كتاب الشهادات
تَحمّلُ الشهادات في غير حقِ الله فرضُ كفاية، فإن لم يوجد إلا من يَكْفي تَعيَّن عليه.
وأداؤها فرضُ عينٍ على من تحمَّلها، متى دُعي إليها وقَدَرَ بلا ضَررٍ في بَدَنِه أو عِرْضِه أو مالِه أو أهلِه، وكذا في التحمُّلِ، ولا يحِلُّ كتمانها، ولا أن يشهدَ إلا بما يَعلَمُه برؤيةٍ أو سماعٍ أو استفاضةٍ فيما يتعذَّر عِلمُه غالباً بدونها كنَسَبٍ وموتٍ ومِلْك مطلق، ونكاحٍ ووقفٍ ونحوها.
قال الخرقي: ومن لزمتْه الشهادةُ فعليه أن يقومَ بها على القريبِ والبعيدِ لا يسعُه التخلُّف عن إقامتِها وهو قادرٌ على ذلك.
قال في الاختيارات 1: الشهادةُ سببٌ موجِبٌ للحق، وحيثُ امتنعَ أداءُ الشهادةِ امتنعت كتابتُها في ظاهر كلام أبي العباس والشيخ أبي محمد المقدسي، ولو كان بيد إنسان شيءٌ لا يستحقُّه، ولا يصلُ إلى من يستحقّه بشهادتهم [لم يلزم أداؤها]، وإذا وصل إلى مُستحقِّه بشهادتهم لزم أداؤُها، والطلبُ العُرفي أو مقتضى الحال في طلب الشهادة كاللَّفْظي، عَلِمَها المشهودُ له أو لا، وهو ظاهرُ الخبر، وخبر: "لا يَشْهَدُ ولا يُسْتَشْهَد" 2 محمولٌ على شهادة الزور، وإذا أدَّى الآدميُّ شهادةً قبل الطلبِ قام بالواجب، وكان أفضلَ، كمن عنده أمانةٌ أداها عند الحاجة، والمسألة تُشبه =
ومن شَهِدَ بنكاحٍ أو غيره من العُقودِ فلابدَّ من ذِكْرِ شروطه،... وإن شهد برضاعٍ أو سرقةٍ أو شُربٍ أو قَذْفٍ، فإنه يصفُه ويصفُ... الزِنا بذكرِ الزمان والمكان والمزنِي بها، ويَذكرُ ما يُعتبَر للحُكمِ ويَختلِفُ به في الكُلِّ.
= الخلافَ في الحُكم قبلَ الطلب، وإذا غَلب على ظنِّ الشاهدِ أنه يُمْتَحَنُ فيُدعَى إلى القول المخالفِ للكتابِ والسنةِ أو إلى محرَّم، فلا يسوغُ له أداءُ الشهادةِ وفاقاً، اللهم إلا أن يُظهر قولاً يريد به مصلحةً عظيمةً، ويشهدُ بالاستفاضةِ ولو عن أحدٍ تَسكنُ نفسُه إليه، اختاره الجدُّ.
انتهى ملخصاً.
وقال أيضاً: ولا يعتبرُ في أداءِ الشهادةِ [قولُ الشاهد: ] وأن الدَّينَ باقٍ في ذمةِ الغريم إلى الآن بل يَحكمُ الحاكمُ باستصحابِ الحال إذا ثبتَ عنده سبقُ الحقِ إجماعاً.
فائدة: قال في المقنع: وإذا مات رجلٌ فادَّعى آخرُ أنه وارثُه، فشهدَ له شاهدان أنه وارثُه لا يعلمان له وارثاً سواه يسلَّم المالُ إليه، سواء كانا من أهلِ الخبرةِ الباطنةِ أو لم يكونا، وإن قالا: لا نعرفُ غيرَه في هذا البلدِ احْتَمَلَ أن يُسلَّمَ المالُ إليه، واحتملَ أن لا يسلَّمَ إليه، حتى يَسْتَكْشِفَ القاضي عن خبرِه في البلدانِ التي سافر إليها اهـ.
قوله: (ويذكرُ ما يُعتبر للحُكم ويختلفُ به في الكُلِّ) قال في الاختيارات: ويُعَرِّضُ في الشهادةِ إذا خافَ الشاهدُ من إظهارِ الباطنِ ظلمَ المشهودِ عليه، وكذلك التعرضُ في الحُكْمِ إذا خاف الحاكمُ من إظهارِ الأمرِ وقوعَ الظلمِ، وكذلك التعريضُ في الفَتْوَى، والروايةُ كاليمينِ وأَوْلَى، إذ اليمينُ خَبَرٌ وزيادةٌ اهـ.
