كتاب الطهارة
وهي: ارتفاعُ الحدث وما في معناه، وزوالُ الخَبَث.
والمياه ثلاثة: طهور لا يرفع الحدث، ولا يزيلُ النجسَ الطارئَ غيرُه، وهو الباقي على خِلْقته، فإن تغيَّر بغير ممازج كقطع كافور أو دهن أو بملح مائي أو سُخِّنَ بنجس كُرِه، وإن تغير بمكثه أو بما يَشُقُّ صَوْنُ الماء عنه من نابت كُفِرَ وورق شجر، أو بمجاورة مَيْتَةٍ، أو سخن بالشمس أو بطاهر لم يكره، وإن استعمل في طهارة مستحبَّة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغَسْلةٍ ثانية وثالثة كُرِه.
وإن بلغ قُلَّتين - وهو الكثير وهما خمسمائة رطل عراقي تقريباً -
قوله: (أو بملح مائي) يعني إذا تغيَّر الماءُ بالملح المائي كُره، ولم يسلبه الطهورية؛ لأن أصله الماء كالملح البحري الذي ينعقد من الماء يسلبه الطهورية وأما الملح المعدني، فيسلبه الطهوريةَ إذا غيَّر أحدَ أوصافه في الإنصاف: هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وقيل: حكمُه حكمُ البحري، اختاره الشيخ تقي الدين.
قوله: (وإن بَلَغ قُلَّتَين) إلى آخره، هذا ظاهرُ المذهب لحديث "إذا كان الماءُ قُلَّتَيْن لم يُنَجِّسْه شيءٌ" 1 وعنه لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغَيُّر لحديث "الماء طهور لا يُنَجِّسُه شيءٌ إلا ما غَلَب على ريحِه أو طعمِه أو لونِه" 2، اختاره الشيخ تقي الدين.
فخالطتْه نجاسةُ غير بول آدميٍّ أو عَذِرتِهِ المائعةِ، فلم تُغَيِّرْه، أو خالطه البولُ أو العَذِرَةُ ويَشُقُّ نَزْحُه كماءِ مصانع طريق مكة فطَهُور.
ولا يَرْفع حَدَثَ رجلٍ طَهُورٌ يسيرٌ خَلَتْ به امرأةٌ لطهارةٍ كاملةٍ عن حَدَث.
قوله: (فخالطتْه نجاسةُ غيرِ بولِ آدمي أو عَذِرتِه المائعة) يعني: أنه يَنْجُسُ بالبول أو العَذِرةِ ولو كان كثيراً، وعنه لا يَنْجُس، اختارها أبو الخطاب وابن عقيل لخبر القُلَّتين، ولأن نجاسة الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب، قال في الإنصاف: وهذا المذهب، وهو قول الجمهور.
قوله: (ولا يرفع حدث رجل طهورٌ يسيرٌ خَلَتْ به امرأةٌ لطهارةٍ كاملةٍ عن حَدثٍ).
قال في امرأةٌ فهو طهور، ولا يجوز للرجل الطهارة به في ظاهر المذهب، قال في الإنصاف: قال ابن رزين: لم يجز لغيرها أن يَتَوضَّأَ به في أضعفِ الروايتين، وعنه يَرْتفعُ الحَدَثُ مطلقاً كاستعمالهما معاً في أصح الوجهين فيه، في الفروع: اختارها ابن في الشرح الكبير: وهو أقيس إن شاء الله تعالى.
قلتُ: وهذا قول الجمهور وهو الصحيح، لأن بعض أزواج النبي - صلى في جَفْنة، فجاء ليغتسل منها فقالت له: إني كنت جُنُباً.
قال: (إن الماء لا يجنب) وأما الحديث الآخر: (نهى النبي الله عليه وسلم - أن يغتسل الرجلُ بفضل المرأة أو المرأةُ بفضل الرجل وليغترفا جميعاً) 1، فهو محمول على التنزيه والله أعلم.
وإن تغيَّر لونُه أو طعمُه أو ريحُه بطبخٍ أو ساقطٍ فيه، أو رُفع بقليله حَدَثٌ، أو غُمِسَ فيه يدُ قائم من نوم ليلٍ ناقضٍ كان آخرَ غَسْلةٍ زالت النجاسة بها فَظَاهِرٌ.
قوله: (وإن تغير طعمه أو ريحه أو لونه بطبخٍ أو ساقطٍ في المقنع: القسم الثاني: ماء طاهر غير مطهر، وهو ما خالطه طاهر فغيَّر اسْمَه أو غلب على أو طبخ فيه فغيَّره، فإن أو طعمه أو ريحه أو استعمل في رفع حدث أو طهارة أو غمس فيه يد قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثاً فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين.
قال في الإنصاف: قوله: فإن غير أو طعمه أو ريحه فهل يَسْلبه طهوريته؟ على روايتين (إحداهما): يسلبه الطهورية وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، (والرواية في الكافي نقلها الأكثر، واختارها الآجري والمجد والشيخ تقي الدين، وعنه أنه طهور مع عدم طهور غيره، اختارها ابن أبي موسى.
قلتُ: وهذا أقرب لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
قال في الإنصاف: قوله: (أو غُمِسَ فيه يدُ قائمٍ من نومِ الليل قبل غسلها ثلاثاً) 1، فهل يَسْلُب طهوريَّتَه؟ على روايتين:
(إحداهما): يسلبه الطهورية، وهو المذهب، وهو من المفردات.
(والرواية الثانية): لا يسلبه الطهورية، جزم به في الوجيز، واختاره المصنِّف، والشارح والشيخ تقي الدين، قال في الشرح: وهو الصحيح إن الله تعالى، لأن الماء قبل الغمس كان طهوراً، فيبقى على الأصل.
ونَهْيُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غمس اليدين كان لوهم النجاسة، فالوهم لا يزيل الطهورية، كما لم يُزِل الطهارة، وإن كان تعبُّداً وهو مشروعية الغسل.
والنَّجَسُ: ما تغيَّر بنجاسة، أو لاقاها وهو يسير، أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها، فإن أضيف إلى الماء النَّجِس طَهُورٌ كثيرٌ غير تراب ونحوه، أو زال تغيُّر النَّجِس الكثير بنفسِهِ أو نُزِحَ منه فبقي بعده كثير غير متغير طَهُرَ.
وإن شكَّ في نجاسة أو غيره أو طهارتهِ بنى على اليقين، وإن اشتبه طهورٌ بنجسٍ حرُم استعمالُهما، ولم يتحرَّ، ولا يشترط للتيمم إراقتُهما ولا خَلْطُهما، وإن اشتبه بطاهر توضَّأ منهما وضوءاً واحداً: من هذا غرفة ومن هذا غرفة، وصلى صلاةً واحدةً، وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ أو بمحرمةٍ صلَّى في كل أو المُحَرَّم وزاد صلاةً.
قال في الإنصاف: يعني إن علم عدد الثياب النجسة، وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وهو من المفردات، وقيل: يتحرَّى مع كثرة الثياب النجسة للمَشَقَّة، اختاره ابن عقيل، وقيل: يتحرَّى سواء قَلَّتْ الثيابُ أو كثرت، اختارها الشيخ تقي الدين.
باب الآنية
كل إناء طاهرٍ -ولو ثميناً-، يباح اتخاذُه واستعمالُه، إلا آنيةَ ذهبٍ وفضَّة ومُضَبَّباً بهما، فإنه يَحْرُم اتخاذُها واستعمالُها ولو على أُنثى، وتصحُّ الطهارةُ منها، إلا ضَبَّةً يسيرةً من فضَّة لحاجة، وتُكره مباشرتُها لغير حاجة، وتُباح آنيةُ الكفار ـ ولو لم تحلَّ ذبائحُهم وثيابُهم ـ إن جهل حالُها.
ولا يَطْهر جِلْدُ مَيْتةٍ بدباغ، ويباح استعمالُه بعد الدبغ في يابس من حيوان طاهر في الحياة، وعظمُ الميتةِ ولبنُها وكلُّ أجزائِها نجسةٌ من حيٍّ فهو كميتته.
قوله: (وتصح الطهارة منها) أي من الآنية المحرمة.
هذا المذهب، وعنه لا تصح، اختاره الشيخ تقي الدين.
قوله: (وتباح آنيةُ الكفار -ولو لم تحلَّ ذبائحُهم وثيابهُم- إن جُهل حالها) قال في المقنع: وثياب الكفار وأوانيهم طاهرةٌ مباحةُ الاستعمال ما لم تُعْلَم نجاستُها، قال في الإنصاف: هذا المذهب، وعنه: ما ولِي عوراتهم كالسراويل ونحوه لا يصلي لا تحلُّ ذبيحتهم كالمجوس وعبدة كُفِرَ لا يستعمل إلا بعد غَسْله، من يأكل الخنزير من أهل الكتاب في موضع يمكنهم أكله.
قوله: (ولا يطهر جلد ميته بدباغ)، هذا المذهب وهو من المفردات وعنه يطهر منها ما كان في حال الحياة، وهو الصحيح لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشاة الميتة: (ألا انتفعتم بإهابها) قالوا: إنها ميته قال: (يطهرها الماء والقرض) وفي الحديث الآخر: (دباغ جلود الميتة طهورها).
باب الاستنجاء
يُستحب عند دخولِ الخلاء قولُ: (بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث) 1 وعند الخروج منه: (غُفرانَك 2. الحمد لله الذي أذهب عنِّي الأذى وعافاني) 3، وتقديمُ رِجْلِه اليُسرى دُخولاً واليُمنى خُروجاً، عكس مسجد ونعل، واعتمادُه على رجله اليسرى، وبعدُه في فضاء واستتارُه، وارتيادُه لبوله موضعاً رخواً، ومسحُهُ بيده اليسرى إذا فَرَغَ من بوله من أصل ذَكَرِه إلى رأسه ثلاثاً، ونَثْرُه ثلاثاً، وتحوُّلُه من موضعه ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً.
ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى، إلا لحاجة، ورفعُ ثوبه قبل دُنُوِّه من الأرض، وكلامُهُ فيه، وبولُه في شَقٍّ ونحوِه، ومسُّ فرجه بيمينه
..................................
واستنجاؤُه واستجمارُه بها، واستقبال النَّيِّريْن.
ويَحْرُم استقبالُ القبلة واستدبارُها في غير بنيان، ولُبْثُه فوق حاجته، وبولُهُ في طريق وظِلٍّ نافع وتحت شجرة عليها ثمرة.
ويستجمر (بحجر) ثم يستنجي بالماء، ويجزئه الاستجمار إن لم يَعْدُ الخارجُ موضعَ العادة.
ويشترط لاستجمارٍ بأحجارٍ ونحوِها أن يكون طاهراً منقياً غير عظمٍ وروثٍ وطعامٍ ومحترمٍ ومتصلٍ بحيوان، ويشترط ثلاثُ مسحات منقية فأكثر، ولو بحجر ذي شُعَب، ويسنُّ قطعُه على وَتْرٍ، ويجب الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ إلا الرِّيحَ، ولا يصحُّ قبلَه وضوءٌ ولا تيمُّم.
قوله: (واستقبال النيِّرين) قال في الإنصاف: قوله: ولا يستقبل الشمس ولا القمر، الصحيح من المذهب كراهة ذلك، قال في الفروع: وقيل: لا يكره التوجه إليهما كبيت المقدس انتهى.
