كلمات السداد على متن الزادصفحات 191-219

باب الشركة

وهي اجتماعٌ في استحقاقٍ أو تصرُّفٍ، وهي أنواع: فشركةُ عِنانٍ: أن يشترك بَدَنانِ بمَالَيْهما المعلومِ ولو مُتفاوتاً لِيَعْملا فيه بِبدنَيْهما، فينفذُ تصرفُ كلٍّ منهما فيهما بِحُكْم المِلْك في نصيبه، وبالوكالة في نصيبِ شريكه.
ويُشترط أن يكونَ رأسُ المالِ من النَّقدينِ المضروبينِ، ولو مغشوشَينِ يسيراً، وأن يَشْتَرِطاَ لكلٍ منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً، فإن لم يذكرا الربح أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً أو دراهمَ معلومةً، أو رِبْحَ أحدِ الثوبين لم يصحَّ، على قدرِ المال، ولا يُشترط خلطُ المالَين، ولا كونُهما من جنسٍ واحد.
قوله: (ويُشترط أن يكونَ رأسُ المال من النَّقْدَين المَضْروبَيْن)، وعنه تصح الشركةُ والمُضاربةُ المالِ وقتَ العقدِ، وبه قال مالك، قال في الإنصاف: وهو الصواب، لأن مقصودَ الشركةِ جواز تصرفِها في المالَين جميعاً، وكونُ الربحِ بينهما، وهذا يحصُل من العروض من غير غَرَر.
قوله: (أو دراهمَ معلومةً).
قال في الاختيارات 1: ويصح أن يَشترطَ ربُّ المالِ زكاةَ رأسِ المالِ أو بعضه من الرِّبح، ولا يقال بعدمِ الصِّحةِ، ونقله المرُّوذي عن أحمد، لأنه قد يُحيط الزكاةَ بالربح فيختصُّ ربُّ المال بنفعِه، لأنا نقول: لا يمتنع ذلك لِمَا يختصُّ بنفعه في المُساقاة إذا لم يُثْمرِ الشجرُ، وبركوبِ الفرسِ للجهاد إذا لم [يغنموا] 2.

فصل

الثاني: المُضَاربةُ: لِمُتَّجِرٍ به ببعضٍ رِبْحِه، فإن قال: والربحُ بيننا فَنِصفانِ، وإن قال: ولي أو لك ثلاثةُ أرباعِه أو ثلثُه صحَّ، والباقي للآخَر، وإن اختلفا لمن المَشْروطُ فلعاملٍ، وكذا مُساقاة ومُزارعَة، ولا يُضارِب بمالٍ لآخرَ إن أضرَّ الأولَ ولم يَرْضَ، فإن فعل ردَّ حِصَّتَه في الشركة.
ولا يَقْسِمُ مع بقاء العَقْد إلا باتفاقهما، وإن تَلِفَ رأسُ المال أو أو خَسِرَ جُبِرَ من الربحِ قبل قِسْمتِه أو تَنْضِيضِه.

فصل الثالث: شركة الوُجُوه: أن يشتريا في ذِمَّتيهما بجاهيهما فما رَبِحا فبينهما، وكلُّ واحدٍ منهما وكيلُ صاحبِه وكفيلٌ عنه بالثمن، والمِلْكُ بينهما على ما شَرَطاه، والوضيعةُ على قدر مِلْكَيْهما، والرِّبحُ على ما اشترطاه.
الرابع: شركة الأبدان: أن يشتركا فيما يكتسبانِ بأبدانِهما من عملٍ يلزمهما فعلُه، وتصح في الاحتشاشِ والاحتطابِ وسائرِ المُباحاتِ، وإن مرضَ أحدُهما فالكَسْبُ بينهما، وإن طالَبه الصحيحُ أن يُقيم مَقَامَه لزِمه.
الخامس: شركة المُفاوَضَةِ: أن يُفوِّض كلٌّ منهما إلى صاحِبه كلَّ تصرفٍ ماليٍ وبدنيٍ من أنواع الشركة، والربحُ ما شرطاه، والوَضِيعَةُ بقدر المال، فإن أَدْخلا فيها كسباً أو غرامةً نادِرَيْن أو ما يَلْزَمُ أحدَهما من ضمانِ غَصْبٍ أو نحوه فَسَدتْ.
قال في الاختيارات: وليس لوليِّ الأمرِ المنعُ بمقتضَى مذهبِه في شركة الأبدانِ والوجوهِ والمساقاةِ والمزارعةِ ونحوِها مما يَسُوغ فيه الاجتهادُ.

باب المساقاة

تصحُّ على كلِّ شَجرٍ له ثمرٌ يؤكل، وعلى ثمرةٍ موجودةٍ، وعلى شجرٍ يَغْرسُه ويَعمل عليه حتى يُثمرَ بجُزءٍ من الثمرة.
وهي عَقْد جائزٌ، فإن فسخَ المالكُ قبل ظهورِ الثَّمَرَةِ فللعامل الأجرةُ، وإن فسخَها هو فلا شيءَ له.
ويلزمُ العاملَ كلُّ ما فيه صلاحُ الثَّمَرَةِ من حَرْثٍ وسَقْيٍ وزبارٍ وتلقيحٍ وتشميسٍ، وإصلاحِ موضعهِ وطُرقِ الماء وحصادٍ ونحوِه، وعلى ربِّ المالِ ما يُصلحه، كسدِّ حائطٍ وإجراءِ الأنهارِ والدُّولابِ ونحوه.
فصل وتصح المُزارَعةُ بجزءٍ معلومِ النسبةِ مما يخرجُ من الأرضِ لربِّها، أو للعاملِ والباقي للآخرَ، ولا يُشترط كونُ البِذْر والغِراسِ من ربِّ الأرض، وعليه عملُ الناس.
قوله: (وهي عَقْد جائز) هذا المذهب.
وقال أكثرُ العلماء: هي عَقْد لازم، واختاره الشيخ تقي الدين، وهو الراجح لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: آية 1].
قال في الاختيارات: وإذا فَسَدتِ المزارعةُ أو المساقاةُ أو المضاربةُ استحق العاملُ نصيبَ المِثْل، وهو ما جَرَت العادةُ بمثله، ولا أُجرة المِثْل.

باب الإِجَارة

تصح بثلاثةِ شروطٍ: الأول: معرفةُ المنفعةِ كَسُكْنى دارٍ، وخدمةِ آدميٍ وتعليم علمٍ.
الثاني: معرفةُ الأُجرة، وتصح في الأجير والظِّئْرِ (1) بطعامِهما وكِسوتِهما، وإن دخل حَمّاماً أو سفينةً، أو أعطى ثوبَه قَصَّاراً أو خياطاً بلا عَقْدٍ صحَّ بأجرةِ العادةِ.
الثالث: الإباحةُ في العَيْن، فلا تصح على نفعٍ محرَّمٍ كالزِّنى والزَّمْر والغناءِ، وجَعْلِ داره كنيسةً أو لبيعِ الخَمْر، وتصح إجارةُ حائطٍ لوضعِ أطرافِ خشبةٍ عليه، ولا تُؤجِّر المرأةُ نفسَها بغير إذْنِ زوجِها.

