كلمات السداد على متن الزادكتاب القضاء

وهو فَرْضُ كفايةٍ، يلزمُ الإمامُ أن يُنصِّبَ في كلِّ إقليمٍ قاضياً، ويختارُ أفضلَ من يَجِدُهُ عِلْماً ووَرَعاً، ويأمرُه بتقوى الله، وأن يتحرَّى العَدْلَ، ويجتهدَ في إقامتِه، فيقول ولَّيْتُكَ الحُكْمَ، أو قلَّدتُكَ، ويكاتبُه في البُعْدِ.
وتُفيدُ ولايةُ الحكمِ العامَّةِ الفَصْلَ بين الخُصومِ، وأَخْذَ الحَقِّ لبعضِهم من بعضٍ، والنَّظَرَ في أموالِ غير المُرشِدينَ، والحَجْرَ على من يستوجبُهِ لِسَفَهٍ أو فَلَسٍ، والنَّظَر في وقوفِ عَمَلِه ليعملَ بشروطِها، وتنفيذَ الوصايا، وتزويجَ من لا وليَّ لها، وإقامةَ الحُدودِ، وإمامةَ الجُمعةِ والعِيدِ، والنَّظَرَ في مصالحِ عَمَلِه بكفِّ الأَذَى عن الطُّرقاتِ وأَفْنيتِها ونحوه، ويجوزُ أن يولَّى عموم النظر في عموم العمل، وأن يُولَّى خاصاً فيهما أو في أحدهما.
ويُشْتَرَطُ في القاضي عشرُ صفاتٍ: كونُه بالغاً، عاقلاً ذكراً، حُرّاً، مسلماً، عَدْلاً، سميعاً، بصيراً، متكلِّماً، مُجتهِداً ولو في مذهبه.
وإذا حكَّمَ اثنانِ بينهما رَجْلاً يصلحُ للقضاءِ نَفَذَ حكمُه في المالِ والحُدودِ واللِّعانِ وغيرِها.
قال في الاختيارات: والواجبُ اتخاذُ وِلايةِ القضاءِ دِيناً وقُرْبَةً، فإنها من أفضل القُرُباتِ، وإنما فَسَدَ حالُ الأكثرِ لِطَلَبِ الرياسةِ والمالِ بها، ومن فَعَلَ ما يمكنُه لم يَلْزَمْه ما يَعجزُ عنه، والوِلايةُ لها رُكنانِ: القُوَّةُ والأمانةُ، فالقوةُ في الحُكْمِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ بالعَدْلِ وتنفيذِ الحُكْمِ، والأمانةُ تَرْجِعُ إلى خَشْيةِ الله تعالى.
ويشترطُ في القاضِي أن يكونَ وَرِعاً، والحاكم فيه صفاتٌ ثلاثٌ، فمن جِهةِ الإِثباتِ هو شاهدٌ، ومن جهةِ الأمْرِ والنَّهيِ هو مُفْتٍ، ومن جِهَةِ الإلزامِ بذلك هو =

..................................  = ذو سُلطانٍ، وأقلُّ ما يشترَطُ فيه صفاتُ الشاهدِ، لأنه لابدَّ أن يَحْكُمَ بعَدْلٍ، ولا يجوزُ الاستفتاءُ إلا ممن يُفْتِي بعِلْمٍ وعَدْلٍ، وشروطُ القضاءِ تُعْتَبَرُ حسبَ الإمكانِ، ويجبُ توليةُ الأمثلِ فالأمثلِ، وعلى هذا يدلُّ كلامُ أحمد وغيرِه فيولَّى لعَدَمٍ أنفعُ الفاسقَيْنَ وأقلُّهما شراً، وأعدلُ المُقلِّدين وأعرفُهما بالتقليدِ.
وإن كان أحدُهما أعلمَ والآخرُ أورعَ قُدِّمَ فيما قد يَظْهَرُ حُكْمُه ويخاف النهي فيه الأورعُ وفيما يَندْرُ حكمُه ويُخاف فيه الاشتباهُ الأَعْلمُ -إلى أن قال-: والوَكالةُ يصح قبولُها على الفورِ والتَّراخي بالقولِ والفعلِ، والوِلايةُ نوعٌ منها وتَثبتُ ولايةُ القضاءِ بالأخبارِ، وقصةُ ولايةِ عمرَ بنِ عبد العزيزِ هكذا كانَتْ، وولايةُ القاضي يجوزُ تَبْعيضُها، ولا يجبُ أن يكونَ عالماً بما في ولايتِه، فإن منصبَ الاجتهادِ ينقسمُ، حتى لو ولاَّهُ في المَواريثِ لم يجبْ أن يعرفَ إلا الفرائضَ والوَصَايا وما يتعلَّق بذلك، وإن ولاَّه عَقْدَ الأَنكحةِ وفَسْخَها لم يجبْ أن يعرفَ إلا ذلك، وعلى هذا فقُضاةُ الأطرافِ يجوزُ أن لا يقضيَ في الأمورِ الكِبَارِ والدِّمَاءِ والقضايا المُشْكِلَةِ، وعلى هذا فلو قال: اِقْضِ فيما تَعْلَمُ كما يقول: إفْتِ فيما تَعْلَمُ جازَ، ويبقَى ما لا يَعْلَمُ خارجاً عن وِلايتِه كما يقولُ في الحاكِمِ الذي يَنْزِلُ على حُكمهِ الكفَّارُ، وفي الحاكمِ في جزاءِ الصَّيْدِ انتهى مُلخَّصاً.
قال في الاختيارات: ومن فَعَلَ ما يمكنُه لم يلزَمْه ما يعجزُ عنه، وما يستفيدُه المُتولِّي بالولايةِ لا حدَّ له شَرْعاً بل يُتَلَقَّى من اللفظِ والأحوالِ والعُرْفِ، وأجمع العلماءُ على تحريمِ الحُكْمِ والفُتْيا بالهَوَى، وبقولٍ أو وجهٍ من غيرِ نظرٍ في الترجيحِ، ويجبُ العملُ بموجِبِ اعتقادِه فيما له وعليه إجماع، وليس للحاكمِ وغيرِه أن يبتدئ الناس بقَهْرِهِم على تَرْكِ ما يسوغُ وإلزامِهِمْ برأيهِ اتِّفاقاً، ولو جاز هذا فجاز لغيرِه مثلُه وأَفْضَى إلى التفرُّقِ والاختلافِ، وفي لُزومِ التَّمذْهبِ بمذهبٍ وامتناعِ الانتقالِ =