والصحيح عدم الكراهة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تستقبلوا القِبْلةَ بغائطٍ ولا بولٍ ولا تستدبروها ولكن شَرِّقوا أو غربوا) 1.
(فائدة) لو استجْمر بما لا يجوز الاستجْمارُ به ثم استنجى بعده بالماء أجزأه بلا نزاع، وإن استجمر بغير المُنقي جاز الاستجمار بعده بُمنقٍ.
في الإنصاف.
باب السواك وسنن الوضوء
التَّسَوُّك بعود لَيِّن، مُنْقٍ، غير مُضِر، لا يتفتَّت، لا بإصبع وخرقة مسنونٌ كلَّ وقت، لغير صائم بعد الزوال، متأكِّدٌ عند صلاة، وانتباه، وتغيُّر فمٍ.
ويستاك عَرضاً مبتدئاً بجانب فمه الأيمن، ويدَّهنُ غِبًّا، ويكتحل في الوضوء مع الذِّكْر، ويجب الخِتَانُ ما لم يَخَفْ على نَفْسِه، ويُكْرَه القَزَع.
قولُه: (لا بإصبع أو خرقة).
قال في المقنع: فإن استاك بإصبعه أو بخرقة فهل يصيب السُّنة؟ على وجهين.
قال في مجمع البحرين أصح الوجهين إصابة السنة بالخرقة وعند الوضوء بالإصبع، وقال الموفق: يصيب بقدر إزالته وقيل: يصيب السُّنَّة عند عدم السواك، قال في الإنصاف: وما هو ببعيد.
قوله: (مسنونٌ كلَّ وقت لغير صائم بعد الزوال).
أي فلا يستحب، هذا المشهور من المذهب، وعنه يباح لحديث عامر بن ربيعة "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم" 1. رواه أحمد وغيره، وعنه يستحب مطلقا، واختاره الشيخ تقي الدين لحديث: (خير فعال الصائم السواك) [رواه ابن ماجه].
قوله: (ويستاك عرضاً مبتدئاً بجانب فمه الأيمن) لحديث: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في تنعله وترجله وطهوره وسواكه وفي شأنه كله).
رواه أبو داود وقال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث البداءة بشِقِّ الرأس الأيمن في التَّرجل والغسل والحَلْق ولا يقال: هو من باب الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر، بل هو من باب العبادة والتزين، وقد ثبت الابتداءُ بالشِّق الأيمنِ في الحَلْق قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدهما استُحِبَّ فيه التياسُر.
ومِن سُنن الوضوء السواك، وغسل الكفين ثلاثاً، ويجب من نوم ليل ناقضٍ لوضوء، والبَداءة بمضمضة، ثم استنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم، وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع، والتيامن، وأخذ ماء جديد للأذنين، والغسلة الثانية والثالثة.
..................................
باب فروض الوضوء وصفته
فروضه ستة: غسل الوجه -والفمُ والأنفُ منه- وغسلُ اليدين، ومَسْحُ الرأس و (منه الأذنان)، وغسلُ الرِّجْلين، والترتيب، والموالاة وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشفَ الذي قبله.
والنية شرط لطهارة الأحداث كلها 1، فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها، فإن نوى ما تسن له الطهارة كقراءة، أو تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدثه ارتفع، وإن نوى غسلًا مسنونًا أجزأ عن واجب، وكذا عكسه، وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءًا أو غسلًا فنوى بطهارته أحدَها ارتفع سائرُها، ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة، وهو التسمية، وتسن
قال في الاختيارات: ولا يمسح العنق، وهو قول جمهور العلماء، ولا أخذه ماءً جديداً للأذنين، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
قال في الإنصاف: مفهوم قوله: (والنيةُ شرطٌ لطهارة الحدث) أنها لا تشترط لطهارة الخبث، وهو صحيح وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، قال: في الاختيارات: ولا يجب نطق بها سراً باتفاق الأئمة الأربعة وقولين في مذهب أحمد، وغيره في استحباب النطق بها، والأقوى عدمه، واتفقت الأئمة على أنه لا يشرع الجهر بها ولا تكرارها.
عند أول مسنوناتها إن وُجدَ قبل واجبِ، واستصحابُ ذكرِها في جميعها، ويجب استصحابُ حكمها.
وصفة الوضوء أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللَّحْيَيْن والذَّقَن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وما فيه من شعر خفيف، والظَّاهرَ الكثيفَ مع ما استرسل منه، ثم يديه مع المرفقين، ثم يمسح كل رأسه مع الأذنين مرة واحدة، ثم يغسل رجليه مع الكعبين، ويغسلُ الأَقْطَعُ بقيَّةَ المفروض، فإن قُطع من المَفْصِل غَسَلَ رأسَ العَضُدِ منه، ثم يرفعُ بصرَهُ إلى السماء، ويقول ما ورد، وتباح معونتُه وتنشيفُ أعضائه.
..................................
باب مسح الخُفَّيِنْ
يجوز يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة بلياليها، مِنْ حَدَثٍ بعد لُبْسٍ، على طاهرٍ، مباحٍ، ساترٍ للمفروض، يَثْبُتُ بنفسه من خُفٍّ وجوربٍ صفيقٍ ونحوهِما، وعلى عِمامةٍ لرجل، محنكةٍ أو ذاتِ ذُؤابةٍ، وعلى خُمر نساءٍ مدارةٍ تحت حلوقهن، في حدث أصغر، وعلى جَبيرةٍ لم تتجاوز قدر الحاجة - ولو (في) أَكْبَرَ - إلى حَلِّها، إذا لَبِس ذلك بعد كمال الطهارة.