فصل

ويُشترَطُ في العينِ المُؤجَرةِ معرفتُها برؤيةٍ أو صفةٍ في... غير الدار ونحوها، وأن يعقد على نَفْعِها دون أجزائِها،   قوله: (وتصح إجارةُ حائطٍ لوضعِ أطرافِ خَشَبِهِ عليه).
قال في الشرح الكبير: (مسألة) ويجوز له استئجارُ حائطٍ ليضعَ عليه أطرافَ خَشَبِهِ، إذا كان الخشبُ معلوماً والمدةُ معلومة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، ولنا أن هذه منفعةٌ مقصودةٌ مَقْدورٌ على تسليمِها واستيفائِها فجازت الإجارةُ عليها كاستئجارِ السَّطْحِ للنومِ عليه ا. هـ.1

فلا تصح إجارةُ الطَّعَامِ للأكلِ، ولا الشَّمْعِ ليُشعلَه، ولا حيوانٍ ليأخذَ لَبَنَه إلا في الظِّئْر، ونقْعُ البئرِ وماءُ الأرض يدخلان تَبَعاً.
والقدرةُ على التَّسليمِ، فلا تصح إجارةُ الآبِقِ والشَّارِدِ.
واشتمالُ العينِ على المنفعةِ، فلا تصح إجارةُ بهيمةٍ زَمِنَةٍ للحَمْل، ولا أرضٍ لا تَنْبُتُ للزرعِ، وأن تكونَ المنفعةُ للمُؤجِرِ أو مأذوناً له فيها، وتجوزُ إجارةُ العينِ لمن يقومُ مقامَه لا بأكثرَ منه ضرراً.
وتصح إجارةُ الوَقْفِ، فإن مات المُؤجِرُ فانتقل إلى مَنْ بَعْدَه لم تَنفسِخْ، وللثاني حِصَّتُه من الأُجرة.
وإن آجر الدارَ ونحوها مدةً معلومةً ولو طويلةً يغلب على الظنِّ بقاءُ العينِ فيها صح، وإن استأجَرَها لعملٍ كدابَّةٍ لركوبٍ إلى موضعٍ معيَّنٍ، أو بقرٍ لحرثٍ أو دِيَاسِ زَرْعٍ، أو من يَدُلُّه على طريقٍ، اشْتُرِط معرفةُ ذلك وضبطُه بما لا يَخْتلف.
قوله: (فلا تصح إجارةُ الطعامِ للأكلِ ولا الشمْعِ ليُشعلَه).
قال الشيخ تقي الدين: ليس هذا بإجارةٍ، ولكنه إذنٌ في الإِتْلافِ، وهو سائغ.
قوله: (ولا حيوانٍ ليأخذَ لَبَنَهُ)، هذا المذهبُ، واختار الشيخ تقي الدين جوازَ إجارةِ قناةِ ماءٍ مدةً، وإجارِة حيوانٍ لأجلِ لَبَنِه قامَ هو به أو ربُّه، فإن قام عليها المستأجرُ وعَلَّفَها، فكاستئجارِ الشجرِ، وإن عَلَفَها ربُّها، ويأخذ المُشترِي لَبَنَاً مُقَدَّراً فبيعٌ مَحْضٌ، وإن كان يأخذُ اللَبنَ مُطلَقاً فبيعٌ أيضاً، وليس هذا بغَرَرٍ.

ولا تصح على عملٍ يَختصُّ فاعلُه أن يكون من أهلِ القُرْبَةِ (1). وعلى المُؤْجِّرِ كل ما يتمكَّن به من النفعِ، كزِمَامِ الجملِ ورَحْلهِ وحِزامِه والشدِّ عليه وشَدِّ الأحمالِ والمَحَامِلِ والرَّفعِ والحَطِّ ولزومِ البعير، ومفاتيحِ الدار وعِمَارتِها، فأما تفريغُ البالوعةِ والكَنِيْفِ فَيَلْزَمُ المستأجرَ إذا تسلَّمها فارغةً.

فصل

وهي عَقْدٌ لازمٌ، فإن آجَره شيئاً ومَنَعَهُ كلَّ المدةِ أو بعضَها فلا شيءَ له، وأن بدأ الآخَرُ قبل انقضائِها فعليه الأجرةُ.
وتنفسخُ بتلفِ العينِ المُؤْجَرةِ، ومَوتِ المُرْتَضِعِ والراكبِ إن لم يُخْلف بدلاً، وانقلاعِ ضِرْسٍ أو بُرْئِه ونحوِه، لا بموتِ المتعاقِدين أو أحدِهما، ولا بضياعِ نفقةِ المستأجِر ونحوِه.
وإن اكْتَرى داراً فانهدمتْ أو أرضاً لزرعٍ فانقطع ماؤُها أو غرقتْ، انفسخت الإجارةُ في الباقي، وإن وَجَدَ العينَ معيبةً أو حَدَثَ بها عيبٌ فله   قوله: (ولا تصح على عملٍ يختصُّ أن يكونَ فاعلُه من أهل الْقُرْبَةِ).
قال في حاشيةِ المُقنع: أي: بل هي جُعَالةٌ، وهذا المذهبُ، وعنه تصح، وبه قال مالك والشافعي.
قوله: (وإن اكْترَى داراً فانهدمتْ، أو أرضاً لزرعٍ فانقطع ماؤُها، أو غرقتْ انفسخت الإجارةُ في الباقي).
قال في المقنع في أحد الوجهين، وفي الآخَرِ يَثْبُتُ للمُستأجِرِ خيارُ الفَسْخِ.
=1

الفسخُ وعليه أجرةُ ما مضى.
ولا يضمنُ أجيرٌ خاصٌ ما جَنَتْ يدُه خَطَأً، ولا حجَّامُ وطبيبٌ وبَيْطْارٌ لم تَجْنِ أَيديْهِم إن عُرَفَ حِذْقُهم، ولا راعٍ لم يَتعدَّ، ويضمنُ المُشْتَرَكُ ما تَلِفَ بفعلِه، ولا يضمنُ ما تلف من حِرْزِه أو بغير فِعله، ولا أُجْرةَ له.
وتجب الأجرةُ بالعقد إن لم تُؤجَّل، وتستحقُّ بتسليمِ العملِ الذي في الذمَّةِ، ومن تَسلَّم عيناً بإجارةٍ فاسدةٍ وفَرَغَتِ المدةُ لزمَه أجرةُ المِثْلِ.
= قال في الاختيارات: وإجارةُ المُضافِ يُفَسَّرُ بشيئين: أن يُؤجرَ سنةً أو سَنتينِ، والثاني: أن يُؤجِرَه مدةً لا يمكنُ الانتفاعُ بالمأخوذِ لما استؤجِرَ له في المُدَّة، فَمِنَ الحكامِ من يَرى أن الإجارةَ تجوزُ إلا إذا أمكن الانتفاعُ بالعين عَقِبَ العقدِ، فإن أراد أن يستأجِرَ الأرضَ للازدراعِ ونحوِه كتبَ فيها أنه استأجرَها مَقِيلاً ومراحاً ومُزْدَرَعاً ونحو ذلك.
وقال أيضاً: والمُزارَعَةُ أَحَلُّ من الإجارةِ لاشتراكِهما في المَغْنَم والمَغْرَم.

