كلمات السداد على متن الزادصفحات 83-97

سمعَ التكبيرَ، وكذا خارجَه إن رأى الإمامَ أو المأمومين إذا اتّصلتْ الصفوفُ، وتصحُّ خلفَ إمامٍ عالٍ عنهم، ويُكرَهُ إذا كانَ العلوُّ ذراعاً فأكْثرَ كإمامتِه في الطَّاقِ، وتطوُّعِه موضعَ المكتوبةِ إلا مِنْ حاجةٍ، وإطالةُ قُعودِه بعد السَّلامِ مستقبلَ القِبْلَةِ، فإنْ كان ثَمَّ نساءٌ لبِثَ قليلاً لِينْصرِفْنَ، ويُكرَهُ وقوفُهم بين السَّواري إذا قَطَعْنَ الصُّفوفَ.

فصل

ويُعْذَرُ لتَرْكِ جُمُعةٍ أو جماعةٍ مريضٌ، ومُدافعٌ أَحَدَ الأَخْبثَينْ، ومَنْ بحضرةِ طعامٍ محتاج من ضياعِ مالِهِ أو فَواتهِ أو ضَررٍ فيه، أو موتِ قريبهِ أو على نفْسهِ من ضَررٍ أو سُلطانٍ أو مُلازمةِ غريمٍ ولا شيءَ معه، أو من فواتِ رفقتِه، أو غلبةِ نُعاسٍ، أو أذىً بمطرٍ أو وَحلٍ، أو بريحٍ باردةٍ شديدةٍ في ليلةٍ مُظْلِمة باردةٍ.
..................................

باب صلاة أهل الأعذار

تَلزمُ المريضَ الصلاةُ قائماً، فإن لم يستطعْ فقاعداً، فإن عَجزَ فعلى جَنْبِه، فإن صلَّى مُستلقياً إلى القِبْلةِ صَحَّ، ويُومِئُ راكعاً وساجداً ويخفِضُه عن الركوعِ، فإن عجز أَوْمَأَ بعينهِ، في أثنائِها انتقلَ إلى الآخر، وإن قَدَرَ على قيامٍ وقُعودٍ دونَ ركوعٍ وسجودٍ أَوْمَأَ بركوعٍ قائماً وبسجودٍ قاعداً، ولمريضٍ الصلاةُ مستلقياً مع القُدْرةِ على القيامِ لمداواةٍ بقولِ طبيبٍ مسلمٍ.
ولا تصحُّ صلاتُه في السفينةِ قاعداً وهو قادرٌ على القيامِ، ويصحُّ الفرضُ على الراحلةِ خشيةَ التأذِّي بالوحلِ لا للمرض.
قوله: (ولا تصحُّ صلاتُه في السفينةِ قاعداً وهو قادر على القيام).
قال في الشرح الكبير: اختلف قوله في الصلاةِ في السفينةِ مع القُدرةِ على الخروجِ، على روايتين (إحداهما): لا يجوزُ لأنَّها ليستْ حالَ استقرارٍ أَشْبَهَ الصَّلاةَ على الراحلةِ، (والثانية): يصحُّ لأنه يَتمكنُ من القيامِ والركوع والسجودِ، أَشْبَهَ الصَّلاةَ على الأرض.
وسواءٌ في ذلك الجاريةُ والواقفةُ والمسافرُ والحاضرُ، وهي أَصَحُّ ا. هـ. وعن ابنِ عُمَرَ قال: سُئل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كيف أُصلِّي في السَّفينةِ؟ قال: "صلِّ فيها قائماً إلا أن تخافَ الغَرَق".
رواه الدَّارَقُطْني.
قال البخاريُّ: وصلَّى جابرٌ وأبو سعيدٍ في في السفينةِ قائماً، وقال الحسنُ: قائماً ما لم تَشُقَّ على أصحابِك تدورُ معها وإلا فقاعداً ا. هـ. قوله: (ويصحُّ الفرضُ على الراحلةِ خَشيةَ التأذِّي بالوحلِ لا للمرضِ).
قال في المقنع: وهل يجوزُ ذلك للمريضِ؟ على روايتين.
قال في الشرح الكبير: وجملةُ ذلك أن الصلاةَ على الراحلةِ لأَجلِ المرضِ لا تخلو من ثلاثة أحوال: (أحدُها): أن =

