كتاب النكاح
وهو سنَّةٌ، وفعلُه مع الشَّهوةِ أفضلُ من نوافلِ العبادات، ويجبُ من يخافُ الزِّنَا بِتَرْكِه.
ويسنُّ نكاحُ واحدةٍ دَيِّنةٍ أجنبيةٍ بِكْرٍ وَلُودٍ بلا أُمٍّ، وله نَظَرُ ما يَظهرُ غالباً مراراً بلا خَلْوةٍ.
قوله: (ويسنُّ نكاحُ واحدةٍ دَيِّنَةٍ) إلى آخره عبارةُ المقنع: ويُستحَبُّ تَخَيُّرُ ذاتِ الدِّينِ الوَلودِ البِكْرِ الحبيبةِ الأجنبيةِ.
قال في المقنع: وعنه لا يَبطُلُ.
قال في الاختيارات: وينعقد النكاحُ بما عدَّه الناسُ نكاحاً بأي لغةٍ ولفظٍ وفعلٍ كان، ومثلُه كلُّ عَقْدٍ، والشرطُ بين الناسِ ما عدُّوه شرطاً، نصَّ الإمامُ أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ في رجلٍ مَشَى إليه قومُه، فقالوا: زَوِّجْ فلاناً.
فقال: زوجتُه على ألفٍ فرجَعوا إلى الزوجِ فأخبرُوه فقال: قبلتُ، هل يكون هذا نكاحاً؟ قال: نعم، قال ابنُ عقيل: هذا يُعطِي أن النكاحَ الموقوفَ صحيحٌ، وقد أحسنَ ابنُ عقيلٍ فيما قاله، وهو طريقةُ أبي بكرٍ، فإنَّ هذا ليس تراخياً للقبولِ كما قاله القاضي، وإنما هو تَراخٍ للإجازةِ، ومسألةُ أبي طالبٍ، وكلامُ أبي بكرٍ، فيما إذا لم يَكُنِ الزوجُ حاضراً في مجلسِ الإيجابِ، وهذا حسنٌ، أما إذا تَفرَّقا عن مجلسِ الإيجابِ، فليس في كلام أحمدَ وأبي بكرٍ ما يدلُّ على ذلك، ويجوز أن يُقالَ: إن العاقِدَ الآخَرَ إن كان حاضراً اعتُبِرَ قَبُولُه، وإن كان غائباً جاز تراخِي القبولُ عن الإيجاب، كما قلنا في ولاية القضاءِ مع أن أصحابَنا قالوا في الوكالة: إنه يجوز قبولُها على الفَورِ والتراخِي، وإنما الولايةُ نوعٌ من جِنْسِ الوكالةِ، وذَكرَ القاضي في المُجرَّدِ وابنُ عقيلٍ في الفُصولِ في تتمَّةِ روايةِ أبي طالبٍ، قبلتُ، صحَّ إذا حَضَرَ شاهدانِ.
قال أبو العباس: وهو يقضي بأنَّ إجازةَ العَقْدِ الموقوفِ، إذا قُلْنا بانعقادِه تفتقرُ إلى شاهدَيْنِ، وهو مُستقيمٌ حَسَنٌ ا. هـ.
ويَحرمُ التصريحُ بخِطْبةِ المُعْتَدَّةِ من وفاةٍ والمُبَانَةِ، دون التَّعْريضِ، ويُباحان لِمَنْ أَبَانَها بدونِ الثلاثِ كَرَجْعِيَّةٍ.
ويَحْرُمانِ منها على غيرِ زوجِها.
والتَّعْرِيضُ: إنِّي في مِثْلِكِ لراغبٌ، وتُجيبُه ما يُرْغَبُ عنك، فإنْ أجاب وَلِيٌّ مُجْبَرَةً، أو أجابتْ غيرُ المُجْبَرَةِ لمسلمٍ، حَرُمَ على غيرِه خِطْبَتُها، وإن رُدَّ أو أَذِنَ أو جُهِلَت الحالُ جازَ.
ويُسَنُّ العَقْدُ يومَ الجُمعةِ مساءً بِخُطْبَةِ ابنِ مسعودٍ.
فصل
وأركانُه: الزَّوجانِ الخَاليانِ من المَوانعِ، والإيجابُ والقَبُولُ.
ولا يصحُّ ممنْ يُحْسِنُ العربيةَ بغيرِ لفظِ زَوَّجتُ وأَنكحتُ، وقبلتُ هذا النكاحَ أو تزوجتُها أو تزوجتُ أو قبلتُ، ومن جَهِلَهمَا لم يَلْزَمْه تَعَلُّمُهما، وكفاه مَعناهُما الخاصُّ بكلِّ لسانٍ، فإن تقدَّم القبولُ لم يصحَّ، وإن تأخَّر عن الإيجابِ صحَّ ما داما في المجلسِ ولم يَتَشاغَلا بما يَقْطَعُهُ، وإن تَفرَّقا قبلَه بَطَلَ.
فصل وله شروطٌ: أحدُها - تعيينُ الزوجينِ، فإن أشارَ الوليُّ إلى الزوجةِ أو سمَّاها أو وصفَها بما تتميزُ به، أو قال زوجتُك بِنتي وله واحدةٌ لا أكثرُ صحَّ.
فصل
الثاني: رضاهُما إلا البالغَ المَعْتوهَ والمجنونةَ والصغيرةَ والبِكْرَ ولو مُكَلَّفة لا الثَّيِّب، فإنَّ الأبَ ووصِيَّهُ في النكاحِ يُزَوِّجانِهم بغيرِ إذْنِهم، كالسيدِ مع إمائِه
قوله: "والبِكْرُ ولو مُكَلَّفَة".
قال في المقنع: وعنه لا يجوز تزويجُ ابنةِ تسعِ سنينَ إلا بإذنِها، وهل له تزويجُ الثيبِ الصغيرةِ؟ على وجهين.
قال في الشرح =
وعَبْدِه الصغيرِ، ولا يُزَوِّجُ باقي الأولياءِ صغيرةً دونَ تِسْعٍ؛ ولا صغيراً ولا كبيرةً عاقلةً، ولا بنتَ تسعٍ إلا بإذنِهما، وهو صُمَاتُ البِكْرِ ونُطْقُ الثَّيِّبِ.
فصل
الثالث: الوليُّ، وشروطُه: التكليفُ، والذُّكُوريةُ، والحريَّةُ، والرُّشْدُ في العَقْدِ، واتفاقُ الدِّينِ سوى ما يُذكَرُ، والعدالةُ، فلا تزوِّجُ امرأةٌ نفسَها ولا غيَرها.
