كلمات السداد على متن الزادكتاب الحدود

لا يجبُ الحدُّ إلا على بالغٍ عاقلٍ ملتزمٍ عالمٍ بالتحريمِ، فيقيمُه الإمامُ أو نائبُه في غيرِ مسجدٍ.
ويُضْرَبُ الرجلُ في الحدِّ قائماً بسَوطٍ لا جديدٍ ولا خَلَقٍ، ولا يُمَدُّ ولا يُرْبَطُ ولا يُجَرَّدُ، بل يكونُ عليه قميصٌ أو قميصانِ، ولا يبالغُ بضَرْبِه بحيثُ يَشُقُّ الِجْلدَ، ويفرَّق الضربُ على بدنِه، ويُتَّقَى الرأسُ والوجهُ والفَرْجُ والمقَاتِلُ، والمرأةُ كالرَّجِل فيه، إلا أنها تُضْرَبُ جالسةً وتَشُدُّ عليها ثيابَها وتُمسك يداها لئلا تَنْكَشِفَ.
وأشدُّ الجَلْدِ جَلْدُ الزِّنَا ثم القَذْفُ ثم الشُّرْبُ، ثم التَّعْزيرُ، ومن مات في حَدٍّ فالحقُّ قَتَلَه، ولا يُحْفَرُ للمَرجومِ في الزِّنَا.
قال في الاختيارات: وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ " [النساء: 15]، قد يُستَدلُّ بذلك على أن المُذْنِبَ إذا لم يعرفْ فيه حُكْمَ الشرعِ، فإنه يُمْسَكُ فيُحْبَسُ حتى يُعرَفَ فيه الحكمَ الشرعيَّ فينفَّذُ فيه، وإذا زَنَى الذمِّيُّ بالمسلمةِ قُتِلَ، ولا يعرَّفُ عند القتلِ الإسلامَ ولا يُعْتَبَرُ فيه أداءُ الشهادةِ على الوجهِ المُعْتبَرِ في المسلم، بل يكفي استفاضَتُه واشْتِهارُه، وإن حَمَلَتْ امرأةٌ لا زوجَ لها ولا سيِّدَ حُدَّتْ إن لم تَدَّعِ الشُّبْهةَ، وكذا من وُجِدَ منه رائحةُ الخَمْرِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ فيهما، وغِلَظُ المعصيةِ وعقابُها بقَدرِ فَضيلةِ الزمانِ والمكانِ، والكبيرةُ الواحدةُ لا تُحْبِطُ جميعَ الحَسَناتِ، لكن قد تُحْبِطُ ما يقابُلها عند أهلِ السُّنَّةِ ا. هـ.

باب حد الزنا

إذا زَنَى المُحْصَنُ رُجِمَ حتى يموتَ، والمُحْصَنُ: مَنْ وَطِئَ امرأتَه المسلمةَ أو الذميةَ في نكاحٍ صحيحٍ وهما بالغانِ عاقلانِ حُرَّانِ، فإن اختلَّ شرطٌ منها في أَحدِهما فلا إِحْصانَ لواحدٍ منهما، وإن زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ جُلِدَ مائةَ جَلْدَةٍ وغُرِّبَ عاماً، ولو امرأةً، والرقيقُ خمسينَ جَلْدةً، ولا يُغَرَّبُ، وحَدُّ لُوطِيٍّ كَزَانٍ.
ولا يجبُ الحَدُّ إلا بثلاثةِ شُروطٍ: أحدُها: تَغْيِيْبُ حَشَفةٍ أَصْليَّةٍ كلِّها في قُبُلٍ أو دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ من آدميٍ حَيٍّ حراماً محضاً.
قوله: "ولو امرأةً"، قال في المقنع: وإن زنا الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ جُلِدَ مائةَ جَلْدةٍ وغُرِّبَ عاماً إلى مسافةِ القَصْرِ، وعنه أن المرأةَ تُنْفَى إلى دونِ مسافةِ القَصْرِ، ويَخْرُجُ معها مَحْرَمُها، فإن أرادَ أُجْرةً بذَلَتْ من مالِها فإن تعذَّر فمن بيتِ المالِ، فإن أَبَى الخروجَ معها استُؤْجِرتِ امرأةٌ ثِقَةٌ، فإن تعذَّر نُفِيَتْ بغيرِ مَحْرَمٍ ويَحتَمِلُ أن يَسقُطَ النَّفْيُ اهـ. قال في الحاشية: لأن تَغْرِيبَها على هذه الحالِ إغراءٌ لها بالفُجورِ، قال في الإنصاف: وهو قوي.
قوله: "وحَدُّ لُوطِيٍّ كَزَانٍ"، قال في المقنع: وحَدُّ اللُّوطِيِّ كحَدِّ الزانِي سواءً، وعنه حَدُّ الرَّجْمِ بكلٍ حالٍ انتهى.
قال ابنُ رجب: الصحيحُ قَتْلُ اللُّوطِي سواء كان مُحْصَناً أو غيرَه.
قوله: "تغييبُ حَشَفَةٍ... " إلى آخره، يعني لا يجبُ الحَدُّ إلا بذلك، وأما العقوبةُ فهي ثابتةٌ إذا وُجِدَ الرجلُ مع المرأةِ في بيتٍ أو لِحَافٍ أو نحوِ ذلك من الرِّيبَةِ.