فصل

من سافر سفراً مباحاً أربعةَ بُرُدٍ سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ ركعتينِ إذا فارقَ عَامِرَ قَرْيتهِ أو ثم سافرَ أو سَفراً ثم أقامَ أو ذَكرَ صلاةَ حضرٍ في أو عَكْسَها، أو ائتمَّ بمُقيمٍ أو بمن أو أحرم بصلاةٍ يَلزمُه إتْمامُها ففسَدتْ وأعادَهُ أو لم يَنوْ القَصْرَ عند إحرامِها، أو أو نوى إقامةً أكثرَ من أربعةِ أيامٍ، أو ملاَّحاً معه أهلُه لا يَنْوي الإقامةَ ببلدٍ لزمَهُ  = يخافَ الانقطاعَ عن الرُّفْقةِ أو العجزَ عن الركوبِ أو زيادةَ المرضِ ونحوه فيجوزُ له ذلك.
و (الثاني): أن لا يتضرَّر بالنزول ولا يَشُقَّ عليه فيلزمه النزولُ.
أن يَشُقَّ عليه النزولُ مشَّقةً يمكنُ تحملُها من غيرِ خوفٍ ولا زيادةِ مرضٍ ففيه الروايتان: (إحداهما): لا تجوزُ له الصلاةُ على الراحلةِ، لأن كان يُنزِلُ مَرْضاه (والثانية): يجوزُ، اختارها أبو بكر لأنَّ المشقةَ في النزولِ في المَطَر فكانَ إباحتُها ههنا أَوْلَى ا. هـ. قال في الاختيارات: وتصحُّ صلاةُ الفرضِ على الراحلةِ خشيةَ الانقطاعِ عن الرفقةِ أو حصولِ ضررٍ بالمَشْي، أو تبرز للخفر.
قوله: (من سافر سفراً مباحاً أربعةَ بُرُدٍ).
قال في الاختيارات: أما خروجُه إلى بعضِ عملِ أرضِه، وخروجُه - صلى الله عليه وسلم - إلى قُباء فلا يُسمَّى سفراً ولو كان بريداً ولهذا لا يتزوَّدُ ولا يتأهَّبُ له أُهبَةَ السفر.
قوله: (أو لم يَنْوِ القَصْرَ عند إحرامِها).
قال في الفروع: واختار جماعةٌ: يصحُّ القَصْرُ بلا نيةٍ وفاقاً لأبي حنيفة ومالك.