ويُقَدَّمُ أبو المرأةِ في إنكاحِها، ثم وَصِيُّهُ فيه، ثم جَدُّها لأبٍ وإن عَلا، ثم ابنُها، ثم بَنُوه وإن نَزَلُوا، ثم أَخُوها لأبوينِ، ثم لأبٍ، ثم بَنُوهما كذلك، ثم عَمُّها لأبوينِ ثم لأبٍ، ثم بنوهُما كذلك، ثم أَقْرَبُ عَصَبةٍ بنَسَبٍ كالإرثِ، ثم المَوْلَى المُنعِمُ، ثم أقربُ عَصَبَتِهِ نَسَبَاً، ثم وَلاءٌ، ثم السُّلطانُ.
= الكبير: إذا بلغتِ الجاريةُ تسعَ سنينَ فالمشهورُ عنه أنها كَمَنْ لم تَبْلُغْ تسعاً، نصَّ عليه في روايةِ الأثْرم.
وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ وسائرُ الفقهاء.
قال في الاختيارات: والجدُّ كالأبِ في الإجبارِ، عن الإمامِ أحمدَ وليس للأبِ إجبارُ بنتِ التِّسْعِ بِكْراً كانت أو ثَيِّبَاً، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارها أبو بكر ا. هـ.
وأمَّا البِكْرُ البالغُ، فقال أكثرُ أهل العلم: لا إجبارَ للأبِ عليها إذا امْتَنَعَتْ.
قوله: (والعدالةُ) هذا المذهبُ، وعنه لا تُشتَرطُ، وبه قال مالكٌ وأبو حنيفة.
فإن عَضَلَ الأقربُ، أو لم يكن أهلاً، أو غاب غَيْبَةً منقطعةً لا تُقطَعُ إلا بكُلْفةٍ ومَشقَّةٍ زَوَّجَ الأبعدُ، وإن زوَّجَ الأبعدُ أو أجنبيٌّ من غيرِ عُذرٍ لم يصحَّ.
فصل
الرابع: الشهادةُ، فلا يصحُّ إلا بشاهدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ مُكَلَّفَينِ سَمِيعَيْنِ ناطِقَيْنِ.
وليست الكفاءةُ، وهي: دِينٌ ومَنْصِبٌ - وهو النَّسَبُ والحُريَّةُ - شرطاً في صحتِه، فلو زَوَّجَ الأبُ عفيفةً بفاجرٍ، أو عربيةً بعجميٍ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ من المرأةِ أو الأولياءِ الفَسْخ.
قوله: (فإن عَضَلَ الأقربُ) إلى آخره، قال في الاختيارات: وإذا تَعَذَّرَ مَنْ لَهُ ولايةُ النكاحِ انتقلتْ الولايةُ إلى أصلحِ مَنْ يُوجدُ، فَمَنْ له نوعُ ولايةٍ في غيرِ النكاحِ كرئيسِ القَرْيةِ، وهو المُراد بالدِّهْقَانِ وأميرِ القافلةِ ونحوِه، قال الإمامُ أحمدُ في رواية المَرُّوذي: في البلدِ يكونُ فيه الوالي وليس فيه قاضٍ يُزَوِّجُ، إن الوالي يَنْظُرُ في المَهْرِ وإنَّ أَمْرَه ليس مُفَوَّضَاً إليها وحْدَها، كما أنَّ أَمْرَ الكُفْؤِ ليس مُفوَّضًا إليها وحْدَها ا. هـ.
قوله: "فلِمَنْ لم يَرْضَ من المرأةِ أو الأولياءِ الفسخُ"، وعنه لا يَمْلِكُ إلا بعدَ الفسخِ مع رِضَا المرأةِ والأقربِ، وبه قال الشافعي، واختار الشيخ تقي الدين أن النَّسَبَ لا اعتبارَ له في الكفاءةِ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وقال أيضاً: ومن قال: إن الهاشميةَ لا تُزَوَّجُ بغير هاشمي، بمعنى أنه لا يجوز ذلك، فهذا مارقٌ من دِيْنِ الإسلامِ، إذ قِصَّةُ تَزْويجِ الهاشمياتِ من بناتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهمْ بغيرِ الهاشميينَ ثبتتْ في السُّنَّةِ ثُبوتاً لا يَخْفَى، فلا يجوزُ أنْ يُحْكَى هذا خلافاً في مذهبِ أحمد ا. هـ.
باب المحرمات في النكاح
تحرمُ أبداً الأمُّ، وكلُّ جَدَّةٍ وإن عَلَتْ، والبنتُ وبنتُ الابنِ وبِنتاهُما من حَلالٍ وحَرامٍ وإن سَفَلَتْ، وكلُّ أختٍ وبنتُها وبنتُ ابنِها وبنتُ ابنتها، وبنتُ كلِّ أخٍ وبنتُها وبنتُ ابنِه وبنتُها وإن سَفَلَتْ، وكلُّ عَمَّةٍ وخالةٍ وإن عَلَتَا، والمُلاعَنَةُ على المُلاعِنِ.
ويَحْرُمُ بالرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ، إلا أُمَّ أختِه وأختَ ابنِه.
قوله: (إلا أُمَّ أُخْتِه، وأُخْتَ ابنِه)، قال في المقنع: القسمُ الثاني المُحَرَّماتُ بالرَّضاعِ، ويَحْرُمُ به ما يَحرمُ من النَّسبِ سواءً، قال في الحاشية: قوله: ويَحرمُ به إلى آخره، هذا المذهبُ للحديثِ، قال ابنُ البَنَّاء: إلا أمَّ أُختِه، وأُختَ ابنِه فلا يَحْرُمانِ بالرَّضاعِ، لكن أم أختِه إنما حُرِّمَتْ من من جهةٍ أُخْرَى لكونِها زوجةَ أبيهِ، وذلك من جهةِ تحريمِ المُصاهَرةِ لا من جهةِ تحريمِ النَّسَبِ، وكذلك أختُ ابنِه، إنما حرمتْ لكونِها رَبِيبَتَهُ فلا حاجةَ إلى استثنائِها ا. هـ.
وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ على قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ) 1 قال العلماء: يُستثْنَى من ذلك أربعُ نِسْوةٍ يَحْرُمْنَ في النَّسبِ مُطْلَقاً، وفي الرَّضاعِ قد لا يَحْرُمْنَ.
الأولى: أُمُّ الأخِ في النَّسبِ حرامٌ؛ لأنها إمَّا أمٌّ وإمَّا زوجُ أبٍ، وفي الرَّضاعِ قد تكونُ أجنبيةً، على أخيه.