الثاني: انتفاءُ الشُّبْهَةِ، فلا يُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَةٍ له فيها شِرْكٌ أو لولدِه، أو وَطْءِ امرأةٍ ظنَّها زوجتَهُ أو سُرِّيتَه، أو في نكاحٍ باطلٍ اعتقدَ صحتَه، أو نكاحٍ أو مِلْكٍ مُخْتلَفٍ فيه ونحوه، أو أُكرهتِ المرأةُ على الزِّنَا.
الثالث: ثبوتُ الزِّنَا، ولا يَثْبُتُ إلا بأحدِ أمرين: أحدهما: أن يُقِرَّ به أربعَ مراتٍ في مجلسٍ أو مجالسَ، ويُصرِّحَ بِذِكْرِ حقيقةِ الوَطْءِ، ولا يَنْزِعُ عن إِقْرارِهِ حتَّى يَتِمَّ عليه الحدُّ.
الثاني: أن يَشْهَدَ عليه في مَجْلِسٍ واحدٍ بِزِنَاً واحدٍ يَصِفُونَه أربعةٌ ممنْ تُقْبَلُ شَهادتُهم فيه، سواء أَتَوا الحاكمَ جُملةً أو مُتفرِّقِينَ، وإن حَمَلَتِ امرأةٌ لا زوجَ لها ولا سيِّد لم تُحَدَّ بُمجرِّدِ ذلك.
قوله: "ولا يَنْزِعُ عن إقرارِه حتى يتمَّ عليه الحَدُّ"، قال في الاختيارات: والعقوباتُ التي تُقامُ من حَدٍّ أو تَعْزيرٍ إذا ثَبتَتْ بالبينةِ، فإذا أَظْهرَ مَنْ وجبَ عليه الحَدُّ التوبةَ لم يوثَقْ منه بها فيقامُ عليه، وإن كان تائباً في الباطنِ كان الحَدُّ مُكفِّراً وكان مأجوراً على صَبْرِهِ، وإن جاء تائباً بنفسِه فاعترفَ فلا يُقامُ في ظاهرِ مذهبِ أحمدَ، ونصَّ عليه في غيرِ موضعٍ، كما جزمَ به الأصحابُ وغيرُهم في المُحارَبِينَ، وإن شَهِدَ على نفسِه كما شهدَ به ماعزٌ 1 والغامِدِيَّةُ، واختارَ إقامةَ الحَدِّ عليه أُقيمَ، وإلا لا، انتهى.
قوله: "وإن حَمَلَتْ امرأةٌ لا زوجَ لها ولا سيِّدَ لم تُحَدَّ بمجردِ ذلك"، وعنه أنها تُحَدُّ إذا لم تَدَّعِ شُبهةً، اختاره الشيخ تقي الدين، وقال مالك عليها الحَدُّ إذا كانتْ مُقيمةً غيرَ غريبةٍ إلا أن تَظْهَرَ أماراتُ الإكراهِ.