..................................  = إلى غيرِه وجهانِ في مذهبِ أحمدَ وغيرِه، وفي القول بلزومِ طاعةِ غيرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كل أَمْرِه ونَهْيِهِ، وهو خلافُ الإجماعِ وجوازه فيه ما فيه، ومن أَوْجَبَ تقليدَ إمامٍ بعينهِ استُتيبَ، فإن تابَ وإلا قُتِلَ، وإن قال: ينبغي، كان جاهلاً ضالاً، ومن كان مُتَّبِعاً لإمامٍ فخالفَه في بعضِ المسائلِ لقُوَّةِ الدليلِ أو لكونِ أحدِهما أعلمَ وأَتْقَى فقد أَحْسَنَ، وقال أبو العباس في موضعٍ آخر: بل يجبُ عليه، وأن أحمد نصَّ عليه ولم يَقْدَحْ ذلك في عَدالتِه بلا نزاعٍ ا. هـ مُلَخَّصاً.
قال في الاختيارات: قال في المحرَّر وغيره: ويُشْترَطُ في القاضي عَشْرُ صفاتٍ قال أبو العباس: هذا الكلامُ إنما اشتُرطَتْ هذه الصفاتُ فيمن يُولَّى لا فيمن يحكِّمه الخَصْمانِ، وذكر القاضي أن الأعمى لا يجوزُ قضاؤُه، وذكرُه محلُّ وِفاقٍ، وعلى أنه لا يمتنعُ أن يقولَ إذا تَحاكَما إليه ورَضِيَا به جازَ حُكْمُه.
قال أبو العباس: هذا الوجهُ قياسُ المذهب، كما تجوز شهادةُ الأعمى إذ لا يُعْوِزُه إلا معرفةُ عينِ الخَصْمِ، ولا يَحتاجُ إلى ذلك، بل يَقْضِي على موصوفٍ كما قَضَى داودُ بين المَلَكَيْنِ، ويتوجَّه أن يصحَّ مطلقاً، ويُعرَّف بأعيانِ الشهودِ والخصومِ، كما يُعرَّف بمعاني كلامِهم في التَّرْجمةِ، إذ معرفةُ كلامِه وعَيْنِه سواء، وكما يجوز أن يَقْضِيَ على غائبٍ باسمِه ونَسَبِه، وأصحابُنا قاسُوا شهادةَ الأعمَى على الشهادةِ على الغائبِ والمَيِّتِ، وأكثرُ ما في المَوْضِعينِ عنه الروايةُ، والحُكْمُ لا يفتقرُ إلى الرُّؤْيةِ، بل هذا في الحاكمِ أوسعُ منه في الشاهِدِ بدليلِ التَّرجمةِ والتعريفِ بالحكمِ دونَ الشهادةِ، وما بِه يَحْكُمُ أوسعُ مما به يَشْهَدُ، ولا تشتَرط الحريةُ في الحاكم، واختاره أبو الخطاب وابنُ عَقيل.
وقال أيضا: وأكثرُ من يُميِّزُ في العِلْمِ من المتوسطينَ إذا نَظَرَ وتَأمَّلَ أدلَّةَ الفَريقَينِ بقَصْدٍ حَسَنٍ ونظرٍ تامٍّ ترجَّحَ عنده أحدُهما، لكن قد لا يَثِقُ بِنَظَرِه بل يَحْتمِل أن عنده ما لا يَعرفُ جوابَه، فالواجبُ على مثلِ هذا موافقتُه للقول الذي ترجَّحَ عنده بلا دعوى منه للاجتهاد، كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة، إذا ترجح عنده.
أحدُهما قَلَّدَه، والدليلُ الخاصُّ الذي يُرجِّحُ به قولاً على قولٍ أولى بالاتباع من دليل عام =

باب آداب القاضي

ينبغي أن يكون قويا من غير عُنْفٍ، ليِّناً من غير ضَعْفٍ، حليماً ذا أناة وفِطْنةٍ ولْيَكُنْ مَجلسُه وسط البلدِ فسيحاً، ويعدِلُ بين الخَصْمَيْنِ في لَحْظِهِ ولَفْظِهِ ومَجْلِسِه ودُخولِهما عليه، وينبغي أن يَحضُرَ مجلسَه فقهاءُ المذاهبِ ويشاورُهم فيما يُشكِلُ عليه، ويَحْرُمُ القَضَاءُ وهو غَضْبانُ كثيراً أو حاقنٌ أو في شدِّةِ جُوعٍ أو عَطَشٍ، أو همٍّ أو مَلَلٍ، أو كَسَلٍ أو نُعَاسٍ، أو بَرْدٍ مُؤلمٍ، أو حَرٍّ مُزْعِجٍ، وإن خالف فأصابَ الحقَّ نَفَذَ، ويَحْرُمُ قَبُولُهُ رِشْوةً وكذا هَدِيَّةٍ إلا ممن كان يُهاديهِ قبل وِلايتِه إذا لم تكن له حُكومةٌ، ويُستحَبُّ ألا يحكمَ إلا بحضرةِ الشُّهودِ، ولا ينفذ حكمُه لنفسِه، ولا لمن لا تُقبَلُ شهادتُه له.
ومن ادَّعَى على غيرِ بَرْزَةٍ لم تَحْضُرْ وأمرتْ بالتوكيلِ، وإن لزمَها يمينٌ أرسلَ من يُحلِّفُها، وكذا المريضُ.
= على أن أحدهما أعلم وأدين، وعلم الناس بترجيح قول على قول أيسرُ من عِلْمِ أَحدِهم بأن أحدَهما أعلمُ وأدينُ، لأن الحقَّ واحدٌ ولابدَّ، ويجب أن يُنصِّبَ على الحُكم دليلاً، وأدلَّةُ الأحكامِ من الكتابِ والسنَّةِ والإجماعِ، وما تَكَلَّمَ الصحابةُ والعلماء به إلى اليوم بقَصْدٍ حسنٍ بخلافِ الإماميَّة 1، وقال أبوالعباس: الفقيه الذي سَمِعَ اختلافَ العلماءِ، وأدلَّتهم في الجُملة عنده ما يَعرفُ به رُجْحانَ القولِ، انتهى.
قال في الاختيارات: والقُضَاةُ ثلاثة من يصلُحُ ومن لا يَصلُحُ والمجهولُ فلا يَرُدُّ من أحكامِ من يصلُح إلا ما عُلِمَ أنه باطِلٌ ولا ينفذ من أحكامِ من لا يصلُح إلا ما عُلِمَ أنه حقٌ، واختار صاحبُ المغني وغيرُه إن كان توليتُه ابتداءً، وأما المجهولُ فيُنْظَرُ فيمن ولاَّه، وإن كان يولِّي هذا تارةً وهذا تارة نفذ ما كان حقاً وردَّ الباطلَ والباقي موقوف.
=