=
ويَحرُمُ بالعَقْدِ زوجةُ أبيهِ وكُلِّ جَدٍّ، وزوجةُ ابنِه وإن نَزَل، دون بناتِهنَّ وأُمهاتِهنَّ، وتَحرمُ أمُّ زوجتِه وجَدَّاتُها بالعَقْدِ، وبنتُها وبناتُ أولادِها بالدُّخولِ، فإن بانَتِ الزوجةُ أو ماتتْ بعدَ الخلوةِ أُبِحْنَ.
فصل
وتحرمُ إلى أَمَدٍ أختُ مُعْتَدَّتِهِ، وأختُ زوجتِه وبنتاهُما وعَمَّتاهُما وخالتاهُما، فإن طُلِّقَتْ وفَرَغَتِ العِدَّةُ أُبِحْنَ.
فإن أو عَقْدينِ معاً بَطَلا، فإن تأخَّرَ أحدُهما، أو وَقَعَ في عِدَّةِ الأُخرَى وهي بائنٌ أو رجعيةٌ بَطَلَ.
وتَحْرُمُ المُعتَدَّةُ والمُستبَرَأةُ من غيرِه، والزانيةُ حتى تتوبَ وتنقضِي عِدَّتُها ومُطَلّقتُه ثلاثاً حتى يَطَأَها زوجٌ غَيْرُهُ، والمُحْرِمَةُ حتى تَحِلَّ.
= الثانيةُ: في النَسبِ، لأنها إمَّا بنتٌ أو زوجُ ابنٍ وفي الرَّضاعِ قد تكونُ أجنبيةً، فتُرضِعُ الحفيدَ، فلا تَحْرُمُ على جَدِّهِ.
الثالثةُ: جَدَّةُ الولدِ في النَّسبِ حرامٌ، لأنها إمَّا أمٌّ الرَّضاعِ قد تكون أجنبيةً أَرْضَعَتِ الولدَ، فيجوزُ لوالدِه أن يتزوَّجها.
الرابعةُ: أختُ الولدِ حرامٌ في النَّسبِ، لأنها بنتٌ أو رَبِيْبَةٌ، وفي الرَّضاعِ قد تكونُ فلا تَحْرمُ على الوالدِ.
وهذه الأربعُ اقتصرَ عليها جماعةٌ ولم يَستثْنِ الجمهورُ شيئاً من ذلك، وفي من ذلك، لأنهنَّ لم من جهةِ النَّسبِ، وإنما حَرُمْنَ من جهةِ المُصاهَرَةِ، واستدْركَ بعضُ المتأخرينَ أُمَّ العَمِّ وأم العَمَّةِ وأُمَّ الخالِ وأُمَّ الخالةِ، فإنهنَّ يَحْرُمْنَ في النَّسبِ لا في الرَّضاعِ، وليس ذلك على عُمومِهِ والله أعلم ا. هـ.
ولا يَنْكِحُ كافرٌ مسلمةً، ولا مسلمٌ ولو عبداً كافرةً إلا حُرَّةً كتابية، ولا يَنْكِحُ حرٌ أمةً مسلمةً، إلا أن يَخافَ عَنَتَ العُزُوبةِ لحاجةِ المُتْعَةِ أو الخِدْمةِ، ويَعْجِزُ عن طَوْلِ حُرَّةٍ أو ثمنِ أمَةٍ، ولا ينكح عبدٌ سَيِّدَتَهُ ولا سَيِّدٌ أَمَتَهُ، وللحُرِّ نكاحُ أمةِ أبيهِ دون أَمَةِ ابنِهِ، وليس للحُرَّةِ نكاحُ عبدِ ولدِها.
وإن اشترى أحدُ الزوجينِ أو ولدُه الحرُّ أو مُكاتَبُه الزوجَ الآخَرَ أو بَعْضَه انفسخَ نِكاحُهما.
ومن حَرُمَ وَطْؤُها بعَقْدٍ حَرُمَ بمِلْكِ يمينٍ إلاَّ أَمَةً كِتابيَّةً، ومن جَمَعَ بين مُحَلَّلَةٍ ومُحَرَّمَةٍ في عَقْدٍ صَحَّ فيمن تَحِلُّ.
ولا يحلُّ نكاحُ خُنْثَى مُشكِلٍ قَبْلَ تَبَيُّنِ أَمْرِه.
..................................
باب الشُّروطِ والعُيوبِ في النكاح
إذا شَرَطَتْ طلاقَ ضَرَّتِها، أو لا يَتَسَرَّى ولا يتزوجَ عليها، ولا يُخرِجُها من دارِها أو بلدِها، أو شَرَطَتْ نقداً مُعيَّناً أو زيادةً في مَهْرِها صحَّ، فإن خالفَهُ فلها الفَسْخُ.
وإذا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ على أن يُزوجَه الآخَرُ وَلِيَّتَهُ فَفَعَلا ولا مَهْرَ بَطَلَ النِّكاحانِ، فإن سُمِّيَ لهما مَهْرٌ صَحَّ.
وإن تزوجَها بشَرْطِ أو نَواهُ بلا شَرْطٍ، أو قال: زَوَّجْتُكَ إذا جاء رأسُ الشهرِ، أو إن رَضِيَتْ أمُّها، أو جاءَ غَدٌ فَطَلِّقْها، أو وَقَّته بمدةٍ بَطَلَ الكُلُّ.
قوله: (إذا شَرَطَتْ طَلاقَ ضَّرَّتِها صَحَّ)، قال الموفَّقُ: وإن شَرَطَ لها طَلاقَ ضَرَّتِها، فقال أبو الخطاب: هو صحيحٌ، ويَحْتَمِلُ أنه باطلٌ، لقولِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تَسْأَلُ المرأةُ طَلاقَ في صَحْفَتِها، ولِتُنْكِحْ، فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها) 1 ا. هـ.
قوله: (أو نواه بلا شرط) بَطَلَ، وقيل يُكْرَهُ ويَصِحُّ.
قوله: (أو قال زَوَّجتُك إذا جاءَ رأسُ الشهرِ أو إن رَضِيَتْ أمُّها بَطَلَ)، وعنه يصح، قال ابنُ رجب: روايةُ الصِّحَّةِ أَقْوى.
فصل
وإن شَرَطَ أن لا مَهْرَ لها أو لا نَفَقَةَ لها، أو أن يَقْسِمَ لها أَقَلَّ من ضَرَّتِها أو أكثرَ، أو شَرطَ فيه في وقتِ كذا وإلا فلا نكاحَ بينهُما، بَطَلَ الشرطُ وصحَّ النكاحُ.