باب السَّبْق

يصح على الأَقْدامِ وسائرِ الحيواناتِ والسفنِ والمَزَارِيقِ، ولا تصح بعِوَضٍ إلا في إبلٍ وخيلٍ وسهامٍ.
ولابدَّ من تعيينِ المَرْكوبَيْنِ واتحادهما والرُّماةِ والمسافةِ بقدرٍ معتادٍ، وهي جُعَالةٌ لكلِّ واحدٍ فَسْخُها، وتصح المُنَاضَلَةُ على مُعَيَّنِينَ يُحسِنُونَ الرَّمْيَ.
قال في الاختيارات: والصراعُ والسَّبْقُ بالأَقْدامِ ونحوها طاعةٌ إذا قُصِدَ به نَصْرُ الإسلام، وأخذُ السَّبْقِ عليه أَخْذٌ بالحقِّ، إلى أن قال: وتجوزُ المسابقةُ بلا محلل ولو أخرج المتسابقان، وقال أيضاً، وما أَلْهَى وشَغَلَ عمَّا أَمَرَ الله به فهو مَنْهي عنه وإن لم يَحْرُمْ جِنْسُه.

باب العارية

وهي إباحةُ نفعِ عينٍ تَبْقى بعد استيفائِه، وتباحُ إعارةُ كلِّ ذي نَفْعٍ مباحٍ إلا البُضْعَ، وعبداً مسلماً لكافرٍ، وصيداً ونحوه لمُحْرِمٍ، وأَمَةً شابَّةً لغيرِ امرأةٍ أو مَحْرَمٍ، ولا أجرةَ لمن أعارَ حائطاً حتى يَسقطَ، ولا يُرَدُّ إن سَقطَ إلا بإذنِه.
وتُضْمَنُ العاريَّة بقيمتِها يوم تلفتْ ولو شَرَطَ نَفْيَ ضمانِها، وعليه مُؤْنَةُ ردِّها إلا المُؤْجَرَةُ، ولا يُعيرُها، فإن تلفتْ عند الثاني استقرتْ عليه قيمتُها، وعلى مُعيرِها أُجرتُها، ويضمنُ أيهما شاء، وإن أركب مُنقطِعاً للثواب لم يَضْمن.
قوله: (ولا أُجْرةَ لمن أَعَارَ حائطاً حتى يسقط).
قال في المقنع: وللمُعيرِ الرجوعُ متى شاء، ما لم يأذَنْ في شَغْلِه بشيءٍ يَسْتِضِرُّ المستعيرُ برجوعِه، مثل أن يُعيَره سفينةً لحملِ متاعِه، فليس له الرجوعُ ما دامت في لُجَّةِ البحرِ، وإن أعاره أرضاً للدَّفنِ لم يَرجِعْ حتى يَبْلَى الميتُ، وإن أعاره حائطاً ليضعَ عليه أطرافَ خَشَبِهِ لم يَرجعْ ما دام عليه.
قوله: (وتُضْمَنُ العاريَّةُ بقيمتِها يومَ تلفتْ ولو شَرَطَ نَفْيَ ضَمانِها)، قال في المقنع: وكلُّ ما كان أمانةً لا يصير مضموناً بشَرْطِه، وما كان مضموناً لا يَنتفي ضمانُه لشَرْطِه، وعن أحمد رحمه الله تعالى أنه ذُكِرَ له ذلك فقال: (المسلمون على شروطهم) فيدلُّ على نَفْيِ الضَّمانِ بشرطِه ا. هـ. قلت: قال في الاختيارات: والعاريَّةُ تجب مع غَنَاء المالك، وهو أحدُ القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب، وهي مضمونةٌ بشرطِ ضمانِها، وهي رواية عن أحمد، ولو سلَّم شريكٌ شريكَه دابةً فتلفتْ بلا تَعَدٍّ، ولا تفريطٍ لم يَضْمن، وقياسُ المذهبِ إذا قال: أعرتُك دابَّتي لتعلِفَها، أنَّ هذا يصح ا. هـ. وقال الحسنُ والنَّخَعِيُّ والشعبي وعمرُ بنُ عبد العزيز والثوريُّ وأبو حنيفة ومالكٌ والأوزاعيُّ: هي أمانةٌ لا يجب ضمانُها إلا بالتعدِّي.

وإذا قال: آجرتُك، قال: بل أعرتَنِي، أو بالعكس عَقِبَ العَقْدِ، قُبِلَ قولُ مُدَّعِي الإعارةِ، وبعد مُضيِّ مدةٍ قولُ المالكِ في ماضيها بأُجرةِ المِثْلِ، وإن قال: أَعرتني، أو قال: أجَّرتني، قال: بل غَصبتني، أو قال: أعرتُك، قال: بل أجَّرتني، والبهيمةُ تالفة، أو اختلفا في ردٍّ، فقولُ المالك.
..................................

باب الغَصْب

وهو الاستيلاء على حقِّ غيره قَهْراً بغيرِ حقِّ من عَقارٍ ومَنقولٍ، وإن غَصبَ كلباً يُقتنَى أو خَمْرَ ذِمِّيِّ ردَّهما، ولا يَرُدُّ جِلدَ مَيتةٍ، وإتلافُ الثلاثةِ هَدْرٌ، وإن استولَى على حُرِّ لم يَضمنْه، وإن استعمله كُرْهاً، أو حَبَسه فعليه أجرتُه.
ويَلزم ردُّ المغصوب بزيادتِه وإن غرمَ أضعافَه، وإن بَنَى في الأرض أو غَرَس لزمَه القَلْعُ وأرشُ نقصِها وتَسويتِها والأُجرةُ، ولو غَصَب جارحاً أو عبداً أو فرساً فحصَل بذلك صيدٌ فَلِمالِكِه، وإن ضَرَبَ المَصُوغَ ونَسَجَ الغَزْلَ وقَصَرَ الثوبَ أو صَبَغَهُ ونَجَرَ الخشبةَ ونحوَها، أو صار الحَبُّ زَرْعاً، والبيضةُ فَرْخا.
والنَّوى غَرْساً ردَّه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ للغاصبِ، ويَلزمُه ضمانُ نقصِه.
وإن خَصَى الرَّقيقَ ردَّه مع قيمتِه وما نَقَصَ بسعرٍ لم يُضْمَنْ، ولا بمرضٍ عاد ببُرئِهِ، وإن عاد بتعليمِ صَنعةٍ ضَمِنَ النقصَ، وإن تعلَّم أو سَمِنَ فزادتْ قيمتُه ثم نَسِيَ أو هَزَلَ فنقصَتْ ضمنَ الزيادةِ، كما لو عادتْ من غير جنسِ الأول، ومن جِنْسها، لا يضمنُ إلا أكثرَهما.
قوله: (ولا يَرُدُّ جِلْدَ مَيتةٍ).
قال في المقنع: وإن غَصَبَ جِلْدَ مَيتةٍ فهل يَلزمُه ردُّه؟ على وجهين، فإن دَبغَه وقُلنا بطهارتِه لزمَه ردُّه.
قال في الاختيارات: وإذا مات الحيوانُ المغصوبُ، فضَمِنَه الغاصبُ، فجِلدُه إذا قُلنا يَطْهُرُ بالدِّباغِ للمالِك.
قوله: (ويلزم ردُّ المغصوبِ بزيادتِه) أي سواء كانتْ متصلةً كالسِّمَنِ أو من

فصل

ةً كالولدِ.
فائدة: قال في الاختيارات: قال أبو العباس: سُئلتُ عن قومٍ أُخِذتْ لهم غنمٌ أو غيُرها من المالِ ثم رُدَّتْ عليهم أو بعضُها، وقد اشْتَبَه مِلْكُ بعضِهم ببعض.
قال: فأجبتُ: أنه [إنْ] عُرِفَ قدرُ المالِ تحقيقاً قُسِمَ الموجودُ عليهم على قدْرِه، وإن لم يُعْرَفْ إلا عَدَدُه، قُسِمَ على قَدرِ العدد ا. هـ.