..................................  = وقال أيضاً: قال أصحابُنا ولا يَنْقُضُ الحاكمُ حُكْمَ نفسِه ولا غيرِه إلا أن يخالفَ نصّاً أو إجماعاً، قال أبو العباس: يفرق في هذا بما إذا استوفَى المحكومُ له الحقَّ الذي ثَبَتَ له من مالٍ أو لم يَسْتَوفِ فإن استوفَى فلا كلام، وإن لم يَسْتَوفِ، فالذي ينبغي نقضُ حُكْمِ نفسِه والإشارةُ على غيرِه بالنَّقْضِ، وليس للإنسانِ أن يعتقدَ أحدَ القولَيْنِ في مسائلِ النِّزاعِ فيما له، والقولُ الآخَر فيما عليه باتِّفاقِ المسلمينَ، كما يعتقدُ أنه إذا كان جاراً استحقَّ شُفعةَ الجِوَارِ وإذا كان مُشترياً لم يَجبُ عليه شُفْعَةُ الجِوَارِ ا. هـ. قال في الاختيارات: وإن أمكنَ القاضي أن يُرسلَ إلى الغائبِ رسولاً ويَكْتُبَ إليه الكتابَ والدَّعْوَى ويُجَابَ عن الدَّعْوَى بالكتابِ والرسولِ، فهذا هو الذي ينبغي كما فَعَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بمُكَاتَبَةِ اليهود لما ادَّعَى الأنصارُ عليهم قَتْلَ صاحِبهم، وكاتَبَهُمْ ولم يَحْضُروه، وهكذا ينبغي أن يكونَ في كلِّ غائبٍ طُلِبَ إقرارُه أو إنكارُه إذا لم يُقِمِ الطالبُ بَيِّنةً، وإن أقامَ بَيِّنةً فمن الممكنِ أيضاً أن يُقال: إذا كان الخَصْمُ في البلدِ لم يجبْ عليه حضورُ مجلس الحاكم، بل يقولُ أرْسِلوا لي من يُعلِمُني بما يَدَّعِي به عليَّ، وإذا كان لابدَّ للقاضي من رسولٍ إلى الخَصْمِ يبلِّغُه الدَّعْوَى بحضورِه فيجوزُ أن يقومَ مقامَهُ رسولٌ، فإنَّ المقصودَ من حُضورِ الخَصْمِ سماعُ الدَّعْوَى وردُّ الجوابِ بإقرارٍ أو إنكارٍ، وهذا نظيرُ ما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ من أن النكاحَ يصحُّ بالمُراسَلةِ، مع أنه في الحُضُورِ لا يجوزُ تَراخِي القَبُولِ عن الإيجابِ تراخياً كثيراً، ففي الدَّعْوَى يجوزُ أن يكون واحداً لأنه نائبُ الحاكم، كما كان أُنَيسٌ نائبَ 1 النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في إقامةِ =

بابُ طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ

إذا حضرَ إليه خَصْمانِ قال: أيُّكما المدَّعِي، فإن سَكَتَ حتى يُبْدأَ جازَ، فمن سبقَ بالدَّعْوَى قَدَّمَه، فإن أقرَّ له حَكَمَ له عليه، وإن أنكرَ قال للمدَّعِي: إن كان لك بينةٌ فأَحْضِرْها إن شئتَ، فإن أحْضَرَها سَمِعَها وحَكَمَ بها، ولا يَحْكُم بعِلْمِه، وإن قال المُدَّعِي: ما لي بَيِّنةٌ، أَعْلَمَهُ الحاكمُ أنَّ له اليَمِينَ على خَصْمِهِ على صِفَةِ جوابِه، فإن سألَ إِحْلافَه أَحْلَفَهُ وخَلَّى سبيله.
ولا يُعْتَدُّ بيمينه قبلَ مسألةِ المُدَّعِي، وإن نَكَلَ قَضَى عليه، فيقول إن حَلَفْتَ وإلا قَضَيْتُ عليك، فإن لم يَحْلِفْ قَضَى عليه، فإن حَلَفَ المُنْكِرُ ثم أَحْضَرَ المُدَّعِي بينةً حَكَمَ بها، ولم تكن اليمينُ مُزيلةً للحقِّ.
= الحَدِّ بعد سَمَاعِ الاعترافِ، أو يُخَرَّجُ على المراسَلَةِ من الحاكمِ إلى الحاكمِ، وفيه روايتان فيُنْظِرُ في قضيتِه خبيراً.
قال أبو العباس: فما وجدتُ إلا واحداً، ثم وجدتُ هذا منصوصاً عن الإمام أحمد في روايةِ أبي طالب فإنه نصَّ فيها على أنه إذا أقام بينةً بالعَيْنِ المُودَعةِ عند رجلٍ سُلِّمتْ إليه وقَضَى على الغائبِ، قال: ومن قال بغير هذا يقولُ له أن ينتظرَ بِقَدرِ ما يَذهبُ الكتابُ ويَجيءُ، فإن جاء وإلا أخذ الغُلامُ المُودَعَ، وكلامُه محتمِل تخييرَ الحاكِمِ بين أن يَقْضِي على الغائبِ وبين أن يكاتبَه في الجواب ا. هـ. قال في المقنع: ولا خلافَ في أنه يجوزُ له الحكمُ بالإقرارِ والبيِّنَةِ في مَجْلسِه إذا سمعَه معه شاهدانِ، فإن لم يَسَمعْهُ معه أحدٌ أو سَمِعَهُ معه شاهدٌ واحدٌ فله الحكمُ به، نصَّ عليه.
=

