الْبَاب السَّادِس: الْمُضَارع الْمُتَّصِل بِهِ ألف الِاثْنَيْنِ أَو وَاو الْجَمَاعَة
حذف لنون التوكيد الْخَفِيفَة عِنْد ذهابها فِي الْوَقْف وَعلي رد مَا حذف للإضافة عِنْد حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وَخَالفهُم ابْن مَالك وَقَالَ لَا يرد هُنَا فَيُقَال يَا قَاض وَيَا مصطف وَإِلَّا لزم رد كل مغير بِسَبَب إِزَالَة التَّرْخِيم إِلَى مَا كَانَ يسْتَحقّهُ وَيتَعَيَّن الِانْتِظَار فِي موضِعين أَحدهمَا مَا فِيهِ تَاء التَّأْنِيث إِذا خيف التباسه بالمذكر كعمرة وضخمة وعادلة وقائمة إِذْ التَّمام فِيهِ يُوهم أَن المنادى مُذَكّر هَكَذَا جزم بِهِ ابْن مَالك وَأطلق صَاحب رُءُوس الْمسَائِل الْمَنْع من غير اعْتِبَار لبس الْبَتَّةَ قَالَ أَبُو حَيَّان وَفصل شُيُوخنَا فَلم يعتبروا اللّبْس فِي الْأَعْلَام واعتبروا فِي الصِّفَات قَالَ وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام سِيبَوَيْهٍ الثَّانِي مَا يلْزم بِتَقْدِير تَمام الْأَدَاء إِلَى عدم النظير كَمَا لَو رخم (طيلسان) بِكَسْر اللَّام فَإِنَّهُ لَو قدر تَاما لزم وجود فيعل بِكَسْر الْعين فِي الصَّحِيح الْعين وَهُوَ بِنَاء مهمل كَذَا جزم بِهِ ابْن مَالك قَالَ أَبُو حَيَّان هَذَا مَذْهَب الْأَخْفَش وَأما سَائِر النَّحْوِيين كالسيرافي وَغَيره فَإِنَّهُم أَجَازُوا فِيهِ التَّمام وَلم يعتبروا مَا يَئُول إِلَيْهِ الِاسْم بعد التَّرْخِيم من ذَلِك لِأَن الأوزان إِنَّمَا يعْتَبر فِيهَا الأَصْل لَا مَا صَارَت إِلَيْهِ بعد الْحَذف وَإِذا ترك الِانْتِظَار أعطي آخر الِاسْم مَا يسْتَحقّهُ لَو تمم بِهِ وضعا فيضم ظَاهرا إِن كَانَ صَحِيحا فَيُقَال يَا حَار وَيَا جعف وَيَا هرق وتقدر فِيهِ الضمة إِن كَانَ مُعْتَلًّا كَقَوْلِك فِي نجاية يَا نَاجِي بِسُكُون الْيَاء ويعل بِالْقَلْبِ أَو الْإِبْدَال كَقَوْلِك فِي ثَمُود يَا ثمي بقلب الْوَاو يَاء إِذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء المتمكنة مَا آخِره وَاو قبلاه ضمة وَفِي علاوة وسقاية يَا عَلَاء وَيَا سقاء بإبدال الْوَاو وَالْيَاء همزَة لوقوعهما آخرا إِثْر ألف زَائِدَة وَفِي قطوان (يَا قطا) بقلب الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا وَإِن كَانَ ثنائيا ذَا لين ضعف إِن لم يعلم لَهُ ثَالِث ك (لات)