أن يُتِمَّ، وإن كان له طريقانِ فَسلكَ أبعدَهما أو ذَكرَ صلاةَ سفرٍ في آخر قَصْرٍ، وإن حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً أو أقامَ لقضاءِ حاجةٍ بلا نيَّةٍ إقامةً قَصَرَ أبداً.
قوله: (وإن حبس ولم ينو إقامة أو أقام لقضاءِ بلا نيَّةٍ إقامة قَصْرٍ أبداً).
قال في الفروع: قال ابن المُنذر: للمسافر القَصْرُ ما لم يجمعْ إقامةً وإنْ أَتَى عليه سِنونَ إجماعاً.
وفي التلخيص: إقامةُ الجيشِ الطويلةُ للغَزْوِ ولا تمنع الترخُّص لقوله عليه السلام.
قال الشَّوكاني: وإذا أقامَ ببلدٍ متِّردداً قَصَرَ إلى عشرينَ يوماً ثم يُتِمّ.
وعن ابنِ عباسٍ قال: لما فتحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مكةَ أقامَ فيها تسعَ عشرةَ ليلةً يصلِّي ركعتين.
فنحنُ إذا سافرنا فأقْمنا تسعَ عشرةَ قَصَرْنا وإن زِدْنا أتْممنا.
رواه البخاري 1 وغيره.
قال في الاختيارات: والجمعُ بين في السفرِ يختصُّ بمحلِ الحاجةِ؛ لأنه من رُخَصِ السفرِ من تقديمٍ وتأخيرٍ، وهو ظاهرُ مذهبِ أحمد المنصوص عليه، ويَجمعُ لتحصيلِ الجماعةِ وللصَّلاةِ في الحمَّامِ مع جوازِها فيه خوفَ فواتِ الوقْتِ، ولخوفِ تَحَرُّجٍ في تَرْكِه.
وفي الصحيحين من حديثِ ابنِ عباسٍ أنه سُئل: لمَ فعلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أحداً من أُمَّته 2. فلم يعلِّلْهَ بمرضٍ أو غيرِه، وأوسعُ المذاهب في الجَمْع مذهبُ أحمدَ فإنه يجوز الجمع إذا كان له شُغل كما رَوى النَّسائيُّ ذلك مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - 3، وأَوَّلَ القاضي وغيرُه نصَّ أحمدَ أن المرادَ بالشُّغْلِ الذي يُبيحُ تركَ الجُمُعةِ والجماعة ا. هـ.

فصل

يجوز الجمع بين الظُّهرين وبين العشاءينِ في وقتِ إحداهما في سفرِ قصرٍ، ولمريضٍ يَلْحقهُ بتركِهِ مشقَّةٌ، وبين العشاءين لمطرٍ يبلُّ الثيابَ ولوحلٍ وريحٍ شديدةٍ باردةٍ، ولو في بيتهِ أو في مسجدٍ طريقهُ تحت ساباطٍ.
والأفضل فعل الأرفق به من تقديم وتأخير، في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند إحرامها، ولا يفرِّق بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف، ويبطل براتبة بينهما، وأن يكون العذر موجودا عند افتتاحهما وسلام الأولى، وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجميع في وقت الأولى، إن لم يضق عن فعلها، واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
قوله: (وفي مسجدٍ طريقهُ تحَتَ ساباطٍ).
قال في المقنع: وهل يجوزُ لأجلِ الوَحْلِ والريحِ الشديدةِ الباردةِ أو لمن يُصلِّي في بيتهِ أو في مسجدٍ طُرقهُ تحتَ ساباطٍ على وَجْهينِ قال في الشرح الكبير: (إحداهما): الجوازُ؛ لأن الرُّخصةَ العامةَ يستوي فيها حالُ وجودِ المشقةِ وعدمِها كالسَّفرِ والثاني: المَنْعُ؛ لأن الجمعَ لأجلِ المشقة.
ا. هـ. ملخصاً.
قوله: (ويبطل براتبة بينهما)، قال في المقنع: فإن صلى السُّنُّةَ بينهما بَطَلَ الجمعُ في إحدى الروايتين، قال في الاختيارات: ولا في الجَمْعِ في وقتِ الأُولى، وهو مأخوذٌ من نصِّ في جَمْعِ المطرِ إذا صلَّى إحدى الصلاتينِ في بيته والأخرى في المسجدِ فلا بأسَ.
ومن نصَّه في رواية أبي طالب: للمسافرِ أن يُصلِّيَ العشاءَ قبلَ أن يغيبَ الشَّفَقُ، وعلَّله أحمدُ بأنه له الجَمْعُ.
وقال أيضاً: ولا يُشْتَرَطُ للقَصْرِ والجمعِ نيَّةٌ، واختاره أبو بكر عبدالعزيز بن جعفر وغيرُه.