فصل
شروطُ مَنْ تُقبل شهادتُه ستةٌ: البلوغُ، فلا تُقبلُ شهادةُ الصِّبيانِ.
الثاني: العقلُ، فلا تُقبلُ شهادةُ مجنونٍ ولا مَعْتوهٍ، وتُقبلُ ممن يُخْنَقُ أحياناً في حالِ إفاقتِه.
الثالث: الكلامُ، فلا تُقبلُ شهادةُ الأخرسِ، ولو فُهِمَتْ إشارتُه إلا إذا أدَّاها بخطِّه.
الرابع: الإسلامُ.
الخامس: الحِفْظُ.
السادس: العدالةُ ويُعتبَر لها شيئان: الصلاحُ في الدِّين، وهو أداءُ الفرائضِ بسُننها الراتبةِ، واجتنابُ المحارمِ، بأن لا يأتيَ كبيرةً ولا يُدمن على صغيرةٍ، فلا تقبلُ شهادةُ فاسقٍ.
الثاني: استعمالُ المروءةِ، وهو فعلُ ما يُجمِّله ويزينُه، واجتنابُ ما يدنِّسُه ويَشِيْنُه.
ومتى زالتِ الموانعُ، فبلغَ الصبيُّ وعَقَلَ المجنونُ وأسلم الكافرُ وتاب الفاسقُ، قُبلتْ شهادتُهم.
قال في المقنع: ولا يُعتَبرُ في الشهادةِ الحريةُ، بل تجوز شهادةُ العبدِ في كلِّ شيءٍ إلا في الحدودِ والقِصَاصِ على إحدى الروايتين، وتقبلُ شهادةُ الأَمَةِ فيما تجوزُ فيه شهادةُ النساءِ، وتجوز شهادةُ الأصمِّ على ما يراه وعلى المسموعاتِ التي كانت قبل صَمَمِهِ، وتجوز شهادةُ الأعمى في المسموعاتِ إذا تيقَّن الصوتَ وبالاستفاضةِ، وتجوز في المرئياتِ التي تَحمَّلها قبل العَمَى، إذا عَرَفَ الفاعلَ باسمِه ونسبِه.
قال في الاختيارات 1: وله أصولٌ منها: قبولُ شهادةِ أهلِ الذمَّةِ في الوَصيَّةِ، وشهادةُ النساءِ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرجالُ، وشهادةُ الصِّبيانِ فيما لا يطَّلعُ عليه الرجالُ، ويَظهرُ ذلك بالمحتضر في السفر إذا حَضَره اثنانِ كافرانِ واثنانِ مسلمانِ يَصْدُقَانِ وليسا بملازمين للحُدودِ، أو اثنان مُبْتَدِعانِ، فهذان خيرٌ من الكافَرين، إلى =
..................................
= أن قال: وتُقبلُ شهادةُ الكافرِ على المسلم في الوصيَّةِ في السفر إذا لم يوجد غيرُه، وهو مذهبُ أحمد، ولا تُعتَبرُ عدالتُهم في دِينهم، وصرَّح به القاضي، واستحلافُهم حقٌّ للمشهود عليه، فإن شاء حَلَّفهم، وإن شاء لم يُحلِّفْهم بسبب حقِّ الله، ولو حَكَمَ حاكمٌ بخلافِ آيةِ الوصَّيةِ يُنقَضُ حُكمُه، فإنه خالفَ نصَّ الكتابِ بتأويلاتٍ سَمِجَةٍ.
وقول أحمد: أَقْبَلُ شهادةَ أهلِ الذمةِ إذا كانوا في سَفَرٍ ليس فيه غيرُهم، هذه ضرورةٌ يقتضي هذا التعليلُ قبولها في كل ضرورةٍ حَضَراً وسَفَراً، وصيةً وغيرَها، وهو مُتَّجِهٌ، كما تقبلُ شهادةُ النساءِ في الحدودِ إذا اجتمعْنَ في العُرْسِ والحمَّامِ، ونصَّ عليه أحمدُ في روايةِ بكرِ بنِ محمدٍ عن أبيه، إلى أن قال: وإذا قبلنا شهادةَ الكفارِ في الوصيَّةِ في السفرِ، فلا يُعتبَرُ كونُهم من أهل الكتابِ، وهو ظاهرُ القرآنِ، وتقبلُ شهادةُ أهلِ الذمةِ بعضِهم على بعضٍ، وهو رواية عن أحمدَ اختارها أبو الخطابِ في انتصاره، ومذهبُ أبي حنيفة وجماعةٍ من العلماء، ولو قيل: إنهم يَحلِفُون مع شهادةِ بعضِهم على بعض كما يَحلِفُون في شهادتِهم على المسلمين في وصية السفر لكان متوجِّهاً.