ومَنْ مسحَ في سفر ثم أقام أو عَكَسَ، أو شكَّ في ابتدائه، فمَسْح مقيمٍ، وإن أحدث ثم سافر قبل مَسْحِه، فمسحَ مسافر.
ولا يمسح قَلانِسَ ولا لُفَافةً، ولا ما يسقط من القدم أو يُرى منه بعضُه، فإن لبس خفّاً على خُفٍّ قبل الحدث فالحُكْم للفَوْقَانيِّ، ويمسح أكثر العمامة، وظاهر قدم الخُفِّ من أصابعه إلى ساقه، دون أسفله وعَقِبِه، وعلى جميعِ الجبيرةٍ.
ومتى ظهر بعضُ محلِّ الفرض بعد الحدث أو تَمَّتْ مُدَّتُه استأنف الطهارة.
قوله: (ساتر للمفروض)، قال في الاختيارات: ويجوز المسح على الخُفِّ المُخَرَّق ما دام اسمه باقياً، والمشي فيه ممكن، قال في الإنصاف: واختاره أيضاً جَدُّه من العلماء، لكن من شَرْطِ الخَرْقِ أن لا يَمْنَعَ متابعةَ المشي.
قوله: (يثبت بنفسه)، اختار شيخ الإسلام عدم اشتراطه، وجواز المسح على الزربول الذي لا يثبت إلا بِسَيْرٍ يشدُّه به متَّصلاً أو منفصلاً عنه، قال: وأما اشتراط الثبات بنفسه فلا أصل له في كلام أحمد.
قوله: (وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة) قال في الإنصاف: إذا تجاوز قدر الحاجة نزعه إن لم يخف التَّلَف، فإن خاف التلف سقط عنه بلا نزاع، وكذا إن خاف الضرر على الصحيح من المذهب.
قوله: من القدم أو يُرَى منه بعضُهُ)، تقدم اختيار شيخ الإسلام، ومال المجد إلى العفو عن خرق لا يمنع متابعة المشي ظراً إلى ظاهر خفاف الصحابة.
باب نواقض الوضوء
ينقض ما خرج من سبيل، وخارجٌ من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً أو كثيراً نجساً غيرَهما، وزوالُ العقل إلا يسيرَ نومٍ من قاعدٍ أو قائمٍ، ومسُّ ذَكَرٍ مُتَّصلٍ أو قُبُلٍ بظَهْر كَفّه أو بطنِه، ولمسُهُما من خُنْثَى مُشْكلٍ، ولمسُ ذكر ذَكَرَهُ أو أنثى قُبُلهَا لشهوةٍ فيهما، ومسُّه امرأةً بشهوةٍ أو تمسُّه بها، ومسُّ حلقةِ دُبُرٍ، لا مَسُّ شعر وظفرٍ وأَمْردَ، ولامع حائل، ولا ملموسٍ بدنُهُ ولو وجد منه شهوَةً.
وينقضُ غسلُ ميتٍ، وأكلُ اللحم خاصةً من الجَزُور، وكلُّ ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموتَ، ومن تيقن الطهارة وشَكَّ في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين، فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حالهِ قَبْلَهُمَا.
ويَحْرُم على المحدث مسُّ المصحف، والصلاةُ، والطوافُ.
قوله: (وزوال العقل إلا يسير نوم من قاعد وقائم) هذا المذهب، وعنه أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره، قال في الاختيارات: والنوم لا ينقض مطلقاً إن ظن بقاء طهارته، وهو أخص من رواية حكيت عن أحمد: أن النوم لا ينقض بحال.
قوله: (ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها) هذا المذهب، وعنه: لا ينقض، قال في الاختيارات: ومال أبو العباس أخيراً إلى من مسِّ النساء والأمرد إذا كان لشهوة، قال: إذا مسَّ المرأةَ لغير شهوة فهذا مما عُلم بالضرورة أن الشارع لم يوجبْ منه الوضوء، ولا يستحب الوضوء منه.
قوله: (وأكل اللحم خاصة من الجزور)، قال في المقنع: وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين، قال في الإنصاف: أحدهما: لا ينقض وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، والثاني: ينقض.
انتهى، واختار شيخ الإسلام في الفتاوى جميع أجزاء الجزور حكمُها واحد، قال في الاختيارات: ويستحب الوضوء من أكل لحم الإبل.
باب الغسل
موجبُه خروجُ المَني دَفْقاً بلذَّةٍ لا بدونها، من غير نائمٍ: وإن انتقل ولم يخرجْ اغتسل له، فإن خَرج بعد لم يُعِدْه، وتغييبُ في فَرْجٍ أَصْليٍ قُبُلاً كان أو دُبُراً ولو من بهيمة أو ميت، وإسلامُ كافرٍ، وموتٌ، وحيضٌ، ونِفَاسٌ، لا ولادةٌ عاريةٌ عن دم.
ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءةُ القرآن، ويَعْبُر المسجدَ لحاجةٍ، ولا يَلْبَثُ فيه بغير وضوء.
ومن غَسل ميتاً، أو أفاق من جنونٍ أو إغماءٍ، بلا حُلم، سُنَّ له الغسلُ.
والغسلُ الكاملُ: أن ينويَ، ثم يُسَمِّي، ويغسل كفَّيه ثلاثاً وما لوَّثَه، ويتوضأ، ويَحْثي على رأسه ثلاثاً تُرَوِّيه، ويَعُمُّ بدنَه غُسْلاً ثلاثاً، ويدلكه، ويتيامن، ويغسل قدميه مكاناً آخَرَ.