فصل

وصلاةُ الخوفِ صحَّتْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بصفات كلها جائزة.
ويُستحَبُ أن يَحملَ معه في صلاتِها من السِّلاحِ ما يَدْفعُ به عن نفسِهِ ولا يُثقلهُ كسيفٍ ونحوه.
قال الخطَّابي: صلاةُ الخوفِ أنواعٌ صلاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في أيامٍ مُختلِفَةٍ بأشكالٍ متباينةٍ يتحرَّى في كُلِّها ما هو الأَحْوَطُ للصلاةِ والأبلغُ في الحراسةِ، فهي على اختلافِ صورها مُتَّفقةُ المعنى.
قال الخرقي: وإنْ خافَ وهو مقيمٌ صلَّى بكل طائفةٍ ركعتين وأتمَّتْ الطائفةُ الأُولى بالحمد لله في كلِّ ركعةٍ، والطائفةُ الأُخرى تتم بالحمد لله وسورة: قال الحافظ ابن حجر: صلاة الخوفِ في الحَضَرِ قال بها الشافعيُّ والجمهور.

باب صلاة الجمعة

تَلْزمُ كلَّ ذَكَرٍ حُرٍّ، مُكلَّفٍ، مسلمٍ، مستوطنٍ ببناء اسُمه واحدٌ ولو تَفَرَّق، ليس بينه وبين المسجدِ أكثرُ من فَرْسَخٍ، ولا تجبُ على مسافرٍ سَفَرَ قَصْرٍ ولا عبدٍ ولا امرأةٍ، ومن حضرَها منهم أجزأتْه ولم تنعقدْ به، ولم يصحَّ أن يَؤُمَّ فيها، ومَنْ سقطتْ عنه عليه إذا حَضرَها وانعقدتْ به، ومن صلَّى الظُّهرَ ممَّنْ عليه حضورُ الجمعةِ قبل صلاة الإمامِ لم تصح، وتصحُّ ممن لا تجبُ عليه، والأفضلُ حتى يُصلِّيَ الإمامُ.
ولا يجوزُ لمن تَلزمهُ السفرُ في يومِها بعدَ الزوال.

فصل

يشترطُ لصِحَّتِها شروطٌ ليس منها إِذنُ الإمامِ.
أحدُها: الوقتُ: وأولُه أولُ وقتِ صلاةِ العيد، وآخرُهُ آخرُ وقتِ صلاةِ   قوله: (مستوطِن ببناء).
قال في الاختيارات: وتجبُ الجُمعةُ على من أقدم في غير بناءٍ كالخيامِ، وبيوتِ الشعرِ ونحوِها، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، وحَكَى الأزجيُّ روايةً عن أحمدَ: ليسَ على أهلِ الباديةِ جُمعةٌ؛ لأنهم يتنقلون فأسْقَطَها عنهم، وعلل بأنهم غيرُ مستوطِنين.
وقال أبو العباس في موضع في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرعُ أهلُ القريةِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَلزمَ الجمعةُ مسافراً له القصرُ تَبَعاً للمقيمين.
قوله: (ومن حضرها منهم أجزأتْه ولم تنعقدْ به ولم تصحَّ أن يوُتمَّ فيها).
قال في الشرح الكبير: وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: يجوز أن يكونَ العبدُ والمسافرُ إماماً فيها، ووافقهَمْ مالكٌ في المسافر.
قوله: (وأولُه أولُ وقت صلاة العيد)، قال في الشرح الكبير: وقال أكثرُ أهلِ العلمِ وقتُها وقتُ الظُّهرِ إلا أنه يُستحبُّ تعجيلُها في أولِ وقتِها لقولِ سلمةَ بن الأَكْوعِ: =