وإن شَرَطَهَا مسلمةً فَبَانتْ كِتَابيةً، أو شَرَطَها بِكْراً أو جميلةً نَسِيبَةً أو نَفْيَ عَيْبٍ لا ينفَسِخُ [به] النكاحُ وإن عَتَقَتْ تحتَ حُرٍّ فلا خِيَارَ لها، بل تحتَ عَبْدٍ.
فصل
ومن وَجَدَتْ زوجها مَجْبُوباً أو بَقِيَ له ما لا يَطَأُ به فلها الفَسْخُ، وإن ثَبَتَتْ عِنَّتُهُ بإقرارِه أو ببينةٍ على إقرارٍ أُجِّلَ سَنَةً منذُ تَحاكُمِه، فإن وَطِئَ فيها وإلا فلها الفَسْخُ، وإن اعترفتْ أنه وَطِئَها فليس بعنين، ولو قالتْ في وقتٍ: رضيتُ به عِنِّيناً سَقَطَ خيارُها أبداً.
قوله: (أو شَرَطَ فيه خياراً بَطَلَ الشرطُ وصحَّ النكاحُ)، قال في الاختيارات: وإن شَرَطَ أو أحدُهما فيه خياراً صحَّ العَقْدُ والشَّرْطُ.
قوله: (وإن اعترفتْ أنه وَطِئَها فليس بِعِنِّينٍ)، وقال أبو ثور: إذا عَجِزَ عن وَطْئِها أُجِّلَ لها.
قوله: (ولو قالت في وَقْتٍ: رَضِيتُ به عِنِّيناً سَقَطَ خِيَارُها أبداً)، قال في الاختيارات: ويَتَخَرَّجُ إذا عَلِمَتْ بِعِنَّتِهِ واختارتْ المُقَامَ معه، هل لها الفسخُ؟ على روايتين، ولو خُرِّجَ هذا في جميعِ العيوبِ لتَوَجَّهَ، وقال أيضاً: وحُصُوُل الضَّرَرِ للزوجةِ بِتَرْكِ الوَطْءِ مُقْتَضٍ للفَسْخِ بكلِّ حالٍ، سواءٌ كان بِقَصْدٍ من الزوجِ أو بغيرِ قَصْدٍ، ولو مع قُدْرَتِه وعَجْزِهِ، كالنَّفقةِ وأَوْلَى للفَسْخِ بِتَعَذُّرِه في الإِيْلاءِ إجماعًا، وقال أيضاً ومتى أَذِنَ الحاكمُ أو حَكَمَ لأحدٍ باستحقاقِ عَقْدٍ أو فَسْخِ مأذونٍ له لم يَحْتَجْ بعد ذلك إلى حُكْمٍ بصحَّتِه بلا نزاعٍ.
فصل
والرَّتَقُ والقَرَنُ والعَفَلُ والفَتْقُ واستطلاقُ بولٍ، وبَخَرٌ وقروحٌ سَيَّالةٌ في فَرْجٍ، وباسورٌ وناسورٌ وخصاءٌ وسِلٌّ ووِجَاءٌ، وكونُ أحدهما خُنْثَى واضحاً، وجنونٌ ولو ساعةً، وبَرَصٌ وجُذامٌ، يَثْبُتُ لكل واحدٍ منهما الفَسْخُ، ولو حَدَثَ بعد العَقْدِ أو كان بالآخَرِ عَيْبٌ مِثْلُه، ومن رَضِيَ بالعَيْبِ أو وُجِدَتْ منه دلالتُه مع عِلْمِهِ فلا خِيَارَ له.
ولا يَتِمُّ فَسْخُ أحدِهما إلا بحاكمٍ، فإن كان قبلَ الدُّخولِ فلا مَهْرَ، وبعدُه لها المُسَمَّى يَرْجِعُ به على الغَارِّ إن وُجِدَ.
والصغيرةُ والمجنونةُ والأمةُ لا تُزَوَّجُ واحدةٌ منهنَّ بمَعِيْبٍ، فإن رَضِيَتْ الكبيرةُ مَجْبوباً أو عِنِّيناً لم تُمْنَعْ، بل من مَجْذومٍ ومجنونٍ وأبرصَ، ومتى عَلِمَتِ العَيْبَ أو حَدَثَ به لم يُجْبِرْها وليُّها على فَسْخِهِ.
قال ابنُ القَيِّمِ في الهدي: فمن به عَيْبٌ كقَطْعِ يَدٍ أو رِجْلٍ أو خَرَسٍ أو طَرَشٍ، وكل عَيْبٍ نَفَّرَ الزوجَ الآخَرَ عنه، ولا يَحْصُلُ به مَقصودُ النكاحِ من المَودَّةِ والرَّحمةِ، يوجبُ الخِيَارَ، وأنه أَوْلَى من البَيْعِ، وإنما يَنْصَرِفُ الإطلاقُ إلى السلامةِ فهو كالمَشْروطِ عُرْفاً اهـ.
قوله: (بل مِنْ مَجْنُونٍ ومَجْذُومٍ وأَبْرَصَ)، أي في أحد الوَجْهَين، وفي الوجه الثاني لا تُمْنَعُ.
باب نكاحِ الكُفَّار
حُكْمُه كنكاحِ المسلمينَ، ويُقَرُّون على فاسِدِه إذا اعتقَدُوا صِحَّتَه في شَرْعِهم ولم يَرْتَفِعُوا إلينا، فإن أَتَوْنَا قبلَ عَقْدِه عَقَدْناهُ على حُكْمِنَا، وإن أَتَوْنَا بعدَه أو أَسْلَمَ الزوجانِ والمرأةُ تُبَاحُ إذاً أُقِرَّا، وإن كانتْ مِمَّنْ لا يجوزُ ابتداءُ نكاحِها فُرِّقَ بينَهما.
وإن وَطِئَ حربيٌّ حَرْبيةً فَأَسْلما وقد اعتقداه نكاحاً أُقِرَّا، وإلا فُسِخَ كان المَهْرُ صحيحاً أَخَذَتْهُ، وإن كان فاسداً وقَبَضَتْهُ اسْتَقَرَّ، وإن لم تَقْبِضْهُ ولم يُسَمَّ فُرِضَ لها مَهْرُ المثل.
فصل
وإن أَسْلَمَ الزوجانِ معاً، أو زوجُ كتابيةٍ بَقِيَ نكاحُهما، أو أحدُ الزوجينِ غيرِ الكتابِيَّيْنِ قبلَ الدُّخولِ بَطَلَ، فإن سَبَقَتْهُ فلا مَهْرَ، وإن سَبَقَهَا فلها نصفُه.
