وهو مبادلةُ مالٍ ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممرِّ دارٍ بمثل أحدهما على التَّأْبيد، غير رباً وقرضٍ.
وينعقدُ بإيجابٍ وقبولٍ بعدَه، وقبلَه ومتراخياً عنه في مجلسِهِ، فإن اشتغلا بما يَقْطعه بَطَل، وهي الصيغةُ القوليةُ، وبمعاطاةٍ وهي الفعلية.
ويُشترط التراضي منهما، فلا يصحُّ من مُكرهٍ بلا حقٍّ.
وأن يكون العاقدُ جائزَ التصرفِ، فلا يصحُّ تصرفُ صبيٍ وسفيهٍ بغير إذْنِ وَلِيٍّ.
وأن تكون العينُ مباحةَ النفعِ من غيرِ حاجةٍ، كالبغلِ والحمارِ ودُودِ القزِّ وبِزْرِه، والفيلِ وسباعِ البهائمِ التي تصلُح للصيد، إلا الكلبَ، والحشراتِ، والمصحف، والميتة، والسَّرْجِينَ النَّجِسَ،
في الاختيارات: وكلُّ ما عدَّه الناسُ بيعاً أو هبةً من متعاقبٍ أو متراخٍ من قولٍ أو فعلٍ انعقد به البيعُ والهبةُ أهـ.
وكان شيخُنا سعدُ بنُ عَتِيْقٍ إذا قُرئَ في كلامه: عليه حُكْمُ الحاكمِ يرفعُ الخِلاف.
تنبيه: قوله: (والحشرات) عبارة المؤلف: (والحشرات والمصحف والميتة)، فلو عَبَّر بغيرها كان أولى، وعبارة الموفق وفي جواز بيعِ المصحف وكراهةِ شرائِه وإبدالِه روايتان، ولا يجوز بيعُ الحشراتِ والمَيْتة.
قال في الإفصاح: واتفقوا على أن شراءَ المُصْحف جائزٌ، واختلفوا في بيعه، فكرهه أحمدُ وحدَه، وأباحه الآخرون من غير كراهة.
قوله: (السِّرْجِين النجس)، هذا المذهبُ، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز، لأن الأمصارَ يتبايعونه لزروعهم من غير نَكِير.
والأدْهان النجسة والمتنجِّسة، ويجوز الاستصباحُ بها في غير مسجد.
وأن يكون من مالكٍ أو من يقومُ مقامَه، فإن باع مِلْكَ غيرِه، أو اشترى بعينِ مالِه بلا إذنه لم يصحَّ، وإن اشترى له في ذِمَّته بلا إذنه،
قوله: (الأدهان النجسة والمتنجسة).
قال الحافظ بن حجر على قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ اللهَ ورسولَه حَرَّما بيعَ الخمرِ والمَيتةِ والخنزيرِ والأصنامِ) 1، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة.
فإنها يُطْلَى بها السفنُ ويُدْهَنُ بها الجلودُ ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ؟ فقال: "لا هو حرام"، أي البيعُ، هكذا فسَّره بعضُ العلماء كالشافعي ومن اتبعه، ومنهم من حَمَل قولَه: (هو حرام) على الانتفاع، فقال: يَحْرم الانتفاعُ بها، وهو قول أكثر العلماء، فلا يُنتفع من الميتة أصلاً عندهم إلا ما خُصَّ بالدليل، وهو الجلدُ المدبوغُ، واختلفوا فيما يتنجَّسُ من الأشياء الطاهرة، فالجمهور على الجواز، وقال أحمدُ وابن الماجِشُون: لا ينتفع بشيء من ذلك، واستدلَّ الخطابيُّ على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من مات له دابةٌ ساغ له إطعامُها لكلاب الصيد، فكذلك يسوغ دَهْنُ السفينةِ بشحمِ الميتةِ، ولا فرق أهـ.
قوله: (فإن باع مِلْكَ أو اشترى بعَيْنِ مَالهِ بلا إِذْنه لم يصحَّ)، وعنه يصحُّ، ويقفُ على إجازةِ المالك، وبه قال مالك واسحق، وقال به أبو حنيفة في البَيْع، فأما الشراءُ فيقعُ للمشتري بكل حال، لحديث عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه ديناراً ليشتريَ له شاةً فاشترى شاتَيْن، فباعَ إحداهُما بدينار.
الحديث 2.
ولم يُسَمِّه في العَقْد صحَّ له بالإجازة، ولزم المُشتري بعدمها مِلْكاً، ولا يباعُ غير المساكن مما فُتِح عَنْوةً، كأرض الشامِ ومصرَ والعراق، بل تُؤَجَّر، ولا يصح بيعُ نَقْعِ البئر، ولا ما ينبتُ في أرضه من كَلأٍ وشَوْكٍ، ويَمْلِكُه آخذُه.
قوله (ولا يباع غير المساكين مما فتح عنوة).
قال في الاختيارات، ويصح بيع ما فتح عنوة ولم يقسم من أرض الشام ومصر والعراق، ويكون في يد مشتريه بخراجه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي.
قوله: (ولا يصحُّ بيعُ نَقْعِ البئر، ولا ما يَنْبُتُ في أرضه من كَلأٍ وشَوْك).
قال في الفروع: ولا يُمْلَكُ ماءُ عِدٍّ وكَلأٍ ومَعْدنٍ جارٍ بمِلْكِ الأرضِ قبل حِيازتِه وفاقاً لأبي فلا يجوز بيعُه كأرضٍ مباحةٍ إجماعاً، فلا يدخل في بيعٍ بل المشتري أحقُّ به، وعنه يَمْلِكُه من أرضه كالنَّتَاج، وفاقاً للشافعي ومالك في أرضٍ عادةُ ربِّها ينتفع بها إلا أرضَ بُورٍ.
قال في الإفصاح: واختلفوا فيما يَفْضُلُ من حاجةِ من الماء في بئرٍ أو نهرٍ، فقال مالك: إن كانت في البَرِّيةِ فمالِكُها أحقُّ بمقدار حاجته منها، ويجب عليه بذلُ ما فَضَلَ عن في حائِطِه فلا يَلْزمُ الفاضِلُ إلا أن يكونَ جارُه زَرَعَ على بئرٍ فانهدمتْ، أو عينٍ فغارتْ؛ فإنه يجبُ عليه بذلُ الفاضِلِ له إلى أن يصلح جاره ا. هـ.
وقال البخاري: (باب من قال: أن صاحبَ الماءِ أحقُّ بالماء 1 حتى يُروي)، لقول =
وأن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيعُ آبق وشاردٍ وطيرٍ في ولا مغصوبٍ من غير غاصبِهِ، أو قادرٍ على أَخْذِهِ.
وأن يكون معلوماً برؤيةٍ أو صفة، فإن اشترى ما لم يَرَهُ، أو رآه وجهلَهُ، أو
= النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يُمنعُ فَضْلُ الماءِ) 1، قال الحافظ: والمراد بالفضل ما زاد عن الحاجة، والمراد حاجةُ نَفْسِه وعيالِه وزرعِه وماشيتِه، إلى أن قال: وفيه أن مَحَلَّ النهيِ ما إن لم يجدِ المأمورُ بالبذل له ماء غيره، والمرادُ تمكينُ أصحابِ الماشيةِ من الماء، ولم يقلْ أحدٌ إنه يجب على صاحب الماء مباشرةُ سقي ماشية غيره مع قُدرة مالكٍ أهـ. ملخصاً.
قوله: (ولا ما يَنْبُتُ في أرضِه من كَلأٍ وشوك).
قال في الاختيارات: ويجوز بيعُ الكلأِ ونحوِهِ الموجود في أرضِه إذا قَصَد استنباتَه.
قوله: (فلا يصحُّ بيعُ آبقٍ وشاردٍ).
قال ابن رشد: أجازه قومٌ بإطلاقٍ ومَنَعَه قومٌ بإطلاقٍ، وقال مالك: إذا كان معلومَ الصِّفةِ معلومَ الوضْعِ عند البائعِ والمُشتري جاز أهـ.
وفرَّق في المغني بين من يَعْلَمُ أن البيعَ يَفْسُد بالعَجْزِ عن تسليمِ المبيعِ فيفسدُ البيع في حقِّهِ لأنه مُتلاعِبٌ، وبين من لا يَعْلَمُ ذلك فيصحُّ لأنه لم يقدم على ما يعتقده باطلا.
قوله: (فإن اشترى ما لم يره) إلى آخره.
قال في المُقْنع: وعنه يصحُّ وللمشتري خِيارُ الرؤية.
قال في الاختيارات: والبيعُ بالصِّفةِ السليمةِ صحيحٌ، وهو مذهبُ أحمد، وإن باعه لبناً موصوفاً بالذمة، واشْتَرَطَ كونَه من هذه الشاةِ أو البقرةِ صحَّ.
وُصف له بما لا يكفي سَلَماً لم يصح، ولا يُباعُ حَمْلٌ في بَطْنٍ ولبنٌ في ضَرْعٍ منفردين، ولا في فَأْرَتِهِ، ونَوَىً في تَمْرٍ، وصوفٌ على ظَهْرٍ، وفِجْلٌ ونحوه قَبْلَ قَلْعِه، ولا يصح بيعُ المُلامسةِ والمُنابَذَةِ، ولا عَبْدٌ من عِبيد ونحوه، ولا استثناؤُه إلا مُعَيَّناً،
قولُه: (ولا مسك في فأرته).
قال في الفروع: والمِسْكُ في فَأْرَتِهِ كالنَّوى في التمرِ، ويتوجَّهُ تخريجٌ واحتمالٌ يجوز، لأنها وِعَاءٌ له تصونُه وتحفظُه، فَيُشبِهُ ما مأكولُه في جَوْفِه، وتُجَّارُ ذلك يعرفونه فيها فلا غَرَرَ واختاره في الهدي ا. هـ.
قوله: (وصوفٌ على ظَهْرٍ).
قال في المقنع: وعنه يجوز بشرط جَزِّه في الحال.
قوله: (وفِجْلٌ ونحوه قبل قَلْعِه)، قال في الاختيارات: ويصحُّ بيعُ المغروسِ في الأرضِ الذي يظهر ورقُه، كاللفت والجَزَرِ والقُلْقَاسِ والفِجْل والبصلِ، وشبه ذلك، قاله بعضُ أصحابنا.
قوله: (ولا عبدٍ من عبيدٍ ونحوه، ولا استثناؤُه إلا مُعَيَّناً).