..................................  = وقال القاضي: لا يحكُم به وليس له الحُكْمُ بعلمِه مما رآه وسَمِعَه، نصَّ عليه، وهو اختيارُ الأصحابِ؛ وعنه ما يدلُّ على جوازِ ذلك، سواء كان في حَدٍّ أو غيرِه اهـ. وقال البخاري: باب من رأى للقاضي أن يَحْكُمَ بِعِلْمِه في أَمْرٍ للناسِ إذا لم يَخَفِ الظُّنونَ والتُّهمةَ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: (خُذي ما يَكْفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ) 1، وذلك إذا كان أمراً مشهوراً ا. هـ. قال في الاختيارات: وإذا كان المُدَّعَى به مما يعلم المدَّعَى عليه فقط مثل أن يَدَّعِيَ الورثةُ أو الوصِيُّ على غريمٍ للميتِ فيزكي قَضَى عليه بالنُّكولِ؛ وإن كان مما يَعْلَمُه المُدَّعِي كالدَّعْوَى على ورثةِ ميتِ حقاً عليه يتعلقُ بِتَركتِه وطلبَ من المدَّعي اليمينَ على الإثباتِ، فإن لم يَحْلِفْ لم يَأْخُذْ، وإن كان كلٌّ منهما يدَّعي العِلْمَ أو طَلَبَ من المطلوبِ اليمينَ على نَفْيِ العِلْمِ فهنا يتوجَّه القولان، والقولُ بالردِّ أرجحُ، وأصلُه أن اليمينَ تُرَدُّ على جهةِ أقوى المُتداعِيَيْنِ المُتَجَاحِدَينِ إلى أن قال: للحاكِمِ أن يُحَلِّفَ المُدَّعي عند الرِّيبَةِ فَعَلَهُ في كلِّ شهادةٍ، وكذلك تغليظُ اليمينِ للحاكمِ أن يفعلَه عند الحاجةِ انتهى.
مُلخَّصاً.
وقال أيضاً: ويجبُ أن يُفرِّقَ بين فِسْقِ المُدَّعَى عليه وعَدالتِه، فليس كلُّ مُدَّعَى عليه يُرْضَى منه باليمينِ، ولا كلُّ مُدَّعٍ يطالَبُ بالبينةِ، فإن المُدَّعَى به إذا كان كبيراً والمطلوبُ لا تُعْلَمُ عدالتُه، فمن استحلَّ أن يَقْتُلَ أو يَسْرِقَ استحلَّ أن يَحْلِفَ، لا سيَّما عند خوفِ القَتْلِ أو القَطْعِ، ويرجحُ باليدِ العُرْفيَّة إذا استويا في الخشيةِ أو عَدَمِها، وإن كانت العَيْنُ بيدِ أحدِهما فمن شاهد الحال معه كان ذلك لَوْثاً فيَحْكمُ له =

فصل

ولا تصحُّ الدَعْوَى إلا مُحرَّرَةً معلومةَ المُدَّعَى به، إلا ما نصحِّحُه مجهولاً كالوصيةِ وعبدٍ من عبيدِه مَهْراً ونحوه.
وإن ادَّعى عَقْدَ نِكَاحٍ أو بيعٍ أو غيرهما فلابدَّ من ذِكْرِ شُروطِه، وإن ادَّعتْ امرأةٌ نِكاحَ رجلٍ لطلبِ نَفَقةٍ أو مَهْرٍ أو نحوهما سُمِعَتْ دعواها، وإن لم تَدَّعِ سوى النكاحِ لم تُقْبَلْ، وإن ادَّعى الإرثَ ذَكَرَ سبَبَهُ.
وتُعتَبرُ عدالةُ البينةِ ظاهراً وباطناً ومن جُهِلَتْ عدالتُه سَأَلَ عنه، وإن عَلِمَ عدالتَه عَمِلَ بها، وإن جَرَحَ الخَصْمُ الشُّهودَ كُلِّفَ البينةَ به، وأُنْظِرَ له ثلاثةَ أيامٍ إن طلبَه، وللمدَّعِي مُلازمتُه، فإن لم يأتِ ببينةٍ حَكَمَ عليه، وإن جَهِلَ حالَ البينةِ طَلَبَ من المُدَّعي تَزْكيتَهم، ويكفي فيها عَدْلانِ يَشْهدانِ بعدالتِه.
ولا يُقْبَلُ في الترجمةِ والتزكيةِ والجَرْحِ والتعريفِ والرسالةِ إلا قولُ عَدْلَينِ.
= بيمينِه ا. هـ. وقال البخاري: "باب من أقام البيِّنةَ بعد اليمين" وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لعلَّ بعضَكم ألحنُ بحُجتِه من بعض) 1، وقال طاووس وإبراهيمُ وشُرَيح: البينةُ العادلةُ أحقُّ من اليمينِ الفَاجِرَةِ.
قال الحافظ: وقد ذهب الجمهورُ إلى قبولِ البينةِ، وقال مالك في المُدَوَّنَةِ إن استحلَفهُ ولا عِلْمَ له بالبينةِ ثم عَلِمَها قُبلتْ وقَضَى له بها، وإن عَلِمَها فتركَها فلا حقَّ له، انتهى.
قلت: وهو الصوابُ، لأنه أسقطَ حقَّ نفسِه ورضي بيمينِ صاحبِه.