فصل

وإن خَلَطَه بما لا يَتميَّزُ كزيتٍ وحِنْطَةٍ بمثلِهما، أو صَبَغَ الثوبَ أو لَتَّ سَوِيقاً بدُهنٍ وعكسه، ولم تَنْقُصِ القيمةُ ولم تَزِدْ، فهما شريكان بقدرِ مِلْكَيْهما فيه، وإن نقصتِ القيمةُ ضَمِنَها، وإن زادتْ قيمةُ أحدِهما فلصاحبِها، ولا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغِ، ولو قَلَعَ غَرْسَ المُشترِي أو بِنَاءَه لاستحقاقِه الأرضَ رَجعَ على بائِعها بالغَرامةِ.
وإن أَطْعمهُ لعالمٍ بغصبِه فالضَّمان عليه، وعكسُه بعكسِه، وإن أَطْعمَهُ لمالِكِه أو رَهَنَهُ أو أَوْدَعَه، أو آجَرهُ إيَّاهُ لم يَبْرَأْ إلا أن يَعلَم، ويَبْرأُ بإِعَارته.
وما تَلِفَ أو تغَيَّبَ من مَغْصوبٍ مِثْليٍّ غَرِمَ مِثْلَه إذاً، وإلا فقيمتُه يوم تَعَذَّر، ويَضْمنُ غيرَ المِثْلىِّ بقيمتِه يومَ تَلَفِهِ، وإن تَخَمَّر عصيرٌ فالمِثْلُ، فإن انقلبَ خَلاَّ دَفَعَه ومعه نقصُ قيمتِه عصيراً.

فصل وتصرفاتُ الغاصبِ الحُكْمِيَّةُ 1 باطلةٌ، والقولُ في قيمةِ التَّالفِ أو قَدرِه أو صفتِه قولُه، وفي رَدِّه وعدمِ عَيْبهِ قولُ ربِّه، وإن جَهِل ربُّه تصدَّق به عنه مضموناً.
قوله: (ويَبْرَأُ بإعادتِه) أي: لأن العاريَّة توجبُ الضَّمانَ على المُستعيرِ، والصحيحُ أنه لا يَبْرأُ كما لو أطْعمَهُ إياه، والعاريَّة لا تُضْمَنُ إلا بِشَرْطِ ضمانِها كما هو اختيارُ شيخِ الإسلام وغيرِه.

ومن أتلفَ مُحترَماً أو فتح قفصاً أو باباً، أو حَلَّ وكَاءً أو رِبَاطاً أو قَيْداً فذهبَ ما فيه، أو أتلفَ شيئاً ونحوَه ضَمِنَه، وإن رَبَطَ دابَّةً بطريقٍ ضيِّقٍ فَعَثَر به إنسانٌ ضَمِنَ، كالكلبِ العَقُورِ لمن دخل بيتَه بإذنه، أو عَقَرَهُ خارجَ منزلِه.
وما أَتْلفتِ البهيمةُ من الزَّرْعِ ليلاً ضمن صاحبُهما، وعكسُه النهارُ، إلا أن ترسل بقرب ما تتلفه عادة، وإن كانتْ بيدِ راكبٍ أو قائدٍ أو سائقٍ ضَمِنَ جنايتَها بمقَدَّمها، ولا بمؤخرها، وباقي جِناياتِها هَدْرٌ، كقَتْلِ الصَّائِلِ عليه، وكسر مزمار وصليب وآنية ذهب وآنية خمر غيرِ محتَرَمَةٍ.
..................................

باب الشُّفْعَة

وهي: استحقاقُ انتزاعِ حِصَّة شريكِه ممن انتقلتْ إليه بِعِوَضٍ ماليٍّ بثمنِه الذي استقرَّ عليه العَقْدُ، فإن انتقل بغير عِوَضٍ أو كان عِوَضُه صداقاً أو خُلْعاً أو صُلْحا عن دمٍ عمدٍ فلا شُفْعةَ، ويَحْرُم التَّحَيُّلُ لإسقاطِها.
وتثبتُ لشَريكٍ في أرضٍ تجبُ قسمتُها، ويَتبعُها الغِراسُ والبناءُ، لا الثمرةُ والزرعُ، فلا شُفْعة لجارٍ.
وهي على الفَوْرِ وقتَ عِلْمِه، فإن لم يطلُبْها إذاً بلا عذر بطلت، وإن قال للمشتري: بعْنِي أو صَالِحْنِي، أو كذَّبَ   قوله: (صَداقاً أو خلعاً) أي: إذا كان ذلك غيرَ حيلةٍ.
قوله: (وتثبتُ لشريكٍ في أرضٍ تجبُ قِسمتُها)، وعنه تثبتُ فيما لا تجبُ قِسمتُه واختاره الشيخ تقي الدين.
قال الحارثي: وهي أحق.
قوله: (وهي على الفَوْرِ وقتَ عِلْمِه)، اختلف العلماءُ هل هي على الفَوْرِ أو التَّراخي؟ على قولين، وعن الشافعي قولٌ ثالث، أنه يَتَقَدَّر بثلاثة أيام، فإن مضتْ ولم يُطالبْ بها سَقطتْ، وهذا أقربُ لأن التَّراخِي مُضِرٌّ بالمُشترِي، والقولُ بالفوريةِ تفويتٌ لحقِّ الشفيعِ الثابتِ بلا دليلٍ ثابتٍ، والأيامُ الثلاثةُ لها نظائرُ في الشرع، والله أعلم.
قوله: (وإن قال للمُشترِي بِعْني... سَقَطتْ)، وقال الحارثي: يَقْوَى عندي عدمُ السُّقوطِ كقول أشهبَ صاحب مالك.
قوله: (أو صالِحْني... ) سَقَطتْ، اختار القاضي وابنُ عقيل أنها لا تَسقطُ، لأن طلبَه لبعضِها طلبٌ لجميعها.

العَدْل، أو طلبَ أخْذَ البعضِ سَقَطتْ، والشُّفعة لاثنين بقدر حَقَّيهما، فإن عَفَا أحدُهما أَخَذَ الآخَر الكُلَّ أو تَرَك، وإن اشترى اثنانِ حقَّ واحدٍ أو عكسُه، أو اشترى واحدٌ شِقْصَيْنِ من أَرْضَيْنِ صَفْقةً واحدةً فللشَّفيعِ أخذُ أَحَدِهما، وإن باع شقْصاً وسيفاً أو تلف بعض المَبيعِ فللشفيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بحِصَّتِه من الثَّمَن، ولا شُفعةَ بشركةِ وَقْفٍ، ولا في غير مِلْكٍ سابقٍ ولا لكافرٍ على مسلم.