قال في المقنع: من عبيد، ولا شاةً من قَطيعٍ، ولا شجرةً من بستانٍ، ولا هؤلاء العبيد إلا واحداً غير مُعَيَّنٍ، ولا هذا القطيع إلا شاةً، وإن استثنى مُعَيَّناً من ذلك جاز.
قال في الحاشية: ولا عبداً من عبيدٍ، لأنه غَرَرٌ، فيدخل في عمومِ النهي.
وظاهرُ كلام الشريفِ وأبي الخطاب يصحُّ إنْ تساوتِ القيمةُ.
وفي مفردات أبي الوفاء يصح عبد من ثلاثةٍ بشرطِ الخيار، وهو قول أبي حنيفة، وقال ابن رشد: واختلفوا في الرجل يبيعُ الحائطَ ويَسْتثني منه عدةَ نَخَلاتٍ بعد البيع، فَمَنَعه الجمهورُ لمكانِ اختلافِ صفةِ النخيل.
وروي عن مالك إجازتُه، ومنع ابنُ القاسم قوله في النخلاتِ وأجازه في استثناءِ الغَنَم.
وإن استثنى من حيوانٍ يُؤكَلُ رأسَه وجِلْدَه وأطرافَه صحَّ، وعكسُه الشحمُ والحَمْلُ، ويصحُّ بيعُ ما مأكولُه في جوفه كرُمَّانٍ وبِطِّيخٍ وبيعُ الباقِلاَّءِ ونحوِه في قِشْرِه، والحَبِّ المُشْتدِّ في سُنبلِه.
وأن يكون الثمنُ معلوماً، فإن باعه برَقْمِهِ أو بألفِ درهم ذهباً وفضةً أو بما ينقطع به السعرُ أو بما باع به زيد وجَهِلاه أو أحدُهما لم يصحَّ، وإن باع ثوباً أو صُبرةً أو قطيعاً [من الغنم] كلَّ ذراعٍ أو قفيزٍ، أو شاةٍ بدرهم صحَّ، وإن باع من الصُبُرةِ كلَّ قفيز بدرهم،
قوله: (وإن استثْنَى من حيوانٍ يؤكل رأسَه وجلده وأطرافَه صحَّ، وعكسُه الشحمُ والحَمْلُ).
قال في الاختيارات: ويصحُّ بيعُ الحيوانِ المذبوحِ مع جِلْدِه، وهو قولُ أكثر العلماء، وكذا لو أَفْرد أَحَدَهما بالبيع أهـ.
وقال ابن رشد: فإن باعه ما يستباحُ ذَبْحُه، واستثنى عضواً له قيمةٌ بشَرْطِ الذَّبْحِ، ففي المذهب فيه قولان، أحدهما: أنه لا يجوز، وهو المشهور، والثاني: يجوز، وهو قولُ ابن حبيبٍ، جَوَّزَ بيعَ الشاةِ مع استثناءِ القوائمِ والرأسِ.
قوله: (فإن باعه بِرَقْمِه).
قال في الاختيارات: ويصح البيعُ بالرَّقْمِ، نصَّ عليه أحمد، وتأوَّلَه القاضي وبما يَنْقطعُ به السعر وكما يبيع الناسُ، في مذهب أحمد، ولو باع ولم يُسَمِّ الثمنَ صحَّ بثمنِ المثلِ كالنِّكاح ا. هـ.
قوله: (وبألفِ درهمٍ ذهباً وفِضَّةً)، يعني لم يصحَّ للجهالة، ووجَّهَ في الفروع الصِّحَّةَ، ويلزمُ النصفُ ذهباً والنصفُ فضةً.
قوله: (وإن باع من الصُّبْرَةِ كلَّ قَفِيْزٍ بدرهمٍ) لم يصحَّ، هذا المذهبُ، وقيل يصح.
قال ابن عقيل: وهو الأشبه؛ لأن (مِنْ) وإنْ أعطتِ البَعْضَ، فما هو بعضٌ مجهولٌ، واختاره صاحبُ الفائق.
أو بمائة درهم إلا ديناراً وعكسُهُ، أو باع معلوماً ومجهولاً يتعذر علمُه ولم يقلْ كلٌّ منهما بكذا لم يصح، فإن لم يتعذر في المعلوم بقسطه، ولو باع مشاعاً بينه وبين غيره كعبد أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء صح في نصيبه بقسطه، وإن باع عبدَه وعبدَ غيره بغير إذنه، أو عبداً وحرًّا أو خَلاٌ وخَمْراً صفقةً واحدةً صح في عبده، وفي الخلِّ بقِسْطِه، ولمشترٍ الخيارُ إن جهل الحال.
فصل
ولا يصحُّ البيعُ ممن تلزمُه الجمعةُ بعد ندائها الثاني، ويصحُّ النكاحُ وسائرُ العقودِ، ولا يصحُّ بيعُ عصيرٍ ممن يتخذه خَمْراً ولا سلاحٍ في فِتْنةٍ ولا عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ، إذا لم يَعْتِقْ عليه، وإن أَسْلَم في يده أُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه، ولا
قوله: (أو بمائة درهم إلا ديناراً وعكسه).
قال في المقنع: وإن باعه بمائةِ درهمٍ إلا ديناراً، لم يصحَّ، ذكره القاضي، يجيء على قول الخرقي أنه يصح.
قوله: (ويصحَّ النكاحُ وسائرُ العقود) قال في المقنع: في أصح الوجهين، وقال البخاري: باب المشي إلى الجمعة.
وقولُ الله جلَّ ذِكْرُه: (فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله).
وقال ابنُ عباس - رضي الله عنه -: يحرمُ البيعُ حينئذ، وقال عطاء: تَحْرُم الصناعاتُ كلُّها، وقال إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ عن الزهري: إذا أَذَّنَ المؤذِّنُ يوم الجمعةِ وهو مسافرٌ فعليه أن يَشْهد.
قال الحافظ: وهل يصحُّ البيعُ مع القول بالتحريم؟ قولان مبنيان على أن النهي يقتضي الفسادَ مطلقاً، أو لا.
قوله: (ولا سلاحٍ في فتنةٍ).
قال في المقنع: ويحتمل أن يصحَّ مع التحريم.
تكفي مكاتبتُه، وإن جمع بين بيعٍ وكتابةٍ، أو بيع وصَرْفٍ صَحَّ في غير الكتابة، ويُقَسَّطُ العوضُ عليهما، ويَحْرُم بيعُه على بيعِ أخيه، كأن يقولَ لمن اشترى سِلْعةً بعشرة: أنا أُعطيك مِثْلَها بتسعة، وشراؤُه على شرائِه، كأن يقول لمن باع سِلْعةً بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفْسَخَ ويعْقِدَ معه، ويَبْطُلُ العقد فيهما.
ومن باع ربوياً بنسيئةٍ واعْتاضَ عن ثمنه ما لا يُباع به نسيئةً، أو باع به نَسِيئةً لا بالعكس لم يَجُزْ، وإن اشتراه بغير جِنْسِه، أو بعد قبضِ ثمنهِ، أو بعد تَغَيُّرِ صفتِه، أو من غير مُشتريه، أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز.
قوله: (وإن جَمَعَ بين بيعٍ وكتابةٍ أو بيعٍ وصَرْفٍ صحَّ في غير الكتابة).
قال في المقنع: وإن جمع بين بيعٍ وإجارةٍ وصَرْفٍ صح فيهما ويُقَسَّطُ العوضُ عليهما في أحد الوجهين، قال في الحاشية: وهذا المذهبُ لأنهما عينان يجوزُ العوَضُ عنهما مُنفردَيْن، فجاز أخذُ العِوَضِ عنهما مجتمعين، كالعبدين، واختلافُ حُكمِهما لا يمنع الصحة، كما لو جمع بين ما فيه شُفعةٌ وما لا شُفْعةَ فيه، ومثلُه لو أو بيعٍ ونكاحٍ ا. هـ.
قوله: (ومن باع رِبَوياً بنسيئةٍ واعتاضَ عن ثمنه ما لا يباعُ به نسيئةً) كثمن بُرٍّ اعتاضَ عنه بُرّاً أو غيره من المكيلات لم يَجُزْ، وهذا المذهبُ قال في المغني: والذي يقوى عندي جوازُه إذا لم يَفْعلْه حيلةً ولا قَصَدَ ذلك في ابتداء العِقْدِ وجوَّزه الشيخُ تقي الدين لحاجةٍ.
باب الشروط في البيع
منها: صحيح كالرَّهْنِ (المُعَيَّنِ)، وتأجيلِ الثمنِ، وكونِ العبدِ كاتباً، أو أو مسلماً، والأَمةِ بِكْراً، ونحوِ أَنْ يَشْترَطَ البائعُ سُكْنَى الدارِ شهراً، أو حِمْلانَ البعيرِ إلى موضعٍ مُعيَّنٍ، أو شَرَطَ المُشتري على البائع حَمْلَ الحَطَبِ أو تَكْسيَره، أو خياطةَ الثوبِ أو تفصيلَهُ، وإن جمع بين شَزطين بَطَلَ البيعُ.
قوله: (وإن جَمَع بين شَرْطين بَطَلَ البيع)، وعنه يصح، اختاره الشيخ تقي الدين، وهو الصحيح لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائةً شرط" 1، قال الحافظ: قوله: وإن كان مائةَ شرطٍ، وإن احْتَمَلَ التأكيد لكنه ظاهرٌ في أن المراد به التعدُّدُ، وذِكْرُ المائة على سبيل المبالغة والله أعلم.
وقال القرطبي: يعني أن الشروطَ غير المشروعةِ باطلةٌ أن الشروطَ المشروعةَ صحيحةٌ انتهى.
ويؤيده قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً) 2. وفسر في النهاية قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا شرطان بيع) 3، إنه كقول البائع بعتُك هذا الثوبَ نقداً بدينار، ونسيئةً بدينارين، وهو كالبيعتين في بيعة.