اهـ.
قال في الاختيارات 1: والشروط التي في القرآن إنما هي في استشهاد التحمُّل لا الأداء، وينبغي أن نقولَ في الشهود ما نقولُ في المحدِّثين، وهو أنه من الشهودِ مَنْ تقبلُ شهادتُه في نوعٍ دون نوعٍ، أو شخصٍ دون شخصٍ، كما أن المحدِّّثين كذلك، ونبأُ الفاسقِ ليس بمردودٍ، بل هو موجِبٌ للتبيُّنِ عند خَبَرِ الفاسقِ الواحد، أما إذا علم أنهما لم يتواطآ، فهذا قد يَحْصُلُ [به] العلم، وتُرَدُّ الشهادةُ بالكِذْبَةِ الواحدةِ، وإن لم نَقُلْ: هي كبيرةٌ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، ومن شهد على إقرارِ كذبٍ مع =
باب موانع الشهادة وعدد الشهود
لا تُقْبَلُ شهادةُ عَمُودَي النَّسَبِ بعضِهم لبعضٍ، ولا شهادةُ أحدِ الزوجين لصاحِبه، وتُقْبَلُ عليهم، ولا من يَجُرُّ إلى نفسِه نفعاً، أو يَدفعُ عنها ضرراً، ولا عدوّ على عدوِّهِ، كمن شَهِدَ على من قَذَفَهُ، أو قَطَعَ الطريقَ عليه، ومن سرَّه مَسَاءًةَ شخصٍ، أو غمَّهُ فرحُهُ فهو عدوُّه.
= عِلْمِه بالحالِ، أو تَكرَّر منه النظرُ إلى الأجنبياتِ، والقعودُ له بلا حجةٍ شرعيةٍ قَدَحَ ذلك في عدالتِه، ولا يستريبُ أحدٌ فيمن صلَّى مُحْدِثاً، أو إلى غير القِبْلَةِ، أو بعدَ الوقتِ، أو بلا قراءةٍ، أنه كبيرةٌ، ويَحْرُمُ اللعبُ بالشِّطْرَنْجِ، وهو قولُ أحمدَ وغيره من العلماء، كما لو كان بِعِوَضٍ، أو تَضَمَّن تَرْكَ واجبٍ، أو فِعْلَ مُحرَّمٍ إجماعاً، وهو شرٌّ من النَّرْدِ، وقاله مالك.
ومن ترك الجماعةَ فليس عدلاً، ولو قلنا: هي سُنَّةٌ، إلى أن قال: وتُقبلُ شهادةُ البدويِّ على القَرَوِيِّ في الوصيةِ في السفرِ، وهو أخصُّ من قولِ مَنْ قَبِلَ مُطلَقاً أو مَنَعَ مُطلقاً، وعلَّل القاضي وغيرُه مَنْعَ شهادةِ البَدَويِّ على القَرَوِيِّ، أن العادةَ أن القرويَّ إنما يشهد على أهلِ القريةِ دون أهلِ البادية، قال أبو العباس: فإذا كان البدويُّ قاطناً مع المدَّعين في القرية قُبِلَتْ شهادتُه، لزوال هذا المعنى، فيكون قولاً آخرَ في المسألةِ م
فصَّل
اً.
وقال أبو العباس 1 في قوم أَجَّروا شيئاً: لا تُقبلُ شهادةُ أحدٍ منهم على المستأجِر، لأنهم وكلاءُ أو أولياءُ اهـ.
قوله: "ولا عدوٌّ على عدوِّه"، هذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا تَمْنَعُ العداوةُ الشهادةَ، لأنها لا تُخِلُّ بالعدالةِ فلا تَمْنَعُ الشهادةَ، كالصداقةِ لا تمنعُ الشهادة له.
=
..................................