باب حد القذف

إذا قَذَفَ المكلَّفُ مُحْصَنَاً جُلِدَ ثمانينَ جَلْدةً إن كان حُراً، وإن كان عبداً أربعينَ، والمُعْتَقُ بعضُه بحسابِه، وقَذْفُ غيرِ المُحْصَنِ يوجبُ التَّعْزِيْرَ، وهو حَقٌّ للمَقْذُوفِ، والمُحْصَنُ هنا: الحُرُّ المسلمُ العاقلُ العفيفُ الملتزِمُ الذي يُجامِعُ مِثْلُه، ولا يُشْتَرَطُ بلوغُه.
وصريحُ القَذْفِ: يا زانِي، يا لُوطِيُّ، ونحوه، وكنايتُه: يا قحبةُ، يا فاجرةُ يا خبيثةُ، فَضَحْتِ زوجَكِ، أو نَكَّسْتِ رأسَه، أو جَعَلْتِ له قُروناً ونحوه، وإن فَسَّرهُ بغيرِ القَذْفِ قُبِلَ، وإن قَذَفَ أهلَ البلدِ أو جماعةً لا يُتَصَوَّرُ منهم الزِّنَا عادةً عُزِّر.
ويسقطُ حدُّ القَذْفِ بالعَفْوِ، ولا يُستوفَى بدون الطَّلَبِ.
قوله: "والمحصَنُ" إلى آخره عبارة المقنعِ: والمُحْصَنُ هو الحُرُّ المسلمُ العاقلُ العفيفُ الذي يجامِعُ مِثْلُه.
قال في الاختيارات: ولو شَتَمَ شخصاً فقال: أنتَ ملعونٌ ولدُ زِناً، وجبَ عليه التعزيرُ على مثلِ هذا الكلام، ويجب عليه حَدُّ القَذْفِ إن لم يَقْصِدْ بهذه الكلمةِ أن المَشْتُومَ فِعْلُه كَفِعْلِ الخبيثِ أو كفِعْلِ ولدِ الزِّنَا، ولا يُحَدُّ القاذفُ إلا بالطَّلَبِ إجماعاً ا. هـ.

بابُ حَدِّ المُسْكِرِ

كلُّ شرابٍ أَسْكَرَ كثيُره فقليلُه حرامٌ، وهو خَمْرٌ من أي شيءٍ كان، ولا يُباح شُرْبُهِ لِلَذَّةٍ، ولا لِتَدَاوٍ ولا عَطَشٍ ولا غيرِه، إلاّ لِدَفْع لُقْمَةٍ غَصَّ بها ولم يَحْضُرْهُ غيرُه.
وإذا شَرِبَهُ المسلمُ المكلَّفُ مختاراً عالماً أنَّ كثيرَه يُسكِرُ فعليه الحَدُّ، ثمانونَ جَلْدةً مع الحُرِّيةِ، وأربعونَ مع الرِّقِّ.
..................................

بابُ التَّعْزِيرِ

وهو التَّأديبُ، وهو واجبٌ في كلِ معصيةٍ لا حدَّ فيها ولا كفَّارة، كاستمتاعٍ لا حدَّ فيه، وسرقةٍ لا قَطْعَ فيها، وجنايةٍ لا قَوَدَ فيها، وإتْيانِ المرأةِ   قال في الاختيارات: والقَوَّادَةُ التي تُفسِدُ الرجالَ والنساءَ أقلُّ ما يجبُ عليها الضَّرْبُ البليغُ، وينبغي شهرةُ ذلك، بحيثُ يستفيضُ هذا في النِّساءِ والرجالِ وإذا رَكبتْ دابةً وضَمَّتْ عليها ثيابَها ونُوديَ عليها هذا جزاءُ من يَفْعلُ كذا وكذا كان من أعظمِ الجرائمِ، إذ هي بمنزلةِ عَجُوزِ السوءِ امرأةِ لُوطٍ وقد أهلكَها اللهُ تعالى مع قَوْمِهَا.
ومن قال لِمَنْ لامَهُ الناسُ: تقرؤونَ تواريخَ آدمَ وظَهَرَ منه قَصْدُ معرفتِهم بخطيئتِه ولو كان صادقاً، وكذا من يُمسِكُ الحَيَّةَ ويدخلُ النارَ ونحوه، ومن قال لذمِّي: يا حاجُّ عُزِّرَ، لأن فيه تشبيهَ قاصدِ الكنائسِ بقاصدِ بيتِ الله، وفيه تعظيمُ ذلك، فهو بمنزلَةِ من يُشَبِّه أعيادَ الكفارِ بأعيادِ المسلمين، وكذا يُعزَّرُ من يُسمِّي من زار القبورَ والمشاهدَ حاجّاً، إلا أن يُسَمِّيَ حاجاً بقَيْدٍ، كحاجِّ الكفارِ والضَّالِّينَ، ومن سَمَّى زيارةَ ذلك حَجّاً أو جَعَلَ له مَناسِكَ فإنه ضالٌّ مُضِلٌّ ليس لأحدٍ أن يفعلَ في ذلك ما هو من خصائصِ حجِّ البيتِ العتيقِ انتهى.
وقال أيضاً: ولا يُقدَّرُ التعزيرُ بل يُرْدَعُ المعزَّرُ، وقد يكون بالعَزْلِ والنَّيْلِ من عِرْضِه، مثل أن يقالَ له يا ظالمُ يا مُعتدٍ، وبإقامتِه من المَجْلِسِ، إلى أن قال: والتعزيرُ يكونُ على فعلِ المحرماتِ وتركِ الواجباتِ، فمن جِنْسِ تَرْكِ الواجباتِ مَنْ كَتَمَ ما يجبُ بيانُه، كالبائعِ المدلِّس والمُؤجِر والناكحِ وغيرهم مِنَ المعاملين، وكذا الشاهدُ والمُخْبِرُ والمفتي والحاكِمُ ونحوُهم، فإن كتمانَ الحقِّ =

