كتاب الديات
كلُّ من أَتْلَفَ إنساناً بمُباشَرةٍ أو سببٍ لزمتْه ديتُه، فإن كان عمداً مَحْضاً ففي مالِ الجانِي حَالَّةً، وشِبْهُ العمدِ والخطأِ على عاقلتِه، فإن غَصَبَ حُرَّاً صغيراً فَنَهَشَتْهُ حيةٌ أو أصابتْهُ صاعقةٌ أو مات بمرضٍ، أو غلَّ حُرَّاً مُكلَّفاً وقيَّده فماتَ بالصاعقةِ أو الحيةِ، وجبت الديةُ فيهما.
فصل
وإذا أَدَّبَ الرجلُ ولدَه، أو سلطانٌ رَعِيَّتَهُ، أو معلِّمٌ صَبيَّه ولم يُسْرِفْ لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، ولو كان التأديبُ لحاملٍ فَأَسْقَطَت جنيناً ضَمِنَه المؤدِّبُ.
وإن طلب السلطانُ امرأةً لكشفِ حقِّ الله تعالى، أو استعْدَى عليها رجلٌ بالشُّرَطِ في دَعْوىً له فأسقطتْ ضَمِنَه السلطانُ والمُستعدِي، ولو ماتتْ فَزَعاً لم يَضْمَنَا.
ومن أَمَرَ شخصاً مكلَّفاً أن ينزلَ بئراً أو يصعدَ شجرةً فَهَلكَ به لم يَضْمَنْه، ولو أن الآمرَ سلطانٌ، كما لو استأجرَه سلطانٌ أو غيرُه.
فائدة: قال في المقنع: وإن نزل رجلٌ بئراً فخرَّ عليه آخرُ فاتَ الأولُ من سَقْطَتِه فعلى عاقلتِه ديتُه، قال في الحاشية: فإن ماتَ الثاني بوقوعِه على الأولِ فدمُهُ هَدْرٌ لأنه مات بفعلِه.
باب مقادير ديات النفس
ديةُ الحرِّ المسلمِ مائةُ بعيرٍ، أو ألفُ مِثْقالٍ ذهباً، أو اثنا عشرَ ألفِ درهمٍ فضةً، أو مائتا بقرةٍ أو ألفا شاةٍ، فهذه أصولُ الديةِ، فأيُّها أَحْضَرَ مَنْ تَلْزَمُه لَزِمَ الوليَّ قبولُه، ففي قتلِ العَمْدِ وشِبْهِه خمسٌ وعشرونَ بنت مَخَاضٍ، وخمسٌ وعشرونَ بنتُ لَبُونٍ، وخمسٌ وعشرونَ حِقَّةً، وخمسٌ وعشرونَ جَذَعةً، وفي الخطأِ يجبُ أخماساً: ثمانونَ من الأربعةِ المذكورةِ، وعشرونَ من بني مَخَاضٍ، ولا تُعتبرُ القيمةُ في ذلك (بل السلامةُ).
قال في المقنع: وفي الحُلَلِ روايتان، إحداهُما ليست أصلاً في الديةِ وفي الأخرى أنها أصلٌ وقدرُها مائتا حُلَّةٍ من حُلَلِ اليمنِ كلُّ حُلَّةٍ بُرْدانِ، وعنه أن الإبلَ هي الأصلُ خاصةً، وهذه أبدالٌ عنها، فإن قَدَرَ على الإبلِ وإلا انتقلَ إليها اهـ.
قال ابن منجا: هي الصحيحةُ من حيثُ الدليلِ، وقال الزركشيُّ: هي أظهرُ دليلاً لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (في قتيلِ السَوْطِ والعَصَا مائةٌ من الإبلِ) 1 انتهى، وعن عَطَاء: (قَضَى في الدِّيْةِ على أهلِ الإبلِ مائةً من الإبلِ وعلى أهلِ البقرِ مائتَي بقرةً وعلى أهل الشَّاءِ ألفي شاة وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتي حُلَّة وعلى أهل القَمْحِ شيئاً لم يحفظْه محمدُ ابنُ إسحاق)، رواه أبو داود 2، وعن ابن عباس أن رجلاً من بني عَدِيٍّ قُتِلَ، فجعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - دِيَتَه اثنتى عشرَ ألفَ درهمٍ 3، وفي حديث عَمْرو بنِ حَزْمٍ وعلى أهلِ الذهبِ ألفَ دينارٍ.