وإن أسلمَ أحدُهما بعد الدخولِ وقفَ الأمرُ على انقضاءِ العِدَّةِ، فإن أسلمَ الآخَرُ فيها دَامَ النكاحُ، وإلا بان فَسْخُهُ منذ أسلمَ الأولُ.
وإن كَفَرَا أو أحدُهما بعد الدخولِ وَقَفَ الأمرُ على انقضاءِ العِدَّةِ، وقبلَه بَطَلَ.
..................................
باب الصَّدَاق
يُسَنُّ تَخْفِيْفُهُ، وتَسميتُه في العَقْدِ من أربعمائةِ درهمٍ إلى خمسمائةٍ، وكلُّ ما صحَّ ثَمَناً (أو أُجرةً) صحَّ مَهْراً وإن قَلَّ.
وإن أَصْدَقَها تعليمَ القرآنِ لم يصحَّ، بل فقهٌ وأدبٌ وشِعْرٌ مباح معلوم، وإن أَصْدَقَها طَلاقَ ضَرَّتِها لم يصحَّ، ولها مَهْرُ مِثْلِها، ومتى بَطَلَ المُسَمَّى وَجَبَ مهر المثل.
قوله: "وإنْ أَصْدَقَها تعليمَ قُرآنٍ لم يصحَّ" هذا المذهبُ، وعنه يصحُّ، وهو مذهبُ الشافعي، قال في الاختيارات: ولو علم أو القصيدةَ غيرُ الزوجِ يَنْوِي بالتعليمِ أنه عن الزوجِ من غيرِ أن يُعْلِمَ الزوجةَ، فهل يقعُ عن الزوجِ؟ إلى في الفروع: وإن أَصْدَقَها تعليمَ قُرآنٍ لم يصحَّ كالمنصوصِ في كتابيةٍ، وذَكَرَ فيها في المذهبِ أنه يصحُّ ذلك بِقَصْدِها الاهتداء، وعنه: بلى، ذكر ابن رزين أنه الأَظْهرُ وجَزَمَ به في عيونِ المسائلِ فَتُعَيِّنُ سُورةَ كذا أو آيةَ كذا، وقِيِلَ: والقراءة أيضاً، فإن تعلَّمتْ من غيرِه لزمتْه الأجرةُ ا. هـ.
والصحيحُ أنه يصحُّ أن يَصْدُقَها تعليمَ قرآنٍ لقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: (زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن) 1، قال القرطبي: قولُه: "عَلِّمْها" نَصٌ في الأمرِ بالتعليمِ والسِّياقُ يَشْهَدُ بأن ذلك لأجل النكاحِ فلا يُلْتَفَتُ لقولِ من قال: إن ذلك كان إكراماً للرجلِ، فإن الحديثَ يُصرِّحُ بخلافِه، وقولُهم: إن الباءَ بمعنى اللامِ ليس بصحيحٍ لُغَةً ولا مَسَاقاً ا. هـ.
فصل
وإن أَصْدَقَها أَلْفاً إن كان أبوها حَيّاً، وألفينِ إن كان ميتاً وَجَبَ مهرُ المِثْلِ، وعلى: إن كان لي زوجةٌ أو لم تكن بألفٍ يصحُّ بالمُسَمَّى.
وإذا أُجَّلَ الصَّداقَ أو بعضُهُ صحَّ، فإن عَيَّنَ أَجَلاً وإلا فمحلُّه الفُرْقَةُ.
وإن أَصْدَقَها مالاً مغصوباً أو خِنْزيراً ونحوَه وجبَ مَهْرُ المِثْل، وإن وجَدَتِ المُبَاحَ مَعِيباً خُيِّرَتْ بين أَرْشِهِ وقيمتِه، وإن تزوجَها على ألفٍ لها وألفٍ لأبيها صحَّتْ التسميةُ، فلو طَلَّقَ قبلَ الدخولِ وبعدَ القَبْضِ رَجَعَ بالألفِ ولا شيءَ على الأبِ لهما، ولو شُرِطَ ذلك لغيرِ الأبِ فكلُّ المُسَمَّى لها.
ومن زَوَّجَ بِنْتَه ولو ثَيِّباً بدون مَهْرٍ مِثْلِها صحَّ وإن كَرِهَتْ، وإن زَوَّجَها به وليٌّ غيرُه بإذنِها صحَّ، وإن لم تَأْذَنْ فَمَهْرُ المِثْلِ، وإن زَوَّجَ ابنَه الصغيرَ بمَهْرِ المِثْلِ أو أكثرَ وإن كان مُعْسِراً لم يَضْمَنْه الأبُ.
قوله: (وإن أَصْدَقَها ألفاً إن كان أبوها حَيّاً وألفينِ إن كان ميتاً وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ) وعنه يصحُّ.
قال في المقنع: وإن زَوَّجَ ابنَه الصغيرَ من مَهْرِ المِثْلِ صَحَّ ولَزِم في ذِمَّةِ الابن، فإن كان مُعسراً فهل في الحاشية: وهما روايتانِ إحداهُما لا يَضمنُه الأبُ كثمنِ مبيعِه وهو المذهبُ، والثانيةُ يَضمنُه الأبُ لأنه التزمَ العِوَضَ عنه عُرْفاً فَضَمِنَه كما لو نَطَقَ بالضَّمانِ، انتهى وهو الصواب.
فصل
وتَمْلِكُ المرأةُ صَدَاقَها بالعَقْدِ، ولها نَمَاءُ المُعَيَّنِ قبلَ قَبْضِهِ، وإن تَلِفَ فَمِنْ ضَمَانِها، إلا أن يَمْنَعَها زوجُها قَبْضَهُ فَيَضْمَنُ، فلها التَصَرُّفُ فيه وعليها زَكاتُه.
وإن طَلَّقَ قبلَ الدخولِ أو الخلوةِ فله نصفُه حُكْماً، دون نَمائِه المُنْفَصِل، وفي المُتَّصِلِ له نصفُ قيمتِه بدون نَمائِه.
وإن اختلفَ الزوجان أو وَرَثتُهما في قَدرِ الصَّدَاقِ أو عَيْنِهِ، أو فيما يستقرُّ به فقولُه، وقولُها في قَبْضِهِ.
فصل
يصحُّ تفويضُ البُضْعِ: بأن يزوجَ الرجلُ ابنتَه المُجْبَرَةَ، أو تَأْذَنَ امرأةٌ لِوَلِيِّها أن يُزوجَهَا بلا مَهْرٍ.