المرأةَ والقذفِ بغيرِ الزِّنا ونحوه.
ولا يُزادُ في التَّعزيرِ على عَشرِ جَلداتٍ، ومن استمنَى بيدِه بغيرِ حاجةٍ عُزِّرَ.
= مشبَّهٌ بالكذبِ وينبغي أن يكونَ سبباً للضَّمانِ، كما أن الكذبَ سببٌ للضَّمانِ، إلى أن قال: وقد يكونُ التعزيرُ بتركِهِ المستحَبَّ كما يُعزَّرُ العاطِسُ الذي لم يَحْمَدِ اللهَ بتركِ تَشْمِيتِه، وقال أيضاً: والتعزيرُ بالمالِ سائغٌ إتلافاً وأخذاً، وهو جارٍ على أصلِ أحمدَ، لأنه لم يختلفْ أصحابُه أن العقوباتِ في الأموالِ غيرُ منسوخةٍ كلها، وقولُ الشيخ أبي محمد المقدسي: ولا يجوزُ أخذُ مالِ المعزَّرِ، فإشارةٌ منه إلى ما يفعلُه الولاةُ الظَلَمَةُ، انتهى.

بابُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ

إذا أخذَ الملتزمُ نِصاباً من حِرْزِ مِثْلِه من مالٍ معصومٍ لا شُبهةَ له فيه على وجهِ الاختفاءِ قُطِعَ، فلا قَطْعَ على مُنتهِبٍ ولا مُختلِسٍ ولا غاصِبٍ ولا خائِنٍ في وديعةٍ أو عاريَّةٍ أو غيرِها، ويُقطَعُ الطَّرَّارُ الذي يَبطُّ الجيبَ أو   قال في الشرح الكبير: مسألة، فإن دخل الحِرْزَ فأتلفَ فيه نصاباً ولم يُخرجْهُ فلا قَطْعَ عليه، لأنه لم يَسْرِقْ لكن يلزمُه ضمانُه، لأنه أتْلفَه، ولا يُقْطَعُ حتى يُخرجَهُ من الحِرْزِ، فمتى أخرجَهُ من الحِرْزِ فعليه القَطْعُ، سواء حملَه إلى منزلِه أو تركَه خارجاً من الحِرْزِ.
قال في الشرح الكبير: الإبلُ على ثلاثة أضرب، باركةٌ وراعيةٌ وسائرةٌ، فأما الباركةُ، فإن كان معها حافظٌ لها وهي معقولةٌ فهي مُحْرَزَةٌ، وإن لم تكن معقولةً وكان الحافظُ ناظراً إليها أو مستيقظاً بحيث يراها فهي مُحْرَزةٌ، وإن كان نائماً أو مشغولا عنها فليستْ مُحْرَزَةً، لأن العادةَ أن الرُّعاةَ إذا أرادوا النومَ عَقَلُوا إِبَلَهُمْ، ولأن المعقولةَ تُنَبِّهُ النائمَ والمُشْتَغِلَ، وإن لم يكن معها أحدٌ فهي غيرُ مُحْرَزَةٍ، سواء كانت معقولةً أو لم تكن.
وأما الرَّاعِيَةُ فحِرْزُها بنظرِ الرَّاعِي إليها، فما غابَ عن نظرِه أو نامَ عنه فليس بُمحْرَزٍ، لأن الرَّاعِيَةَ إنما تُحْرَزُ بالرَّاعِي ونظرِه، وأما السائرةُ فإنْ كان معها من يسوقُها فَحِرْزُها بنظرِه إليها، سواء كانت مقطَّرَةً أو غيرَ مُقَطَّرَةٍ، فما كان منها بحيثُ لا يراه فليس بمُحْرَزٍ، وإن كان معها قائدٌ فحِرْزُها أن يُكْثِرَ الالتفاتَ إليها والمُداعاةَ لها، وتكونُ بحيثُ يراها إذا التفتَ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يُحْرِزُ القائدُ إلا التي زمامُها بيدِه، ولنا أن العادةَ في حِفْظِ الإبلِ المقطَّرِة بمُراعاتِها بالالتفاتِ وإمْساكِ زمامِ الأولِ.