وديةُ الكِتَابِيِّ نصفُ ديةِ المسلمِ، وديةُ المَجُوسيِّ والوثَنِيِّ ثمانُمائةِ درهمٍ، ونساؤهم على النِّصْفِ، كالمسلمينَ.
وديةُ قِنٍّ قيمتُه، وفي جِراحِهِ ما نَقصَهُ بعد البُرْءِ، وتجبُ في الجنينِ ذَكَراً كان أو أُنثَى عُشْرُ ديةِ أُمِّهِ غُرَّةً، وعُشْرُ قيمتِها إن كان مملوكاً،
قوله: "وفي جراحِهِ ما نَقَصَهُ بعد البُرْءِ"، قال في المقنع: وفي جراحِه إن لم يكن مقدراً من الحُرِّ ما نَقَصَهُ وإن كان مُقدراً في الحرِ فهو مقدَّر في العبدِ من قيمتِه ففي يدِه نصفُ قيمتِه وفي مُوَضِّحتِه نصفُ عُشْرِ قيمتِه نَقَصَتْهُ الجنايةُ أقلَّ من ذلك أو أكثر، وعنه أنه يضمنُ بما نَقَصَ، اختاره الخلاَّل اهـ.
قوله: "وتجبُ في الجنينِ ذَكَراً كان أو أُنثَى عُشْرُ ديةِ أمِّهِ غُرَّةً"، وفي الصحيحين 1: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى أن دِيَةَ جنينِها غُرَّةَ عبدٍ أو وليدةٍ، وعند الحَارِثِ ابنِ أبي أسامة: وفي الجنينِ غُرَّةُ عبدٍ أو أَمَةٍ أو عَشْرٌ من الإبلِ أو مائةُ شاةٍ، قال الحافظ ابن حجر: وقد تَصرَّف الفقهاءُ في ذلك، فقال الشافعية: الواجبُ في جنينِ الأمةِ عُشْرُ قيمةِ أُمِّه، كما أنَّ الواجبَ في جنينِ الحرةِ عُشْرُ ديتِها، انتهى.
وقال الخرقي: وديةُ الجنينِ إذا سَقَطَ من الضَّرْبةِ ميتاً، وكان من حُرَّةٍ مسلمةٍ غُرَّةٌ عبدٍ أو أمةٍ قيمتُها خمسٌ من الإبلِ موروثةٌ عنه، كأنه سَقَطَ حيَّاً، قال الموفق: الغُرَّةُ قيمتُها نصفُ عُشْرِ الديةِ، وهي خمسٌ من الإبلِ، رُوي ذلك عن عمرَ وزيدٍ رضي الله عنهما، وبه قال النَّخَعيُّ والشَّعْبيُّ وربيعةُ وقتادةُ ومالك والشافعيُّ وإسحاقُ =
وتُقدَّرُ الحرةُ أَمَةً.
وإن جَنَى رقيقٌ خَطَأً أو عَمْداً لا قَوَدَ فيه، أو فيه قوَدٌ واخْتِيرَ فيه المالُ أو أَتْلَفَ مالاً بغيرِ إِذْنِ سيِّدِه تَعلَّقَ ذلك برقبتِه، فيُخيَّرُ سيدُه بين أن يَفْدِيَه بأَرْشِ جنايتِه أو يُسلِّمَهُ إلى وليِّ الجِنَايةِ فيَمْلِكَه أو يبيعَه ويدفعَ ثمنَه.
= وأصحابُ الرأي، ولأن ذلك أَقَلُّ ما قدَّره الشرعُ في الجناياتِ، وهو أَرْشُ المُوضِحةِ وديةُ السِّنِّ فَردَدْناه إليه، إلى أن قال: وإذا اتَّفقَ نِصف عُشْرِ الديةِ من الأصولِ كلِّها بأن تكون قيمتُها خَمْساً من الإبلِ فنصفُ عُشْرِ الديةِ من غيرِها مثل إن كانت قيمةُ الإبلِ أربعينَ ديناراً أو أربعمَائةِ درهمٍ، فظاهرُ كلامِ الخِرَقيِّ أنها تُقَوَّم بالإبلِ لأنها الأصلُ، وعلى قولِ غيره مِنْ أصحابِنا تُقَوَّمُ بالذهبِ أو الوَرِقِ، فتُجعَل قيمتُها خمسينَ ديناراً أو ستَّمائةِ درهمٍ، فإن اختلفا قُوِّمَتْ على أهلِ الذهبِ به، وعلى أهل الوَرِقِ به، إلى أن قال: وإذا لم يجد الغُرَّةَ انتقلَ إلى خَمْسٍ من الإبل على قول الخِرَقي، وعلى قول غيره ينتقلُ إلى خمسينَ ديناراً أو ستَّمائةِ درهمٍ.