مسمي بِهِ إِذا رخمته حذفت التَّاء وضعفت الْألف فحركت الثَّانِيَة فَانْقَلَبت همزَة فَقيل يَا لاء وَإِن علم ثَالِثَة جِيءَ بِهِ ك (ذَات) علما يرخم بِحَذْف التَّاء وَيرد الْمَحْذُوف وَهُوَ الْوَاو لِأَن أَصله ذَوَات وَلذَا قيل فِي التَّثْنِيَة ذواتا فَيُقَال يَا ذَوا وَلَا تتَعَيَّن لُغَة التَّمام عِنْد الْبَصرِيين فِي شَيْء من الْأَسْمَاء وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ تتَعَيَّن فِيمَا إِذا كَانَ قبل الآخر سَاكن كهرقل فِرَارًا من وجود اسْم مُتَمَكن سَاكن الآخر (ص) وَجوز الْأَكْثَر زِيَادَة التَّاء مَفْتُوحَة فِيمَا حذفت مِنْهُ وَقوم الْألف الممدودة وَيقف على المرخم بِحَذْف الْهَاء غَالِبا بهاء سَاكِنة وَهِي المحذوفة أَو للسكت خلف ويعوضمنها ألف الْإِطْلَاق ضَرُورَة (ش) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الأولى سمع من كَلَام الْعَرَب مثل يَا عَائِشَة بِفَتْح التَّاء قَالَ النَّابِغَة: 723 - (كِلِينِي لِهَمُّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ ... ) الرِّوَايَة بِفَتْح أُمَيْمَة فَاخْتلف النُّحَاة فِي تَخْرِيج ذَلِك فَقَالَ ابْن كيسَان هُوَ مرخم وَهَذِه التَّاء هِيَ المبدلة من هَاء التَّأْنِيث الَّتِي تلْحق فِي الْوَقْف أثبتها فِي الْوَصْل إِجْرَاء لَهُ مجري الْوَقْف وألزمها الْفَتْح إتباعا لحركة آخر المرخم المنتظر
وَذهب قوم مِنْهُم الْفَارِسِي إِلَى أَنَّهَا أقحمت سَاكِنة بَين حرف آخر المرخم وحركته فحركت بحركته ودعاهم إِلَى الْقَوْم بزيادتها حَشْوًا أَنَّهَا لَو دخلت بعد الْحَرْف وحركته لَكَانَ الِاسْم قد كمل وَوَجَب بِنَاؤُه على الضَّم وَذهب آخَرُونَ مِنْهُم سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن التَّاء زيدت آخرا لبَيَان أَنَّهَا الَّتِي حذفت فِي التَّرْخِيم وحركت بِالْفَتْح إتباعا وَعلي هَذِه الْأَقْوَال الِاسْم مرخم وَقيل إِنَّه غير مرخم وَالتَّاء غير زَائِدَة بل هِيَ تَاء الْكَلِمَة حركت بِالْفَتْح إتباعا لحركة مَا قبلهَا وَالِاسْم مَبْنِيّ على الضَّم تَقْديرا كَمَا أَن الأول من يَا زيد بن عَمْرو كَذَلِك وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ ابْن مَالك فِي (شرح التسهيل) بعد جزمه بقول سِيبَوَيْهٍ فِي (التسهيل) وَاخْتَارَهُ أَيْضا ابْن طَلْحَة وَألْحق قوم فِي جَوَاز الْفَتْح بِذِي الْهَاء ذَا الْألف الممدودة فَأجَاز أَن يُقَال يَا عفراء هَلُمِّي بِالْفَتْح قَالَ ابْن مَالك وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ غير مسموع وَقِيَاسه على ذِي التَّاء قِيَاس على مَا خرج من الْقَوَاعِد الثَّانِيَة لَا يسْتَغْنى غَالِبا عَن التَّاء فِي الْوَقْف على المرخم بِحَذْف التَّاء عَن هَاء سَاكِنة فَيُقَال فِي الْوَقْف على مثل يَا طلح يَا طلحه وندر تَركهَا حُكيَ سِيبَوَيْهٍ يَا حرمل فِي