غيره ويأخذُ منه.
ويُشترَطُ أن يكون المسروقُ مالاً مُحترَماً، فلا قَطْعَ بسرقةِ آلةِ لَهْوٍ ولا مُحرَّمٍ كالخمرِ.
ويُشترَطُ أن يكونَ نِصَاباً، وهو ثلاثةُ دراهمَ، أو ربعُ دينارٍ، أو عَرْضُ قيمتُهُ كأحدهِما، وإذا نَقَصَتْ قيمةُ المسروقِ أو مَلَكهَا السارقُ لم يَسقُطِ القطعُ، وتعتبرُ قيمتُها وقتَ إخراجِها من الحِرْزِ، فلو ذَبَحَ فيه كَبْشاً أو شَقَّ فيه ثوباً فنَقَصَتْ قيمتُه عن نِصَابٍ ثم أخرجَه أو تَلِفَ فيه المالُ لم يُقْطَعْ.
وأن يُخْرِجَه من الحِرْزِ، فإن سَرَقَهُ من غيرِ حِرْزٍ فلا قَطْعَ، وحِرْزُ المالِ ما العادةُ حِفْظُه فيه، ويَخْتَلِفُ باختلافِ الأموالِ والبُلدانِ وعَدْلِ السلطانِ وجَوْرِه، وقُوَّتِه وضَعْفِه، فَحِرْزُ الأموالِ والجواهرِ والقماشِ في الدُّورِ والدكاكينِ والعمران وراءَ الأبوابِ والأَغْلاقِ الوثيقةِ، وحِرْزُ البَقْلِ وقُدُورِ البَاقِلاَّءِ ونحوهما وراءَ الشَّرائِج، إذا كان في السوقِ حارسٌ، وحِرْزُ الحَطَبِ والخَشَبِ الحظائرُ، وحِرْزُ المواشي الصِّيرُ، وحِرْزُها في المَرْعَى الرَّاعي، ونظرِه إليها غالباً.
وأن تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ، فلا يُقْطَعُ بالسرقِةِ من مالِ أبيه وإن عَلا، ولا من مالِ ولدِه إن سَفَلَ، والأبُ والأمُّ في هذا سواء، ويُقْطَعُ الأخُ وكلُّ قريبٍ بسرقةِ مالِ قريبِه، ولا يُقْطَعُ أحدٌ من الزوجينِ بسرقتِه مالَ من الآخرَ، ولو كان مُحْرَزَاً عنه، وإذا سَرَقَ عبدٌ من مال سيِّده، أو سيِّدٌ من مال مُكاتَبِهِ، أو حرٌ مسلمٌ من بيتِ المالِ، أو من غينمةٍ لم تُخَمَّسْ، أو فقيرٌ من غَلَّةِ وَقْفٍ على الفقراءِ، أو شخصٌ من مالٍ فيه شركةٌ له، أو لأحدٍ ممن لا يُقْطَعُ بالسرقةِ منه لم يُقْطَعْ، ولا يُقطَعُ إلا بشهادةِ عَدْلَيْنِ أو إقرارٍ مرتينِ، ولا ينزعُ عن إقرارِه حتى  ..................................

يُقْطَعَ، وأن يُطالِبَ المسروقُ منه بمالِه.
وإذا وجب القطعُ قُطعتْ يدُه اليُمنَى من مفصلِ الكَفِّ وحُسِمَتْ.
ومن سرقَ شيئاً من غيرِ حِرْزٍ ثَمَراً كانَ أو كُثَراً أو غيرَهما أُضْعِفَتْ عليه القيمةُ ولا قَطْعَ.
قوله: "وأن يطالب المسروقُ منه بمالِه"، قال في الاختيارات: ولا يُشتَرطُ في القَطْعِ بالسرقةِ مطالبةُ المسروقِ منه بمالِه، وهو روايةٌ عن أحمد اختارها أبو بكر، ومذهب مالك كإقرارِه بالزِّنَى بأَمَةِ غيرِه، ومن سَرَق ثَمَراً أو ماشيةً من غيرِ حِرْزٍ أُضعفَتْ عليه القيمةُ، وهو مذهبُ أحمد وكذا غيرها، وهو روايةٌ عنه، واللِّصُّ الذي غَرَضُه سرقةُ أموالِ الناسِ، ولا غَرَضَ له في شخصٍ مُعَيَّنٍ فإنَّ قَطْعَ يَدِه واجبٌ، ولو عفا عنه ربُّ المالِ ا. هـ.

بابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ

وهم الذين يَعْرِضُونَ للناسِ بالسِّلاحِ في الصَّحْراءِ أو البُنيانِ فَيَغْصِبُونهَم المالَ مُجَاهَرَةً لا سَرِقَةً.
فَمَنْ منهم قَتَلَ مُكافِئاً أو غيرَه، كالولدِ والعبدِ والذِّمي، وأَخَذَ المالَ قُتِلَ ثم صُلِبَ حتى يَشْتَهِرَ.
وإن قَتَلَ ولم يَأْخُذِ المالَ قُتِلَ ولم يُصْلَبْ.
قال في الاختيارات: والمُحَارَبُونَ حُكْمُهم في المِصْرِ والصَّحْراءِ واحدٌ، وهو قولُ مالكٍ في المشهورِ عنه والشافعيِّ وأكثرِ أصحابِنا، قال القاضي: المذهبُ على ما قال أبو بكر في عدمِ التَّفْرقةِ، ولا نصَّ في الخلاف، بل هم في البُنيانِ أحقُّ بالعقوبةِ منهم في الصحراءِ الجرداء، كالمُباشَرَةِ في الحِرَابَةِ وهو مذهبُ أحمد، وكذا في السرقةِ، والمرأةُ التي تُحضِرُ النساءَ للقتلِ تُقتَلُ انتهى.
قال في الاختيارات: ويَلزمُ الدفعُ عن مالِ الغيرِ سواء كان المدفوعُ من أهل مكةَ أو غيرهم، وقال أبو العباس في جندٍ قاتلوا عَرَباً نهبوا أموال تجارٍ ليردُّوها إليهم: فهم مجاهدونَ في سبيلِ الله ولا ضَمانَ عليهم بقَوَدٍ ولا دِيَةٍ إذا كان تعزيراً على ما مَضَى من فِعْلٍ أو تَرْكٍ، فإن كان تعزيراً لأجل تَرْكِ ما هو فاعلٌ له، فهو بمنزلةِ قَتْلِ المرتَدِّ والحَرْبي وقتالِ الباغِي والعَادِي، وهذا تعزيرٌ ليس يُقَدَّرُ بل ينتهي إلى القتلِ كما في الصَّائلِ لأخذِ المالِ يجوزُ أن يُمْنَعَ عن الأخْذِ ولو بالقَتْلِ، وعلى هذا فإذا كان المقصودُ دفعَ الفساد -ولم يندفعْ إلاَّ بالقتل- قُتِلَ، وحينئذٍ فمن تكرَّرَ منه فعلُ الفسادِ ولم يَرْتَدِعْ بالحُدودِ المقدَّرةِ، بل استمرَّ على ذلك الفسادِ، فهو كالصَّائِلِ الذي لا يَنْدَفِعُ إلا بالقَتْلِ فَيُقْتَلُ ا. هـ.

وإن جَنَوا بما يُوجِبُ قَوَداً في الطَّرَفِ تَحَتَّم استيفاؤُه.
وإن أَخَذَ كلُّ واحد من المالِ قَدْرَ ما يُقْطَعُ بأخذِه السارقُ ولم يَقْتُلُوا قُطعَ من كلِّ واحدٍ يدُه اليمنى ورِجْلُه اليُسرَى في مقامٍ واحدٍ وحُسِمَتَا ثم خُلِّيَ.
فإن لم يُصيبُوا نَفْساً ولا مَالاً يبلغُ نصابَ السرقةِ نُفُوا: بأن يُشَرَّدُوا فلا يُتركونَ يَأْوون إلى بلدٍ.
ومن تابَ منهم قَبْلَ أن يُقْدَرَ عليه سَقَطَ عنه ما كان للهِ من نَفْيٍ وقَطْعٍ وصَلْبٍ وتَحَتُّمِ قتلٍ، وأُخِذَ بما للآدميينَ من نَفْسٍ وطَرَفٍ ومَالٍ، إلا أن يُعْفَى له عنها.
ومن صالَ على نفسِه أو حُرمتِه أو مالِه آدميٌ أو بهيمةٌ، فله الدَّفْعُ عن ذلك بأسهلِ ما يَغلبُ على ظنِّهِ دفعُه به، فإن لم يَندفعْ إلا بالقتلِ فله ذلك ولا ضَمانَ عليه، وإن قُتِلَ فهو شهيدٌ، ويلزمُهُ الدفعُ عن نفسِه وحُرمتِه دون مالِه، ومن دخلَ مَنْزِلَهُ رجلٌ مُتَلَصِّصٌ فحكمُه كذلك.
..................................