الظُّهرِ فإن خرجَ وقتُها قبلَ التَّحريمة صلُّوا ظهراً وإلا فجُمعة.
الثاني: حضورُ أربعينَ من أهل وجوبِها بقرية مستوطِنين.
وتصحُّ فيما قاربه البُنْيانَ من الصَّحراءِ، فإنْ نَقَصُوا قبل إتْمامِها استأنفوا ظُهراً، ومن أدرك مع الإمامِ منها ركعةً أتمَّها جُمعةً، وإنْ أدْركَ أقلَّ من ذلك أتمَّها ظُهراً إذا كان نوى الظُّهرَ.
= " كنَّا نجمِّعُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا زالتِ الشمسُ ثم نرجعُ نتتبَّعُ الفَيْءَ" 1. قال شيخُنا: وأما فِعُلُها في لا يجوزُ؛ فالأَوْلى فِعْلُها بعد الزَّوالِ، لأنه فيه خروجاً من الْخِلاَفِ.
وتعجيلُها في أولِ وقتِها في الشتاءِ والصيفِ.
ا. هـ. ملخصاً.
قوله: (حضور أربعين): قال في المقنع: وعنه تنعقد بثلاثة.
قال في الاختيارات: وتنعقد الجمعة بثلاثة: واحدٌ يخطُب واثنان يستمعان، وهو إحدى الرواياتِ عن أحمدَ، من العلماء.
وقد يقالُ بوجوبِها على الأربعين لأنه لم يَثبتْ وجوبُها على مَنْ دونَهم، تصحُّ ممن دونهم، لأنَّه انتقالٌ إلى أعلى الفَرْضَين كالمريضِ بخلافِ المسافرِ، فإنَّ فرضَه ركعتان.
قوله: (وإن أدرك أقلَّ من ذلك أتمَّها ظُهراً إذا كان نوى الظُّهرَ).
قال في المقنع: ومن أدرك مع الإمامِ منها ركعةً أتمَّها جُمعةً، ومن أدركَ ذلك أتمَّها ظُهراً إذا كان قد نوى الظُّهرَ في قول الخرقي.
وقال أبو إسحاقَ بنَ شاقِلاَّ: ينوي جمعةً ويُتِمُّها ظُهراً.
قال في الشرح الكبير: وهذا ظاهرُ قولِ قَتَادةَ وأيوب ويُونُسَ والشافعيِّ؛ لأنه يصحُّ أن ينويَ الظُّهرَ خلفَ من يُصلِّي الجمعةَ في ابتدائِها، فكذلك في انتهائِها.
ا. هـ ملخصاً.

ويُشترطُ تقدُّمُ خُطبتين، من شَرْطِ صحَّتِهما: حَمْدُ اللهِ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وقراءةُ آيةٍ، والوصيةُ بتقوى الله عزَّ وجلّ، وحضورُ العددِ المُشترَطِ، ولا تُشترَطُ لهما الطهارةُ، ولا أن يتولاهُما من يتولَّى الصَّلاةَ.
ومن سُننِهما أنْ يخطُبَ على مِنبرٍ أو موضعٍ عالٍ، ويسلِّم على المأمومينَ إذا أَقبلَ عليهم ثم يجلِسُ إلى فراغِ الأذان، ويجلِسُ بين الخُطبتينِ، ويخطُب قائماً، ويعتمدُ على سيفٍ أو قوسٍ أو عصاً، ويقصِدُ تِلْقاءَ وجْههِ، ويقصُرُ الخُطبةَ، ويدعو للمسلمين.

فصل

والجمعةُ ركعتانِ يُسنُّ أن يقرأ جهرا في الأُولى بالجُمعة وفي في أكثرِ من موضعٍ من البلدِ إلا لحاجةٍ، فإن فَعَلُوا فالصحيحةُ ما باشَرَها الإمامُ أو أَذِنَ فيها، فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة، وإن وقعتا معاً أو جُهِلَت الأولى بَطَلَتَا.
وأقلُّ السُّنَّةِ بعد الجمعة ركعتان، وأكثرُها ستٌ، ويسنُّ أن يغتسل لها [في يومها] -وتقدم- ويتنظف ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويبكر إليها ماشياً، ويدنو   قوله: من موضع في البلدِ في المقنع: وتجوزُ إقامةُ الجمعةِ في موضعينِ للبلدِ للحاجةِ، ولا في الفروع: وتجوزُ في أكثر منْ موضعٍ للحاجةِ كخوفِ فتنةٍ أو بُعْدٍ أو ضيقٍ وفاقاً للشافعي، ورواية عن أبي حنيفةَ ومالكٍ لِئلاَّ تفوتَ حِكمةُ تجميعِ الخَلْقِ الكثيرِ دائماً.
قوله: (ويُسنُّ أن يغتسلَ وتَقَدَّم) -أي في كتاب الطهارة وهو قوله: وإن استعمل في طهارةٍ مستحبَّةٍ كتجديدِ وضوءٍ وغسل جُمعة.