= قال في الفروع: ويعتبرُ كونُها لغير الله مَوْروثةً أو مُكْتَسَبَةً، وفي الترغيبِ ظاهرُه بحيث يعلمُ أن كُلاً منهما يُسَرُّ بِمَسَاءَةِ الآخَرِ، ويَغْتَمُّ بفرحِه، ويَطْلُبُ له الشَرَّ، قال في الفنون: واعتبرتُ الأخلاقَ، فإذا أشدُّها وبالاً على صاحبِه الحسدُ، وقال ابن الجوزي: الإنسانُ مجبولٌ على حُبِّ الترفعِ على جِنْسِه، وإنما يَتَوجَّه الذمُّ إلى من عَمِلَ بمقتضَى التسخُّطِ على القَدَرِ، أو يَنْتَصِبُ لذمِّ المحسودِ، بل ينبغي له أن يَكرَهَ ذلك من نَفْسِه.
قال شيخُنا: عليه أن يستعمل معه الصبرَ والتَّقْوَى، فيَكْرَهُ ذلك من نفسِه ويستعملُ معه ذلك، وذكر عند ذلك قول الحسن: لا يَضُرُّكَ ما لم تُعْدِ به يداً أو لساناً، قال: وكثيرٌ ممن له دِينٌ لا يُعِينُ من ظَلَمَهُ، ولا يقومُ بما يجب من حقِّه، بل إذا ذمَّه أحدٌ لم يوافقْه، ولا يذكرُ محامِدَهُ بل يسكتُ عند مَدْحِه، وهذا عندهم مذنبٌ في تَرْكِ المأمور لا مُعْتَدٍ، وإنما هو مُفَرِّطٌ في عدم القيامِ بحقِّه، وأما من اعتدى بقولٍ أو فعلٍ فذاك يُعاقَبُ، ومن اتَّقَى وصبرَ نفعَهُ اللهُ بتقواه، كما جرى لزينبَ بنتِ جَحْشِ، وفي الحديثِ: (ثلاثٌ لا ينجو منهنَّ أحدٌ: الحسدُ والظَّنُّ والطِّيرَةُ، وسأحدِّثكم بالمَخْرَجِ من ذلك: إذا حَسَدْتَ فلا تَبْغِ، وإذا ظَنَنْتَ فلا تُحقِّقْ، وإذا تَطَيَّرْتَ فامضِ) اهـ.
قال في الاختيارات 1: والواجبُ في العَدوِّ والصديقِ ونحوِهما أنه إنْ عَلِمَ منهما العدالةَ الحقيقيةَ قُبلتْ شهادتُهما، وأما إن كانت عدالتهُما ظاهرةً مع إمكانِ أن يكونَ الباطلُ بخلافِه لم تُقْبَلْ، ويتوجَّه مثلُ هذا في الأبِ ونحوه انتهى.
وقال أيضاً: والعَدْلُ في كل مكانٍ وزمانٍ وطائفةٍ بحسَبِها، فيكون الشهيدُ في كلِّ قومٍ من كان ذا عدلٍ فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عَدْلُه على وجهٍ آخر، وبهذا يمكن الحُكْمُ بين الناسِ، وإلا فلو اعتُبِر في شهودِ كُلِّ طائفةٍ أن لا يَشْهَدَ عليهم إلا من كان قائماً بأداء الواجباتِ وتَرْكِ المُحرَّماتِ - كما كان الصحابةُ - لبَطَلَت الشهاداتُ كلُّها أو غالبُها اهـ.
فصل
ولا يُقْبَلُ في الزنا والإقرارِ به إلا أربعةٌ، ويكفي على من أَتَى بهيمةً رجلان.
ويُقْبَلُ في بقيةِ الحدودِ، والقصاصِ، وما ليس بعقوبةٍ ولا مالٍ،
قوله: (وما ليس بعقوبةٍ)، عبارةُ الدليلِ: الثالثُ: القَوَدُ والإِعْسَارُ وما يُوجِبُ الحدَّ والتعزيرَ فلابدَّ من رجلين، ومثلُه النكاحُ إلى آخره.
قال في الاختيارات: ويَعتَبرُ شهادةَ الإعسارِ بعد اليسارِ ثلاثةٌ، وفي حِلِّ المَسْألةِ، وفي دَفْعِ الغُرَماءِ، وكلامُ القاضي يدلُّ عليه اهـ.
قال في الاختيارات 1: قصةُ أبي قَتَادَةَ وخُزَيْمَةَ تقتضي الحُكْمَ بالشاهدِ في الأموال.