الْوَقْف يُرِيد يَا حَرْمَلَه قَالَ ابْن عُصْفُور وَهَذَا يسمع وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَيَّان بل يُقَاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ضَرُورَة شعر لكنه قَلِيل وَإِذا وقف بهَا فَهَل هِيَ الَّتِي كَانَت فِي الِاسْم قبل ترخيمه أُعِيدَت فِي الْوَقْف سَاكِنة مَقْلُوبَة هَاء أَو هِيَ غَيرهَا وَهِي هَاء السكت المزيدة فِي الْوَقْف خلاف جزم ابْن مَالك بِالْأولِ قَالَ أَبُو حَيَّان
وَحَاصِله أَن التَّرْخِيم لَا يكون إِلَّا فِي الْوَصْل فَإِذا وقفُوا فَلَا ترخيم قَالَ وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ الثَّانِي قَالَ وَمحل زيادتها مَا إِذا رخم على لُغَة الِانْتِظَار أما إِذا رخم على لُغَة التَّمام فَلَا لِأَنَّهُ نقص لما اعتمدوا عَلَيْهِ من جعله اسْما تَاما حِين بنوه على الضَّم وَقد يَجْعَل بدل الْهَاء ألف الْإِطْلَاق عوضا مِنْهَا فِي الضَّرُورَة قَالَ: 724 - (قِفي قبل التّفَرُّق يَا ضَبَاعا ... ) ذكره ابْن عُصْفُور وَغَيره وَنَصّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ وَاعْلَم أَن الشُّعَرَاء إِذا اضطروا حذفوا هَذِه الْهَاء فِي الْوَقْف وَذَلِكَ لأَنهم يجْعَلُونَ الْمدَّة الَّتِي تلْحق القوافي بَدَلا مِنْهَا
الْمَفْعُول الْمُطلق
(ص) الْمَفْعُول الْمُطلق هُوَ الْمصدر وَقيل يخْتَص بِمَا فعله عَام وَقيل أَعم مِنْهُ (ش) إِنَّمَا سمي مَفْعُولا مُطلقًا لِأَنَّهُ لم يُقيد بِحرف جر كالمفعول بِهِ وَله وَفِيه وَمَعَهُ والمصدر هُوَ الْمَفْعُول حَقِيقَة لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يحدثه الْفَاعِل وَأما الْمَفْعُول بِهِ فَمحل الْفِعْل وَالزَّمَان وَقلت يَقع فِيهِ الْفِعْل وَالْمَكَان مَحل الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالْفِعْل وَالْمَفْعُول لَهُ عِلّة وجود الْفِعْل وَالْمَفْعُول مَعَه مصاحب للْفَاعِل أَو الْمَفْعُول قَالَ أَبُو حَيَّان تَسْمِيَة مَا انتصب مصدرات مَفْعُولا مُطلقًا هُوَ قَول النَّحْوِيين إِلَّا مَا ذكره صَاحب الْبَسِيط من تقسيمه الْمصدر المنتصب إِلَى مفعول مُطلق وَإِلَى مُؤَكد وَإِذا متسع فالمفعول الْمُطلق عِنْده مَا كَانَ من أَفعَال الْعَامَّة نَحْو فعلت وصنعت وعملت وأوقعت فَإِذا قلت فعلت فعلا فالواقع ذَات الْفِعْل لِأَن الذوات الْوَاقِعَة منا فِي هَذَا وَلَا يَقع منا الْجَوَاهِر والأعراض الخارجية عَنَّا فَلَا تكون مُطلقَة فِي حَقنا بل فِي حق الله كَقَوْلِك خلق الله زيدا فَإِنَّهُ مفعول مُطلق فَلذَلِك كَانَ الْمَفْعُول الْمُطلق أَعم من الْمصدر الْمُطلق