انتهى.
باب ديات الأعضاء ومنافعها
مَنْ أَتْلَفَ ما في الإنسان منه شيءٌ واحدٌ كالأنفِ، واللسانِ، والذَّكَرِ ففيه ديةُ النفسِ.
وما فيه منه شيئانِ كالعينَيْنِ، والأُذنَيْنِ، والشَّفَتَيْنِ، واللَّحْيَيْنِ، وثَدْيَيِ المرأةِ، وثَنْدُوَتَي الرَّجلِ، واليدينِ، والرِّجْلَينِ، والأَلْيَتَيْنِ، والأُنْثَيَيْنِ، وإِسْكَتَي المرأةِ ففيهما الديةُ، وفي أَحَدِهَما نصفُها، وفي المِنْخَرَيْنِ ثُلُثا الديةِ، وفي الحاجزِ بينهما ثلثُها، وفي الأجفانِ الأربعةِ الديةُ، وفي كل جَفْنٍ رُبعُها، وفي أصابعِ اليدينِ الديةُ كأصابعِ الرِّجْلَينِ، وفي كل أصبعٍ عُشْرُ الديةِ، وفي كل أُنْمُلَةٍ ثلثُ عُشرِ الديةِ، والإبهامُ مِفْصَلان، ففي كلِّ م
ِفْصَلٍ
نصفُ عُشرِ الديةِ، كديةِ السِّنِّ.
قال في المقنع: وإن جَنَى العبدُ خطأً فسيِّدُه بالخيارِ بين فدائِه بالأقلِّ من قيمتِه أو أَرْشِ جنايتِه أو تسليمه ليُباعَ في الجناية، قال في الشرح: وجملةُ ذلك أن جنايةَ العبدِ إذا كانت مُوجِبَةً للمالِ أو كانت مُوجِبَةً للقصاصِ فعفا عنها إلى المالِ تتعلَّق برقبتِه، لأنه لا يخلو من أن تتعلَّق برقبتِه أو ذمتِه أو ذمةِ سَيِّدِه، أو لا يجبُ شيءٌ ولا يمكنُ إلغاؤُها لأنها جنايةُ آدميٍ فوجبَ اعتبارُها كجنايةِ الحُرِّ، ولأن جنايةَ الصغيرِ والمجنونِ غيرُ ملغاةٍ مع عُذْرِهِ وعدمِ تكليفِه، فالعبد أولى ولا يمكنُ تعليقُها بذمتِه، لأنه يُفضِي إلى إلغائِها أو تأخيرِ حقِّ المَجْنِيِّ إلى غيرِ غايةٍ، ولا بذمةِ السيِّدِ، لأنه لم يَجْنِ فتعيَّنَ تعليقُها برقبةِ العبدِ، ولأن الضمانَ موجِبٌ جنايتَه فتعلَّق برقبتِه كالقِصاصِ.
ا. هـ.
فصل
وفي كلِ حاسَّةٍ ديةٌ كاملةٌ، وهي: السمعُ، البصرُ، والشَّمُّ، والذَّوقُ، وكذا في الكلامِ والعَقْلِ، ومنفعةِ المَشْيِ، والأكلِ، والنكاحِ، وعدمِ استمساكِ البولِ أو الغائطِ.
وفي كل واحدٍ من الشُّعورِ الأربعةِ الدِّيَةُ، وهي: شعرُ الرأسِ واللِّحيةِ والحاجبينِ وأَهْدابِ العينينِ، فإن عادَ فنبتَ سقطَ موجِبُه.
وفي الأعورِ الدِّيَةُ كاملة، وإن قلعَ الأعورُ عينَ الصحيحِ المماثلةَ لعينِه الصحيحةِ عمداً فعليه ديةٌ كاملةٌ ولا قِصاصَ، وفي قَطْعِ يَدِ الأَقْطَعِ نصفُ الدِّيةِ كغيره.