وقال القاضي في التَّعليقِ: الحُكْمُ بالشاهدِ الواحدِ غيرُ ممتنعٍ، كما قاله المخالفُ في الهلالِ في الغَيْمِ وفي القابلةِ، على أنَّا لا نعرفُ الروايةَ بمنعِ الجواز، قال أبو العباس: وقد يقال: اليمينُ مع الشاهدِ الواحدِ حق للمستَحلِفِ وللإمام، فله أن يُسْقِطَها، وهذا أحسنُ إلى أن قال: ولو قيل: إنه يَحكمُ بشهادةِ امرأةٍ واحدة مع يمينِ الطالبِ في الأموالِ لكان متوجِّهاً، لأنهما أُقيما مَقَامَ الرجلِ في التَحمُّلِ، وتثبتُ الوكالةُ ولو في غير المالِ بشاهدٍ ويمينٍ، وهو رواية عن أحمد، والإقرارُ بالشهادة بمنزلةِ الشهادةِ بدليلِ الأَمَةِ السوداءِ في الرَّضاعِ، فإن عُقْبَةَ بنَ الحارثِ أخبرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المرأة أَخبرتْه أنها أَرضعتْهما، فنهاه عنها من غير سماع المرأة 2. وقد احتجَّ به الأصحابُ في قَبُولِ شهادةِ المرأةِ الواحدةِ في الرَّضاعِ، فلولا أن الإقرارَ بالشهادةِ بمنزلةِ =
ولا يقصدُ به المال ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ غالباً: كنكاحٍ وطلاقٍ ورَجْعةٍ، وخلعٍ ونسبٍ، وولاءٍ وإيصاءٍ إليه، يُقبلُ فيه رَجُلانِ.
ويُقبلُ في المارِ وما
= الشهادةِ ما صحَّتِ الحُجَّةُ، ويؤيدُه أن الإقرارَ بحُكمِ الحاكمِ بالعَقْدِ الفاسدِ يَسوغُ للحاكمِ الثاني أن يُنفِذَه مع مُخالفَتِه لمذهبِه اهـ.
قال في المغني 1: إذا ادَّعَى رجلٌ على رجلٍ أنه سَرَقَ نِصَاباً من حِرْزِهِ، وأقامَ بذلك شاهداً وحَلَفَ معه، أو شَهِدَ له رجلٌ وامرأتانِ، وَجَبَ له المالُ المشهودُ به إن كان باقياً أو قيمتُه إن كان تالفاً، ولا يجبُ القَطْعُ؛ لأن هذه حُجَّةٌ في المال دون القَطْعِ، وإن ادَّعى على رجلٍ أنه قَتَلَ وَليَّه عَمْداً، فأقامَ شاهداً وامرأتينِ، أو حَلَفَ مع شاهِدِه، لم يَثْبُتْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ، والفرقُ بين المسألتينِ أنَّ السرقةَ تُوجِبُ القَطْعَ والغُرْمَ معاً، فإذا لم يَثْبُتْ أحدُهما ثَبَتَ الآخَرُ، والقَتْلُ العَمْدُ مُوجَبُه القِصاصُ عَيْناً في إحدى الروايتين، والدِّيَةُ بَدَلٌ عنه، ولا يجبُ البَدَلُ ما لم يُوجَبِ المبدَلُ، وفي الرواية الأخرى: الواجبُ أحدُهما لا بعَيْنِه، فلا يجوزُ أن يتعيَّن أحدُهما إلا بالاختيارِ أو التعذُّرِ ولم يوجَدْ واحدٌ منهما.
وقال ابنُ أبي موسى: لا يجبُ المالُ في السرقةِ أيضاً إلا بشاهِدَين؛ لأنها شهادةٌ على فعلٍ يوجِبُ الحدَّ والمالَ، فإذا بَطَلَتْ في إحداهُما بَطَلَتْ في الأُخرى، والأولُ أَوْلَى لما ذكرناه، إلى أن قال، ولو ادعى رجلٌ على آخرَ أنه سَرَقَ منه وغَصَبَهُ مالاً، فَحَلفَ بالطلاقِ والعَتاقِ ما سرَقَ منه ولا غصَبَهُ فأقام المدَّعِي شاهداً وامرأتينِ شَهِدَا بالسَّرقةِ والغَصْبِ، أو أقام شاهداً وحلَفَ معه، استحقَّ المسروقَ والمغصوبَ؛ لأنه أتى ببيِّنةٍ يَثْبُتُ ذلك بمثلِها، ولم يَثْبُتْ طلاقٌ ولا عَتاقٌ لأن هذه البيِّنةَ حُجَّةٌ في المالِ دون الطَّلاقِ والعَتاقِ.