ومنها: فاسدٌ يُبْطِلُ العَقْدَ، كاشتراط أحدهما على الآخر عَقْداً آخرَ، كسِلَفٍ وقرضٍ، وبيعٍ، وإجارةٍ، وصَرْفٍ، وإن شرط أنْ لاَ خسارةَ عليه أو متىَ نَفَقَ المبيعُ وإلا رَدَّهُ، أو لا يبيعُ ولا يَهَبهُ ولا يَعْتِقهُ، أو إن أَعْتَقَ فالولاءُ له، أو أنْ يفعلَ ذلك بطل الشَّرطُ وحدَه، إلاَّ إذا شَرَط العتقَ، وبعتُك على أن تَنْقُدَني الثمنَ إلا ثلاثٍ، وإلاَّ فلا بَيْعَ بيننا صحَّ، وبعتُك إن جئتني بكذا، أو رَضِيَ زيدٌ، أو يقول للمرتَهِنِ: إن جئتك بحقِّك وإلا فالرهنُ لك، لا يصحُّ البيعُ، وإن باعه وشَرَطَ البراءةَ من كل عيبٍ مجهولٍ لم يبرأْ، وإن باعه داراً على أنها عشرةُ أذرعٍ فبانتْ أكثرَ أو أقلَّ صحَّ، ولمن جَهِلَه وفاتَ غرضُهُ الخيارُ.
قوله: (بعتك إن جئتني بكذا أو رضي زيد... لا يصح البيع)، قال في الاختيارات: ولو قال البائع: بعتك إن جئتني بكذا وإن رضي زيد صح البيع والشرط، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، انتهى.
قوله: (إن جئتُك بحقِّك وإلا فالرهنُ لك لا يصح البيع)، هذا قولُ الجمهور لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغلق الرهن من صاحبه) 1، وقال الشيخ تقي الدين لا يبطل وإن لم يأته صار له.
قوله: (لم يَبْرأ) قال في المقنع: وعنه يَبْرأُ إلا أن يكون البائعُ عَلِم العَيْبَ فَكَتَمه، قال في الاختيارات: والصحيحُ في مسألة البيعِ بشرط البراءةِ من كل عيبٍ، والذي قَضَى به الصحابةُ وعليه أكثرُ أهلِ العلم، إذا لم يكن علمٌ بذلك العيبٍ فلا ردَّ للمشتري، ولكن إذا ادَّعى أن البائعَ عَلِم بذلك فأنكرَ البائعُ حَلَفَ أنه لم يعلمْ فإن نَكَلَ قضى عليه.
باب الخيار
وهو أقسام: الأول: خيار المَجْلِسِ، يَثبتُ في البيع- والصلحُ بمعناه- والإجارة والصَّرْف والسَّلَم دون سائر العقود، ولكلِّ من المتبايعين الخيارُ ما لم يَتفرَّقا عُرْفاً بأبدانهما، وإن نَفَياه أو أَسْقطاه سَقَط، وإن أسقطَهُ أحدُهما بقي خيارُ الآخر، وإذا مضتْ مدتُه لَزم البيعُ... والثاني: أن يشترطاه في العَقْد مُدةً معلومةً ولو طويلةً، وابتداؤُها من العقد، وإذا مضت أو قَطَعاه بَطَلَ، ويَثبتُ في البيع - والصلحُ بمعناه - والإجارةُ في على مدةٍ لا تلي العَقْدَ، وإن شَرَطاه لأحدِهما دون صاحِبه صحَّ، وإلى الغدِ أو الليلِ يَسقطُ بأَوَّلِهِ، ولمن له الخيار الفسخُ، ولو مع غَيْبةِ الآخَر وسخطِه، والْمُلْك مدَّةَ الخيارَيْنِ للمشتري، وله نماؤُه المن
فصل
ُ وكَسْبُه، ويَحْرُم ولا يصحُّ تصرفُ أحدِهما في المبيع وعوضُه المعيَّن فيها بغير إذْنِ الآخَرِ بغير تَجْرِبة المبيع، إلا عَتْق المشتري، وتصرفُ المشتري فسخٌ لخيارِه، ومن مات منهما بَطَلَ خيارُه.
قال في الاختيارات: ويثبتُ خيارُ المجلس في البيع، ويثبتُ في كل العقود، ولو طالت المدةُ، فإن أَطْلَقا الخيارَ ولم يوقِّتاه لمدةٍ تَوَجَّه أن يَثْبُتَ ثلاثاً لخبر حَبَّان بن مُنْقِذ 1.
الثالث: إذا غُبِنَ في المبيع غَبْناً يَخْرُج عن العادةِ، بزيادة الناجِشِ 1 والمُسْترِسل 2.
الرابع: خيارُ التَّدْليس، كتَسْويةِ 3 شعرِ الجاريةِ وتَجْعيدهٍ، وجَمْعِ ماء الرَّحَى وإرسالِه عند عَرْضِها.
الخامس: خيارُ العيبِ، وهو ما يُنْقِصُ قيمةَ المبيعِ كَمَرَضِه، وفَقْدِ عُضْوٍ أو سِنٍّ أو زيادتهما، وَزِنَى الرَّقيقِ وسرقتِه وإباقِه وبولِه في الفراش، فإذا عَلِمَ المشتري العيبَ ما بين قيمةِ الصِّحةِ والعيبِ، أو رَدَّه وأَخَذَ الثَّمَنَ، وإن تَلِفَ المبيعُ أو أعتق العبد وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كَسْرِه كجَوْزِ هنْدٍ وبيضِ نَعَام فَكَسَره
قال في الإفصاح: واتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته، ثم اختلفوا إذا كان الغبن فيه بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة، فقال مالك وأحمد: يثبت الفسخ، وقدره مالك بالثلث، ولم يقدره أحمد، بل قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابه: حده الثلث كما قال مالك وقال غيره، ومنهم من حدَّه بالسدس، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يثبت الفسخ بحال، وعلى هذا فهو محمول على بيع المالك البصير.
فَوَجَدَهُ فاسداً فأمسكه فله أَرْشُه، وإن ردَّه ردَّ أرشَ كَسْرِه، وإن كان كبيضِ دجاجٍ رَجَع بكلِّ الثمنِ، وخيارُ عيبٍ متراخٍ ما لم يوجدْ دليلُ الرِّضَى، ولا يفتقرُ إلى حكمٍ ولا رضاً، ولا حضورِ وإن اختلفا عند مَنْ حَدَثَ وإن لم يحتمل إلا قول أحدِهِما قُبِلَ بلا يمين.
السادس: خيارٌ في البيع بتخييرِ الثمنِ متى بان، أقل أو أكثر، ويَثبتُ في التَّولِيةِ 1 والشركةِ والمُرابحةِ 2 والمُواضعةِ 3، ولابد في جميعها من معرفة المُشْترِي رأسَ المالِ، وإن اشترى بثمنٍ مؤجَّلٍ، أو أو بأكثر من ثمنه حيلةً أو باع بعضَ الصَّفْقةِ بقِسْطِها من الثمنِ ولم يُبَيِّنْ ذلك في تخييره بالثمن، فلمشترٍ الخيارُ بين الإمساكِ والرَّدِّ، وما يُزاد في ثمنٍ، أو يُحَطُّ منه في مدة خِيارهِ، أو يُؤخذُ أَرْشاً لعيبٍ، أو جنايةٍ عليه، يَلْحَقُ برأس ماله، ويُخْبَرُ به وإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم يُلْحَقْ به، وإن أُخْبِر بالحال فَحَسَنٌ.
قوله: (أَمْسَكَهُ بأَرْشِه)، وعنه ليس له أَرْشٌ إلا إذا تعذر ردُّه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين، قال: وكذلك يقال في نظائره كالصفقة إذا تفرَّقتْ، قال في الإنصاف: واختار شيخُنا في حواشي الفروع أنه إن دلَّس العيب خُيِّر بين الردِّ والإمساكِ بلا أَرْش...
السابع: خيارٌ لاختلافِ المتبايعَيْن، فإذا اختلفا في قَدْر الثمن تَحَالَفَا، فيحلِفُ البائعُ أولاً ما بعْتُه بكذا وإنما بِعْتُه بكذا، ثم يَحْلِفُ المُشتري ما اشتريتُه بكذا وإنما اشتريتُه بكذا، ولِكُلٍّ الفسخُ إذا لم يَرْضَ أحدُهما بقول
قوله: (تحالفا) لحديث ابن عباس مرفوعاً: (البيِّنةُ على المدَّعِي واليمينُ على من أَنكر)، وكلّ منهم مُدَّعٍ ومُنْكِرٌ، وعنه يُقبل قولُ بائعٍ مع يمينه لحديث ابن مسعود مرفوعاً: (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيِّنةٌ فالقولُ ما يقول ربُّ السِّلْعةِ أو يتتاركان) 1، رواه الخمسة وصححه الحاكم.
وقوله: (يتتاركان) أي يتفاسخان قال أبو داود 2: باب إذا اختلفَ المتبايعان والمبيعُ قائمٌ، وساق الحديثَ عن محمد بن الأشعث من دقيقِ الخُمس من عبد الله بعشرين ألفاً، فأرسلَ عبدُ الله إليه في ثَمنِهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبدالله: فاختر رجلاً يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا اختلف البيِّعانِ وليس بينهما بينةٌ فهو ما يقول ربُّ السلْعة أو يتتاركان) (2).
وقال الترمذي: قال ابنُ منصور: قلت لأحمد: إذا اختلف البيِّعانِ ولم تكن بينةٌ، قال: القولُ ما قال ربُّ السلعةِ أو يترادَّان، قال إسحق كما قال، وكلُ من قال: القولُ قولُه فعليه اليمين.
وقد رُوي نَحْوُ هذا عن بعض التابعين، منهم شُرَيحٌ ا. هـ.
الآخَر، فإن كانت السلعةُ تالفةً رجعا إلى قيمةِ مثلِها، فإن اختلفا في صِفَتِها فقولُ مُشْترٍ، وإذا فُسِخَ العقدُ انفسخ ظاهراً وباطناً، وإن اختلفا في أَجَلٍ أو شَرْطٍ فقولُ مَنْ يَنْفيه، وإن اختلفا في عَيْنِ وإن أَبَى كل منهما تَسْليمَ ما بيده حتى يقبضَ العِوَضَ -والثَّمَنُ عَيْنٌ - نُصِّبَ عَدْلٌ يَقبِضُ منهما ويسلّمُ المَبيعَ ثم الثَّمنَ، وإن كان دَيْناً حالاً أُجْبر بائعٌ ثم مُشْترٍ وإن كان غائباً في البلد حُجِر عليه في المَبيع وبقية وإن كان غائباً بعيداً عنها، أو المشتري مُعْسِراً في الصفةِ وتَغَيُّرِ ما تَقَدَّمتْ رؤيتُه.