قال في المقنع: وفي بعض ذلك بقِسْطِهِ من الدية؛ وإنما تجب ديتُه، إذا أزالَه على وجهٍ لا يعودُ، فإن عادَ سقطتِ الديةُ، وإن أبقَى من لحيتِه ما لا جمالَ فيه احتَملَ أن يلزمَه بقسطِه واحتملَ أن يلزمَه كمالُ الدية.
قال في المقنع: وفي عينِ الأعورِ ديةٌ كاملةٌ نصَّ عليه، وإن قلعَ الأعورُ عينَ صحيحٍ مماثلةً لعينِه الصحيحةِ عمداً فعليه ديةٌ كاملةٌ ولا قِصاصَ، ويَحتمِل أن تُقلعَ عينُه ويُعطَى نصفَ الديةِ، وإن قلعَها خطأً فعليه نصفُ الديةِ، وإن قلعَ عينَ صحيحٍ عمداً خيِّر بين قَلعٍ ولا شيءَ له غيرها وبين الديةِ، وفي يدِ الأَقْطعِ نصفُ الديةِ، وكذلك في رِجْلِه، وعنه فيها ديةٌ كاملةٌ.
انتهى.
قال في الحاشية: قوله: "وفي يدِ الأَقْطعِ" إلى آخره، هذا المذهبُ، وإن اختار القِصاصَ فله ذلك، لأنه عضوٌ أمكنَ القصاصُ في مثلِه فكان الواجبُ فيه القصاصَ أو ديةَ مثلِه، كما لو قَطَعَ أذن من له أُذُنٌ واحدةٌ، وعنه فيها دِيةٌ كاملة، فعليها إذا قَطَعَ يَدَ صحيحٍ لم يُقْطَعْ، كما لو قَطَعَ عينَ الأَعْورِ، والصحيحُ الأولُ ا. هـ. =
باب الشِّجَاجِ وكَسْرِ العِظَام
الشَّجَّةُ: الجُرحُ في الرأسِ والوجهِ خاصةً، وهي عَشْرٌ: الحارصةُ التي تَحْرِصُ الجِلْدَ أي تشقُّه قليلاً ولا تُدْمِيْهِ، ثم البازِلَةُ وهي الداميةُ، والدامعةُ وهي التي يسيلُ منها الدمُ، ثم الباضِعَةُ، وهي التي تَبْضَعُ اللحمَ، ثم المُتَلاحِمةُ، وهي الغائصة في اللَّحْمِ، ثم السِّمْحَاقُ، وهي ما بينها وبين العظمِ قشرةٌ رقيقةٌ، فهذه الخمسُ لا مُقَدَّرَ فيها، بل حكومةٌ، وفي المُوضِحَةِ
= قال في الفروع: وفي عينِ الأعورِ ديةٌ كاملةٌ، نصَّ عليه ككمالِ قيمةِ صيدِ الحرمِ الأعورِ، فإن قلعَها صحيحٌ فله القَوَدُ مع نصفِ الدِّيَةِ، نصَّ عليه، وذكر ابنُ عقيلٍ هنا روايتين، وعند القاضي أنه لا قَوَدَ فيها، وفي الروضة: إن قَلَعَها خَطأً فنصفُ الديةِ، وإن قلع الأعورُ عينَ صحيحٍ خَطَأً فنصفُ الديةِ وإلا فالديةُ كاملة، نصَّ عليه.
نَقَلَ مُهَنَّا عن عمرَ وعثمانَ وعليٍ أنهم قالوا ذلك، وأنه لا يُقْتَصُّ منه إذا فَقَأَ عينَ صحيحٍ، ولا أعلم أحداً خالفَهُمْ إلا إبراهيمَ، وقيل: تُقْلَعُ عينُه كقَتْلِ رجلٍ بامرأةٍ، والأشهرُ أنه يأخذُ مع ذلك نصفَ الديةِ، وخرَّجه في الخلافِ والانتصارِ مِنْ قتلِ رجلٍ بامرأةٍ ا. هـ.
قال في المغني: وإن خَرَقَ جِلْدةَ الدِّماغِ فهي الدامِغَةُ، وفيها ما في المأمومةِ، وقال القاضي: لم يَذْكرْ أصحابُنا الدامِغَةَ لمساواتِها المأمومة في أَرْشِها، وقيل فيها مع ذلك حكومةٌ لخَرْقِ جِلْدةِ الدِّماغِ، ويَحتمِلُ أنهم لم يَتْركوا ذِكْرَها إلاَّ لكونِها لا يَسْلَمُ صاحبُها في الغالب.