باب قتال أهل البغي

إذا خرجَ قومٌ لهم شَوكةٌ ومَنَعةٌ على الإمامِ بتأويلٍ سائغٍ فَهُمْ بغاةٌ، وعليه أن يُراسِلَهم فيسألَهم ما يَنْقِمُونَ منه؟ فإن ذَكَروا مَظْلمةً أزالَها، وإن ادَّعَوا شُبهةً كَشَفَها، فإن فاءُوا، وإلا قاتلَهم.
قال في الاختيارات: والأفضلُ تركُ قتالِ أهل البَغْي حتى يَبْدَأ الإمامَ، وقاله مالك، وله قتلُ الخوارجِ ابتداءً ومتممة تخريجهم، وجمهورُ العلماء يُفرِّقونَ بين الخوارجِ والبُغاةِ والمتأولينَ، وهو المعروفُ عن الصحابةِ، وأكثر المُصنِّفِينَ لقتالِ أهلِ البَغْي يَرَى القتالَ من ناحيةِ عليٍّ، ومنهم من يَرَى الإمساكَ، وهو المشهورُ من قولِ أهلِ المدينةِ وأهلِ الحديثِ مع رؤيتِهم لقتالِ من خرجَ عن الشريعةِ كالحَرُورِيَّةِ ونحوهم وأنه يجبُ، والأخبارُ تُوافِقُ هذا، فاتَّبعوا النصَّ الصحيحَ والقياسَ المستقيمَ وعليٌّ كان أقربَ إلى الصوابِ من مُعاويةَ.
ومن استحلَّ أذى مَنْ أَمَرُه ونَهَاهُ بتأويلٍ فكالمُبْتَدِعِ ونحوه يسقطُ بتوبتِه حقُّ اللهِ تعالى وحقُّ العبدِ، واحتجَّ أبو العباسِ لذلك بما أتلفَه البُغَاةُ، لأنه من الجِهادِ الذي يجبُ الأجرُ فيه على الله تعالى، وقتالُ التَّتَارِ ولو كانوا مسلمينَ، هو قتالُ الصدِّيقِ - رضي الله عنه - مانِعي الزكاةِ ويأخذُ أموالَهم وذُرِّيتَهم، وكذا المقفز إليهم ولو ادَّعَى إكراهاً.
=

وإن اقتتلتْ طائفتانِ لعصبيةٍ أو رياسةٍ فهما ظالمتانِ وتَضْمَنُ كلُّ واحدةٍ ما أَتْلفتْ على الأُخرى.
= ومن أَجْهزَ على جريحٍ لم يأْثَمْ ولو تَشَهَّدَ، ومن أخذَ شيئاً منهم خُمِّسَ وبقيتُه له، والرافضةُ الجبليةُ يجوزُ أخذُ أموالِهم، وسَبْيُ حَريمِهمْ يُخرَّجُ على تكفيرِهم.
قال أصحابُنا: وإذا اقتتلتْ طائفتانِ لعصبيةٍ أو رياسةٍ فهما ظالمتانِ ضامنتانِ، فأوجَبُوا الضَّمانَ على مجموعِ الطائفةِ، وإن لم يُعلَمْ عينُ المتلِفِ، وإن تَقابَلا تقاصَّا لأنَّ المباشِرَ والمُعينَ سواءٌ عند الجمهور، وإنْ جُهلَ قَدرُ ما نَهبَهَ كلُّ طائفةٍ من الأُخْرَى تَساويَا، كمن جَهِلَ قدرَ الحرامِ المُخْتَلِطِ بمالِه، فإنه يخرج النِّصف والباقي له.
ومن دخلَ لصُلْحٍ فقُتلَ فجُهِلَ قاتلُه ضَمِنَه الطائفتانِ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ كلَّ طائفةٍ ممتنعةٍ عن شريعةٍ متواترةٍ من شرائعِ الإسلامِ، فإنه يجبُ قتالُها حتى يكونَ الدِّينُ كلُّه لله كالمُحَارَبِينَ وأولى، انتهى والله أعلم.

بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ

وهو الذي يكفرُ بعد إسلامِه، فمن أشركَ باللهِ أو جَحَدَ رُبوبيتَه أو وَحْدانيتَه أو صِفَةً من صفاتِه، أو اتَّخذَ للهِ صاحبةً أو ولداً، أو جَحَدَ بعضَ كُتبِه أو رُسلِه، أو سبَّ اللهَ أو رسولَه فقد كَفَرَ، ومن جحدَ تحريمَ الزِّنا أو شيئاً من المُحرَّماتِ الظاهرةِ المُجمَعِ عليها بجهلٍ عُرِّفَ ذلك، وإن كان مثلُه لا يجهلُه كَفَر.

فصل

فمن ارتدَّ عن الإسلامِ وهو مُكلَّفٌ مُختارٌ، رجلٌ أو امرأةٌ، دُعِيَ إليه ثلاثةَ أيامٍ وضُيِّقَ عليه، فإن لم يُسلِمْ قُتِلَ بالسيفِ.
ولا تُقبلُ توبةُ من سَبَّ اللهَ أو رسولَه، ولا من تَكَرَّرتْ رِدَّتُه، بل يُقتَلُ بكلِّ حالٍ.
قال في الاختيارات: والمُرتَدُّ من أشركَ بالله تعالى أو كان مُبْغِضاً للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ولِمَا جاءَ به أو تَرَكَ إنكارَ مُنْكِرٍ بقلبه أو تَوَهَّمَ أن أحداً من الصحابةِ أو التابعينَ أو تابعيهم قاتلَ مع الكفارِ أو أجازَ ذلك أو أنكر مُجْمَعاً عليه إجماعاً قطعياً، أو جَعَلَ بينه وبين اللهِ وسائطَ يتوكَّلُ عليهم ويَدعوهُم ويَسألُهم، ومن شكَّ في صِفَةٍ من صِفَاتِ اللهِ ومثلُه لا يجهلُها فمرتَدٌّ، وإن كان مثلُه يجهلُها فليس بمرتَدٍّ، ولهذا لم يُكَفِّرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الرجلَ الشاكَّ في قُدرةِ الله وإعادتِه، لأنه لا يكونُ إلا بعد الرسالةِ، ومنه قولُ عائشةَ رضي الله عنها: مهما يَكْتُمِ الناسُ يَعْلَمْه اللهُ نعم.
اهـ. قوله: "ولا تُقبَلُ توبةُ من سبَّ اللهَ أو رسولَهُ... " إلى آخره، قال في المقنع: وهل تُقبَلُ توبةُ الزِّنْديقِ ومن تكرَّرتْ رِدَّتُه أو من سَبَّ اللهَ تعالى أو رسولَه =

وتوبةُ المُرتَدِّ وكلِّ كافرٍ إسلامُه بأن يشهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، ومن كان كُفْرُهُ بجَحْدِ فرضٍ ونحوه، فتوبتُه مع الشهادتَيْنِ إقرارُه بالمَجْحودِ به، أو قولُه: أنا بريءٌ من كل دِينٍ يخالفُ دِينَ الإسلامِ.
= والساحر؟ على روايتين، إحداهما: لا تُقْبَلُ توبتُه بكلِّ حالٍ، والأُخرى: تُقبَلُ توبتُه كغيرِه ا. هـ. قال في الاختيارات: وإذا أَسْلمَ المُرتَدُّ عُصِمَ دمُه ومالُه، وإن لم يَحْكُمْ بصحةِ إسلامهِ حاكمٌ باتفاقِ الأئمةِ، بل مذهبُ الإمامِ أحمدَ المشهورُ عنه، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي: إنه من شُهِدَ عليه بالرِّدَةِ فأَنكرَ حُكِمَ بإسلامِه ولا يَحتاجُ أن يُقِرَّ بما شُهِدَ عليه به، وقد بَيَّن اللهُ تعالى أنه يتوبُ عن أئمةِ الكُفْرِ الذين هم أعظمُ من أئمةِ البِدَع، إلى أن قال: ولا يضمنُ المرتَدُّ ما أتلفَه بدارِ الحَرْبِ أو في جماعةٍ مُرتدَّةٍ مُمتنَعةٍ، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارها الخلاَّلُ وصاحبُه، والتنجيمُ كالاستدلالِ بأحوالِ الفَلَكِ على الحوادِثِ الأَرْضيَّةِ هو من السِّحْرِ ويَحْرُمُ إجماعاً ا. هـ.

جارٍ التحميل