فصل
ومن اشترى مكيلاً ونحوه صحَّ ولزمَ بالعقد، ولم يصحَّ تصرفُه فيه حتى يقبضَه، وإن تَلِفَ قبل قَبْضِه فمن ضَمان البائع، وإن تلف بآفةٍ
قوله: (أو المشتري مُعْسِراً) قال الشيخ تقي الدين: أو مُماطِلاً، قال في الإنصاف: وهو الصواب.
قوله: (ومن اشترى مَكِيْلاً ونَحْوَه) إلى آخره، قال في الاختيارات: ويَمْلِكُ المُشتري المبيعَ بالعقد، ويصح عتقُه قبل القبضِ إجماعاً فيهما، ومن اشترى شيئاً لم يبعْه قبلَ قبضِه، سواء المكيلُ والموزونُ وغيرُهما، وهو روايةٌ عن أحمد، اختارها ابنُ عقيل، ومذهب الشافعي، ورُوي عن ابنِ عباس - رضي الله عنه -.
وسواء كان المبيعُ من ذلك تدلُّ أصولُ أحمدَ إلى أن قال: وعلةُ النهي قبل القبضِ ليست تَوالِي الضَّمانين، بل عَجْزُ المشتري عن تسليمِه، لأن البائع قد يسلِّمه وقد لا يسلِّمه، لا سيَّما إذا رأى المشتري قد رَبح فيسعى في ردَّ المبيعِ إما بحُجَّةٍ أو باحتيالٍ في الفَسْخ، وعلى هذه العلَّةِ تجوزُ التوليةُ في المبيعِ قبل قَبضِه وهو مخرَّجٌ من جواز بيع الدَّين ا. هـ.
سماويةٍ بَطَلَ البيعُ، وإن أتلفه آدميٌ خُيِّر مشترٍ بين فسخٍ وإمضاءٍ، ومطالبةُ مُتْلفِه بِبَدِلِهِ، وما عداه يجوزُ تصرفُ المشتري فيه قَبْلَ قبضِه، وإن تَلفَ ما عدا المبيعُ بكيلٍ ونحوِه فمن ضمانِه ما لم يَمنْعه بائعٌ من قَبْضِه، ويحصل قبضُ ما بِيْعَ بكيلٍ أو وزنٍ أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ بذلك، وفي صُبْرَةٍ وما يُنْقَلُ بِنَقْلِه، وما يُتناول بتناولِه، وغيرُه بتَخْلِيَتِه، والإقالةُ: فَسْخٌ تجوزُ قبل قبضِ المَبيعِ بمثل الثَّمنِ، ولا خيارَ فيها ولا شُفعةَ.
..................................
باب الربا والصرف
يَحرُم ربا الفَضْلِ، في مَكِيلٍ وموزونٍ بِيْعَ بجنسِه، ويجب فيه الحُلولُ والقبضُ، ولا يُباع مكيلٌ بجنسه إلا كيلاً، ولا موزونٌ بجنسه إلا وزناً، ولا بعضُه ببعض جُزافاً، فإن اختلف الجنسُ جازت الثلاثةُ.
والجِنْس: ما له اسمٌ خاصٌ يشملُ أنواعاً كَبُرٍّ ونحوِه، وفروعُ الأجناس أجناسٌ كالأدقَّةِ والأَخْبازِ والأدهانِ، واللحمُ أجناسٌ باختلافِ أصولهِ، وكذا اللبنُ والشحمُ والكبدُ أجناس، ولا يصح بيعُ لحمٍ بحيوانٍ من جنسِه، ويصح بغير جنسِه، ولا يجوز بيعُ حَبٍّ بدقيقِه ولا سويقه، ولا نِيْئِه بمطبوخِه، وأَصْلِه بعصيرِه، وخالصِه بَمشُوبِه ورَطْبِه بيابِسه، ويجوز بيعُ دقيقهِ بدقيقهِ إذا استويا في النُّعومةِ، ومطبوخِه بمطبوخِه، وخُبزِه بخبزِه، إذا استويا في النشاف وعصيرِه بعصيرِه ورَطْبِه برَطْبِه.
قال في الاختيارات: والعِلَّةُ في تحريم ربا أو الوزنُ مع الطَّعْم، وهو روايةٌ عن من الذهبِ والفضةِ بجنسِه من غير اشتراطِ التَّماثُلِ، ويُجْعلُ الزائدُ في مُقابلةِ الصِّيغةِ، إلى أن قال: ويحرم بيعُ اللحم بحيوانٍ من جنسه مقصود اللحم، ويجوز بيعُ الموزوناتِ الرِّبَويةِ بالتحرِّي، وقال مالك: وما لا يُخْتَلَفُ فيه الكيلُ والوزنُ مثل الأَدْهان يجوز بيع بعضِه ببعضٍ كَيْلاً ووزناً، وعن أحمد ما يدلُّ على ذلك ا. هـ.
قوله: (وخالصِه بمَشُوبِه)، قال في الاختيارات: وظاهرُ مذهب أحمد جوازُ بيعِ السيفِ المُحَلَّى بجنسِ حلْيتهِ، لأن الحلْيَةَ ليس بمقصودةٍ، ويجوز بيعُ فضَّةٍ لا يقصد غشّها بخالصةٍ مِثْلاً بِمثْلٍ.
ولا يباع رِبَويٌ بجنسِه، ومعه أو معهما من غير جنسِهما، ولا تمرٌ بلا نَوىً بما فيه نوىً، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوىً، ولبنٌ وصوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزن لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه.
فصل
ويَحرمُ ربا النسيئة في بيع كلِّ جنسين اتَّفقا في عِلَّة ربا الفَضْلِ ليس أحدُهما نقداً، كالمكيلين والمَوْزونَيْن، وإن تفرَّقا قبل القبضِ بَطَلَ، وإن باع مَكيلاً بموزونٍ جاز التفرُّقُ قبل القبضِ والنَّسَإِ، وما لا كَيْلَ فيه ولا وزن، كالثياب والحيوان فيه النَّسَأُ، ولا يجوز بيعُ الدَّين بالدَّين.
قوله: (ولا يباعُ رِبَويٌ بجنسِه ومعه أو معهما من غير جنسِهما)، قال في الاختيارات: وتجوز مسألةُ مد عَجْوةٍ وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة.
قوله: (مَرَدُّ الكَيْلِ لعُرْفِ المدينة والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زمنَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِرَ عُرْفُه في موضعه)، قال في الإفصاح: فأما قولُهم: إن الكَيْلَ كيلُ المدينة، والميزانَ ميزانُ مكة، فإن أصلَ المسلمين الذين بَنَوا عليه في بيعِ التمرِ بالتمرِ هو فعلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وذلك التمرُ فهو يتيسر كيلُه، فيكون العِيَارُ فيه هو الكيل، فأما التمورُ التي بِسَوادِ العراق وغيرها من الأراضي التي يَغْشَى نخيلَها المياهُ، فإنها لا يُتصوَّرُ فيها المماثلةُ في الكيلِ ولا يجوز إلا بالوزن انتهى.
قال في الفائق: وقال شيخنا: يعني به الشيخ تقي الدين إنْ بِيعَ المَكيلُ بجنسه وزنًا ساغ.
قوله: (ولا يجوز بيع الدَّين بالدَّين).
قال في الاختيارات: وإن اصَطَرَفا دَيْناً في ذمتهما جاز، وحكاه ابن عبد البَرِّ عن أبي حنيفة ومالك خلافاً لما نصَّ عليه أحمد.
فصل
ومتى افْترقَ المُتصارِفانِ قَبْلَ قبضِ الكُلِّ أو البعضِ بَطَلَ العقدُ فيما لم يُقبض، والدراهمُ والدنانيرُ تتعيَّنُ بالتعيينِ في العَقْدِ فلا تبدل، وإن وجَدَهَا مغصوبَةً بَطَلَ، ومَعِيبةً من جنسِها أَمْسَك أو رَدَّ، ويَحرمُ الرِّبا بين المسلم والحَرْبيِّ وبين المسلمين مُطلقاً في دار إسلام أو حَرْب.
قوله: (والدراهم والدنانير بالتعيينِ في العَقْد فلا تبدل)، وعنه لا تتعيَّنُ فلا في الاختيارات: ولا يشترط الحلولُ والتقابضُ في صَرْفِ الفُلوسِ وهو رواية عن أحمد نقلها أبو منصور، واختارها ابن عقيل.
باب بيع الأصول والثمار
إذا باع داراً شمل أرضَها وبناءَها وسقْفَها والبابَ المنصوبَ والسُّلَّم والرَّفَّ المَسْمُورَيْن والخابيةَ المدفونَةَ، دون ما هو مُودَعُ فيها من كَنْزٍ وحجرٍ، ومن
فصل
ٍ منها كحبلٍ ودَلْوٍ وبَكرَةٍ وقُفلٍ وفَرشٍ ومِفْتاحٍ، وإن باع أرضاً ولو لم يَقُلْ بحقوقها شمل غَرْسَها وبناءها، وإن كان فيها زرعٌ كَبُرٍّ وشَعيرٍ فلبائعٍ مُبْقَىً، وإن كان يُجَزُّ أو يُلْقَطُ مِراراً فأصولُه للمشتري، والجَزَّةُ واللَّقْطَةُ الظاهرتان عند البيع للبائع، وإن اشترطَ المُشتري ذلك صحَّ.
فصل
ومن باع نخلا تَشقَّق طْلعُهُ فلبائعٍ مُبْقَىً إلى الْجَذاذ، إلا أن يشترطه مُشترٍ، وكذلك شجرُ العنبِ والتوتِ والرمانِ وغيره، وما ظهر من نَوْرِه كالمِشْمِش والتفاح، وما خرج من أَكْمامه كالورد والقُطْن، وما قبل ذلك والوَرَق فلمشترٍ، ولا يباع ثمرٌ قبل بُدُوِّ صلاحِه، ولا زرعٌ قبل اشتدادِ حَبِّه، ولا رَطْبةٌ وبَقْلٌ ولا قِثَّاءٌ ونحوه دون الأصل إلا بشرط القَطْعِ في الحال أو
قوله (ومفتاح)، قال في المقنع: ما كان مصالحُها كالمفتاحِ وحَجِرِ الرَّحَى والفَوْقَاني فعلى وجهين اهـ.
والصحيح أن ذلك يتبع العُرْفَ والعادةَ.
قوله: (ومن باع نَخْلاً تَشقَّقَ طَلْعُه) إلى آخرِه، وعنه الحكمُ منوطٌ بالتَّأْبِيرِ، بالتَّشققِ لظاهرِ الحديثِ وقبلَه للمُشتري، اختاره الشيخ تقي الدين.
