إلا أوقيةً تصدَّق بها جاز، وإلا ضمنها ويحرمُ على من يُضحِّي أن يأخذَ في العَشْر من شَعرِه أو بشرتِه شيئاً.
قوله: (ويحرم على من يضحي) في المقنع: ومن أراد أن يضحِّي ودخل العَشْرُ فلا يأخذ من شعره وبَشَرَتِه شيئاً، وهل ذلك حرام؟ على وجهين: قال في الحاشية المذهبُ أنه حرامٌ لحديث أم سلمة 1. وقال القاضي وجماعةٌ هو مكروهٌ غيرُ محرَّم، وبه قال مالك والشافعي لقول عائشة: كنتُ أَفتِلُ قلائدَ هَدْي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يقلِّدُها بيده ثم يبعثُ بها ولا يُحرَّم عليه شيءٌ أحلَّه الله حتى ينحرَ الهَدْيَ (متفق عليه) 2. قال في الاختيارات: ومن عَدِمَ ما يُضَحى به ويَعق، اقترض وضحَّى وعقَّ مع القدرة على الوفاء.

فصل

تُسنُّ عن الغلامِ شاتان، وعن الجاريةِ شاةٌ، وتُذبح يومَ سابعِه، فإن فاتَ ففي أربعةَ عشرَ، فإن فاتَ ففي إحدى وعشرين، وتنزع جُدُولاً ولا يُكسَر عظْمُها، إلا أنه لا يجزئ فيها شرك في دم ولا تُسنُّ الفَرَعةُ ولا العَتِيرة.
..................................

جارٍ التحميل