الْخلاف بَين النَّحْوِيين فِي أصل الْمصدر
(ص) وَهُوَ أصل الْفِعْل وَالْوَصْف وَقَالَ الكوفية الْفِعْل وَابْن طَلْحَة كل أصل وَقوم الْفِعْل أصل الْوَصْف
(ش) مَذْهَب أَكثر الْبَصرِيين أَن الْمصدر أصل وَالْفِعْل وَالْوَصْف فرعان مشتقان مِنْهُ لِأَنَّهُمَا يدلان على مَا تضمنه من معنى الْحَدث وَزِيَادَة الزَّمَان والذات الَّتِي قَامَ بهَا الْفِعْل وَذَلِكَ شَأْن الْفَرْع أَن يدل على مَا يدل عَلَيْهِ الأَصْل وَزِيَادَة وَهِي فَائِدَة الِاشْتِقَاق وَمذهب الْكُوفِيّين أَن الْفِعْل أصل والمصدر مُشْتَقّ مِنْهُ لِأَن الْمصدر مُؤَكد للْفِعْل والمؤكد قبل الْمُؤَكّد وَلِأَن الْمصدر يعتل باعتلال الْفِعْل وَيصِح بِصِحَّتِهِ وَذَلِكَ شَأْن الْفُرُوع أَن تحمل على الْأُصُول وَذهب ابْن طَلْحَة إِلَى أَن كلا من الْمصدر وَالْفِعْل أصل بِنَفسِهِ وَلَيْسَ أَحدهمَا مشتقا من الآخر وَذهب بعض الْبَصرِيين إِلَى أَن الْمصدر أصل للْفِعْل وَالْفِعْل أصل للوصف ورد بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوَصْف مَا فِي الْفِعْل من الدّلَالَة على زمن معِين فَبَطل اشتقاقه مِنْهُ وَتعين اشتقاقه من الْمصدر قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الْخلاف لَا يجدي كثير مَنْفَعَة
الْمصدر الْمُبْهم والمصدر الْمُخْتَص
(ص) ثمَّ إِن لم يفد زِيَادَة على عَامله فمبهم لتوكيد وَإِلَّا فمختص لنَوْع وَعدد ويثنى وَيجمع دون الأول وَفِي النَّوْع خلف
(ش) الْمصدر نَوْعَانِ مُبْهَم وَهُوَ مَا يُسَاوِي معنى عَامله من غير زِيَادَة كقمت قيَاما وَجَلَست جُلُوسًا وَهُوَ لمُجَرّد التَّأْكِيد وَمن ثمَّ لَا يثنى وَلَا يجمع لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة تَكْرِير الْفِعْل فعومل مُعَامَلَته فِي عدم التَّثْنِيَة وَالْجمع وَلذَا قَالَ ابْن جني إِنَّه من قبيل التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ وَقيل إِنَّه من التوكيد الْمَعْنَوِيّ لإِزَالَة الشَّك عَن الْحَدث وَرفع توهم الْمجَاز وَعَلِيهِ الْآمِدِيّ وَغَيره وَقسم هَؤُلَاءِ التوكيد الْمَعْنَوِيّ إِلَى قسمَيْنِ مَا لإِزَالَة الشَّك عَن الْحَدث وَهُوَ بِالْمَصْدَرِ وَمَا لإزالته عَن الْمُحدث عَنهُ وَهُوَ بِالنَّفسِ وَالْعين ومختص وَهُوَ مَا زَاد على معنى عَامله فَيُفِيد نوعا أَو عددا نَحْو ضربت ضرب الْأَمِير أَو ضربتين أَو ضربات ويثنى ذُو الْعدَد وَيجمع بِلَا خلاف وَأما النَّوْع فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يثنى وَيجمع وَعَلِيهِ ابْن مَالك قِيَاسا على مَا سمع مِنْهُ كالعقول والألباب والحلوم وَالثَّانِي لَا وَعَلِيهِ الشلوبين قِيَاسا للأنواع على الْآحَاد فَإِنَّهَا لَا تثنى وَلَا تجمع لاختلافها وَنسبه أَبُو حَيَّان لظَاهِر كَلَام سِيبَوَيْهٍ قَالَ والتثنية أصلح من الْجمع قَلِيلا تَقول قُمْت قيامين وَقَعَدت قعودين وَالْأَحْسَن أَن يُقَال نَوْعَيْنِ من الْقيام ونوعين من الْقعُود