يُقْصَدُ به، كالبيعِ، والأَجَلِ والخِيَارِ فيه ونحوِه رجلان، أو رَجُلٌ وامرأتانِ، أو رجلٌ ويمينُ المدَّعِي.
وما لا يَطَّلِعُ عليه الرجالُ: كعُيوبِ النساءِ تحت الثيابِ، والبَكَارةِ والثُّيوبَةِ، والحَيْضِ والولادةِ والرَّضاعِ والاستهلالِ (1) ونحوه، تُقبَلُ فيه شهادةُ امرأةٍ عَدْلٍ، والرجلُ فيه كالمرأةِ.
ومن أتى برجلٍ وامرأتين، أو شاهدٍ ويمينٍ فيما يوجب القَوَدَ لم يَثْبُتْ به قَوَدٌ ولا مالٌ، وإن أتى بذلك في سرقةٍ ثَبَتَ المالُ دون القَطْعِ، وإن أتى بذلك في خُلْعٍ ثَبَتَ له العِوَضُ، وتَثْبُتُ البينونةُ بمُجَرَّدِ دعواه.
فصل
ولا تُقبلُ الشهادةُ على الشهادةِ إلا في حقٍّ يُقبل فيه كتابُ القاضي إلى القاضي، ولا يَحكمُ بها إلا أن تَتعذَّرَ شهادةُ الأصلِ بموتٍ أو مرضٍ، أو غَيْبةِ مسافةَ قَصْرٍ.
ولا يجوزُ لشاهدِ الفَرْعِ أن يَشهدَ إلا أن يَسترعيَه شاهدُ الأصلِ، فيقول: اشْهَدْ على شَهادتي بكذا، أو يَسْمَعُه يُقِرُّ بها عند الحاكم، أو يَعْزُوها إلى سَبَبٍ، من قَرْضٍ، أو بيعٍ، ونحوِه.
وإذا رَجَعَ شهودُ المال بعد الحُكْمِ لم يُنْقَضْ ويَلْزَمُهُمْ الضَّمَانُ دونَ من زَكَّاهُمْ، وإنْ حَكَمَ بشاهدٍ ويمينٍ، ثم رَجَعَ الشاهدُ غَرِمَ المالَ كُلَّه.
قال في الشرح الكبير 2: الشهادةُ على الشهادةِ جائزةٌ بإجماعِ العلماءِ، وبه يقول مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُ الرأي.
قال أبو عبيد: اجتمعت العلماءُ من أهل =1
..................................
= الحجازِ والعراقِ على إمْضاءِ الشهادةِ على الشهادةِ في الأموالِ، ولأن الحاجة داعيةٌ إليها، فإنها لو لم تُقْبَلْ لبَطَلَتِ الشهادةُ على الوُقُوفِ، وما يَتأخرُ إثباتُه عند الحاكمِ ثم يموتُ شُهودُه، وفي ذلك ضَرَرٌ على الناسِ، ومَشَقَّةٌ شديدةٌ، فوجَبَ أن تُقْبَلَ كشهادةِ الأصْلِ.
قال الشارح: تُقبَلُ في المالِ وما يُقْصَدُ به المالُ [بإجماعٍ]، كما ذكر أبو عُبيدٍ، ولا تُقبَلُ في حَدٍّ، وهذا قول الشَّعْبيِّ والنَّخَعيِّ وأبي حنيفة، وقال مالكٌ والشافعيُّ في قولٍ، وأبو ثَوْرٍ: تُقبَلُ في الحُدودِ وفي كُلِّ حَقٍّ؛ لأن ذلك يَثْبُتُ بشهادةِ الأصل فيَثْبُتُ بالشهادةِ على الشهادةِ، كالمال.
ولنا أن الحدودَ مبنيةٌ على السَّتْرِ، والدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ، والإسقاطِ بالرجوعِ عن الإقرارِ، إلى أن قال: وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنها لا تُقبَلُ في القِصَاصِ أيضاً، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنه قال: إنما تجوزُ في الحقوقِ، أما الدماءُ والحَدُّ فلا، وهذا قولُ أبي حنيفة، وقال مالكٌ والشافعيُّ [وأبو ثَوْرٍ]: تُقبَلُ، وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقيِ؛ لقوله: في كُلِّ شيءٍ إلا في الحُدودِ، لأنه حقُّ آدميٍّ، لا يسقطُ بالرجوعِ عن الإقرار به، ولا يُسْتَحَبُّ سَتْرُه، فأشْبَه الأموالَ.