ويَحكُمُ على الغائبِ إذا ثبتَ عليه الحقُّ، وإن ادَّعى على حاضرٍ في البلدِ غائب عن مَجْلسِ الحُكم وأُتِي ببينةٍ لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى ولا البَيِّنَةُ.
قال في الاختيارات: ومسألةُ تحريرِ الدعوى وفروعِها ضعيفةٌ لحديثِ الحَضْرَمي في دعواه على الآخر أرضاً غيرَ موصوفةٌ، وإذا قيل لا تُسْمَعُ الدعوى إلا محرَّرَةً فالواجبُ أن من ادَّعَى مُجْمِلاً استفصَلَهُ الحاكمُ، وظاهرُ كلامِ أبي العباس صحةُ الدَّعْوَى على المُبْهَم، كدعوى الأنصارِ قَتْلَ صاحبِهم، ودعوى المسروقِ منه على بني أُبَيرِق وغيرهم، ثم المُبْهَمُ قد يكون مُطْلَقاً وقد يَنْحَصِر في قومٍ كقولها: أَنْكِحْني أَحدَهُما وزوِّجْنِي أَحدَهُما، والثبوتُ المَحْضُ يصح بلا مُدَّعَى عليه، وقد ذكره قومٌ من الفقهاء وفَعَلَه طائفةٌ من القُضاةِ وسُمعت الدَّعْوَى في الوكالةِ من غَير حُضورِ الخَصْمِ المُدَّعَى عليه.
ونقلَه مُهنَّا عن أحمد، ولو كان الخَصْمُ في البلدِ، وتسمع دَعْوَى الاستيلادِ، وقاله أصحابُنا وفسَّره القاضي بأن يَدَّعَيَ استيلادَ أَمَةٍ فَتُنْكِرَه، وقال أبو العباس: بل هي المُدَّعِيةَ، ومن ادَّعَى على خَصْمِه أن بيدِه عقاراً استغلَّه مُدَّةً معيَّنةً وعيَّنَه، وإن استحقَّه فأنكرَ المُدَّعَى عليه، وأقام المُدَّعِي بيِّنةً باستيلائِه لا باستحقاقِه لزم الحاكمَ إثباتُه والشهادةُ به، كما يلزم البينة أن تَشْهَد به، لأنه كفرعٍ من أصلٍ وما لزم أصلاً الشهادةُ به لزم فرعُه حيثُ يُقْبَلُ، ولو لم تَلْزَم إعانَةُ مدَّعٍ بإثباتِ وشهاداتٍ ونحو ذلك إلا بعد ثُبوتِ استحقاقِه لزمَ الدَّوْرُ بخلافِ الحُكمِ، ثم إنْ أقامَ بينةً بأنه هو المستحِقُّ أَمَرَ بإعطائِه ما ادَّعاه وإلا فهو كمالٌ مجهولٌ يُصْرَفُ في المصالح اهـ. قال في المقنع: ويُعتبرَ في البيِّنةِ العدالةُ ظاهراً وباطناً في اختيار أبي بكر والقاضي، وعنه تُقبل شهادةُ كلِّ مسلمٍ لم تظهرْ منه ريبةٌ اختاره الخِرقي.
=

..................................  = قال في الاختيارات: وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، يقتضي أن يقبلَ في الشهادةِ على حقوقِ الآدميينَ من رَضُوا شهيداً بينهم، ولا يُنْظَرُ إلى عدالتِه كما يكون مقبولاً عليهم فيما ائتمنُوه عليه.
وقوله تعالى في آية الوصيَّةِ والرَجْعةِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: 106]، أي صاحبا عدلٍ.
والعَدْلُ في المقالِ هو الصِّدْقُ والبيانُ الذي هو ضِدُّ الكذبِ والكِتْمانِ كما بيَّنَه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152]. والعَدْلُ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ وطائفةٍ بِحَسَبِها، فيكونُ الشاهدُ في كُلِّ قومٍ من كان ذا عَدْلٍ فيهم، لو كان في غيرِهم لكان عَدْلُه على وجهٍ آخر، وبهذا يمكنُ الحُكْمُ بين الناسِ وإلا فلو اعْتُبِرَ في شُهودِ كلِّ طائفةٍ أن لا يَشْهدَ عليهم إلا من يكونُ قائماً بأداءِ الواجباتِ وتَرْكِ المُحرَّماتِ كما كان الصحابةُ لبَطَلَتِ الشهاداتُ كلُّها.
وقال أبو العباس في موضع آخر: إذا فُسِّرَ الفاسقُ في الشهادةِ بالفاجرِ وبالمُتَّهمِ، فينبغي أن يُفَرَّقَ بين حالِ الضَّرورةِ وعَدَمِها، كما قُلنا في الكُفَّار.
وقال أبو العباس في موضع: ويتوجَّه أن تُقبلَ شهادةُ المعروفين بالصِّدْقِ، وإن لم يكونوا مُلْتَزِمينَ للحدودِ عند الضَّرُورةِ مثل الجَيْشِ وحَوادثِ البدو وأهلِ القَرْيةِ الذين لا يُوجَدُ فيهم عَدْلٌ، انتهى.
وقال أيضاً: ويُقْبَلُ في التَّرْجمةِ والجَرحِ والتَّعديلِ والتَّعريفِ والرِّسالةِ قولُ عَدْلٍ واحدٍ، وهو روايةٌ عن أحمد، ويُقْبَلُ الجَرْحُ والتَّعديلُ باستفاضةٍ.
قال في المقنع: وإن ادَّعَى على غائبٍ أو مُستَتِرٍ في البلدِ أو ميِّتٍ أو صَبيٍّ أو مجنونٍ وله بيِّنَةٌ، سَمِعَها الحاكمُ وحَكَمَ بها، وهل يَحْلِفُ المُدَّعِي أنه لم يَبْرَأْ إليه منه =