قوله: (ولا قِثَّاءَ ونحوه كباذِنْجَانٍ دون الأصل إلاَّ بشرطِ القَطْع في الحال)، وقال في الاختيارات: والصحيحُ أنه يجوز بيعُ المَقَاثي جُملةً بعُروقِها سواء بدا صلاحُها أوْ لا، =
جَزَّةً جَزَّةً، ولَقْطةً لقطةً، والحصادُ واللقاطُ على المشتري.
وإن باعه مطلقاً أو بشرط البقاء، أو اشترى ثمراً لم يَبْدُ صلاحُه بشرط القَطْعِ وتَركَهُ حتى بدا، أو جَزَّةً أو لُقطةً فَنَمَتا، أو اشترى ما بدا صلاحُه وحصل آخر واشتبها، أو عرية فأثمرتْ بَطَلَ، والكلُّ للبائع، وإذا بدا ما له صلاحٌ في الثمرةِ واشتدَّ الحَبُّ جاز بيعه مطلقاً، وبشرط التَّبقيةِ، وللمشتري تَبْقِيَتِةٌ إلى الحصاد والجِذاذ، ويلزم البائع سَقْيُه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرَّر الأصلُ، وإن تلفتْ بآفةٍ سماويةٍ رجع على البائع،
= وهذا القولُ له مأخذان، أحدهما: أن العُروقَ كأصولِ الشجرِ، فبيعُ الخُضْرواتِ قبل بُدُوِّ صلاحِها كبيع الشجرِ بثمرِه قبل بدوِّ صلاحِه يجوز تبعاً، والمأخذُ الثاني: وهو الصحيحُ أن هذه لم تدخلْ في نَهْيِ النبيِ - صلى الله عليه وسلم - بل يصح العقدُ على اللُّقَطَةِ الموجودةِ واللُّقَطَةِ المعدومةِ إلى أن تَيْبَسَ المقثاة، لأن الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، ويجوز بيعُ المَقَاثي دون أُصولها، وقاله بعضُ أصحابنا ا. هـ.
قوله: (أو اشترى ما بدا صلاحُه وحصل آخر واشْتَبَها) بَطَلَ، وعنه لا يَبْطُل ويشتركان في الزيادة.
قوله: (وإن تلف بآفةٍ سماويةٍ رَجَعَ على البائع)، قال في المقنع: وعنه إن أتلفتِ الثلثَ فصاعداً ضَمنَه البائعُ وإلا فلا.
قال في الإفصاح: واختلفوا فيما إذا أصابتِ الثمارَ جائحةٌ، فقال أبو في قوليه، وهو أظهرُهما: جميعُ ذلك من ضمان المشتري، ولا يجب له وَضْعُ شيءٍ منها.
وقال مالك: تُوضَع الجائحةُ إذا أتتْ على ثلثِ الثمرةِ فأكثر، فهو ضمان البائع، وتوضع عن المُشتري، واخْتُلِفَ عن أحمد، فرُوي عنه أنها من ضمان البائع فيما قَلَّ أو كَثُرَ، ويوضعُ عن المشتري، ورُوي عنه كمذهب مالك ا. هـ. =
وإن أتلفه آدميٌ خُيِّر مُشترٍ الفسخِ والإمضاءِ ومطالبةِ المُتْلِفِ.
= وقال البخاري 1: "باب إذا باع الثِّمارَ قبل أن يبدوَ صلاحُها، ثم أصابتْه عاهةٌ فهو من البائع" وذكر حديثَ أنسٍ أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بيعِ الثمارِ حتى تزهُو، فقيل له وما تزهُو؟ قال حتى تَحْمارَّ وتَصْفارَّ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (أرأيتَ إذا منعَ اللهُ الثمرةَ بِمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه)، وقال الليثُ: حدثني يونس عن ابن شهاب قال: لو أنَّ رجلاً ابتاع ثمراً قبل أن يبدوَ صلاحُه ثم أصابته عاهةٌ كان ما أصابَه على ربِّه، أخبرني سالم بنُ عبدالله عن ابنِ عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تتبايعوا الثَّمَرَ حتى يبدوَ صلاحُها، ولا تبيعوا الثَّمَر بالثَّمرِ) 2 انتهى.
قال الحافظ: وقد روى مسلمٌ من طريق ابن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لو بِعْتَ من أخيك ثَمَراً فأصابتْه عاهةٌ فلا يَحِلُّ لك أن تأخذَ منه شيئاً بِمَ تأخذُ مالَ أخيك بغيرِ حَقٍّ؟ ) واستدل بهذا على وضع الجَوائحِ في الثَّمر يُشتَرى بعد بُدُوِّ صلاحِه ثم يصيبُه جائحةٌ، فقال مالك: يضعُ عنه الثلثَ، وقال أحمد وأبو عُبيد: يضع الجميعَ، وقال الشافعيُّ والليثُ والكوفيون: لا يَرْجِعُ على البائعِ بشيءٍ، وقالوا: إنما وَرَدَ وضعُ الجائحةِ فيما إذا بِيعَت الثمرةُ قبل بُدُوِّ صلاحِها بغير شَرْطِ القَطْعِ فيحمل مُطْلَقُ الحديثِ في روايةِ جابرٍ على ما قُيِّدَ به في حديثِ أنس والله أعلم ا. هـ.
وصلاحُ بعضِ الشجرةِ صلاحٌ لها ولسائرِ النوعِ الذي في البستان، وبَدُوُّ الصلاحِ في ثمرِ النخل أن تَحْمرَّ أو تَصْفرَّ، وفي العنبِ أن يَتَمَوَّهُ حُلْواً، وفي بقيَّةِ الثمر أن يبدوَ فيه النُّضْجُ، ويطيبَ أكلُه.
ومن باع عبداً له مالٌ فمالُه لبائِعه، إلا أن يشترطَه المشتري، فإن كان قصدُه المالَ اشترطَ عِلْمَه 1 وسائرَ شروطِ البيعِ وإلا فلا، وثيابُ الجَمَال للبائع والعادةُ للمُشتري.
..................................
باب السلم
وهو عَقْد على موصوفٍ في الذمَّة مؤجلٌ بثمنٍ مقبوضٍ بمجلسِ العقد.
ويصح بألفاظِ البيعِ والسَّلَفِ والسَّلَمِ، بشروطٍ سبعةٍ:
أحدها: انضباطُ صفاتِه بمَكيلٍ وموزونٍ ومذروعٍ، وأما المعدودُ المختلفُ كالفواكه والبُقولِ والجُلودِ والرُّؤوسِ والأواني المختلفةِ الرؤوسِ والأوساطِ كالقَماقمِ والأَسْطالِ الضيقةِ الرؤوسِ والجواهرِ والحواملِ من الحيوانِ وكل مغشوشٍ وما يُجمعُ أخلاطاً غير متميزة كالغاليةِ والمعاجينِ، فلا يصح السَّلَمُ فيه ويصح في الحيوانِ والثيابِ المنسوجةِ من نوعين، وما خَلْطُه غيرُ مقصودٍ كالجُبْنِ وخَلِّ التمرِ والسكنجبين ونحوها.
الثاني: ذِكْرُ الجِنسِ والنَّوعِ وكل وصفٍ يختلف به الثمنُ ولا يصح شرطُ الأَرْدإِ والأجْودِ، بل جيدٌ ورديءٌ، فإن جاء بما شَرَط أو أجودَ منه من نوعه ولو قبلَ محلِّه، ولا ضررَ في قبضه لزمه أخذُه.
الثالث: ذكرُ قدرِه بكيلٍ أو وَزْنٍ أو ذَرْعٍ يُعلم، فإن أَسْلَم في المكيل وزناً، أو في الموزون كيلاً لم يصحَّ.
قوله: (والحاملُ من الحيوان)، قال في الشرح الكبير: ولا يصح في الحوامل من الحيوان، لأن الصِّفَةَ لا تأتي عليها، ولأن الولدَ مجهولٌ غيرُ مُتحققٍ، وفيه وجهٌ آخرُ أنَّه يصح، لأن الحَمْلَ لا حُكْمَ له مع الأم بدليل صحة بيعِ الحامل.
قوله: (فإن أسلم في المكيل وزناً أو الموزون كيلاً لم يصح) وعنه يصح، اختارها الموفقُ وغيرُه؛ لأن الغرضَ معرفةُ قَدْرِه وإمكانُ تسليمهِ من غير تنازعٍ فبأي قَدْرٍ قدَّرهُ جاز.
الرابع: ذكرُ أجلٍ معلومٍ له وَقْعٌ في الثَّمَن، فلا يصحُّ حالاً ولا إلى الجِذاذِ والحصادِ، ولا إلى يومٍ إلا في شيءٍ يَأْخُذُهُ منه كلَّ يوم، كخبزٍ ولحمٍ ونحوهما.
الخامس: أن يوجد غالباً في مَحَلِّه ومكانِ الوفاء لا وقتَ العَقْد، فإن تعذَّر أو بعضُه فله الصبرُ، أو فَسْخُ الكُلِّ أو البعضِ، ويأخذُ الثمنَ الموجودَ أو عِوَضَه.
السادس: أن يَقبضَ الثمنَ تاماً معلوماً قدرُه ووصفُه قبل التفرُّقِ، وإن قَبضَ البعضَ ثم افْترقا بَطَلَ فيما عداه، وإن أَسْلَم في جِنْسٍ إلى أجلَيْن أو عكسه صح إن بيَّنَ كلَّ جنسٍ وثمنه وقِسْط كلِّ أجل.
السابع: أن يُسْلِم في الذمَّة، فلا يصحُّ في عَيْن.
قوله: (فلا يصح حالاً)، قال في الاختيارات: ويصحُّ السَّلَمُ حالاً إن كان المُسَلَّم فيه موجوداً في مِلْكه وإلا فلا.
قوله: (ولا إلى الحَصَادِ والجِذَاذ)، قال في المقنع: ولابد أن يكون الأجلُ مُقدَّراً بزمنٍ معلومٍ، فإن أسلم إلى الحَصَادِ والجِذَاذِ أو اشترط الخيار إليه فعلى روايتين، قال ابن رشد: وأما الأجلُ إلى الجِذاذ والحصادِ وما أشبه ذلك، فأجازه مالكٌ، ومنعه أبو حنيفة والشافعي، فمن رأى أن الاختلافَ الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسيراً أجاز ذلك، إذ الضررُ اليسيرُ معفوٌّ عنه في الشرع، وشَبَّهه بالاختلاف الذي يكون في الشهور من قِبَلِ الزيادة والنُّقصان، ومن رأى أنه كثير، وأنه أكثر من الاختلاف الذي يكون من قبل نُقصانِ الشهور وكمالِها لم يُجْزِه اهـ. والله أعلم.