والمُجْزِئُ: أن ينويَ، ثم يُسَمِّي، ويَعُم بدنَه بالغُسْلِ مرةً، ويتوضأ بمُدٍّ، ويغتسل بصاع، أو نوى بغسله الحدثين أجزأ.
ويسن لجنُبٍ غسلُ فرجِه، والوضوءُ: لأكلٍ ونوم ومعاودةِ وطءٍ.
قوله: (وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له).
هذا من مفردات المذهب، وعنه لا يجب الغسل حتى يخرج، وهو قول أكثر العلماء، قال في الشرح وهو الصحيح إن شاء الله.
قوله: (لا ولادة عَارِيَة عن دم) قال في المقنع: وفي الولادة العاَرِيَّةِ عن الدم وجهان، قال في الإنصاف: أحدهما: لا يجب، وهو المذهب إلى أن قال: والثاني: يجب، وهو رواية في الكافي، واختاره ابن أبي موسى، وجزم به القاضي في الجامع الصغير.
باب التيمم
وهو بَدَلُ طهارة الماء.
إذا دخل وقتُ فريضة، أو أُبيحتْ نافلةٌ، وعَدِمَ الماء، أو زاد على ثمنه كثيراً، أو بثمن يُعْجِزُه، أو خاف باستعماله أو طَلَبِه ضررَ بدنِه أو حُرْمَتِه أو مَالِه بعطشٍ أو مرضٍ أو هلاكٍ ونحوه شُرع التيمُّمُ، ومن وجد ماءً يكفي بعض طُهْرِه تيمم بعد استعماله، ومن جُرح تيمَّمَ له وغسل الباقي.
ويجب طلبُ الماء في رَحْلِه وقربه وبدلالة، فإن نَسي قُدْرَتَه عليه وتيمم أَعَادَ، وإن نوى بتيممه أحداثاً أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها ابْنُ، أو عَدِمَ ما يزيلها، أو أو حبس في مصر فتيمم، أو عَدِمَ الماء والترابَ صلى ولم يُعِد.
ويجب التيمم بتراب طهور له غبار، لم يغيره طاهر غيره.
قوله: (أو نجاسة على بدنه تضرُّه إزالتُها) قال في الإنصاف: ويجوز التيمم للنجاسة على جرح يضره إزالتها، ولعدم الماء على الصحيح من المذهب، وهي من المفردات، وعنه لا يجوز التيمم لها، قال في الاختيارات: ولا يتيمم للنجاسة على بدنه، وهو قول الثلاثة خلافاً لأشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى.
قوله: (ويجب التيمم بتراب طهور [غير مُحترِق] 1 له غُبار)، قال في الإنصاف: قوله: ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليدين، هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وعنه في الاختيارات: ويجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض إذا لم يجد تراباً، وهو رواية، قال: ولا يستحب حملُ التراب معه للتيمم، قال طائفة من العلماء، خلافاً لما نقل عن أحمد.
وفروضه: مسح وجهه ويديه إلى كوعيه، و (كذا) الترتيب، والموالاة في حدث أصغر.
وتشترط النية لما يتيمم له من حدث أو غيره، فإن نوى أحدهما لم يجزئه عن الآخر، وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يُصَلِّ به فرضاً، وإن نواه صلَّى كل وقته فروضاً ونوافل.
قوله: (وكذا الترتيب والموالاة) أي من فروض التيمم على إحدى في الإنصاف: الصحيح من المذهب أن حكم الترتيب والموالاة هنا حكمهما في الوضوء، وقيل: هما هنا سُنَّة، قال المجد: قياس المذهب عندي أن الترتيب لا يجب في التيمم وإن في الوضوء، لأن بطون الأصابع لا يجب مسحُها بعد الوجه في التيمم بالضربة الواحدة؛ بل يعتمد بمسحها معه، واختاره في الفائق، قال ابن تميم: وهو أولى.
قال في الاختيارات: والجريح إذا كان محدِثاً حدثاً أصغر فلا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره، فيصح أن يتيمم بعد كمال الوضوء؛ بل هذا هو السنة، والفصل بين أبعاض الوضوء بتيمم بدعة.
قال في الإنصاف: قوله: (فإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر) اعلم أنه إذا كانت عليه أحداث فتارة تكون متنوعة عن أسباب أحد الحدثين، وتارة لا تتنوع، فإن تنوعت أسباب أحدهما ونوى بعضها بالتيمم، في الوضوء لا يجزئه عما لم ينوه، فهنا بطريق أولى، وإن قلنا: يجزئ هناك أجزأ هنا على الصحيح.
قوله: (وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يُصَلِّ به فرضًا)، قال في الإنصاف: وهذا المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، وقال ابن حامد: إن نوى استباحة الصلاة وأطلق، جاز له فعلُ الفرض والنفل، وخرَّجه المَجْدُ وغيره، قال في الاختيارات: والتيمم يرفع الحدث، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، واختارها أبوبكر محمد الجوزي، وفي الفتاوى المصرية: التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقتُ الصلاة الأخرى، في المشهور عنه، وهو أعدلُ الأقوال.
ويبطل التيمم بخروج الوقت وبمبطلات الوضوء، وبوجود في الصلاة، لا بعدها، والتيمُّم آخر الوقت لراجي الماء أولى.
وصفته: أن ينوي، ثم يسمي، ويضرب التراب بيديه مُفَرَّجَتَي الأصابع، ويمسح وجهه بباطنهما وكفيه بِراحَتَيْه ويُخَلِّل أصابِعَه.
..................................