قال في المُقْنِعِ: ومتى رَجَعَ شهودُ المالِ بعد الحُكمِ لزمَهم الضَّمانُ ولم يُنْقَضِ الحكمُ، سواء ما قبلَ القَبْضِ أو بعدَه، وسواء كان المالُ قائماً أو تالفاً، وإن رَجَعَ شهودُ العِتْقِ غَرِمُوا القيمةَ، وإن رجع شهودُ الطلاقِ قبل الدُّخولِ غَرِمُوا نصفَ المسمَّى، وإن كان بعدَه لم يَغْرَمُوا شيئاً، وإن رَجَعَ شهودُ القِصَاصِ أو الحَدِّ قبل الاستيفاءِ لم يُسْتَوفَ، وإن كان بعده وقالوا أخطأنا فعليهم دِيَةُ ما تَلِفَ، ويَتَقسَّطُ الغُرْمُ على عَدَدِهم، فإن رَجَعَ أحدُهم وحدَه غَرِمَ بِقِسْطِه، ـ إلى أن قال ـ: وإذا عَلم الحاكمُ بشاهدِ الزُّور عَزَّره، وطافَ به في المواضعِ التي يَشْتَهِرُ فيها، فيقال: إنا وَجَدْنا هذا شاهِدَ زُورٍ فاجتَنِبُوه.
اهـ. =
..................................
= قال في الاختيارات 1: نقل الشيخُ أبو محمدٍ في الكافي عن أبي الخطَّابِ، أن الشُّهودَ إذا بَانُوا بعد الحُكمِ كافرينَ أو فاسقينَ، وكان المحكومُ به إتلافاً فإنَّ الضَّمانَ عليهم دونَ المزكِّين والحاكمِ، قال: لأنهم فَوَّتُوا الحقَّ على مُستحقِّه بشهادِتهم الباطلةِ.
قال أبو العباس: هذا يَنْبَنِي على أن الشاهدَ الصادقَ إذا كان فاسقاً أو مُتَّهماً بحيثُ لا يَحِلُّ للحاكمِ الحكمُ بشَهادتِه، هل يَجوزُ له أداءُ الشهادةِ؟ إن جاز له أداءُ الشهادةِ بَطَلَ قولُ أبي الخطاب، وإن لم يَجُزْ كان مُتوجِّهاً، لأن شهادتَهم حينئذٍ فعلٌ مُحرَّمٌ، وإن كانوا صادقينَ كالقاذفِ الصادقِ، وإذا جَوَّزْنا للفاسقِ أن يَشْهدَ جَوَّزْنا للمُسْتحِقِّ أن يَسْتَشْهِدَه عند الحاكمِ، ويكتمَ فِسْقَه وإلا فلا، وعلى هذا: فلو امتنعَ الشاهدُ العَدْلُ أن يُؤدِّيَ الشهادةَ إلا بِجُعْلٍ، هل يجوزُ إعطاؤُه الجُعْلَ؟ إن لم نَجْعَلْ ذلك فِسْقاً فعلى ما ذَكَرْنا.
قال صاحبُ المحرَّر 2: وعنه لا يُنقَضُ الحُكْمُ إذا كانا فاسقَينِ، ويَغْرَمُ الشاهدانِ المالَ؛ لأنهما سببُ الحُكمِ بشهادةٍ ظاهرُها الزُّورُ.
قال أبو العباس: وهذا يُوافِقُ قولَ أبي الخطَّاب، ولا فَرْقَ إلا في تَسْمِيَةِ ضَمانِهما نَقْضاً، وهذا لا أثرَ له، لكنْ أبو الخطابِ يقولُه في الفاسقِ وغيرِ الفاسق، على ما حُكي عنه، وهذه الرواية لا تتوجَّهُ على أصْلِنا إذا قلنا: الجَرحُ المُطْلَقُ لا يَنْقُضُ، وكان جَرحُ البينةِ مُطْلَقاً، فإنه اجتهادٌ فلا يُنْقَضُ به اجتهادٌ، وروايةُ عدم النَّقْضِ أخذَها القاضي من رواية الميموني عن أحمدَ في رجليْنِ شِهِدا ههنا أنهما دَفَنَا فُلاناً بالبصرةِ فقُسِمَ ميراثُه، ثم إن الرجلَ جاء =
باب اليمين في الدَّعاوى
لا يُسْتَحلَفُ في العباداتِ ولا في حُدودِ الله تعالى، ويُسْتَحْلَفُ المُنْكِرُ في كُلِّ حَقٍّ لآدميٍّ، إلا النكاحَ، والطلاقَ، والرَّجْعَةَ، والإيلاءَ، وأصلَ الرقِّ،
= بَعْدُ وقد تَلِفَ مالُه، فتبيَّنَ للحاكم أنهما شَهِدَا على زُورٍ أيُضَمِّنُهما مالَه؟ قال: نعم، وظاهرُ هذا أنه لم يَنْقُضِ الحُكْمَ، لأنه لم يُغَرِّمِ الورثةَ قيمةَ ما أَتْلفُوه من المالِ بل أَغْرَمَ الشاهدَينِ ولو نَقَضَهُ لأَغْرَمَ الورثةَ.