فصل

وإن تصرَّفَ مُشتريه بوقْفِه أو هِبَتِهِ أو رَهْنِهِ لا بوصيةٍ سقطتِ الشُّفعةُ، وبِبَيْعٍ فله أَخْذُه بأحدِ البَيْعينِ، وللمُشترِي الغَلَّةُ والنَّماءُ المنفصلُ والزرعُ والثمرةُ الظاهرةُ، فإن بَنَى أو غَرَسَ فللشفيع تَمَلُّكُه بقيمتِه وقَلْعُه،   قوله: (أو طَلبَ أَخْذَ البعضِ سَقَطتْ)، وقال أبو يوسف: لا تسقط.
قال في الاختيارات: وتثبت الشُّفعةُ في كل عَقارٍ يَقْبل قِسمةَ الإجبارِ باتفاق الأئمة، وإن لم يَقْبلْها فروايتان، الصوابُ الثبوتُ، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيارُ ابن سُريج من الشافعية، وأبي الوفاء من أصحابنا، وتثبتُ شفعةُ الجِوارِ مع الشَّرِكةِ في حقٍ من حقوقِ المِلْكِ من طريقٍ أو ماءٍ أو نحوِ ذلك ا. هـ. قوله: (ولا شُفعة بِشَركةِ وقفٍ).
قال في المقنع في أحد الوجهين.
قوله: (وإن تَصرَّف مُشترِيه بوقفِه أو هبتِه إلى آخره).
قال في المقنع: وإن تصرَّف المُشترِي في البيع قبل الطَّلبِ سقطتْ الشُّفعةُ، نصَّ عليها.
وقال أبو بكر: لا تسقطُ.
قال في حاشية المقنع: وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعية لأن حقَّ الشفيع السَّبْقُ.

ويَغْرَمُ نَقْصَهُ ولربِّه أَخْذُه بلا ضَررٍ.
وإن مات الشَّفيعُ قَبْلَ الطلبِ بَطَلَتْ، وبعدَه لوارثِه، ويأخذُه بكلِّ الثَّمنِ، فإن عَجَزَ عن بعضِه سقطتْ شُفعتُه، والمُؤجَّل يأخذه المَليءُ به، وضِدُّه بكفيلٍ مليءٍ، ويُقبلُ في الخُلْفِ مع عَدَمِ البَيِّنَةِ قولُ المُشترِي، فإن قال: اشتريتُه بألفٍ أَخَذَ الشفيعُ به، ولو أَثبتَ البائعُ أكثرَ، وإن أَقَرَّ البائعُ بالبيعِ وأَنكرَ المُشترِي وَجَبتْ، وعُهدَةُ الشفيعِ على المُشتِري، وعُهدَةُ المُشترِي على البائع.
قوله: (وإن أَقرَّ البائعُ بالبيعِ وأنكرَ المُشترِي وَجَبت)، قال في المقنع: على وجهين أي لا تجبُ على الوجهِ الثاني.
قال الحارثي: وهذا قويٌّ لأن الشُّفعةَ فرعٌ للبيع فلا تثبتُ إلا بثبوتِ الأصل.

باب الوديعة

إذا تَلِفَتْ من بين مالِه ولم يَتعدَّ ولم يُفَرِّطْ لم يَضْمنْ، ويَلزمُه حِفظُها في حِرْزِ مثلِها، فإن عَيَّنَهُ صاحبُها فأحْرزَها بدونِه ضَمِنَ، وبمثلِه أو أَحْرَزَ فلا، وإن قَطَعَ العَلَفَ عن الدابَّة بغيرِ قولِ صاحبِها فأحْرزَها بدونِه ضَمِنَ، وإن عيَّن جَيْبَه فتركَها في كُمِّهِ أو يَدِه ضَمِنَ، وعكسُه بعكسِه، وإن دَفعها إلى من يَحفظُ مالَه أو مالَ ربِّها لم يَضمنْ، وعكسُه الأجنبيُّ والحاكمُ، ولا يُطالبانِ إن جَهِلا، وإن حَدَثَ خوفٌ أو سفرٌ ردَّها على ربِّها، فإن غابَ حَمَلَها (معه) إن كان أَحْرَزَ، وإلا أودعَها ثِقةً، ومن أُودِعَ دابَّةً فركبَها لغيرِ نفعِها، أو ثوباً فَلَبسَهُ، أو دراهمَ فأخْرجَها من مُحرزٍ ثم ردَّها، أو رَفَعَ الخَتْمَ ونحوَه عنها، أو خَلَطَها بغير مُتميِّزٍ فضاع الكلُّ ضَمِن.
قال في الاختيارات: ولو أَوْدَع المُوْدِعُ بلا عذرٍ ضَمِنَ، والمُودِعُ الثاني لا يضمنُ إن جَهِلَ، وهو روايةٌ عن أحمد وكذا المرتهن منه، وهو وجهٌ في المذهب.
قوله: (فأخرجها من محرز ثم رَدَّها... ضَمِن).
قال في المقنع: وإن أَخَذَ درهماً ثم رَدَّه فضاعَ الكلُّ ضَمِنَه وحدَه، وعنه يَضمنُ الجميعَ، وإن ردَّ بَدَلَهُ مُتميِّزاً فكذلك، وإن كان غيرَ مُتميِّزٍ ضَمِنَ الجميعَ، ويَحتمِلُ أن لا يَضْمن غيره.
قوله: (أو رَفَعَ الخَتْمَ) أي كَسَرَ خَتْمَ كِيسهِا ضَمِنَ، وعنه لا يَلْزَمُ ضَمانٌ لأنه لم يَتَعَدَّ في غيرِه.
(فائدة) قال في الاختيارات: ولو قال المُوْدَعُ: أوْدَعَنِيها الميتُ، وقال: هي لفلان، وقال ورثتُه: بل هي له، وليس لفلانٍ، ولم تَقُمْ بينةٌ على أنها كانتْ للميِّتِ ولا على الإيداع، قال أبو العباس: أُفْتِيتُ أن القولَ قولُ المُودَعِ مع يمينه، لأنه قد ثَبَتَ له اليدُ، وإذا تَلِفتْ الوديعةُ فللمُودِع قبضُ البدلِ، لأنَّ مَنْ يَملكُ قَبْضَ العينِ يَملكُ قَبْضَ البَدَلِ كالوكيلِ وأولى ا. هـ.

فصل

ويُقبل قولُ المُودِعِ في ردِّها إلى ربِّها أو غيرِه بإذنِه، و (في) تَلَفِها وعدم التَّفريطِ، فإن قال: لم تُودِعْني، ثم ثَبَتَتْ ببينةٍ أو إقرارٍ ثم ادَّعى ردّاً أو تَلَفاً سابقَينِ لجُحودِه لم يُقبلا ولو ببينةٍ، بل في قوله: ما لكَ عندي شيءٌ ونحوُه أو بَعْدَه 1 بها، وإن ادَّعى وارثُه الردَّ منه أو من مُوَرِّثِهِ لم يُقْبَلْ إلا ببينةٍ، وإن طلبَ أحدُ المُودِعين نصيبَه من مَكِيلٍ أو مَوْزونٍ ينقسمُ أَخَذَهُ، وللمستودِعِ والمضارِبِ والمرتهِنِ والمستأجِرِ مطالبة غاصِبِ العينِ.
..................................