باب إزالة النجاسة
يُجزئ في غَسْل النجاسات كلِّها إذا كانت على الأرض غَسلةٌ واحدةٌ تذهب بعين النجاسة، وعلى غيرها سَبْعٌ إحداها بالتراب في نجاسة كلبٍ وخِنْزِيرٍ، ويجزئُ عن التراب أشْنانٌ ونحوه، وفي نجاسة غيرهما سَبْعٌ بلا تراب، ولا يَطْهُر متنجسٌ بشمسٍ ولا ريحٍ ولا دَلْكٍ ولا استحالةٍ غيرَ الخَمْرة،
قوله: (وعلى غيرها سَبْعٌ)، قال في المقنع: وفي سائر النجاسات ثلاثُ روايات إحداهن: يجب غَسْلُها سبعاً، والثانية: ثلاثًا، والثالثة: تُكَاثَرُ بالماء، يعني حتى تذهب عينُ النجاسة، اختارها في المغني، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في دم الحيض: (فلتقرصه ثم لتنضحْه بالماء)، قلت: الأقرب الثلاث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتثليث عند توهم النجاسة للقائم من النوم، فعند تَيَقُّنِها أولى، وأما الحديث الذي يذكره بعضهم: (أُمرنا بغَسْل الأنجاسِ سَبْعاً) 1 فلا تقوم به الحجة.
قوله: (ولا يَطْهُر متنجسٌ بشمسٍ ولا ريحٍ ولا دَلْك ولا استحالةٍ)، قال في الإنصاف: قوله ولا تطهر الأرضُ النجسةُ بشمسٍ ولا ريحٍ ولا بجفافٍ أيضاً، هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وقيل: يطهر في في شرحه، وصاحب الحاوي الكبير، والفائق والشيخ تقي الدين وغيرهم، قال في الاختيارات: وإذا تنجَّس ما يضره الغسل كثياب الحرير والوَرَق وغير ذلك في أظهر قولَي العلماء، وتطهُرُ الأجسام الصقيلة كالسيفِ والمرآةِ ونحوِهما إذا تنجَّست بالمسحِ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، في السكين في دم الذبيحة، ويطهر النَّعْلُ بالدَلْكٍ بالأرض إذا أصابه نجاسة، وهو رواية عن =
فإن خُلِّلتْ أو تنجَّس دُهْنٌ مائع لم يَطْهُر، وإن خفي موضعُ نجاسةٍ من الثوب أو غيره غُسِلَ حتى يَجْزم بزواله.
= أحمد، وذيلُ المرأة يطهرُ بمروره على طاهرٍ يُزيل النجاسة، وتطهر النجاسة بالاستحالة -إلى أن قال- وعلى القول: بأن النجاسة، لا تطهر بالاستحالة، فيُعفَى من ذلك عما يَشُقُّ الاحترازُ عنه كالدُّخان والغبار المستحيل من النجاسة كما يعفى عما يشق الاحتراز عنه من طين الشوارع وغبارها، وإن قيل: إنه نجس، فإنه يُعفَى عنه على أصح القولين، ومن قال: إنه نجس ولم يعْف عما يشق الاحتراز عنه، فقوله أضعف الأقوال، وما تطاير من غبار السِّرْجِيُن ونحوه، ولم يمكن التحرز عنه عُفي عنه، وتطهر الأرض النجسة بالشمس والريح إذا لم يَبْقَ أثرُ النجاسة، وهو مذهب أبي حنيفة، لكن لا يجوز التيمم عليها بل تجوز ذلك ولو لم تُغْسَلْ، ويطهر غيرها بالشمس والريح أيضاً، وهو قولٌ في مذهب أحمد، ونص عليه في حبل الغسال وتكفي غلبة الظن بإزالة نجاسة المذي أو غيره، وهو قول في مذهب في المذي، انتهى ملخَّصاً.
قوله: (أو تنجس دهن مائع لم يطهر)، قال في المقنع: ولا تطهر الأدهان المتنجسة، وقال أبو الخطاب: يطهر بالغسل منها ما يتأتى غسله.
قال في المقنع: ومَنِيُّ الآدمي طاهر، وعنه أنه نجس، ويجزئُ فَرْكُ يابسه، وفي رطوبة فرج المرأة روايتان.
وسباع البهائم والطير والبغل والحمار الأهلي نجسة، وعنه أنها طاهرة، وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر.
قال في الاختيارات: ونقل عن أحمد في جوارح الطير إذا أكلت الجِيَف، فلا يعجبني عَرَقُها، فدلَّ على أنه كرهه؛ لأكلها النجاسة فقط، وهو أولى، ولا فرق في الكراهة بين جوارح الطير وغيرها، وسواء كان يأكل الجيف أم لا، وإذا شك في =
ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه، ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر، وعن أثر استجمار (بمحله)، ولا ينجس الآدمي بالموت، ولا ما لا نفس له سائلة متولد من طاهر، وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيُّه طاهر، ومنيّ الآدمي ورطوبة فرج المرأة، وسؤر الهرة وما دونها طاهر، وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي -والبَغل منه- نجسة.
= الرَّوْثَة هل هي من رَوْثِ ما يؤكل لحمه أو لا؟ فيه وجهان في مذهب أحمد مبنيان على أن الأصل في الأرواث الطهارة إلا ما استثني وهو الصواب، أو النجاسة إلا ما استثني.
وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجسه؛ بل القول بنجاسته قول مُحْدَثٌ لا سلف له من الصحابة.
ولا يجب غسل الثوب والبدن من المذي والقيح والصديد، ولم يقم دليل على نجاسته، وحكى أبو البركات عن بعض أهل العلم طهارته، والأقوى في المذي أنه يجزئ فيه النضح، وهو أحد الروايتين عن أحمد، ويد الصبي إذا أدخلها في الإناء فإنه يكره استعمال الذي فيه، ويُعفى عن يسير النجاسة حتى بعر فأرة نحوها في الأطعمة وغيرها، وهو قول في مذهب أحمد، وإذا أكلت الهرة فأرة ونحوها؛ فإذا طال الفصل طهر فمها بريقها لأجل الحاجة، وهذا أقوى الأقوال، واختاره طائفة من أصحاب أحمد وأبي حنيفة، وكذلك أفواه الأطفال والبهائم والله أعلم.