قال في المقنع: فهذه الخمسُ فيها حكومةٌ في ظاهرِ المذهبِ، وعنه في الباذلةِ بعيرٌ، وفي الباضِعَةِ بَعِيْرانِ وفي المُتَلاحِمَةِ ثلاثةٌ، وفي السِّمْحاقِ أربعةٌ انتهى.
واختاره أبو بكر.
-وهي ما تُوضِحُ العظمَ وتُبْرِزُه- خمسةُ أَبْعِرَةٍ، ثم الهاشِمَةُ، وهي التي تُوضِحُ العظمَ وتَهْشِمُه، وفيها عشرةُ أَبْعِرَةٍ، ثم المُنقِلةُ، وهي ما تُوضِحُ العظمَ وتَهْشِمُه وتنقلُ عظامَها، وفيها خمسةَ عشرَ من الإبلِ، وفي كل واحدةٍ من المَأْمُومَةِ والدَّامِغَةِ ثلثُ الديةِ، وفي الجائِفَةِ ثلثُ الديةِ، وهي التي تَصِلُ إلى باطنِ الجَوْفِ، وفي الضَّلعِ وكل واحدةٍ من التَّرقُوتَيْنِ بعيرٌ، وفي كَسْرِ الذِّراعِ، وهو الساعدُ الجامعُ لعظمَي الزّنْدِ والعَضُدِ والفَخِذِ والسَّاقِ، إذا جُبِرَ ذلك مستقيماً بعيرانِ.
وما عدا ذلك من الجِراحِ وكَسْرِ العظامِ ففيه حُكومةٌ، والحُكُومةُ أن يُقَوَّمَ المَجْنِي عليه كأنه عَبْدٌ لا جِنَايَةَ به، ثم يُقَوَّمُ وهي به قد بَرِئَتْ، فما نَقَصَ عن القيمةِ فله مثلُ نِسْبَتِهِ من الدِّيَةِ، كأنْ قيمتُه عبداً سليماً: ستون، وقيمته بالجنايةِ: خمسونَ، ففيه سدسُ الدِّيَةِ، إلا أن تكونَ الحكومةُ في مَحَلِّ له مُقَدَّر فلا يُبلغُ بها المُقَدَّر.
قوله: "فما نَقَصَ من القيمةِ فله مثلُ نسبتِه من الدِّيَةِ"، قال في الفروع: فإن لم تَنْقُصْه الجنايةُ حالَ البُرْءِ فحكومةٌ نصَّ عليه، فَتُقَوَّمُ عليه حينئذٍ، وقيل قُبيلَ البُرْءِ، وعنه لا شيءَ فيها لو لم تَنْقُصْهُ الجنايةُ ابتداءً أو زادَتْهُ حُسْناً كإزالةِ لِحْيَةِ امرأةٍ أو إصبعٍ زائدةٍ في الأصح اهـ.
قال في الاختيارات: ويجري القصاصُ في اللَّطْمَةِ والضَّرْبَةِ ونحو ذلك، وهو مذهبُ الخلفاءِ الراشدينَ وغيِرهم.
باب العاقلة وما تحمله
عاقلةُ الإنسانِ: عَصَبَاتُه كلُّهم من النَّسبِ والوَلاءِ، قريبُهم وبعيدُهم، وحاضرُهم وغائبهُم، حتى عمودَيْ نَسَبِه، ولا عَقْلَ على رقيقٍ ولا غيرِ مُكلَّفٍ ولا فقيرٍ ولا أُنثَى، ولا مُخَالِفٍ لدِينِ الجانِي.
ولا تَحْمِلُ العاقلةُ عمداً مَحْضَاً، ولا عبداً، ولا صُلْحاً، ولا اعترافاً لم تُصدِّقْه به، ولا ما دونَ ثُلثِ الديةِ التامَّةِ.
فصل
ومن قَتَلَ نفساً مُحَرَّمةً خطأً مباشَرَةً أو تَسبُّبَاً بغيرِ حقٍّ فعليه الكفَّارَةُ.