من الإمام، ويقرأ في يومها ويكثر الدعاء والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يتخطَّى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو إلى فُرْجةٍ، وحَرُم أن يقيمَ غيره فيجلسَ مكانَه إلا من في موضع يحفظه له، وحَرُم رفعُ مُصَلًّى مفروش ما لم تَحْضر الصلاة، ومن قام من مكانه لعارض لَحِقَهُ ثم عاد إليه قريباً فهو أحقُّ به، ومن دخل والإمامُ يخطب لم يجلس حتى يُصلِّيَ ركعتين يوجز فيهما، ولا يجوز الكلامُ والإمامُ يخطبُ إلا له أو لمن يكلمه، ويجوز قبل الخطبة وبعدها.
قوله: (وحَرُم رفعُ مُصلَّى مفروش ما لم تَحضر الصلاة).
قال في المقنع: وإن وجد مُصلًّى مفروشاً فهل له رَفْعُه؟ على وجهين، قال في الشرح الكبير: (أحدهما): ليس له ذلك لأن فيه افتياتاً على صاحبها وربما أفضى إلى الخصومة، ولأنه سَبَقَ إليه، أَشْبه السابقَ إلى رحبةِ المسجد ومقاعدِ الأسواق، (والثاني): يجوز رَفْعُه والجلوسُ موضِعَه لأنه لا حُرْمةَ له، ولأن السَّبْق بالأبدان هو الذي يحصل به الفضلُ لا بالأَوْطِئة، ولأن تَرْكَها يُفضي إلى أن يتأخرَ صاحبُها ثم يتخطَّى رقابَ الناس، ورَفْعُها ينفي ذلك.
وأما ما يفعله بعضُ الناس يأتي فيضع عصاه ويخرج لأَشْغاله فهذا لا يجوز، والداخلُ بعده هو السابقُ ولو جلس في الصف الآخر.
قال الشيخ عبد الله أبا بُطَيْن: وأما من دخل المسجد ووجد فيها عصاً يضعها أهلُها ويخرجون لأغراضهم فلا بأس بتأخيرها والمجيءِ في موضعها، فإذا حاذرت من شيء يصير في نفس أخ لك إذا أخَّرْتَ عصا وجلست في مكانه فالذي أحبُّه تركها والجلوسَ في مكان آخر.
ا. هـ. من مجموع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم.

باب صلاة العيدين

وهي فرضُ كفايةٍ، إذا تركها أهلُ بلد قاتلهم الإمامُ، وقتُها كصلاة الضُّحى، وآخرُه الزوالُ، فإن لم إلا بعده صلَّوا من في صحراء، وتَقْديمُ صلاة الأضحى وعكسُه الفطر، وأكلهُ قبلها، وعكسُه في الأضحى إن ضحَّى، وتكره في الجامع بلا عذر.
ويُسن تَبْكيرُ مأموم إليها ماشياً بعد الصبح، وتأخرُ إمام إلى وقت الصلاة على أحسن هيئة؛ إلا المعتكفَ ففي ثياب اعتكافه،   قوله: (وهي فرض كفاية).
قال في الاختيارات: وهي فرضٌ عينيٌّ، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد.
وقد يقال بوجوبها على النساء، ومن شَرْطها الاستيطانُ وعددُ الجمعة، ويفعلها المسافرُ والعبد والمرأةُ تبعاً.
قوله: (وأكلُه قبلَها وعكسُه في الأضحى إن ضَحَّى).
لحديث بريدة، رواه الدارقطني وفيه: وكان لا يأكلُ يومَ النَّحر حتى يرجعَ فيأكلَ من أضحيته، وإذا لم يكن له ذِبْحٌ لم يُبالِ أن يأكل 1. والحكمة في تأخير الأكل يوم الأضحى: الابتداءُ بأكل النُّسك شكراً لله تعالى.
وفي رواية البيهقي: وكان إذا رجع أكل من كبد ضَحِيَّتِه.
قوله: (إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه).
قال في الفروع: ويُسنُّ لُبْسُ أحسن ثيابه إلا المعتكفَ في العشر الأواخرِ من رمضانَ أو إلى المُصَلَّي في ثياب اعتكافه وفاقاً للشافعي.
نَصَّ على ذلك.
وقال جماعة إلا الإمام.
وقال القاضي في موضع: مُعْتَكِفٌ كغيره في زِيْنَةٍ وطِيْبٍ ونحوهما.
وعنه الثياب جيدة ورثَّة، الكلُّ سواء ا. هـ. والصواب أن المعتكف كغيره.