ناصب الْمصدر
(ص) وناصبه مثله وَصفَة وَفعل فَإِن كَانَ من لَفظه وَجرى عَلَيْهِ قَالَ ابْن الطراوة بِفعل مُضْمر والسهيلي بمضمر مِنْهُ وَإِن لم يجز فثالثها إِن غاير مَعْنَاهُ فبفعله الْمُضمر وَإِلَّا فبه أَو من غير لفظ فالجمهور بمضمر وثالثهما إِن كَانَ لتوكيد أَو مُخْتَصًّا وَله فعل (ش) ينصب الْمصدر بمصدر مثله نَحْو: ﴿فَإِن جَهَنَّم جزاؤكم جَزَاء موفورا﴾ [الْإِسْرَاء: 63] وَعَجِبت من ضرب زيدٍ عمرا ضربا وبالوصف اسْم فَاعل نَحْو: ﴿والذاريات ذَروا﴾ [الذاريات: 1] ﴿وَالصَّافَّات صفا﴾ [الصافات: 1] ﴿فالعاصفات عصفا﴾ [المرسلات: 2] أَو اسْم مفعول نَحْو أَنْت مَطْلُوب طلبا وبالفعل نَحْو: ﴿وَمَا بدلُوا تبديلا﴾ [الْأَحْزَاب: 23] هَذَا إِن كَانَ من لَفظه وَهُوَ جَار عَلَيْهِ كَمَا مثلنَا على مَذْهَب الْجُمْهُور وَنفي صَاحب الإفصاح فِيهِ الْخلاف وَقَالَ ابْن الطراوة هُوَ مفعول بِهِ بِفعل مُضْمر لَا يجوز إِظْهَاره وَالتَّقْدِير فِي قعد قعُودا فعل قعُودا وَقَالَ السُّهيْلي كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ أنصبه بمضمر من لفظ الْفِعْل السَّابِق فَإِذا قيل قعد قعُودا فَهُوَ عِنْده ب (قعد) أُخْرَى لَا يجوز إظهارها
قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا كُله تكلّف وَخُرُوج عَن الظَّاهِر بِلَا دَلِيل فَإِن كَانَ من لَفظه وَهُوَ غير جَار عَلَيْهِ نَحْو: ﴿أنبتكم من الأَرْض نباتا﴾ [نوح: 17] فَثَلَاثَة مَذَاهِب أَحدهَا أَنه مَنْصُوب بذلك الْفِعْل الظَّاهِر وَعَلِيهِ الْمَازِني وَالثَّانِي أَنه مَنْصُوب بِفعل ذَلِك الْمصدر الْجَارِي عَلَيْهِ مضمرا وَالْفِعْل الظَّاهِر دَلِيل عَلَيْهِ وَعَلِيهِ الْمبرد وَابْن خروف وَعَزاهُ لسيبويه وَالثَّالِث التَّفْصِيل فَإِن كَانَ مَعْنَاهُ مغايرا لِمَعْنى الْفِعْل الظَّاهِر كالآية فنصبه بِفعل مُضْمر وَالتَّقْدِير فنبتم نباتا لِأَن النَّبَات لَيْسَ بِمَعْنى الإنبات فَلَا يَصح توكيده بِهِ وَإِن كَانَ غير مُغَاير فنصبه بِالظَّاهِرِ كَقَوْلِه: 725 - (وقَدْ تَطَوَّيْتُ انطِواءَ الحَضْبِ ... ) لِأَن التطوي والانطواء بِمَعْنى وَاحِد وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وَإِن كَانَ من غير لَفظه فَثَلَاثَة مَذَاهِب أَحدهَا وَعَلِيهِ الْجُمْهُور أَنه مَنْصُوب بِفعل مُضْمر من لَفظه كَقَوْلِه:
726 - (السّالِكُ الثُغْرةَ اليقظانَ كالِئُها ... مَشْيَ الْهَلُوكِ عَلَيْهَا الخَيْعَلُ الفُضُلُ) ف (مشي) مَنْصُوب بمضمر دلّ عَلَيْهِ السالك وَالثَّانِي أَنه مَنْصُوب بِالْفِعْلِ الظَّاهِر لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ فتعدى إِلَيْهِ كَمَا لَو كَانَ من لَفظه وَعَلِيهِ الْمَازِني وَالثَّالِث وَعَلِيهِ ابْن جني التَّفْصِيل فَإِن أُرِيد بِهِ التَّأْكِيد عمل فِيهِ الْمُضمر الَّذِي من لَفظه كقعدت جُلُوسًا وَقمت وقوفا بِنَاء على أَنه من قبيل التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ فَلَا بُد من اشتراكه مَعَ عَامله فِي اللَّفْظ أَو بَيَان النَّوْع عمل فِيهِ الظَّاهِر لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ ابْن عُصْفُور الْأَمر فِي التَّأْكِيد مَا ذكر وَأما الَّذِي لغير التَّأْكِيد فَإِن وضع لَهُ فعل من لَفظه عمل فِيهِ الْمُضمر أَيْضا كَقَوْلِه:
727 - (وآلَتْ حَلْفةً لم تحَلّل ... ) فحلفة مَنْصُوبَة بحلفت مضمرة وَإِن لم يوضع لَهُ فعل انتصب بِالظَّاهِرِ وَلَا يُمكن أَن يكون بِفعل من لَفظه لِأَنَّهُ لم يوضع (ص) والاختصاص ب (أل) للْعهد وَالْجِنْس وَقيل لَا تدخله إِلَّا (أَن) وصف ونعت وَإِضَافَة وَلَا تعاقبه (أَن) وَالْفِعْل خلافًا للأخفش وينوب مُضَافَة ككل وَبَعض وَضمير وَنَوع وهيئة وَعدد وَإِشَارَة وَأوجب ابْن مَالك وصفهَا بِهِ وَوقت ونعت وَمَا استفهامية وشرطية وَآلَة لَا مَا لم يعْهَد وَمِنْه علم كسبحان وبرة وفجار وَاسْتعْمل نَحْو عَطاء وثواب مصدرا وَلَا يُقَاس وَالْأَكْثَر لَا ينصب مصدرين مؤكدا ومبينا وَقيل يجوز وَثَلَاثَة (ش) فِيهِ مسَائِل الأولى الِاخْتِصَاص فِي الْمصدر يكون ب (أل) إِمَّا عهدية نَحْو ضربت الضَّرْب تُرِيدُ ضربا معهودا بَيْنك وَبَين الْمُخَاطب أَي الضَّرْب الَّذِي تعلم أَو جنسية نَحْو زيد يجلس الْجُلُوس مرِيدا الْجِنْس والتنكير وَيكون بالنعت نَحْو قُمْت قيَاما طَويلا أَو بِالْإِضَافَة نَحْو قُمْت قيام زيد وَالْأَصْل قيَاما مثل قيام زيد حذف الْمصدر ثمَّ صفته وَقَامَ مقامهما الْمصدر فأعرب بإعرابه الثَّانِيَة لَا يجوز أَن تقع أَن وَالْفِعْل فِي موقع الْمصدر فَلَا يجوز ضَربته أَن أضربه لِأَن (أَن) تخلص الْفِعْل للاستقبال والتأكيد إِنَّمَا يكون بِالْمَصْدَرِ الْمُبْهم وَعلله بَعضهم بِأَن (أَن يفعل) يُعْطي محاولة الْفِعْل ومحاولة الْمصدر لَيست بِالْمَصْدَرِ فَلذَلِك لم يسغْ لَهَا أَن تقع مَعَ صلتها موقع الْمصدر وَحكى عَن الْأَخْفَش إجَازَة ذَلِك