..................................  = ولا من شيءٍ منه؟ على روايتين، ثم إذا قَدِمَ الغائبُ أو بَلَغَ الصَبِيُّ أو أفاقَ المجنونُ فهو على حُجَّتِه، وإن كان الخَصْمُ في البلد غائباً عن المجلس لم تُسمع البينةُ حتى يحضر، فإن امتنع عن الحضورِ سُمعت البينةُ وحَكَمَ بها في إحدى الروايتين، والأُخْرَى لا تُسمَعُ حتى يَحْضُرَ، فإن أَبَى بَعَثَ إلى صاحب الشُّرطةِ ليُحْضِرَهُ، فإن تَكرَّر منه الاستتارُ أَقْعَدَ على بابه من يُضيِّقُ عليه في دُخولِهِ وخُروجِهِ حتى يُحْضِرَه اهـ. قال في الاختيارات: وإن أمكنَ القاضي أن يُرسِلَ إلى الغائب رسولاً، ويَكْتُبَ إليه الكتابَ والدَّعْوَى، ويُجاب عن الدَّعْوَى بالكتابِ والرسولِ، فهذا هو الذي ينبغي كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمُكاتَبَةِ اليهودِ لما ادَّعى الأنصارُ عليهم قَتْلَ صاحِبِهمْ، وكاتَبَهُمْ ولم يُحْضِرُوه، هكذا يَنبغي أن يكونَ في كُلِّ غائبٍ طُلِبَ إقرارُه أو إنكارُه، إذا لم يُقِمِ الطالبُ بَيِّنَةً، وإن أقامَ بينةً فمن المُمكنِ أيضاً أن يُقال: إذا كان الخَصْمُ في البلدِ لم يَجِبْ عليه حضورُ مَجْلِسِ الحاكمِ، بل يقولُ أرسِلُوا إليَّ من يُعْلِمُنِي بما يدَّعِي به عَلَيَّ، وإذا كان لابدَّ للقاضِي من رسولٍ إلى الخَصْمِ يُبلغُه الدَعْوَى بحضورِه، فيجوزُ أن يقومَ مقامَهُ رسولٌ فإنَّ المقصودَ من حُضورِ الخَصْمِ سماعُ الدَّعْوَى وردُّ الجوابِ بإقرارٍ أو إنكارٍ، وهذا نظيرُ ما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ من أن النكاحَ يصحُّ بالمراسلةِ مع أنه في الحُضُورِ لا يجوزُ تَراخِي القَبُولِ عن الإيجابِ تراخياً كثيراً، ففي الدَّعْوَى يجوزُ أن يكونَ واحداً لأنه نائبُ الحاكمِ، كما كان أُنيَسٌ نائبَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في إقامةِ الحَدِّ بعد سَماعِ الاعترافِ ا. هـ. وقد تقدَّم في أولِ الكتابِ.

باب كتاب القاضي إلى القاضي

يُقْبَلُ كتابُ القَاضِي إلى القَاضِي في كُلِّ حقٍّ حتى القَذْفِ، لا في حُدودِ اللهِ كَحَدِّ الزِّنَا ونحوهِ، ويُقْبَلُ فيما حَكَمَ به ليُنْفِذَهُ وإن كانا في بلدٍ واحدٍ، ولا يُقْبَلُ فيما ثَبَتَ عنده لِيَحْكُمَ به إلا أن يَكونَ بينَهما مسافةُ القَصْرِ.
قال في الاختيارات 1: ويُقْبَلُ كتابُ القاضِي إلى القاضِي في الحُدودِ والقِصَاصِ، وهو قولُ مالكٍ وأبي ثَوْرٍ في الحدود، وقولُ مالكٍ والشافعيِّ وأبي ثَوْرِ، وروايةٌ عن أحمدَ في القِصَاصِ، والمَحْكُومُ إذا كان عَيْنَاً في بلدِ الحاكمِ فإنه يُسْلِمُه إلى المُدَّعِي، ولا حاجةَ إلى كتابٍ، وأما إن كان دَيْناً أو عَيْناً في بلد أخرى، فهنا يقف على الكِتَاب، وهاهنا ثلاث مسائل متداخلات: مسألةُ إحضارِ الخَصْم إذا كان غائباً، ومسألةُ الحكم على الغائب، ومسألة كتاب القاضي إلى القاضي، ولو قيل إنما نَحكُم على الغائب إذا كان المحكومُ به حاضراً -لأن فيه فائدة، وهي تسلُّمُه، وأمَّا إذا كان المحكومُ به غائباً: فينبغي أن يُكاتِبَ الحاكمُ بما يثبتُ عنده من شهادةِ الشهود، حتى يكون الحكمُ في بلد التسليم- لكان متوجهاً، وهل يُقبلُ كتابُ القاضِي [إلى القاضِي] بالثبوتِ أو الحُكْمُ من حاكمٍ غيرِ معيَّن، مثل أن يشهد شاهدان: أن حاكماً نافذَ الحُكْمِ حَكَمَ بكذا وكذا؟ القياس أنه لا يُقْبَل، بخلاف ما إذا كان المكاتِبُ معروفاً، لأن مراسلةَ الحاكم ومكاتَبَتَهُ بمنزلةِ شهادةِ الأصولِ للفروعِ، وهذا لا يُقبل في الحُكْمِ والشهاداتِ، وإن قُبل في الفتاوى والإخبارات.
=

ويجوز أن يكتب إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى كلِّ من يَصِلُ إليه كتابُه من قُضَاةِ المسلمين، ولا يُقبل إلا أن يُشْهِدَ به [القاضي] الكاتبُ شاهِدَيْن يُحضرهما فيقرأه عليهما، ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ثم يدفعُه إليهما.
= وقد ذكر صاحب المحرَّر ما ذكره القاضي [من] أن الخصمين إذا أَقرَّا بحُكمِ حاكمٍ عليهما، خُيِّر الثاني بين الإمضاءِ والاستئناف، لأن ذلك بمنزلةِ قول الخَصْمِ: شَهِدَ [عليَّ] شاهدانِ ذوا عدلِ، فهنا يُقال بالتخييرِ أيضاً، ومن عَرفَ خَطَّه بإقرارٍ أو إنشاءٍ أو عَقْدٍ أو شهادةٍ عَمِلَ به كالميِّتِ، فإنْ حَضَر وأنكرَ مضمونَه فكاعترافه بالصوتِ وإنكارِ مضمونِه، وللحاكم أن يكتب للمُدَّعَى عليه إذا ثبتتْ براءتُه محضراً بذلك إن تضرر بتركه، وللمحكومِ عليه أن يطالِبَ الحاكمَ عليه بتَسْميةِ البيِّنةِ، ليتمكَّنَ من القَدْحِ فيها باتِّفاق اهـ. قوله: "ولا يُقبل إلا أن يُشْهِدَ به القاضي الكاتبُ شاهِدَيْنِ" إلى آخره.
قال ابنُ القيِّم في الهدي على قصَّة الأنصارِ مع يهودِ خَيْبر: وقد تضمَّنَتْ هذه الحكومةُ أموراً، منها الحُكْمُ بالقَسَامَةِ، وأنها من دِينِ الله وشَرْعِه، إلى أن قال: ومنها أن المدعَّى عليه إذا بَعُدَ عن مجلسِ الحُكم كَتَبَ ولم يُشْخِصْه، ومنهاجوازُ العملِ والحُكم بكتاب القاضي وإن لم يشهدْ عليه، ومنها القضاءُ على الغائب انتهى.
وقال الحافظ بن حجر: وفيه التأنيسُ والتسليةُ لأولياء المقتول؛ لا أنه حُكمٌ على الغائبين، لأنه لم يتقدم صورة دَعْوَى على غائب، وإنما وقع الإخبارُ بما وقع فذكر لهم قصةَ الحكم على التقديرين، ومن ثَمَّ كتبَ إلى اليهودِ بعد أن دار =