قال أبو العباس: النقضُ في هذه الصورةِ لا خلافَ فيه، فإنَّ تَبَيُّنَ كَذِبِ الشاهدِ غير تَبَيُّنِ فِسْقِه، فقولُ أحمدَ: إمَّا أن يكونَ ضَماناً في الجملةِ كسائرِ المُتَسَبِّبِينَ، أو يكونَ استقراراً كما دلَّتْ عليه أكثرُ النُّصوِص من أنَّ المعذورَ لا ضمانَ عليه، ولو زكَّى الشُّهودَ ثم ظَهَرَ فِسْقُهم ضَمِنَ المزكُّونَ، وكذلك يجبُ أن يكونَ في الولايةِ لو أراد الإمامُ أن يُولِّيَ قاضياً أو والياً لا يعرفُه، فسألَ عنه فزكَّاه أقوامٌ، ووصَفُوه بما يَصْلُحُ معه للولايةِ، ثم رَجَعُوا أو ظهرَ بُطْلانُ تزكِيَتِهم، فينبغي أن يَضْمَنُوا ما أفسدَه الوالي والقاضي، وكذلك لو أشاروا عليه وأَمَروا بولايتِهِ، لكن الذي لا رَيْبَ في ضَمَانِه من تُعْهَدُ المعصيةُ منه: مثل الخيانةِ أو العَجْزِ، ويُخْبِرُ عنه بخلافِ ذلك، أو يَأْمُرُ بولايتِه، أو يكونُ لا يَعْلَمُ حالَه ويُزكِّيه، أو يُشِيرُ به، فأما إن اعتقدَ صلاحَه وأخطأَ فهذا معذورٌ.
أهـ.
قوله: (إلا النكاحَ والطَّلاقَ)، قال في المقنع: وهي مشروعةٌ في حَقِّ المُنْكِرِ في كُلِّ حَقٍّ لآدميٍّ.
قال أبو بكر: إلا في النكاحِ والطلاقِ، وقال أبو الخطاب: إلا في تسعةِ أشياءَ: النكاح والرَّجْعَة والطَّلاق والرِّق والوَلاءَ والاستيلاد والنَّسَب والقَذف =
والولاءَ، والاستيلادَ، والنَّسَبَ، والقَوَدَ، والقَذْفَ.
واليمينُ المشروعةُ هي اليمينُ بالله، ولا تُغَلَّظُ إلا فيما له خَطَرٌ.
= والقِصَاص.
وقال القاضي: في الطلاقِ والقِصاصِ والقَذْفِ روايتانِ، وسائر السِّتةِ لا يستحلفُ، فيها روايةٌ واحدةٌ، إلى أن قال: ولا تُغلَّظ اليمينُ إلا فيما له خَطَرٌ كالجِنَاياتِ والعِتَاقِ والطَّلاقِ.
قال في الاختيارات 1: قال أصحابُنا: ومن تَغْليظِ اليمينِ بالمكانِ [اليمينُ] عند صَخْرةِ بيتِ المَقْدِسِ، وليس له أصلٌ في كلامِ أحمدَ وغيرِه من الأئمة.
بل السُّنَّةُ أنْ تُغَلَّظَ اليمينُ فيها كما تُغَلَّظُ في سائرِ المساجدِ عند المنبرِ، إلى أن قال: ومتى قُلْنا: التغليظُ مُسْتَحَبٌّ إذا رآه الحاكمُ مَصْلَحةً، فينبغي أنه إذا امتنعَ منه الخَصْمُ صار ناكِلاً ولا يُحَلَّفُ المدَّعَى عليه بالطَّلاق وِفاقاً، انتهى.