باب إحياء الموات

وهي: الأرضُ المُنفكَّةُ عن الاختصاصاتِ ومِلْكِ معصومٍ، فمن أَحْياها مَلَكَها من مُسلمٍ وكافرٍ بإذْن الإمامِ وعَدَمِه في دار الإسلام وغيرِها 1، والعَنْوَةُ كغيرِها، وَيُمْلَكُ بالإحْياءِ ما قَرُبَ من عامِرٍ إن لم يتعلَّقْ بمصلحتِه، ومن أَحَاطَ مَوَاتاً أو حَفَرَ فيه بئراً فوصَلَ إلى الماءِ أو أَجْراهُ إليه من عَيْنٍ ونحوِها، أو حَبَسهُ عنه ليزرعَ فقد أحياه، ويَملِكُ حَريمَ البئرِ العاديَّةِ خمسين ذراعاً من كُلِّ جانبٍ، وحَريمُ البَدِيَّةِ 2 نصفُها.
وللإمام إقطاعُ مواتٍ لمن يُحييه ولا يَمْلِكُه 3، وإقطاع الجلوس في   قوله: (ويَمْلِكُ حَرِيْمَ البئرِ العاديَّةِ خمسين ذراعاً) إلى آخره، لما رَوَى أحمدُ عن أبي هريرة مرفوعاً: (حَرِيمُ البِئْرِ البَدِيءِ خمسٌ وعشرون ذراعاً، وحَرِيمُ البئر العَادِيِّ خمسون ذراعاً) 4، وعند البيهقي: (وحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثلاثُمائةِ ذراعٍ من نواحِيْها كلِّها) ا. هـ. ويُقاسُ على البئرِ - بِجَامعِ الحاجةِ - العُيونُ والنهرُ والمَسِيلُ والدُّورُ في الأرضِ المباحةِ والله أعلم.

الطريقِ الواسعةِ، ما لم يَضُرَّ بالناسِ، ويكونُ أحقَّ بجلوسِها، ومن غير إقطاعٍ لمن سَبَقَ بالجلوسِ ما بقي قماشُه فيها وإن طالَ، وإن سَبَقَ اثنان اقْترَعَا.
ولمَنْ في أَعْلَى الماءِ المُباحِ السَّقْيُ وحَبْسُ الماءِ إلى أن يصلَ إلى كَعْبِه، ثم يُرسله إلى من يَلِيْه.
وللإمامِ دونَ غيرِه حِمَى مَرْعَىً لدوابِّ المسلمين ما لم يَضُرَّهم.
قوله: (وإِقْطاعُ الجلوسِ في الطريق الواسعةِ ما لم يَضُرَّ بالناس)، قال في الاختيارات: ولا يجوز لوكيلِ بيتِ المالِ ولا غيرِه بيعُ شيءٍ من طريقِ المسلمين النافِذِ، وليس للحاكمِ أن يحكُمَ بصحتِه.

باب الجُعَالة

1 وهي: أن يَجْعلَ شيئاً معلوماً لمن يَعْملُ له عَمَلاً مَعْلوماً أو مَجْهولاً مدةً معلومةً أو مجهولةً، كردِّ عبدٍ ولُقَطَةٍ، وخِيَاطِةٍ، وبناءِ حائطٍ، فمن فَعَلَه بعد عِلْمِه بقولِه استحقَّه 2، والجماعةُ يَقْتسمونَه، وفي أثنائِه يأخذُ قِسْطَ تَمامِه.
ولكلٍ فَسْخُها، فَمِنَ العاملِ لا يستحقُّ شيئاً، ومن الجَاعِلِ بعد الشُّروعِ للعاملِ أجرةُ (مثلِ) عَمَلِه، ومع الاختلافِ في أَصْلِه أو قَدْرِهِ يُقبَلُ قولُ الجاعلِ.
ومن ردَّ لُقَطَةً أو ضالَّةَ أو عَمِلَ لغيِره عَمَلاً بغير جُعْلٍ لم... يستحقَّ عِوَضاً، إلا ديناراً أو أثنى عَشَرَ درهماً عن رَدِّ الآبِقِ، ويَرْجِعُ بنفقتِه أيضاً.
قال في الاختيارات: ومن اسْتنقذَ مالَ غيرِه من المَهْلَكةِ وردَّه استحق أُجرةَ المِثْلِ ولو بغير شَرْطٍ في أصحِّ القولَين، وهو منصوصٌ عليه [عن] أحمدَ وغيرِه، وإذا استنقذَ فرساً للغيرِ ومرضَ الفرسُ بحيثُ إنه لم يَقدِرْ على المَشْيِ، فيجوزُ، بل يجبُ في هذه الحالِ أن يبيعَه الذي استنقذه ويحفظُ الثمنَ لصاحبِه، وإن لم يكنْ وَكَّلَه في البيعِ، وقد نصَّ الأئمةُ على هذه المسألةِ ونظائرِها.

باب اللقطة

وهي: مالٌ أو مُخْتَصٌّ ضلَّ عن ربِّه، وتَتْبَعُه هِمَّةُ أوساطِ الناسِ، فأما الرغيفُ والسَّوطُ ونحوهُما فيُملَكُ بلا تعريفٍ، وما امتنعَ من سَبعٍ صغيرٍ كثورٍ وجَملٍ ونحوهِما حَرُمَ أخذُه، وله التقاطُ غيرَ ذلك من حيوانٍ وغيرِه إن أَمِنَ نفسَه على ذلك، وإلا فهو كغاصِبٍ.
ويُعرِّفُ الجميعَ بالنداءِ في مجامعِ الناسِ في غيرِ المساجدِ حَوْلاً، ويَملِكُه بَعْدَهُ حكماً، لكن لا يتصرفُ فيها قبل معرفةِ صفاتِها، فمتى جاء طالبُها فوصفَها لَزِمَ دفعُها إليه.
والسَّفيهُ والصبيُّ يُعرِّفُ لُقَطَتَهُمَا وليُّهما.
ومن تَركَ حيواناً في فلاةٍ لانقطاعِه أو عَجَزَ ربُّه عنه مَلَكَه آخِذُه، ومن أُخِذَ نعلُه ونحوه وَوَجَدَ موضِعَه غيَره فلُقَطَةٌ.
..................................

باب اللَّقِيط

وهو: طفلٌ لا يُعرَفُ نَسَبُه ولا رِقُّه نُبِذَ أو ضَلَّ، وأَخْذُه فرضُ كِفايةٍ وهو حُرٌّ، وما وُجِدَ معه أو تحتَه ظاهراً أو مدفوناً طريّاً 1 أو متصلاً به كحيوانٍ وغيرِه أو قريباً منه فَلَهُ، ويُنفِقُ عليه منه، وإلا فَمِنْ بيتِ المالِ 2. وهو مسلمٌ وحضانتُه لواجدِه الأمين، ويُنفق عليه بغير إذنِ حاكمٍ، وميراثُه ودِيتُه لبيتِ المال، ووليُّه في العَمْدِ الإمامُ يُخيَّر بين القِصَاصِ والدِّيةِ.
وإن أَقَرَّ رجلٌ أو امرأةُ ذاتُ زوجٍ مسلمٍ أو كافرٍ أنه ولدُه لَحِقَ به، ولو بعد موتِ اللقيطِ، ولا يَتْبعُ الكافرَ في دينه إلا ببينةٍ تَشْهَدُ أنه وُلِدَ على فِراشِه، وإن اعترفَ بالرِّقِّ مع سَبْقٍ مُنَافٍ، أو قال: إنه كافرٌ لم يُقبلْ منه، فإن ادَّعاه جماعةٌ قُدِّمَ ذو البيِّنة، وإلا فَمَنْ أَلْحَقَتْه القَافَةُ 3 به.
..................................