وتَفْويضُ المَهْرِ: بأن يتزوجَها على ما يشاء أحدُهما أو أجنبيٌّ، فلها مَهْرُ المِثْلِ بالعَقْدِ، ويفرضُه الحاكمُ بقدرِه بطلبِها، وإن تَراضَيَا قبلَه على شيءٍ جازَ، ويصحُّ إبراؤها من مَهْرُ المِثْلِ قبلَ فَرْضِه.
ومن مات منهما قبلَ الإصابةِ والفَرْضِ وَرِثَه الآخَرُ، ولها مَهْرُ نسائِها.
وإن طَلَّقَها قبلَ الدخولِ فلها المتعةُ بقدرِ يُسْرِ زوجِها وعُسْرِه، ويَستقرُّ مَهْرُ المِثْلِ بالدُّخولِ، وإن طَلَّقها بعده فلا مُتْعَةَ، وإذا افْتَرَقَا في الفاسدِ قبل الدخولِ والخَلْوِة فلا مَهْرَ، وبعد أحدِهما يجب المُسَمَّى.
قوله: "وإن طلَّقَها بعدَه فلا مُتْعَةَ"، أي لا تجبُ وهي مُستحِبَّةٌ، لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ " [البقرة: 241] وعنه تجبُ للكُلِّ إلا لمن لم يَدْخُلُ بها وقد فَرَضَ لها، واختاره الشيخ تقي الدين.
ويجبُ مَهْرُ المِثْلِ لمن وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ أو زناً كُرْهاً، ولا يجب معه أَرْشُ بَكَارَةٍ.
وللمرأةِ مَنْعُ نَفْسِها كان مؤجَّلاً وحَلَّ قبلَ التسليمِ أو سَلَّمَتْ نَفْسَها تَبَرُّعاً فليس لها مَنْعٌ.
فإن أَعْسَرَ بالمَهْرِ الحالِّ فلها الفَسْخُ ولو بعد الدخولِ، ولا يَفْسَخُه إلا حاكمٌ.
قوله: "أو سَلَّمتْ نَفْسَها تبرعاً فليس لها منعُها"، قال في المقنع: فإن تَبَرَّعتْ بتسليمِ نَفْسِها ثم أرادتْ المَنْعَ فهل لها ذلك؟ على وجهين.
قوله: "ولا في الشرح: كالفسخ لِعِنَّةٍ ونحوها للاختلاف فيه.
(فائدة): قال في الاختيارات: ومتى خرجت منه زوجتُه بغير اختيارِه بإفسادِها أو بإفسادِ غيرها أو بيمينِه لا تفعل شيئاً، ففعلتْه فله مَهْرُها، وهو رواية عن الإمام على الصحيح، أنَّ خروجَ البُضْعِ من مِلْكِ الزوجِ مُتَقَوَّمٌ، وهو رواية عن الإمام أحمد، والفُرقةُ إذا كانت من جهتِها فهي كإتلافِ البائعِ، فيخيَّر على المِثْلِ وضمانِ المسمَّى لها وبين إسقاطِ المسمَّى.
انتهى.
باب وليمة العرس
تسنُّ بشاةٍ فأقلَّ، وتجبُ في أولِ مرةٍ إجابةُ مسلمٍ يحرُم هَجرُه إليها، إن عَيَّنه ولم يكن ثَمَّ منكَرٍ، فإن دَعا الجَفَلى، أو في اليومِ الثالثِ، أو دعاه ذِميٌّ كُرهت الإجابة، ومَنْ صومُه واجبٌ دعا وانصرفَ، والمتنفِّل يُفطر إن جَبَر، ولا يجبُ الأكلُ، وإباحتُه تتوقفُ على صريحِ إذنٍ أو قرينةٍ.
وإن عَلِمَ على تغييرِه حضرَ وغيَّرَهُ، وإلا أَبى، وإن حَضرَ ثم علم به أزالَه، فإن دام لعجْزِه انصرفَ، وإن علم به ولم يَرَه ولم يسمعْه خُيِّر، ويكره النُّثَارُ والتقاطُه، ومن أخذَه أو وقع في حجرهِ فله، ويسنُّ إعلانُ النكاحِ والدُّفُّ فيه للنساء.
قال في الاختيارات: والأشبهُ جوازُ الإجابةِ لا وجوبُها إذا كان في مجلس الوليمةِ مَنْ يُهجَرُ.
وأعدلُ الأقوالِ: أنه إذا حضرَ الوليمةَ وهو صائمٌ إن كان يُنكرُه قلبُ الداعي بتركِ الأكلِ فالأكلُ أفضلُ، وإن لم يُنكرْه قلبه فإتمامُ الصومِ أفضل.
ولا ينبغي لصاحبِ الدعوةِ الإلحاحُ في الطعامِ للمَدعوِّ إذا امتنعَ فإنَّ كِلا الأمرين جائزٌ، فإذا ألْزمَه بما لم يَلْزمه كان من نوعِ المسألةِ المَنهيِّ عنها،
ولا ينبغي للمَدعوِّ إذا رأى أنه يترتَّبُ على امتناعِهِ مفاسدُ أن يمتنعَ.
قوله: "والدُفُّ فيه للنساء"، يعني إذا لم يَحصُل معه مُنكَرٌ مثلُ اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ، قال في الفروع: ولا يُكرَهُ الدُّفُّ في العُرْسِ، وكذا في نحوه المنصوصِ، قال الشيخ وغيره: يُكرَه في غيرِه عند أصحابِنا، وكرهَهُ القاضي وغيرُه في غيرِ عُرْسٍ وخِتَانٍ، ويُكرَهُ للرجلِ التشبيبُ، وتحرُم كلُّ مَلْهاةٍ سواه، كمِزْمَارٍ وطُنْبورٍ ورَبَابٍ وجَنَكٍ، إلى أن قال، وقد كره أحمدُ الطَّبْلَ في غير الحربِ انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: ولا يلزم من إباحةِ الضَّربِ بالدُّفِّ في العُرسِ ونحوه إباحةُ غيرِه من الآلات كالعُودِ ونحوِه.
باب عِشْرةِ النساء
يَلزمُ الزوجينِ العِشْرةُ بالمعروفِ، ويَحْرُم مَطْلُ كلِّ واحدٍ بما يَلْزمه للآخرَ والتكرُّه لبَذْلِه.