باب القسمة

لا تجوزُ قِسْمَةُ الأملاك التي لا تَنْقَسِمُ إلا بضررٍ، أو رَدِّ عِوَضٍ إلا بِرِضَا الشُّركاءِ كالدُّورِ الصِّغارِ، والحَمَّامِ والطَّاحُونِ الصَّغيرين، والأرضِ التي لا تتعدَّل بأجزاء، ولا قيمةَ لبناءٍ أو بئرٍ في بعضها، فهذه القِسْمةُ في حُكْمِ البيع، ولا يُجْبَرُ من امتنع من قِسْمَتِها.
وأما ما لا ضررَ ولا ردَّ عِوَضٍ في قِسْمَتِه كالقرية، والبستانِ، والدارِ الكبيرةِ، والأرضِ، والدكاكينِ الواسعةِ، والمكيلِ والموزونِ من جنسٍ واحدٍ كالأدهانِ، والألبانِ ونحوهما، إذا طلبَ الشريكُ قِسْمَتَها أُجبر الآخرُ عليها، وهذه القسمةُ إفرازٌ لا بيعٌ.
= بينهم الكلامُ، ويؤخذ منه أن مجردَ الدعْوَى لا توجبُ إحضارَ المدَّعَى عليه، لأن في إحضارِه مَشْغَلَةً عن أشغالِه وتضييعاً لمالِه من غير مُوجِبٍ ثابتٍ لذلك، أما لو ظَهَرَ ما يُقَوِّي الدَّعْوَى من شُبهةٍ ظاهرةٍ، فهل يسوغ استحضارُ الخصم أو لا؟ محلُّ نَظَرٍ، والراجحُ أن ذلك يَخْتلفُ بالقُرْبِ والبَعْدِ وشدةِ الضَّرَرِ وخِفَّتِهِ، وفيه الاكتفاءُ بالمكاتبةِ وَبِخَبَرِ الواحدِ مع إمكانِ المشافهة اهـ. وقال في الاختيارات في كتاب الإقرار: والتحقيقُ أن يُقالَ: إنَّ المُخبِر إنْ أَخْبَرَ بما على نفسِه، فهو مُقِرٌ، وإنْ أَخبرَ بما على غيرِه لنفسِه، فهو مُدَّعٍ، وإن أخبرَ بما على غيره لغيره، فإنْ كان مُؤْتَمناً عليه، فهو مُخْبِرٌ وإلا فهو شاهد، فالقاضي والوكيلُ والكاتبُ والوصيُّ والمأذونُ له، كلُّ هؤلاء ما أَدَّوهُ مُؤْتَمَنُونَ عليه، فإخبارُهم بعد العَزْلِ ليس إقراراً، وإنما هو خبرٌ مَحْضٌ اهـ.

ويجوز للشركاءِ أن يتقاسَموا بأنفسِهم وبقاسمٍ يُنصِّبونه أو يسألوا الحاكِمَ نَصْبَهُ، وأُجْرَتُهُ على قدرِ الأملاكِ، فإذا اقتسَمُوا أو اقْتَرعُوا لَزِمَتِ القِسْمَةُ، وكيف اقتَرَعُوا جازَ.
قال في الاختيارات 1: وما لا يمكن قِسْمةُ عينِه إذا طَلبَ أحدُ الشركاءِ بَيْعَه بِيْعَ وقُسِمَ ثمنُه، وهذا هو المذهبُ المنصوصُ عن أحمدَ في رواية الميموني، وذكره الأكثرون من الأصحاب، وقد نصَّ أحمدُ على بيعِ الشائعةِ في الوقفِ والاعتياضِ عنها، ومن تأمَّل الضَّرَر الناشيءَ من الاشتراكِ في الأموالِ الموقوفةِ لمْ يخْفَ عليه هذا.
ولو طَلَبَ أحدُ الشريكين الإجارةَ أُجبر الآخر معه، ذكره الأصحابُ في الوقف، ولو طلبَ أحدُهما العُلُوَّ لم يُجَبْ، بل يُكْرَى عليهما على مذهب جماهير العلماء، كأبي حنيفة ومالك وأحمد، وإذا طَلَبَ أحدُ الشركاءِ القسمةَ فيما يُقسم لزم الحاكمَ إجابتُه، ولو لم يَثْبُتْ عنده مِلْكُهُ كبيعِ المرهون والجاني، وكلامُ أحمد في بيع ما لا ينقسمُ وقَسْمُ ثَمنِه عامٌّ فيما يَثْبُتُ عنده أنه مِلْكُه وما لا يَثْبُتُ، وقد نصَّ أحمدُ في روايةِ حَرْبٍ فيمن أقامَ بيِّنةً بسهمٍ من ضيعةٍ بيدِ قومٍ بعداء منه [فهربوا منه] تُقسَمُ عليهم ويُدْفَعُ إليه حَقُّه، فقد أَمَرَ الإمامُ أحمدُ الحاكمَ أن يَقْسِمَ على الغائبِ إذا طَلَبَ الحاضرُ، وإن لم يَثْبُتْ مُلْكُ الغائبِ اهـ ملخصاً.
قال في المقنع: وهذه القسمةُ إفرازُ حَقِّ أحدِهما من الآخرِ في ظاهرِ المذهب وليست بيعاً فتجوزُ قِسْمَةُ الوَقْفِ، وإن كان نصفُ العَقَارِ طلقاً ونصفُه وقفاً جازت قسمتُه، وتجوز قسمةُ الثمارِ خصوصاً، وقسمةُ ما يُكال وزناً وما يُوزَنُ كَيْلاً، والتفرقُ في قِسْمةِ ذلك قبلَ القَبْضِ اهـ. =