قال في الاختيارات: وأبو الرجلِ وابنُه من عاقلتِه عند الجمهور كأبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ في أظهرِ الروايتين عنه، وتؤخذُ الديةُ من الجانِي خَطَأً عند تُعذُّرِ العاقلةِ في أصحِّ قولَي العلماءِ، ولا يؤجَّلُ على العاقِلةِ إذا رأى الإمامُ المصلحةَ فيه، ونصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ، ويتوجَّهُ أن يَعْقِلَ ذوو الأرحامِ عند عدمِ العَصَبةِ إذا قلنا تجبُ النفقةُ عليهم، والمُرْتَدُّ يجبُ أن يَعْقِلَ عنه مَنْ يرثُه من المسلمين، أو أهلُ الدِّيْنِ الذي انتقَلَ إليه ا. هـ.
قال في المقنع: وفي قَتْلِ العَمْدِ روايتان: أحدُهما لا كَفَّارَةَ فيه، اختارها أبو الخطَّابِ والقاضي، والأُخرَى فيه الكفارةُ انتهى.
اختارها أبو محمد الجوزي، وجَزمَ بها في الوجيز والمنور.
قال ابن كثير: اختلف الأئمةُ هل تجبُ عليه كفارةٌ؟ على قولين، فالشافعيُّ وأصحابُه وطائفةٌ من العلماءِ يقولون: نعم، لأنه إذا وجَبَتْ عليه الكفارةُ في الخَطَأِ، فلئن تجبُ عليه في العَمْدِ أَوْلَى، وقال أصحابُ الإمامِ أحمدَ =
باب القسامة
وهي: أيمانٌ مُكَرَّرَةٌ في دَعْوَى قتلِ مَعْصومٍ.
مِنْ شَرْطِها اللَّوْثُ، وهو العَداوةُ الظاهرةُ، كالقبائلِ التي يطلبُ بعضُها بعضاً بالثأرِ، فمن ادُّعِيَ عليه القَتْلُ من غير لَوْثٍ حَلَفَ يميناً
= وآخرون: "قتلُ العَمْدِ أَعْظَمُ من أن يُكفَّرَ فلا كفارةَ فيه"، وقد احتجَّ من ذهبَ إلى وجوبِ الكفارةِ في قَتْلِ العَمْدِ بما رواه الإمامُ أحمدُ عن واثلةَ بن الأَسْقَعِ قال: أَتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَفَرٌ من بني سُليمٍ فقالوا: إن صاحباً لنا قد أَوْجَبَ، قال: (فليَعْتِقْ رقبةً يَفْدِي اللهُ بكلِّ عُضْوٍ منها عضواً منه في النَّارِ) 1.
قال في الاختيارات: نَقَلَ المَيْمُونيُّ عن الإمامِ أحمدَ أنه قال: أَذْهَبُ إلى القَسَامَةِ إذا كان ثَمَّ لَطْخٌ وإذا كان سببٌ بَيِّنٌ، وإذا كان ثم عداوةٌ، وإذا كان مثلُ المُدَّعَى عليه يفعلُ هذا، فذكر الإمامُ أحمدُ أربعةَ أمورٍ: اللَّطْخُ، وهو التكلُّمُ في عِرْضِهِ كالشهادةِ المردودةِ، والسَّبَبُ البَيَّنُ، كالتَّعرفِ على قتيلٍ، والعداوةُ وكونُ المطلوبِ من المعروفين بالقتلِ، وهذا هو الصواب، واختاره ابنُ الجوزي، ثُمَّ لوثٌ يغلبُ على الظَّنِّ أنه قَتَلَ من اتُّهِمَ بقَتلِه، جاز لأولياءِ المقتولِ أن يَحْلِفوا خمسينَ يميناً ويستحقُّوا دَمَهُ، وأما ضَرْبُه ليُقِرَّ فلا يجوزُ إلا مع القرائِنِ التي تدلُ على أنه قَتَلَهُ، فإن بعضَ العلماءِ جَوَّزَ تقريرَه بالضَّربِ في هذه الحال وبعضُهم مَنَعَ من ذلك مطلقاً ا. هـ.
واحدةً وبَرِئَ، ويُبْدَأُ بأَيْمانِ الرجالِ من ورثةِ الدَّمِ، فيَحْلِفونَ خمسينَ يميناً، فإن نَكَلَ الورثةُ أو كانوا نساءً حَلَفَ المُدَّعَى عليه خمسينَ يميناً وبَرِئَ.
..................................