كتاب الوَقْف وهو: تَحْبيسُ الأصلِ وتَسْبيلُ المنفعةِ.
ويصح بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه، كمن جعلَ أرضَه مسجداً وأَذِنَ للناسِ في الصَّلاةِ، فيه أو مقبرةً وأَذِنَ في الدَّفْنِ فيها.
وصريحُه: وقفتُ، وحبَّستُ، وسبَّلْتُ، وكنايته: تصدَّقتُ، وحرَّمتُ وأبَّدتُ، فتُشترَطُ النيةُ مع الكنايةِ أو اقترانِ أحدِ الألفاظِ الخمسةِ أو حُكْمِ الوَقْفِ.
ويُشترَطُ فيه المنفعةُ دائماً من مُعيَّنٍ يُنتفَعُ به مع بقاءِ عَينِه كعَقَارٍ وحيوانٍ ونحوهِما، وأن يكون على بِرٍّ كالمساجدِ والقناطرِ والمساكينِ والأقاربِ، من مسلمٍ وذِمِّيٍ غير حَرْبيٍ 1، وكنيسةٍ ونسخِ التوراةِ والإنجيلِ وكُتبِ زَندقةٍ، وكذا الوصيةُ والوقفُ على نفْسِه.
قوله: ﴿كتاب الوقف﴾.
قال في الاختيارات: وأقربُ الحُدودِ في الوقوفِ أنَّه كلُّ عينٍ تجوزُ عارِيَّتُها.
قوله: (وكذا الوصيَّةُ والوقفُ على نفسِه).
قال في المُقنع: ولا يصحُّ على نَفْسِه في إحدى الروايتين.
قال في الاختيارات: ويصحُّ الوقفُ على النفسِ، وهو أحدُ الروايتين عن أحمد، واختارها طائفةٌ من أصحابِه، ويصح الوقفُ على الصوفيَّةِ، فمن كان جَمَّاعاً =

ويُشترَطُ في غير المسجدِ ونحوه أن يكونَ على مُعيَّن يَمْلِكُ، لا مَلَكٍ وحيوانٍ وقَبْرٍ وحَمْلٍ، لا قبولُهُ ولا إخراجُهُ عن يَدِهِ.

فصل

ويجب العملُ بشرطِ الواقفِ في جَمْعٍ وتقديمٍ، وضِدِّ ذلك، واعتبارِ وَصْفٍ وعَدَمِه، والترتيبِ، ونَظَرٍ، وغيرِ ذلك، فإنْ أَطْلقَ ولم يَشْترِطْ استوى الغنيُّ والذَّكَرُ وضدُّهما، والنَّظرُ للموقوفِ عليه، وإنْ  = للمال ولم يَتخلَّقْ بالأخلاقِ المحمودةِ، ولا تأدبَ بالآدابِ الشرعيةِ، وغلبتْ عليه الآدابُ الوضعيةُ، أو فاسقاً لم يستحقَّ شيئاً، وإن كان قد يجوز للغنيِّ مجرَّدُ السُّكْنَى ا. هـ. قوله: (وحَمْلٍ).
قال في الاختيارات: قال في المُحَرَّر: ولا يصح وقفُ المجهولِ، قال أبو العباس: المجهولُ نوعان: مُبْهَمٌ ومعيَّنٌ، مثل دارٍ لم يَرَها، فمنعُ هذا بعيدٌ وكذلك هبتُه، فأما الوقفُ على المُبْهَمِ فهو شبيهٌ بالوصيَّة له، وفي الوصيةِ روايتانِ منصوصتانِ مثل أنْ يُوصِي لأحدِ هذين ولجارِه محمدٍ وله جارانِ بهذا الاسم، وَوَقْفُ المُبْهَمِ مُفرّعٌ عن هبتِه وبيعِه؟ وليس عن أحمدَ في هذا مَنْعٌ ا. هـ. قوله: (ويجبُ العملُ بشرطِ الواقفِ).
قال في الاختيارات: ولا يَلْزمُ الوفاءُ بشرطِ الواقفِ إلا إذا كان مُستحبَّاً خاصةً إلى أن قال: وقولُ الفقهاءِ: نُصوصُ الواقفِ كنُصوصِ الشارعِ يعني في الفَهْمِ والدلالةِ لا في وجوبِ العملِ، والعادةُ المُستمِرَّةُ والعُرْفُ المُستقِرُّ في الوقف يدلُّ على شرطِ الواقفِ أكثرَ مما يدلُّ لفظُ الاسْتفاضَةِ، وكلُّ مُتَصرِّفٍ بولايةٍ إذا قيلَ له افعلْ ما تشاءُ فإنما هو لمصلحةٍ شرعيَّةٍ، وإذا وَقَفَ على الفقراءِ فأقاربُ الواقفِ الفقراءُ أحقُّ من الفقراء الأجانب مع التَّساوِي في الحاجة ا. هـ ملخصاً.

وَقفَ على وَلَدِه أو وَلَدِ غيرِه، ثم على المساكين فهو لولدِه الذُّكورِ والإناثِ بالسَّويَّةِ، ثم ولدِ بَنيهِ دون بناتِه، كما لو قال: على وَلَدِ وَلَدِه وذُريتِه لصُلبِه، ولو قال: على بَنيهِ أو بَنِي فلانٍ اختصَّ بذُكورِهم، إلا أن يكونوا قبيلةً فيدخلُ النساءُ دون أولادِهنَّ من غيرِهم، والقرابةُ وأهلُ بيتِه وقومُه يشملُ الذَّكَرَ والأُنثَى من أولادِه وأولادِ بَنيهِ وَجدِّه وجدِّ أبيه، وإن وُجِدَتْ قرينةٌ تَقتضي إرادةَ الإناثِ أو حِرْمانَهُنَّ عُمِلَ بها، وإذا وَقَفَ على جماعةٍ يمكنُ حَصْرُهم وجبَ تعميمُهم والتَّساوِي، وإلا جاز التفضيلُ والاقتصارُ على أحدهم.

فصل

والوقفُ عَقْدٌ لازمٌ لا يجوز فَسْخُه، ولا يُباع إلا أن تَتعطَّلَ منافعُه.
ويصرفُ ثمنُه في مِثْلِه، ولو أنه مسجدٌ وآلتُه، وما فَضَلَ من حاجتِه جاز صَرْفُه إلى مسجدٍ آخرَ، والصدقةُ به على فقراءِ المسلمين.
قوله: (ولو قال: على بَينه اختصّ بذكورهم)، أي: إذا قصد بذلك التقرُّبَ إلى الله عزَّ وجلَّ، وإن أراد حِرْمانَ بعضِ ورثتِه فلا يجوز بل هو جَنَفٌ وإِثْمٌ، قال في الاختيارات: وتصبحُ هبةُ المعدومِ كالثَّمرِ واللَّبَنِ بالسنةِ واشتراطُ القُدرةِ على التسليمِ هنا فيه نظرٌ بخلافِ البيعِ، وتصح هبةُ المجهولِ كقوله: ما أخذتَ من مَالِي فهو لك؛ أو مَنْ وَجَدَ شيئاً من مَالِي فهو لَه؛ وفي جميعِ الصُّوَرِ يحصُلُ المِلْكُ بالقَبْضِ ونحوِه.
وللمُبيحِ أن يَرْجِعَ فيما قال قبلَ التَّمَلُّكِ، وهذا نوعٌ من الهِبَةِ يتأخَّرُ القبولُ فيه عن الإيجابِ كثيراً وليس بإباحةٍ ا. هـ.