قوله: (قبل التَّفَرق).
قال في الإفصاح: واختلفوا فيما إذا تَفرَّقا قبل قبضِ رأسِ مالِ السَّلَمِ في المجلس، فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يَبْطُل السَّلَمُ، وقال مالك: يصح، وإن تأخر قبضُ رأسِ مال السَّلَم يومين أو ثلاثة أو أكثر ما لم يكن شرطاً.
ويجبُ الوفاءُ موضعَ العَقْدِ، ويصح شرطُه في غيره وإن عقد ببرٍّ أو بَحْرٍ شَرَطاه، ولا يصح بيعُ المُسْلَمِ فيه قبل قبضِه ولا هبتُه ولا الحوالةُ به ولا عليه ولا أَخْذُ عِوَضِه، ولا يصح أخذُ الرهنِ والكفيلِ به.
قوله: (ولا يصح بيعُ المُسْلَمِ فيه قبل قَبْضِه).
قال في الاختيارات: ويجوز بيعُ الدَّين في الذمة من الغَرِيم وغيرِه، ولا فَرْق بين دين السَّلَم وغيرِه، وهو روايةٌ عن أحمد.
وقاله ابن عباس، لكن بِقَدر القيمةِ فقط، لئلا يَرْبَحَ فيما لم يضمن.
قوله: (ولا هِبَتُه).
قال في الفروع: والمذهب من أَذِنَ لغَرِيمِه في الصدقةِ بدينة عنه أو صَرْفِه أو المُضاربةِ لم يصح، وعنه يصحُّ بَنَاه القاضي على من نفسِه وبَنَاه في النهاية على قَبْضِه من نفسه لموكِّلِه وفيها روايتان.
قوله: (ولا يصح أَخْذُ الرهنِ والكفيلِ به).
قال في المقنع، وهل يجوز الرهنُ والكفيل بالمُسْلَمِ فيه على روايتين.
وقال البخاري: باب الكفيلُ في السَّلَمِ، وقال أيضاً: باب الرَّهْنُ في السَّلَم وذكر حديثَ الأعْمشِ، قال تذاكَرْنا عند إبراهيم الرَّهْنَ في السَّلَف، فقال: حدثني الأسودُ عن عائشةَ رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى من يهودي طعاماً إلى أجلٍ معلومٍ وارْتَهَنَ منه دِرْعاً من حَديدٍ 1، قال الحافظُ: وفي الحديث الرَّدُّ على من قال أن الرَّهْنَ في السَّلَمِ لا يجوز.
قال الموفق: رُوِّيْتُ كراهَةَ ذلك عن ابنِ عمرَ والحسنِ والأوزاعي، وإحدى الروايتين عن أحمد ورخَّصَ فيه الباقون والحُجَّةُ فيه قولُه تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: الآية: 282]، إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، واللفظُ عامٌّ فيدخلُ السَّلَمُ في عُمومه لأنه أحدُ نوعي البيع.
باب القرض
وهو مندوبٌ، وما صح بيعُه صح قرضُه، إلا بني آدم، ويَملِكُه بقَبْضِه، فلا يَلزمُ ردُّ عَينِه، بل يَثبتُ بَدَلُه في ذمتِه حالاً، ولو أَجَّلَه، فإن ردَّهُ المقترض لزمِ قبولُه، وإن كانتْ مُكَسَّرةً أو فُلوساً فمنَعَ السلطانُ المعاملةَ بها فله القيمةُ وقت القرضِ، ويَرُدُّ المِثْلَ في المِثْليَّاتِ والقيمةَ في غيرها، فإن أَعْوَزَ المِثْلُ فالقيمةَ إذاً.
قوله: (بل يثبت بدلُه في ذمَّته حالا ولو أجَّله)، قال في الاختيارات: والدَّين الحالُّ يتأجَّل بتأجيلِه سواء كان الدَّينُ قرضاً أو غيرهُ، وهو قولُ في مذهب أحمد ا. هـ.
وقال البخاري: باب إذا أقرضه إلى أجل مُسَمّىً أو أجَّلَه في البيع، وقال ابنُ عمر في القَرْض إلى أَجَلٍ: لا بأسَ به، وإن لم يشترط.
وقال عطاء وعمرو بن دينار: هو إلى أَجَلِه في القَرْض، وقال الليث: حدثني جعفرُ بنُ ربيعةَ عن عبد الرحمن بن هُرْمُز عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ذَكَر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعضَ بني إسرائيلَ أن يُسلفه فدفعها إليه إلى أجل مسمَّى، الحديث.
قوله: (وإن كانت مكسرَّةً أو فلوساً فمنع السلطانُ المعاملةَ بها فله القيمةُ وقتَ القرضِ).
قال في حاشية المقنع، هذا أو استهلكَها، وقيل: له القيمةُ وقتَ تحريمها، قال أبو بكر في التنبيه، وقال في المُسْتَوعب: وهو الصحيح عندي.
(فائدة): قولُه: (فتكونُ له القيمةُ)، اعلمْ أنه إذا ابْنِ مما يَجْري فيه ربا الفَضْلِ فإنه يُعطي مما لا يَجْري فيه الرِّبا، فلو أقرضَه دراهم مكسرة فحرمها السلطان أعطى قيمتها ذهبا وعكسه بعكسه ا. هـ.
ويحرمُ كلُّ شَرْطٍ جَرَّ نَفْعاً، وإن بَدأَ به بلا شَرْطٍ أو أعطاه أَجْودَ أو هديةً بعد الوفاءِ جاز، وإن تبرَّع لمُقْرِضِه قبلَ وفائِه بشيء لم تَجْرِ عادتُه به لم تجُزْ إلا أن ينويَ مكافأتَه أو احتسابَه من دَيْنهِ، وإن أقرضَه أثماناً فطالبَه ببلدٍ آخرَ لزمتْه، وفيما لِحَمْلِه مُؤْنةٌ قِيْمَتُه إن لم تكن ببلدِ القرض أَنْقَص.
قوله: (ويَحْرُمُ كلُّ شرطٍ جرَّ نفعاً).
قال الشارح: كأنْ يُسكنَه دارَه أو يقيضه خيراً منه، لأنه عقدُ إِرْفاقٍ وقُرْبةٍ، عن موضوعه، وقال ابنُ المنذر: أجمعوا على أن المُسْلِفَ إذا شرط على المُسْتَسْلِفِ زيادةً أو هديةً فأسلفَ على ذلك، أن أَخَذَ الزيادةِ على ذلك رِبَاً اهـ.
وذكر القاضي أن للوصيِّ في بلد ليُوفيَه في بلد آخر لِيرْبَحَ خَطَرَ الطريق.
قال في الشرح الكبير: قال شيخنا: والصحيحُ من غير ضررٍ بواحدٍ منهما ا. هـ.
قلت: وإذا كان عند إنسانٍ تَمْرٌ أو حَبٌّ وكسد في يده جاز له ولا يدخلُ ذلك في حديث: (كلُّ قَرْضٍ جرَّ منفعةً فهو ربًا)، وثوابُه على حسب نيتِه، والله أعلم.
قال في الاختيارات: ولو أقرضه في بلدٍ ليَسْتوفيَ منه في بلدٍ آخرَ جاز على الصحيح، ويجوز قرضُ المنافعِ مثلَ أن يَحْصدَ معه يوماً ويحصدَ الآخرُ معه يوماً أو يُسكنُه داراً ليُسكنَه الآخرُ معه بدلَها ا. هـ.
باب الرهن
يصحُّ في كلِّ عَيْنٍ يجوزُ بيعُها حتى المُكَاتَب مع الحقِّ وبعدَه بدَيْنٍ ثابتٍ، ويَلزمُ في حقِّ الراهنِ فقط، ويصحُّ رهنُ المَشَاعِ، ويجوز رهنُ المبيعِ غيرِ المكيلِ والموزونِ على ثمنِه وغيرِه.
ومالا يجوز بيعُه لا يصحُّ رهنُه، إلا الثمرةَ والزرعَ الأخضرَيْن قبل بُدوِّ صلاحِهما بدون شَرْطِ القَطْع.
ولا يلزمُ الرهنُ إلا بالقبضِ، واستدامتُه شرطٌ، فإن أخرجَه إلى الراهنِ باختيارِه زالَ لزومُه، فإن ردَّه إليه عاد لزومُه إليه، ولا يَنْفُذ تصرفُ واحدٍ منهما فيه بغير إذنِ الآخر إلا عِتْقَ الراهنِ، فإنه يصحُّ مع الإثمِ، وتؤخذ قيمتُه رَهْناً مكانَه، ونماءُ الرهن وكسبُه وأَرْشُ الجِنَايةِ عليه مُلْحَقٌ به، ومُؤْنَتُه على الراهنِ، وَكَفَنُهُ وأجرةُ مَخْزنِه، وهو أمانةٌ في يدِ المُرْتَهِن، إن تَلِفَ بغيرِ تَعَدٍّ منه فلا شيءَ عليه، ولا يَسقطُ بهلاكِه شيءٌ من دَينِه، وإن تَلِفَ بعضهُ فباقِيه رهْنٌ بجميعِ الدَّيْن، ولا ينفكُّ بعضُه مع
قوله: (بدَينٍ ثابتٍ) وعنه يجوز، قال في الوجيز: ويجوزُ شرطُ الرَّهْنِ والضمانِ في السَّلَمِ والقَرْضِ، قال في تصحيح الفروع: وهو الصواب.
قوله: (إلا الثمرةَ والزرعَ الأخضَرَين).
قال في المقنع: في أحد الوجهين.
قوله: (ولا يَلزم الرَّهنُ إلا بالقبضِ) إلى آخره، وعنه يلزم بمجرد العَقْدِ كالبيعِ، وبه قال مالك لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
وأما قولُه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ في السفر، كما في أول الآية.
قال في الفروع: رَهْنُ المعيَّنِ يلزمُ بالعَقْدِ، وهو المذهب عند ابن عقيلٍ وغيره.