باب الدعاوَى والبينات

المُدَّعِي: مَنْ إذا سَكَتَ تُرِكَ، والمُدَّعَى عليه: مَنْ إذا سَكَتَ لم يُتْرَكْ.
ولا تصحُّ الدعوَى والإنكارُ إلا من جائزِ التصرفِ، وإذا تداعَيا عَيْناً بيدِ أحدِهما فهي له مع يمينِه، إلا أن تكونَ له بيِّنةٌ فلا يَحْلِفُ، فإن أقامَ كلُّ واحدٍ بيِّنةً أنها له قُضِيَ للخارجِ ببينتِه، ولَغَتْ بينةُ الداخل.
= قال في الاختيارات 1: وإذا تَهَايأ فلاَّحوا القريةِ الأرضَ، وزرعَ كلُّ واحدٍ منهم حِصَّتَه فالزرعُ له، ولربِّ الأرضِ نصيبُه، إلا أنَّ مَنْ نزلَ من نصيبِ مالِكِه، فله أَخْذُ أُجْرَةِ القصيلة 2 أو مُقَاسَمَتُها، وأجرةُ وكيلِ القِرَى والأمينِ لحفظِ الزرعِ على المالك والفلاحِ، كسائر الأملاكِ، فإذا أخذوا من الفلاح بِقَدرها عليه، أو ما يستحقُّه الضيفُ حَلَّ لهم، وإن لم يأخُذِ الوكيلُ لنفسِه إلا قَدْرَ أُجرةِ عملِه بالمعروف والزيادةُ يأخذُها المُقْطِعُ، فالمُقْطِعُ هو الذي ظَلَم الفلاحين، والوقفُ جائزٌ على جهةٍ واحدةٍ لا تُقْسَمُ عينُه اتِّفاقاً، والله أعلم اهـ. قال في المقنع: ويُعَدِّلُ القاسمُ السِّهامَ بالأجزاءِ إن كانت متساويةً، وبالقيمةِ إن كانت مختلفةً، وبالرَّدِّ إن كانت تقتضيه، وقال أيضاً: فإن ادَّعى بعضُهم غَلَطاً فيما تقاسَموه بأنفسهم وأَشْهَدوا على تراضِيهم به لم يُلْتَفَتْ إليه، وإن كان فيما قَسَمَهُ قاسِمُ الحاكمِ فعلى المدَّعِي البينةُ، وإلا فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه.
قال في المقنع: وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بيِّنةٌ حَكَمَ بها للمُدَّعِي في ظاهر المذهب، وعنه إن شَهِدَتْ بيِّنةُ المدَّعَى عليه أنها له نُتِجَتْ في مِلْكِهِ، أو قَطِيعةٌ مِنَ الإمامِ قُدِّمَتْ بيِّنتُه، وإلا فهي للمُدَّعِي بيِّنَتِه اهـ. =

..................................  = قال في الاختيارات 1: ومَنْ بيدِه عَقَارٌ فادَّعَى رجلٌ بثبوتِه عند الحاكم، أنه كان لجَدِّه إلى موتِه، ثم إلى ورثتِه، ولم يَثْبُتْ أنه مُخَلَّفٌ عن مُوَرِّثِه، لا يُنْزَعُ منه بذلك، لأن أَصْلَيْنِ تعارضا وأسبابُ انتقالِه أكثرُ من الإرْثِ، ولم تَجْرِ العادةُ بسكوتِهم المدَّةَ الطويلةَ، ولو فُتح هذا البابُ لانْتُزِعَ كثيرٌ من عَقَارِ الناسِ بهذا الطريقِ.
وقال أيضاً 2: وإذا تَداعَيا بهيمةً أو فصيلاً فشهدَ القائفُ أن دابَّةَ هذا تُنْتِجُهَا، ينبغي أن يَقضي بهذه الشهادة وتُقَدَّمُ على اليدِ الحسِّيةِ، ويتوجَّه أن يَحْكُمَ بالقِيَافَةِ في الأمور كلِّها كما حكمنا بذلك في الجِذْعِ المَقْلوعِ إذا كان له موضعٌ في الدار، وكما حَكَمْنا في الاشتراك في اليدِ الحِسِّيةِ بما يظهر من اليد العُرفيةِ، فأعطينا كلَّ واحدٍ من الزوجين ما يناسبه في العادة، وكلَّ واحدٍ من الصانِعَيْنِ ما يناسبُه، وكما حكمنا بالوَصْفِ في اللُّقَطَةِ إذا تداعَاها اثنانِ، وهذا نوعُ قِيافةٍ أو شبيه به، وكذلك لو تنازعا غِراساً أو ثمراً في أيديهما، فشَهد أهلُ الخبرة أنه من هذا البستان، ويُرجَعُ إلى أهلِ الخِبْرةِ حيثَ يَستوي المتداعيانِ، كما يُرجَع إلى أهل الخبرة بالنَّسَبِ، وكذلك لو تنازع اثنان لباساً أو نعلاً من لباسِ أحدِهما دون الآخرِ، أو تنازعا دابةً تذهبُ من بعيدٍ إلى اصْطَبْلِ أحدِهما دون الآخرِ، أو تنازعا زوجَ خُفٍّ أو مصراعَ بابٍ مع الآخر شَكْلُه، أو كان عليه علامةٌ لأحدِهما كالزُّرْبُولِ التي للجُنْدِ، وسواء كان المدَّعَى في أيديهما أو في يدِ ثالثٍ، وأما إن كانت اليدُ لأحدِهما دون الآخر، فالقِيافةُ المعارضةُ لهذا كالقِيافةِ المعارضةِ للفِرَاشِ، فإذا قلنا بالقِيافةِ في صورة الرُّجْحَانِ، فقد نقولُ ههنا كذلك، ومثل أن يدَّعي أنه ذهبَ من مالِه شيءٌ ويثبت ذلك، فَيَقُصُّ القائفُ أَثَرَ الوَطْءِ من مكانٍ إلى آخر، فشهادةُ القائف أن المالَ دخلَ إلى هذا الموضعِ توجبُ أحدَ الأمرين، إما الحُكمُ به، وإما أن يكون لَوثاً فيحكمُ به مع اليمين للمُدَّعِي وهو الأقرب، فإن هذه الأمارة ترجِّحُ جانبَ المدَّعِي، واليمنُ مشروعةٌ في أقوى الجانبين اهـ.

جارٍ التحميل