وإذا تم العقدُ لزم تسليمُ الحُرَّةِ التي يوطأ مثلُها في بيتِ الزوجِ إن طلبَه ولم تشترطْ دارَها، وإذا استَمْهَلَ أحدُهما أُمْهِلَ العادةَ وجوباً، لا لعملِ جهازٍ، ويجبُ تسليمُ لم يضرَّ [بها] أو يَشغلها عن فرضٍ، وله السفرُ بالُحرةِ، ما لم تَشترطْ ضدَّه.
ويحرمُ وَطْؤُها في الحيضِ والدُّبُرِ، وله إجبارُها ولو ذِمِّيَّةً على غُسلِ حيضٍ ونجاسةٍ، وأخذِ ما تعافُه النفسُ من شَعرٍ وغيرِه، ولا تُجْبَرُ الذميَّةُ على غُسلِ الجَنَابةِ (1).
فصل
ويَلزمُه أن يبيتَ عند الحرَّةِ ليلةً من أربعٍ، وينفردُ إن أراد في الباقي، ويلزمُه الوَطْءُ إن قَدَرَ كلَّ ثلثِ سنةٍ مَرَّةً، وإن سافرَ فوقَ نصفِها وطلبتْ قدومَه وقَدَرَ لزمَهُ، فإن أبى أحدُهما فُرِّقَ بينَهما بطلبِهما، وتسنُّ
قوله: "ولا تُجبَر الذميةُ على غُسلِ الجنابة"، وعنه تجبرُ.
قوله: "ويَلزمُه الوَطْءُ إن قَدَرَ كلَّ ثلثِ سنةٍ مرة"، اختار الشيخ تقي الدين أن ذلك بحسبِ حاجتِها وقُدرتِه، قال في الاختيارات: وحصولُ الضَّررِ للزوجةِ بتَركِ الوَطْءِ مُقتضٍ للفسخِ بكلِ حالٍ، سواء كان بقصدٍ من الزوج أو بغيرِ قصدٍ ولو مع قدرتِه وعجزِه كالنفقةِ، وأولَى للفسخِ بتعذرِه في الإيلاء إجماعاً، وعلى في امرأةِ الأسيرِ والمحبوسِ ونحوِهما ممن تعذَّر انتفاعُ امرأتِه به إذا طلبت فُرقتَه، كالقولِ في امرأةِ المفقودِ بالإجماعِ كما قاله أبو محمد المقدسي ا. هـ.
التَّسميةُ عند الوَطْءِ، وقولُ الواردِ.
ويكره كثرةُ الكلامِ، والنزعُ قَبْلَ فراغِها، والوَطْءُ بمَرْأى أحدٍ والتحدثُ به.
في مسكنٍ واحدٍ بغير رضاهُما، من الخروجِ من منزلِه، ويستحبُّ إذنُه أن تمرِّضَ مَحْرَمَها، وتشهدَ جنازتَه.
وله منعُها من إجارةِ نفسِها، ومن رَضاعِ ولدِها من غيرِه إلا لضرورتِه.
فصل
وعليه أن يُساوي بين زوجاتِه في القَسْمِ، وعِمادُه الليلُ لمن مَعاشُه نهاراً.
والعكسُ بالعكسِ، ويَقسِمُ لحائضٍ ونُفَساءَ ومريضةٍ ومَعيبةٍ ومجنونةٍ مأمونةٍ وغيِرها.
وإن سافرتْ بلا إذنِه أو بإذنِه في حاجتِها أو أَبَتْ السفرَ معه أو المبيتَ عنده في فراشِه فلا قَسْمَ لها ولا نفقةَ.
ومن وهبتْ قَسْمَها لضَرَّتِها بإذنه أو لَهُ فجعلَه لأخرَى جاز، فإن رجعتْ قَسَمَ لها مُستقبَلاً.
ولا قَسْمَ لإمائِه وأمهاتِ أولادِه بل يَطَأ من شاءَ متى شاءَ.
وإن تزوَّج بِكراً أقام عندها سَبْعاً ثم دارَ، وثَيِّباً ثلاثاً، وإن أحبَّتْ سَبْعاً فَعَلَ وقضَى مثلهنَّ للبَواقِي.
قوله: "ومَعِيْبة"، قال ويجبُ للمَعيبةِ كالبَرْصاءِ والجَذْماءِ إذا لم يَجُزِ الفَسْخُ، وكذلك عليهما تمكينُ الأبرصِ والأجذمِ، والقياسُ وجوبُ ذلك وفيه نظرٌ، إذ من الممكنِ أن يقال في ذلك ضررٌ، لكن إذا لم تُمَكنْه فلا نفقةَ لها، وإذا لم يَستمتعْ بها فلها الفسخُ، ويكون المُثْبِتُ للفسخِ هنا عدمُ وَطْئِه فهذا يقودُ إلى وجوبه ا. هـ.
فصل
النُّشوزُ: مَعصيتُها إيَّاُه فيما يجبُ عليها، فإذا ظهرَ منها أماراتُه بأن لا تجيبَ إلى الاستمتاعِ أو تجيبَ مُتبرِّمةً أو مُتكرِّهةً وعَظَها، فإن أصرَّتْ هَجَرها في المَضْجَعِ ما شاءَ، وفي الكلامِ ثلاثةُ أيامٍ، فإن أصرَّتْ ضربَها غيرَ مُبرِّح.
قوله: "فإن أصرَّتْ هَجرَها في المضجعِ ما شاءَ" إلى آخره، الأصلُ في ذلك قولُه تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: 34 - 35].
قال ابنُ بَطَّالِ: أجمعَ العلماءُ على أن المُخاطبَ بقول تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الحكامُ، وأن المرادَ بقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا﴾ الحكمانِ، وأن الحَكَميِن يكونُ أحدُهما من جهةِ الرجلِ والآخرُ من جهة المرأةِ، إلا أن لا يوجدَ من أهلِهما من يُصلِح، فيجوزُ أن يكونا من الأجانبِ ممن يَصلُحُ لذلك، وأنهما إذا اختلفا لم يَنْفذْ قولُهما، وإن اتفقا نَفَذَ في الجَمْعِ بينهما من غير توكيلٍ، واختلفوا فيما إذا اتفقا على الفُرقةِ، فقال مالكٌ والأوزاعي وإسحاق: ينفُذُ بغير توكيلٍ ولا إذنٍ من الزوجين، قال الكوفيونَ والشافعيُّ وأحمدُ: يحتاجون إلى الإذْنِ، فأما مالكٌ ومن تابَعه فألحقَه بالعِنِّينِ والمولى، فإنَّ الحاكِمَ يُطلق عليهما، فكذلك هذا، وأيضاً فلما كان المُخاطَبُ بذلك الحكامُ وأن الإرسالَ إليهم دلَّ على أن يكون الجمعُ والتفريقُ إليهم، وجَرى الباقونَ على الأصلِ، وهو أن الطلاقَ بيدِ الزوجِ، فإن أَذِنَ في ذلك وإلا طَلَّق الحاكمُ، انتهى من فَتْح الباري على قولِ البخاري، "باب الشِّقاقِ وهل يُشير بالخلعِ =
باب الخُلْع
من صحَّ تبرُّعُه من زوجةٍ وأجنبيٍ صح بذلُه لعوضِه، فإذا كرهتْ خُلُقَ زوجِها أو خَلْقَهُ، أو نَقْصَ دينِه، أو خافتْ إثماً بتركِ حقِّه أُبيح الخُلْعُ، وإلا كُره ووَقَع، فإن عَضَلَها ظُلماً للافتداءِ ولم يكنْ لزِنَاها، أو نُشوزِها، أو تركِها فَرْضاً فَفَعلتْ، أو خَالعَتْ الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ والأَمَةُ بغيرِ إذنِ سيِّدها لم يصحَّ الخلعُ ووقع الطَّلاقُ رَجْعياً، إن كان بلفظِ الطلاقِ أو نيتِه.