ومن شَرْطِها: استيطانٌ، وعددُ الجمعة، لا إذنُ إمامٍ، ويُسَنُّ أن يَرْجعَ من طريقٍ أُخرى.
ويُصليها ركعتينِ قبل الخُطبة يكبِّر في الأولى -بعد الاستفتاح، وقَبْل التعوذِ والقراءةِ ستاً، وفي الثانية -قبل القراءة- خمساً.
يرفع يديه مع كل تكبيرة ويقول: الله أكبر كبيراً، والحمد للهِ كثيراً، وسبحان اللهِ بكرةً وأصيلاً، وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ وآله وسلم تسليماً (كثيراً)، وإن أحبَّ قال غيرَ ذلك.
ثم يقرأ جَهْراً بعد الفاتحة بـ (سَبِّح) في الأولى، وبـ (الغاشية) في الثانية، فإذا سلَّم خطب كخُطبتي الجمعة، يستفتح الأولى بتسع   قوله: (ومِنْ شَرْطها استيطانٌ وعددُ الجمعة لا إذنُ الإمام).
قال في المقنع: وهل مِنْ شَرْطها الاستيطانُ وإذنُ الإمام والعددُ المشْتَرَطُ للجمعة؟ على روايتين.
قوله: (وينادى الصلاة جامعة).
قال في الشرح الكبير: كذلك ذكره أصحابنا قياساً على صلاة الكسوف.
وقال الموفق في المغني: وقال بعض أصحابنا: ينادي في العيدين الصلاة جامعة، وهو قول الشافعي، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحقُّ أن تُتَّبَع، يعني: ما أخرجه مسلم 1 عن عطاء قال: أخبرني جابر أن لا أذان يوم الفطر حين يخرجُ الإمامُ ولا بعدما يخرج الإمام، ولا إقامة ولا نداء ولا شيء.

تكبيرات، والثانية بسبع، يحثُّهم في الفطر على الصدقة، في الأضحى في الأضحية، ويُبين لهم حكمها.
والتكبيراتُ الزوائدُ والذكرُ بينها والخُطبتان سُنَّة، ويُكره التنفلُ قبل الصلاة في موضعها.
ويسنُّ لمنْ فاتَتْه أو بعضَها قضاؤُها على صِفتها، ويسنُّ التكبيرُ المطلقُ في ليلتي العيدين، وفي فِطْرٍ آكد، وفي كل عشر ذي الحجة، والمُقَيَّدِ عقب كلِّ فريضة في جماعة، من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق، وإن نسيه قضاه ما لم يُحْدِثْ أو يَخرجْ من المسجد، ولا يسنُّ عقب صلاة عيدٍ، وصفتُه شفعاً: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
قوله: (ويُكره التنفل قبل الصلاة وبعده في موضعها).
قال في الشرح الكبير: وقال مالك كقولنا في المُصَلَّى، وله في المسجد روايتان: (إحداهما) يتطوع لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دخل أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يصلِّي ركعتين) 1 أ. هـ. قوله: (وإن نَسِيَه قضاه ما لم يُحْدِثْ أو يخرجْ من المسجد).
قال في الشرح الكبير: قال الشيخ: والأَوْلَى - إن شاء الله- أنه يكبِّر؛ لأن ذلك ذكرٌ منفردٌ بعد سلام الإمام فلا يُشترط له الطهارةُ كسائر الذِّكر.