بقاءِ بعضِ الدَّيْن، وتجوزُ الزيادَةُ فيه دون دَيْنِه، وإن رَهَنَ عند اثنين شيئاً فَوَفَّى أحَدَهُما أو رَهَنَاهُ شيئاً فاستوفُى من أحدهما انفكَّ في نصيبِه، ومتى حلَّ الدَّيْنُ وامتنع من وفائِه، فإن كان أو العَدْلِ في بيعِه باعه وَوَفَّى الدَّيْنَ، وإلا أَجْبرَه الحاكمُ على وفائِه أو بيعِ الرهنِ، فإن لم يفعلْ باعه الحاكمُ ووفَّى دينَه.
فصل
ويكون عند من اتَّفقا عليه، وإن أُذِنَا له في البيع لم يَبِعْ إلا بنقدِ البلد، وإن قَبضَ الثمنَ فَتَلِفَ في يده، فَمِنْ ضمانِ الراهنِ، وإن ادَّعى دفعَ الثمنِ إلى المُرْتَهِن فأنكَرَهُ ولا بَيِّنَةَ، ولم يكنْ بحضورِ الراهنِ، ضَمِنَ كَوَكِيلٍ، وإن شَرَطَ ألاّ يبيعَه إذا حلَّ الدَّينُ، أو إن جاءه بحقِّه في وقتِ كذا، وإلا فالرَّهْنُ له لم يصحَّ الشرطُ وحدَه 1.
ويُقبَلُ قولُ راهنٍ في قدر الدَّيْنِ والرَّهْنِ ورَدِّهِ وكونِه عصيراً لا خمراً.
قوله: (يجوز الزيادةُ فيه دون دَيْنِه)، قال في الفروع: وإن زاد دَيْنَ الرهن لم يَجُزْ، لأنه رهنٌ مرهونٌ.
قال القاضي وغيرهُ: كالزيادةِ في الثمنِ، ويجوزُ زيادةُ الرهن تَوْثِقَةً، وفي الروضة: لا يجوزُ تقويةُ الرهنِ بشيءٍ آخرَ بعد عَقْدِ الرهنِ، ولا بأسَ بالزيادةِ في الدَّينِ على الرهْنِ الأولِ، كذا قال، انتهى.
(قلت): ولا مانعَ من في الرَّهنِ ودَيْنِه.
وإن أَقرَّ أنه مِلْكُ غيرِه أو أنه على نَفْسِه، وحُكِمَ بإقراره بعد فَكِّه، إلا أنْ يُصدِّقَه المُرْتَهِنُ.
فصل
وللمُرْتَهِنِ أن يَرْكَبَ ما يُرْكَبُ، ويحْلِبَ ما يُحْلِبُ بقدر نفقتهِ بلا إِذْنٍ، وإن أنفقَ على الرَّهن بغير إِذْنِ الراهنِ مع إمكانِه لم يَرْجِعْ، وإن تعذَّرَ رَجعَ، ولو لم يستأذِنِ الحاكمَ.
وكذا وديعةٌ وعاريةٌ ودوابُّ مُستأجَرَةٌ هربَ ربُّها، ولو خَرِبَ الرَّهْنُ فَعَمَّرهُ بلا إذنٍ رجَعَ بآلتِه فقط.
قوله: (رجَعَ بآلتِه فقط) هذا المذهبُ، وجَزَمَ القاضي في الخلافِ الكبير أنه يَرجِعُ بجميع ما من مصلحةِ الرَّهنِ.
باب الضمان
لا يصحُّ إلا من جائزِ التصرفِ ولِرَبِّ الحقِّ مطالبةُ مَنْ شاءَ منهما في الحياةِ والموتِ، فإن برئتْ ذمةُ المضمونِ عنه بَرِئتْ ذمَّةُ الضامن لا عكسُه، ولا تعتبر معرفةُ الضامنِ للمَضْمونِ عنه ولا له، بل رِضَا الضامنِ، ويصح ضمانُ المجهولِ إذا آلَ إلى العِلْمِ والعَوَارِي والمَغْصوبِ والمقبوضِ بسوْمٍ وعُهْدةِ المبيع، لا ضمانُ الأماناتِ بَلْ التَعدِّي فيها.
فصل
وتصح الكفالةُ بكلِّ عينٍ مضمونةٍ، وبِبَدَنِ من عليه دَيْنٌ، لا حَدٌّ ولا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مكفولٍ به، فإن ماتَ أو تَلِفَتِ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ الله أو سَلَّمَ نَفْسَه برئ الكفيلُ.
قوله: (باب الضَّمان) قال في الاختيارات: وقياسُ المذهب أن يصحَّ بكلِّ لفظٍ يُفْهَمُ منه الضَّمانُ عُرْفاً، مثل: زَوِّجْه وأنا أؤدِّي الصَّدَاقَ، أو بِعْهُ وأنا أُعطيكَ الثَّمَنَ، ولو تَغَيَّبَ مضمونٌ عنه قادرٌ فَأَمْسَكَ الضَّامنُ، في الحَبْسِ رَجَعَ به على المَضْمونِ عنه، ويصح ضمانُ حارسٍ نحوه، وغايتُه ضمانٌ وهو جائز عند أكثرِ أهلِ العلمِ ا. هـ. ملخصاً.
باب الحوالة
لا تصحُّ إلا على دَيْنٍ مُسْتَقِرٍ، ولا يُعتبرُ استقرارُ المُحَالِ به، ويُشْتَرَطُ اتفاقُ الدَّيْنَينِ جِنْساً ووَصْفاً ووقتاً وقَدْراً ولا يُؤْثَرُ الفاضِلُ، وإذا صحتْ نُقِلَ الحقُّ إلى ذمَّةِ المُحَالِ عليه وبَرئَ المُحِيلُ، ويُعتبرُ رضاهُ لا رِضَا على مَلِيء، وإن كانَ مُفْلِساً، ولم يكنْ رَضِيَ رَجَعَ به، ومن أُحيل بثمنِ مبيعٍ، أو أُحيلَ عليه به، فبانَ البيعُ باطلاً فلا حوالةَ، وإذا فُسِخَ البيعُ لم تبطُلْ ولهما أن يُحيلا.
قوله: (لا تصحُّ إلا على دَيْن مستقرٍ).
قال في الاختيارات: والحوالةُ على ماله في الديوان إذنٌ في الاستيفاء فقط، والمختار الرجوعُ ومطالبتُه.
باب الصلح
إذا أقرَّ له بدَينٍ أو عَيْنٍ فأسقطَ أو وهبَ البعضَ وتركَ الباقي صحَّ إن لم يكن شَرَطاه، ولا يصحُّ ممن لا وإن وضَعَ بعضَ الحالِّ وأجَّلَ باقِيَه صحَّ الإسقاطُ فقط، وإن صالحَ عن المؤجَّلِ ببعضِه حالاً أو بالعكس أو أَقَرَّ له ببيتٍ فصالحَه على سُكْناه سنةً، أو يبني له فوقَه غُرفةً، أو صالحَ مُكلَّفاً لِيُقرَّ له بالعبوديةِ، أو امرأةً لتُقِرَّ له بالزوجيةِ بعوضٍ لم يصحَّ، وإن بذلاهما له صُلْحاً عن دَعْواه صحَّ، وإن قال: أَقِرَّ لي بِدَيْني وأُعطيكَ منه كذا، فَفَعَلَ، صحَّ الإقرارُ لا الصُّلحُ.
فصل
من ادُّعِيَ عليه بِعَيْنٍ أو دَيْنٍ فسَكتَ أو أَنْكَرَ وهو يَجهلُه، ثم صالحَ بمالٍ صحَّ، وهو للمُدَّعِي: بيعٌ يُرَدُّ مَعِيْبَه، ويُفْسَخُ الصُّلحُ، ويُؤْخَذُ منه بشُفْعَةٍ، وللآخر إبراء، فلا رَدَّ ولا شُفْعةَ، وإن كذبَ أحدُهما لم يصح في حقِّهِ باطناً وما أَخَذَه حرامٌ، ولا يصح بعوضٍ عن حدِّ سرقةٍ وقذفٍ ولا حقِّ شُفعةٍ وتركِ شهادةٍ وتسقطُ الشفعةُ
قوله: (وإنْ صالحَ عن المؤجَّل ببعضِه حالاً... لم يصح)، وعنه يصح، اختاره الشيخ تقي الدين، وعن الحسن وابن سِيرِين أنهما كانا لا يَرَيان بأساً بالعُرُوض أن من حقِّه قبل مَحَلِّه.
قوله: في الفروع، وفي سقوطِها وجهان.
قال في التصحيح والوجه الثاني لا تسقط.
اختاره القاضي وابن عقيل.
والحدُّ, وإن حصلَ غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه أَزالَه، فإن أَبَى لَوَاهُ إنْ أَمْكَنَ وإلا فله قَطْعُه.
ويجوز في الدَّرْبِ النافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ، لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودَكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في مِلْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وليس له وضعُ خشبةٍ على حائطِ جارِه إلا عند الضرورة لم يُمْكِنْه التَّسْقيفُ إلا به، وكذلك المسجدُ وغيرُه، وإذا
قوله: (لا إخراجُ رَوْشَنٍ وسَابَاطٍ)، قال في الاختيارات: والسَّاباطُ 1 الذي يَضُرُّ بالمارَّةِ مثل أن يحتاجَ الراكبُ أن يَحْنِيَ رأْسَه إذا مَرَّ لا يجوزُ إحداثُه باتفاقِ المسلمين.
إلى أن قال: حتى لو كان الطريقُ مُنخَفِضَاً ثم ارتفعَ على طُولِ الزمانِ وجبتْ إزالتُه.
وقال أيضاً: ومن كانتْ له ساحةٌ يُلْقِي فيها الترابَ والحيواناتِ ويَتضرَّرُ الجيرانُ بذلك، فإنه يجبُ على صاحِبها أن يدفعَ تَضرَّرَ الجيرانِ، إما بِعمارتِها أو بإعطائِها لمن يَعْمُرُها، أو يمنعُ أن يلقى فيها ما يَضُرُّ بالجيران.
قوله: (وليس له وضعُ خشبةٍ على حائطِ جارِه إلا عند الضرورة)، قال الحافظ ابن حجر: مَحَلُّ الوجوبِ عند من قال به أن يحتاجَ إليه الجارُ ولا يضع عليه ما يتضرَّرُ به المالكُ ولا يقدم على حاجة المالك.
ا. هـ.
انهدمَ جدارُهما، أو خيف ضررُه فطلبَ أحدُهما أن يَعْمُرَه الآخرُ معه أُجْبِر عليه، وكذا النهرُ والدُّولابُ والقناةُ.