باب الهبة والعطية

وهي التَّبرُّعُ بتمليكِ مالِه المعلومِ الموجودِ في حياتِه غيرَه، فإن شَرَطَ فيها عِوَضاً معلوماً فبيعٌ، ولا يصح مجهولاً إلا ما تعذَّر عِلْمُه، وتنعقدُ بالإيجابِ والقَبولِ والمُعاطاةِ الدالَّةِ عليها، وتَلزمُ بالقبضِ بإذنِ واهبٍ إلا ما كان في يدِ مُتَّهِبٍ، ووارثُ الواهبِ يقومُ مُقامَه.
ومن أَبْرأَ غريمَه من دَيْنِه بلفظِ الإحلالِ أو الصدقةِ أو الهبةِ ونحوِها بَرِئتْ ذمتُه، ولو لم يَقْبَلْ، وتجوزُ هِبَةُ كلِّ عَينٍ تُباعُ وكلبٍ يُقْتنَى.

فصل

ويجب التَّعْديلُ في عَطَّيتِه أولادَه بقدرِ إِرْثِهم، فإن فَضَّلَ بعضَهم سوى برجوعٍ أو زيادةٍ، فإن مات قبله ثَبَتَتْ.
قوله: (يجبُ التَّعْديلُ في عَطِيّتِه أولادَه بقدرِ إرْثِهم).
قال في الاختيارات: ثم هنا نوعانِ يَحْتاجونَ إليه من النفقةِ في الصِّحةِ والمرضِ ونحوِ ذلك، فتعديلُه فيه أن يُعطيَ كلَّ واحدٍ ما يَحْتاجُ إليه، ولا فَرْقَ بين مُحتاجٍ قليل أو كثير، ونوعٌ تَشترِكُ حاجتُهم إليه من عَطِيَّةٍ أو نفقةٍ أو تزويجٍ؛ فهذا لا ريبَ في تحريم التفاضُلِ فيه، وينشأُ من بينِهِما نوعٌ ثالثٌ، وهو أن ينفردَ أحدُهما بحاجةٍ غير مُعتادةٍ، مثل أن يَقْضِيَ عن أحدِهما دَيْناً وجبَ عليه من أَرْشِ جِنايةٍ، أو يُعْطِي عنه المَهْرَ أو يُعطيهِ نفقةَ الزوجةِ ونحو ذلك؛ ففي وجوبِ إعطاءِ الآخَرِ مِثْلَ ذلك نَظَرٌ، وتجهيزُ البناتِ بالنِّحَلِ أَشْبَهُ، وقد يَلْحَقُ بهذا، والأشبه أن يُقالَ في هذا: إنه يكون بالمعروفِ، فإن زادَ على المعروفِ فهو من بابِ النِّحَلِ، ولو كان أحدُهما محتاجاً دون الآخَرِ أَنْفقَ عليه قَدْرَ كفايتِه، وأما الزيادةُ فمن النِّحَلِ، فلو كان أَحَدُ الأولادِ فاسقاً فقال والدُه: لا أُعطيكَ نظيرَ إخْوتِكَ حتى تتوبَ فهذا حَسَنٌ يَتعيَّنُ استثناؤُه ا. هـ.

ولا يجوز لواهبٍ أن يَرْجِعَ في هِبَتِهِ اللازمةِ إلا الأبُ، وله أن يأخذَ ويَتملَّكَ من مالِ ولدِه ما لا يضرُّه ولا يحتاجُه، فإن تصرَّف في مالِه ولو فيما وهبَه له ببيعٍ أو عتقٍ أو إِبْراءٍ أو أراد أَخْذَه قبلَ رجوعِه أو تَمَلُّكِه بقولٍ أو نيَّةٍ وقبضٍ مُعْتبَرٍ لم يصحَّ بل بعدَه.
وليس للولدِ مطالبةُ أبيهِ بِدَيْنٍ أو نحوِه، إلا بنفقتِه الواجبةِ عليه، فإنَّ له مُطالبتَه بها وحَبْسَه عليها.

فصل في تصرفات المريض

مَنْ مَرَضُه غيرُ مَخُوفٍ كوجعِ ضِرْسٍ وعَيْنٍ وصُداعٍ يسيرٍ فَتَصَرُّفُه لازمٌ كالصحيحِ، ولو مات منه.
قوله: (ولا يجوز لواهبٍ أنْ يَرجعَ في هِبتهِ اللازمةِ إلا الأبُ)، وحُكْمُ الأُمِّ في ذلك كالأبِ عند أكثر العلماء.
قال في الاختيارات: وللأبِ الرجوعُ فيما وَهَبَهُ لولدِه ما لم يَتَعلَّقْ به حقٌّ أو رَغبةٌ، فلا يرجعُ بقدرِ الدَّيْن وقدرِ الرَّغبةِ، ويَرْجعُ فيما زاد، ويَرجعُ فيما أَبْرأَ منه ابنَه من الدَّينِ على قياسِ المذهبِ كما للمرأةِ على إحدى الروايتينِ الرجوعُ على زوجِها فيما أَبْرأَتْه من الصَّداقِ.
وإذا أخذَ من مالِ ولدِه شيئاً ثم انفسخَ سببُ استحقاقِه مثل أن يأخذَ صَدَاقَها فتطلق، أو يأخذَ الثمنَ ثم ترد السِّلْعةُ بعيبٍ، أو يَأْخُذَ المَبيعَ ثم يُفلس ونحو ذلك، فالأقوى في جميع الصورِ أنَّ للمالكِ الأولِ الرجوعُ على الأبِ ا. هـ. ملخصاً.

وإن كان مَخُوفاً كَبِرْ سَامٍ، وذاتِ جَنْبٍ، ووجَعِ قلبٍ، ودوامٍ قيامٍ ورعُافٍ، وأولِ فالجٍ، وآخِرِ سِلٍّ، والحُمَّى المُطْبِقَةِ، والرِّبَع، وما قال طبيبانِ مُسْلمانِ عَدْلانِ إنه مَخُوفٌ، ومن وقعَ الطَّاعونُ ببلدِه، ومَنْ أَخذَها الطَّلْقُ لا يَلْزم تبرعُه لوارثٍ بشيءٍ، ولا بما فوقَ الثُّلثِ، إلا بإجازةِ الورثةِ له إن مات منه، وإن عُوفِيَ فكصحيحٍ.
ومن امتدَّ مرضُه بجُذامٍ أو سُلٍّ أو فالجٍ ولم يَقْطَعْهُ بِفِراشٍ فمن كُلِّ مالِه، والعكسُ بالعكسِ.
ويُعتَبرُ الثلثُ عند موتِه، ويُسَوِّي بين المُتقدِّمِ والمُتأخِّرِ في الوصيةِ، ويبدأُ بالأولِ فالأوَّل في العَطيَّةِ، ولا يَملكُ الرجوعَ فيها، ويُعتبَرُ القولُ لها عند وجودِها، ويَثبتُ المِلْكُ إذاً، والوصيَّةُ بخلافِ ذلك.
..................................

جارٍ التحميل