باب صلاة الكسوف

تسنُّ جماعةً وفرادَى إذا كسف 1 أحدُ النيِّريْن، ركعتين يقرأ في الأولى جهراً بعد الفاتحة سورةً طويلةً، ثم يركعُ طويلاً، ثم يرفعُ ويُسَمِّع ويحمِّدُ، ثم يقرأُ الفاتحةَ وسورةً طويلةً دون الأولى، ثم يركعُ فيطيلُ وهو دون الأوَّلِ، ثم يرفعُ ثم يسجدُ سجدتين طويلتين، ثم يصلي الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعلُ، ثم يتشهدُ ويُسلِّم، فإن فيها أتمَّها خفيفةً، وإن غابت الشمسُ كاسفةً أو طلعتْ والقمرُ خاسفٌ، أو كانت آيةً غيرَ الزَّلْزَلةِ لم يُصلِّ.
وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعاتٍ أو أربعٍ أو خمس جاز.
قوله: (وإن غابت الشمس كاسفةً، أو طلعتْ والقمرُ خاسفٌ، أو كانت آيةً غيرَ الزَّلْزَلَةِ لم يُصَلِّ)، قال في الفروع: والأشهرُ يصلِّي إذا غاب القمرُ خاسفاً ليلاً، وفي مَنع الصلاة له بطلوع الفجر كطلوع الشمس وجهان: إن فُعِلتْ وقت نَهْي قال في التصحيح: قال الشارح: فيه احتمالان ذكرهما القاضي: (أحدهما) لا يُمنع من الصلاة إذا قلنا إنها تفعل في وقت نهي.
اختاره المجد في شرحه، قال في مجمع البحرين: لم يُمنع في أظهر الوجهين، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب ا. هـ. قال في الاختيارات: وتصلَّى صلاةُ الكسوف لكل آيةٍ كالزلزلة وغيرها، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقول محققي أصحابنا وغيرهم.

باب صلاة الاستسقاء

إذا أجدبت الأرضُ وقَحَطَ المطرُ صلَّوها جماعةً وفُرادى، وصفتُها في موضعها وأحكامها كعيد، وإذا أراد الإمامُ الخروجَ لها وعظَ الناسَ وأمرَهُم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم وتَرْكِ التَّشَاحنِ، والصيام والصدقة، ويَعِدُهم يوماً يَخْرجون فيه، ويَتنظَّف ولا يَتطيَّب، ويخرج متواضعاً متخشِّعاً متذلِّلاً متضرِّعاً، ومعه أهلُ الدِّين والصلاح والشيوخ والصبيان المميِّزون.
وإن خرج أهلُ الذِّمَّةِ منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يُمنعوا، فيصلي بهم، ثم يخطبُ واحدةً يفتتحها بالتكبير كخُطبة العيد ويُكثر فيها الاستغفارَ وقراءةَ الآياتِ التي فيها الأمرُ به، ويرفع يديه فيدعو بدعاء النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً) إلى آخره، وإن سُقُوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيدَ من فضله، وينادي لها: الصلاة جامعة، من شرطها إذنُ الإمام، ويسن أن يقف في أول المطر وإخراجُ رَحْلِه وثيابهِ ليُصيبَها، وإن زادت المياه وخيف منها سُنَّ أن يقول: (اللهم حوالَيْنا ولا علينا، اللهم على الظِّرابِ والآكامِ وبطونِ الأودية ومنابتِ الشجر، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ...﴾ 1.  ..................................

جارٍ التحميل