قوله: (وإذا انهدَمَ جدارُهما) إلى آخره، قال في الاختيارات: ولو اتفقا على بناءِ حائطِ بستانٍ، فبنى أحدُهما فما تَلِفَ من الثَّمَرةِ بسبب إهمال الآخَرِ ضَمِنَ لشريكِه نصيبَه، وإذا احتاج المِلكُ المُشْتَرَكُ إلى عِمارةٍ لابدَّ منها، فعلى أحدِ الشريكينِ إذا طَلَبَ ذلك منه في أصحِّ قولَي العلماء، ويَلزم الأعلى التَّسَتُّرُ بما يَمنعُ شارفةَ الأسفلِ، وإن استويا وطلبَ أحدُهما بناء السُّترةِ أُجبرَ الآخَرُ معه مع الحاجةِ إلى السُّترةِ، وهو مذهبُ أحمد، وليس له مَنْعُه خوفاً من نقصِ أُجرةِ مِلْكِه بلا نزاع ا. هـ.
باب الحَجْر
مَنْ لم يقدر على وفاءِ شيءٍ من دَيْنهِ لم يُطالَبْ به وحَرُمَ حبسُه، ومَنْ مَالُهُ قَدْرُ دَيْنهِ أو أكثرُ لم يُحْجَرْ عليه وأُمِرَ بوَفائِه، فإن أَبَى حُبِسَ بطلبِ ربِّه، فإن أصرَّ ولم يَبعْ مالَه باعَه ولا يُطلبُ بمؤجَّل، ومَن مالُه لا يَفِي بما عليه حالاً عليه بسؤالِ غُرَمائِه أو بعضِهم، ويُستحبُّ إظهارُه ولا يَنفذُ ولا إقرارُه عليه، ومن باعَه أو أقرضَه شيئاً بعده رَجَع فيه إن جَهِلَ حَجْرَه وإلا فلا، وإن أو أقرَّ بِدَينٍ أو جِنايةٍ تُوجِبُ قَوَداً أو مالاً صحَّ، ويُطالبُ به بعد فكِّ الحَجْرِ عنه، ويبيع الحاكمُ مالَه.
ويَقْسِمُ ثُمنَه بقدرِ ديونِ غُرمائِه، ولا يَحلُّ مؤجَّلٌ بِفَلَسٍ ولا بِمَوتٍ إن وَثِقَ الورثةُ برهنٍ أو كفيلٍ مليءٍ، وإن ظَهرَ غَريمٌ بعد القِسْمةِ رَجَعَ على الغُرَماءِ بقِسْطِه، ولا يَفكُّ حَجْرَه إلا حاكمٌ.
فصل
ويُحْجَرُ على السفيهِ والصغيرِ والمجنونِ أو قَرْضاً رَجَعَ بعينِه، وإن أَتْلفُوه لم يَضْمَنُوا، ويَلْزمُهم أَرْشُ الجِنايةِ وضمانُ مالِ من لم يدفْعه إليهم، وإن تمَّ لصغيرٍ خَمْسَ أو نَبَتَ حولَ قُبُلِهِ شعرٌ خَشِنٌ، أو أَنْزَلَ أو عقل مجنونٌ وَرَشَدَا، أو رَشَدَ سفيهٌ زال حَجْرُهم بلا قضاء، وتزيدُ الجاريةُ في البلوغ بالحيضِ، وإن حَمَلَتْ حُكم ببلوغها، ولا ينفكُّ قبل شروطِه، والرُّشْدُ: الصلاحُ في المال، بأن يَتَصرف مراراً فلا يُغْبَنُ غالباً، ولا يَبذلُ مالَه في حرامٍ أو في غيرِ فائدةٍ، ولا يُدفع إليه مالُه حتى يُختبَرَ قبلَ بلوغِه بما يليقُ به.
..................................
ووليُّهم حالَ الحَجْرِ الأبُ، ثم وصيُّه، ثم الحاكمُ، ولا يتصرفُ لأحدِهم وليُّه إلا بالأحوط 1، ويَتَّجِرُ له مجاناً، وله دَفْعُ مالِه مُضاربةً بجُزءٍ من الرِّبْحِ، ويأكلُ الوليُّ الفقيرُ من مالِ مُولِيه الأقلَّ من كفايته أو أجرته مجاناً، ويُقبل قولُ الوليِّ بيمينِه، والحاكمِ بغير يمينِه بعد فكِّ الحَجْرِ في النَّفقةِ والغِبْطةِ والضرورةِ والتلفِ ودفعِ المالِ.
وما استدان العبدُ لزمَ سيِّدَه إن أَذِنَ له، وإلا ففي رَقَبتِهِ كاستيداعِه وأَرْش جنايتِه وقيمة مُتْلِفِهِ.
قوله: (ووليُّهم حالَ ثم وصيُّه ثم الحاكم).
قال في الاختيارات: والولايةُ على الصبيِّ والمجنونِ والسفيهِ تكون لسائرِ الأقارب، ومع الاستقامةِ لا يُحتاجُ إلى الحاكم إلا إذا امتنعَ من طاعةِ الوليّ، وتكون الولايةُ لغير الأبِ والجَدِّ والحاكمِ، وهو مذهبُ أبي حنيفة ومنصوصُ أحمدَ في الأم، وأما تخصيص الولايةِ بالأبِ والجَدِّ والحاكمِ فضعيفٌ جداً، والحاكمُ العاجزُ كالعَدَم ا. هـ.
قوله: (ودَفْعِ المال).
قال في المقنع: ويحتمل أن لا يقبل قولُه في دفعِ المالِ إليه إلا ببينةٍ.
قوله: (وما استدان العبدُ لزم سيدَه إن أذن له، وإلا ففي رقبته كاستيداعه وأرشِ جنايته وقيمة متلفه).
قال في الدِّياتِ: وإن جنى رقيقٌ خطأ أو عَمْداً لا قَوَدَ فيه أو أو أَتْلف مالاً بغير إذن سيِّدِه، تعلَّق ذلك برقبتِه، فيخبَّرُ سيده بين أن يَفْدَيِه بأَرْشِ جنايتِه أو يُسلِّمَه إلى وليِّ الجِنايةِ فيهلكَه أو يبيعَه ويدفع ثمنَه.
باب الوكالة
تصح بكلِّ قولٍ يدلُّ على الإذنِ، ويصح القبولُ على الفورِ والتَّراخي بكلِ قولٍ أو فعلٍ دالٍّ عليه، ومن له التصرفُ في شيءٍ فله التوكيلُ والتوكلُ فيه.
ويصح التوكيلُ في كل حَقِّ آدميٍ من العقودٍ والفسوخِ والعتقِ والطلاقِ والرَّجعةِ، وتَملُّكِ المُباحاتِ من الصيدِ والحشيشِ ونحوه، لا الظِّهارِ واللِّعانِ والأَيمانِ، وفي كل حقٍ لله تعالى تدخلُه النيابةُ من العباداتِ والحدودِ أن يوكِّلَ فيما وُكِّل فيه، إلا أَنْ يُجْعَلَ إليه.
والوكالةُ عَقْدٌ جائزٌ تبطلُ بفَسْخِ أحدِهما أو موتِه وعَزْلِ الوكيلِ وحَجْرِ السَّفيهِ، ومن وُكِّل في بيعٍ أو شراءٍ لم يَبِعْ ولم يَشْتَرِ من نفسِه وولدِه، ولا يبيع بعرض ولا نسإٍ ولا بغير نقدِ البلد، وإن باع بدون ثمنِ المِثْلِ أو دون ما قَدَّره له، أو اشترى له بأكثرَ من ثمنِ المثْلِ أو مما قَدَّره له صحَّ، وضمن النقصَ والزيادةَ، وإن باع بأزيدَ، أو قال: بعْ أو اشترِ بكذا حالاً، فاشترى به مؤجّلاً -ولا ضررَ فيهما- صحَّ وإلا فلا.
قوله: (وليس للوكيل) إلى آخره وعنه يجوز.
قوله: (لم يَبِعْ ولم يَشْتَرِ من نفسِه وولدِه) وعنه يجوز إذا لم تَلْحَقْه التُّهمةُ.
قوله: (وإن باع بأزيد).
قال في الاختيارات: قال أبو العباس: حديث عُروةَ بنِ الجَعْد في شراء الشاةِ 1 يدل على أن الوكيلَ في شراءٍ معلومٍ بمعلومٍ إذا اشترى به أكثرَ من القَدرِ جاز له بيعُ الفاضلِ، وكذا ينبغي أن يكون الحكم ا. هـ.
فصل
وإن اشترى ما يَعْلَمُ عَيْبَه لَزِمَه إن لم يَرْضَ مُوكِّلُه، فإن جَهِل ردَّه، ووكيلُ ولا يقبضُ الثمنَ بغير قرينةٍ، ويُسلِّم وكيلُ الشراءِ الثمنَ، فلو أَخَّره بلا عذرٍ وتَلِفَ ضَمِنَه، وإن وكَّله في بيعٍ فاسدٍ فباع صحيحاً، أو وكَّله في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ، أو شراءِ ما شاء أو عيناً بما شاء ولم يعيِّن لم يصح.
والوكيلُ في الخصومة لا يَقْبضُ، والعكسُ بالعكسِ، واقبضْ حقِّي من زيدٍ لا يقبضُ من ورثتِه، إلا أن يقول: الذي قِبَلَهُ، ولا يضمنُ وكيلُ الإيداعِ إذا لم يُشهد.
فصل
والوكيلُ أمينٌ، لا يَضْمن ما تَلِفَ بيده بلا تَفْريطٍ، ويُقبل قولُه في نَفْيه والهلاكِ مع يمينه، ومن ادَّعى وكالةَ زيدٍ في قبض حقِّه من عمرو لم يَلْزَمْه دفعُه إن صدَّقه ولا اليمينُ إن كذَّبه، فإن دَفعه وأنكر زيدٌ الوكالة حَلَف وضَمِنه عمرو، وإن كان المدفوعُ وديعةً أَخَذها، فإن تَلِفتْ ضَمِن أيهما شاء.
قوله: (في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ) هذا قول الجمهور.
وقال ابن أبي ليلى يصح، ويَملِكُ به كلَّ ما يتناولُه لفظُه.
قوله: (أو عَيْناً بما شاء ولم يُعيّن لم يصح).
قال في المقنع: وعنه ما يدل على أنه يصح.