= عند الضرورة؟ "، قال في الاختيارات: وهل للحَكَمينِ إذا قُلنا: هُما حَاكِمانِ لا وكيلانِ أن يُطلِّقا ثلاثاً أو يفسخا كما في المولى؟ قالوا: هناك لما قام مُقامَ الزوجِ في الطلاقِ مَلك ما يَملِكُه من واحدةٍ وثلاثٍ فيتَوجَّه هنا كذلك إذا قلنا هما حَاكِمان، وإن قلنا: ما وُكِّلا فيه، وأما الفسخُ هنا فلا يتوجَّهُ؛ لأنه ليس حاكماً أَصْلياً، وقال أيضاً: والتحقيقُ أن الخلعَ يصح ممن يصحُّ طلاقُه بالمِلْكِ أو الوكالةِ أو الولايةِ، كالحاكمِ في الشِّقاقِ، وكذا لو فَعَلَهُ الحاكمُ في الإيلاءِ أو العِنَّةِ أو الإِعْسارِ أو غيرِها من المواضعِ التي يَملِك فيها الحاكمُ الفُرقةَ ا. هـ.
وقال الشوكاني في الدُّررِ البهيَّة: ولابدَّ من التراضِي بين الزوجينِ على الخلعِ أو إلزامِ الحَكَمِ مع الشِّقاقِ بينهما وهو فسخٌ ا. هـ.
وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما في النَّاشِزِ تَهْجُرُها في المَضْجَعِ، فإن قَبِلَتْ وإلا فقد أَذِنَ اللهُ لك أن تضربَها ضرباً غيَر مبرَّحٍ، ولا تكسِرُ لها عَظْماً، فإن قَبِلَتْ وإلا فقد حَلَّ لك منها الفِدْيةُ.
قال في الاختيارات: والخلعُ بعِوَضٍ فسخٌ بأيِّ لفظٍ كان، ولو وقع بصريحِ الطلاقِ وليس من الطلاقِ الثلاثِ، وهذا هو المنقول عن عبد الله بن عباسٍ وأصحابِه.
فصل
والخلعُ بلفظٍ صريحٍ الطلاقُ أو كنايتُه وقصدُه طلاقُ بائنٍ، وإن وقع بلفظِ الخلعِ أو الفسخِ أو الفداءِ ولم ينوِ طلاقاً كان فسخاً لا يُنقِّص عددَ الطلاقِ.
ولا يقعُ بمعتدَّةٍ من خلعٍ طلاقٌ، ولو واجهَها به، ولا يصح شرطُ الرجعةِ فيه، وإن خالعَها بغير عوَضٍ أو بمحرَّمٍ لم يصحَّ.
ويقع الطلاقُ رجعياً إن كان بلفظِ أو نيتِه، وما صحَّ مَهْراً صحَّ الخلعُ به، ويُكره بأكثرَ مما أعطاها، وإن خالعتْ حاملٌ بنفقةِ عِدَّتها صح.
ويصح بالمجهولِ، فإن خالعتْه على حَمْلِ شجرتِها، أو أَمَتِها، أو ما في بيتِها من دارهِم أو متاعٍ، أو على عبدٍ صحَّ، وله مع عدم الحَمْلِ والمتاعِ والعبدِ أقلُّ مسمَّاه، ومع عدمِ الدراهمِ ثلاثةٌ.
فصل
وإذا قال: متى، أو إذا، أو إن أعطيتِني ألفاً فأنت طالقٌ، طَلُقَت بعطيتِه وإن تراخَى.
وإن قالت: اخلعْني على ألفٍ، أو بألفٍ أو ولك ألفٌ، فَفَعَلَ بانتْ واستحقَّها، وطلِّقْني واحدةً بألفٍ فطلقَها ثلاثاً استحقَّها، وعكسُه بعكسِه، إلا في واحدةٍ بقيَتْ.
وعن الإمامِ أحمدَ وقُدماءِ أصحابِه لم يفرِّق أحدٌ من السلفِ ولا أحمدُ بنُ حنبل ولا قدماءُ أصحابِه في الخلعِ بين لفظٍ ولفظٍ لا لفظُ الطلاقِ ولا غيُره، بل ألفاظُهم كلُّها صريحةٌ في أنه فَسْخٌ بأيِّ لفظٍ كان، قال عبد الله: رأيتُ أبي يذهبُ إلى قولِ ابن عباسٍ، وابنُ عباسٍ صحَّ عنه أن كل ما أجازه المالُ ليس بطلاقٍ.
وليس للأبِ خلعُ زوجةِ ابنهِ الصغيرِ، ولا طلاقُها، ولا خلعُ ابنتِه الصغيرة بشيءٍ من مالِها.
ولا يُسْقِطُ الخلعُ غيرَه من الحقوقِ، وإن علَّق طلاقَها بصفةٍ ثم أبانَها فوُجِدَتْ ثم نَكَحَها فوُجِدَتْ بعدَه طلُقتْ كعتقٍ، وإلا فلا.
قوله: "وليس للأبِ خُلعُ زوجةِ ابنِه الصغيرِ ولا طلاقُها" هذا المذهبُ وعنه وله ذلك، اختاره الشيخ تقي الدين.
قوله: "وإن علَّق طلاقَها بصفةٍ ثم أبانَها" إلى آخره هذا المذهبُ، وقال أكثرُ أهلِ العلمِ لا تَطلقُ.