باب الحيض
لا حيض قبل تسع سنين، ولا بعد خمسين، ولا مع حَمْلٍ.
وأقلُّه يومٌ وليلةٌ، وأكثرُه خمسةَ عشرَ، وغالبُه ستٌ أو سبع وأقلُّ طُهرٍ بين حيضتين ثلاثةَ عشرَ، ولا حَدَّ لأكثره، وتقضي الحائض الصومَ لا الصلاةَ، ولا يَصِحَّان منها بل يَحْرُمان، ويحرم وطؤها في الفرج،
قوله: (ولا بعد خمسين)، هذا المذهب، من المفردات، وعنه: أكثره ستون، وعنه: بعد الخمسين حيض إن تكرر، قال في الإنصاف: وهو الصواب.
قوله: (ولا مع حمل).
قال في الإنصاف: وقوله: والحامل لا تحيض.
هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وعنه: أنها تحيض، ذكرها ابن القاسم والبيهقي، واختارها الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق، قال في في الإنصاف: وهو الصواب، وقد في زماننا وغيره أنها تحيض مقدار حيضها قبل ذلك، ويتكرر في كل شهر على صفة حيضها، وقد رُوي أن إسحاق ناظر أحمد في هذه المسألة، وأنه رجع إلى قول إسحاق.
رواه الحاكم، انتهى.
قوله: (وأقله يوم وليلة) قال في الإنصاف: هذا المذهب، وعنه: يوم، اختاره أبو بكر، واختار الشيخ تقي الدين أنه لا ولا أكثره؛ بل كلما استقر عادة للمرأة فهو حيض، وإن نقص عن يوم أو زاد عن الخمسة عشر أو السبعة عشر ما لم تَصِرْ مستحاضة، قال في الاختيارات: ولا حَدَّ لأقلِّ سِنٍّ تحيض فيه المرأة ولا لأكثره، ولا لأقل الطُّهر بين الحيضتين.
فإن فعل فعليه دينار أو نصفُه كفَّارة، ويستمتع منها بما دونه، وإذا انقطع الدمُ ولم تغتسلْ لم يُبَحْ غيرُ الصيام والطلاق.
والمُبْتَدأَةُ تجلس أَقَلَّهُ ثم تغتسل وتصلِّي، فإن انقطع لأكثره فما دون اغتسلتْ إذا انقطَعَ، فإن تكرر ثلاثاً فحيض، وتقضي ما وجب فيه، وإن عَبَرَ أكثرُه فمستحاضةٌ، فإن كان بعضُ دمها أحمر وبعضُه أسود ولم يَعْبُرْ أكثرَه ولم يَنْقُصْ عن أقلِّه فهو حيضُها: تجلسه في الشهر الثاني، والأحمرُ استحاضةٌ، وإن لم يكن دمُها متميزاً جلست غالب الحيض من كل شهر.
قوله: (ويستمتع منها بما دونه)، قال في الإنصاف: قوله: ويجوز أن يستمتع هذا المذهب وهو من المفردات، وعنه: الاستمتاع بما بين السرة والركبة، وقطع الأزجي في نهايته بأنه إذا لم يأمن على نفسه حَرُمَ عليه؛ لئلا يكون طريقاً إلى مواقعة المحظور.
قال في الاختيارات: ويحرمُ وطء الحائض، فإن في الفرج فعليه دينار كفارة، ويعتبر أن يكون مضروباً، وإذا في الفرج ولم ينزجرْ فرق بينهما كما قلنا فيما إذا وطئها في الدبر ولم ينزجر.
قوله: (والمُبْتَدَأَةُ تجلس أقلَّه ثم تغتسل وتصلي)، قال في الإنصاف: أعلم أن المبتدأة إذا ابتدأت بدم أسود جلسته، وإن ابتدأت بدم أنه لا تجلس للدم الأحمر إذا رأته وإن جلسناها الأسود، وقيل: حكمُه حكمُ الدمِ الأسودِ، وهو المذهب.
انتهى ملخصاً، قال في المغني: روى صالح قال: قال ما يبدأ الدم بالمرأة تقعدُ ستةَ أيام أو سبعةَ أيام، وهو أكثر ما تجلسُه النساءُ على حديث حَمْنَةَ، وعنه: أنها تجلس ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض، وقال في الشرح الكبير: وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، اختاره شيخنا، قال في الاختيارات: والمُبْتَدَأَةُ تجلس ما تراه من الدم ما لم تَصِرْ مستحاضة، وكذلك أو نقص أو انتقال، فذلك حيضٌ حتى تعلمَ أنها استحاضةٌ باستمرار الدم.
والمُستحاضةُ المُعتادةُ ولو مُمَيزةً تجلس عادتها، وإن نسيتْها عملت بالتمييز الصالح، فإن لم يكن لها تمييزٌ، فغالبُ الحيضِ كالعالمةِ بموضعِه، الناسيةِ لعَدَدِه، من الشهر ولو في نصفه جلستْها من أوله، كمن لا عادةَ لها ولا تمييز، ومن زادتْ عادتها أو تقدمت أو تأخرت فما تكرر ثلاثاً حيضٌ، وما نَقَصَ عن العادة طهرٌ،
قوله: (والمستحاضة المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها)، قال في المقنع: وإن استحاضت المعتادة رجعت إلى عادتها، وإن كانت مميزة، وعنه يقدم التمييز وهو اختيار الخرقي، قال الحافظ ابن حجر على قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حُبيش: "إن ذلك دم عرق، فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة فيها، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم أن المرأة إذا ميَّزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم دم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة؛ لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة لظاهر قوله: "ثم توضئي لكل صلاة" 1 وبهذا قال الجمهور.
قوله: (وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه جلستها من أوله).
قال في المقنع: وإن علمت عدد أيامها من أول كل شهر في أحد الوجهين، وفي الآخر تجلسها بالتحري.
قوله: (ومن زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت، فما تكرر ثلاثًا فحيض).
قال في المقنع: وإن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال، فالمذهب أنها تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر مرة أو مرتين، على خلاف الروايتين، وعندي أنها تصير من غير تكرار، واختاره الشيخ تقي الدين.
قال في الإقناع: وعليه العملُ، ولا يسعُ النساء العمل بغيره، قال في الإنصاف: وهو الصواب.
وما عاد فيها جلستْه، والصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ في زمن العادة حيضٌ، ومن رأتْ يوماً دماً ويوماً نقاء، فالدمُ حيضٌ، والنقاءُ طُهْرٌ ما لم يَعْبُرْ أكثرُه.
والمستحاضة ونحوها تغسل فَرْجَها وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي فروضاً ونوافلَ، ولا تُوطأُ إلا مع خوفِ العَنَتِ، ويستحب غسلُها لكل صلاة.
قوله: (ومن رأت يوماً دماً، ويوماً نقاءً، فالدم حيضٌ والنقاءُ طُهْرٌ ما لم يَعْبُرْ أكثرُه)، قال في المقنع: ومن كانت ترى يوماً دماً ويوماً طُهْراً فإنها تضمُّ الدمَ على الطهرِ فيكون حيضاً والباقي طُهْراً إلا أن يجاوز أكثر قال في الفروع: ومن رأت دماً متفرِّقاً يبلغ مجموعه أقل الحيض ونقاءً، فالنقاءُ طهرٌ وعنه أيامُ الدمِ والنقاءِ حيضٌ، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، قال في الإنصاف: اختاره الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق.
قوله: (ولا توطأ إلا مع خوف العنت) قال في في الفَرْجِ من غير خوفِ العَنَتِ؟ على روايتين، قال في لا يباح وهو المذهب، وهو من المفردات (الثانية) يباح، قال في "الحاويين": ويباح الوطء للمستحاضة من غير خوفِ العنت على أصح الروايتين، وعنه يكره.
وقال البخاري: (باب إذا رأت المستحاضة الطهر) قال ابن عباس: تغتسل وتصلي ولو ساعة، ويأتيها زوجها إذا صلَّتْ، الصلاة أعظم، وساق حديث فاطمة بنت أبي حبيش "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" قال الحافظ: قوله: قال ابن عباس: تغتسل وتصلي كُفِرَ قال الداودي: معناه إذا رأت الطهر ساعة ثم عاودها دم؛ فإنها تغتسل وتصلي، والتعليق المذكور وصله ابن أبي شيبة والدارمي من طريق أنس بن سيرين عن ابن عباس أنه سأله عن المستحاضة فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة =
وأكثر مدةِ النِّفاسِ أربعون يوماً، ومتى طَهرتْ قبله تطهَّرتْ وصلَّتْ، ويكره وطؤُها قبل الأربعين بعد التطهُّر، فإن عاودها الدم فمشكوكٌ فيه؛ تصوم، وتصلي وتقضي الواجب.
= فلتغتسل وتصلي قال الحافظ: والدم البَحْراني هو دمُ الحيض، قوله: (ويأتيها زوجها).
هذا أثر آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً، وصله عبد الرازق وغيره من طريق عكرمة عنه، قال: "المستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجها" ولأبى داود من وجه آخر عن عكرمة قال: "كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها".
قوله: (إذا صلَّتْ) شرط محذوف الجزاء أو جزاؤه مقدم، وقوله: (الصلاة أعظم).
أي من أن هذا بحث من البخاري أراد به بيان الملازمة، أي إذا جازت الصلاة فجواز الوطء أولى؛ لأن أجر الصلاة أعظم من أجر الجماع.
اهـ.
قوله: (وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً).
هذا قول أكثر أهل العلم، وقال الحسن: النفساء لا تكاد تجاوز الأربعين، فإن جاوزت الخمسين فهي مستحاضة، وقال مالك والشافعية: أكثره ستون، قال في الاختيارات: ولا حدَّ لأقل النفاس ولا لأكثره، ولو زاد على الأربعين أو الستين أو السبعين وانقطع فهو نفاس، ولكن إن اتصل فهو دم فساد وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب.
قوله: (فإن عاودها الدم فمشكوك فيه تصوم وتصلي وتقضي الواجب).
قال في المقنع: وإذا انقطع دمها في مدة الأربعين ثم عاد فيها فهو نفاس وعنه: أنه مشكوك فيه، قال في الفائق: إذا عاد في مدة الأربعين فهو نفاس في أصح الروايتين.
وهو كالحيض فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ ويسْقُطُ، غير العدة والبلوغ، وإن ولدت توأمين فأول النفاس وآخره من قوله: (وإن ولدت توأمين فأول النفاس وآخره من أولهما.
قوله: (وهو كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط غير العدة والبلوغ).
قال في المقنع: والنفاس مثله إلا في الاعتداد، قال في الإنصاف: ويستثنى أيضاً كون النفاس لا يوجب البلوغ؛ فإنه يحصل قبل النفاس بمجرد الحمل.
قوله: (وإن ولدت توأمين فأول النفاس وآخره من أولهما).
هذا المذهب، وعنه: أنه أوله الأول، وآخره من الثاني، والله أعلم.