الثَّالِثَة: يقوم مقَام الْمصدر الْمُبين مَا أضيف إِلَيْهِ من كل، وَبَعض نَحْو ﴿فَلَا تميلوا كل الْميل﴾ [النِّسَاء: 129] لمته بعض اللوم وَمَا أُدي مَعْنَاهُمَا نَحْو ضربت أَي ضرب ﴿وَلَا تضرونه شَيْئا﴾ [هود: 57] وَضمير نَحْو ﴿لَا أعذبه أحدا من الْعَالمين﴾ [الْمَائِدَة: 115] وَنَوع نَحْو ﴿والنازعات غرقا﴾ [النازعات: 1] وَرجعت الْقَهْقَرِي وَقَعَدت القرفصاء وهيئة نَحْو مَاتَ ميتَة سوء وعاش عيشة مرضية وَعدد نَحْو ضربت ثَلَاثِينَ ضَرْبَة وَاسم إِشَارَة نَحْو ضربت ذَلِك الضَّرْب قَالَ ابْن مَالك وَلَا بُد من جعل الْمصدر تَابعا لاسم الْإِشَارَة الْمَقْصُود بِهِ ذَلِك الْمصدر ورده أَبُو حَيَّان بِأَن من كَلَامهم ظَنَنْت ذَلِك يشيرون بِهِ إِلَى الْمصدر وَلذَلِك اقتصروا عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ مَفْعُولا أول وَلم يذكرُوا بعده الْمصدر تَابعا لَهُ وعَلى هَذَا خرجه سِيبَوَيْهٍ وَوقت نَحْو 728 - (ألم تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلةَ أَرْمَدا ... ) أَي اغتماض لَيْلَة أرمد ونعت نَحْو ﴿وَاذْكُر رَبك كثيرا﴾ [آل عمرَان: 41] وَمَا الاستفهامية نَحْو مَا تضرب زيدا أَي أَي ضرب تضرب زيدا وَمَا الشّرطِيَّة نَحْو مَا شِئْت فَقُمْ أَي أَي قيام شِئْت والآلة نَحْو ضَربته سَوْطًا ورشقته سَهْما وَالْأَصْل ضَرْبَة سَوط ورشقة سهم
ويطرد فِي جَمِيع أَسمَاء آلَات الْفِعْل، فَلَو قلت: ضَربته خَشَبَة، ورميته آجرة لم يجز لِأَن الآجرة لم تعهد آلَة للرمي والخشبة لم تعهد آلَة للضرب الرَّابِعَة من الْمصدر مَا هُوَ علم للمعنى كسبحان علم للتسبيح وبرة علم للمبرة وفجار علم للفجرة ويسار علم للميسرة يُقَال بره برة وفجر بِهِ فجار وَهُوَ مُعَلّق على الْجِنْس الْخَامِسَة استعملوا الْعَطاء مصدرا بِمَعْنى الْإِعْطَاء وَالثَّوَاب مصدرا معنى الإثابة قَالَ الشَّاعِر 729 - ( ... وَبعد عَطَائِكَ المِائَة الرِّتاعَا ... ) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثَوابًا من عِنْد الله﴾ [آل عمرَان: 195] وَذَلِكَ مسموع لَا يُقَاس عَلَيْهِ السَّادِسَة: منع الْأَخْفَش والمبرد وَابْن السراج وَالْأَكْثَرُونَ عمر الْفِعْل فِي مصدرين: مُؤَكد ومبين
وَذهب السيرافي وَابْن طَاهِر إِلَى أَنه يجوز أَن ينصبهما وَأَن ينصب ثَلَاثَة إِذا اخْتلف مَعْنَاهَا نَحْو: ضربت ضربا شَدِيدا ضربتين وَعلي الأول الثَّانِي بدل وَمن المسموع فِي ذَلِك قَوْله: 730 - (وَوَطِئْتَنَا وطْئاً على حَنَق ... وَطْء المُقَيّدِ يَابِس الهَرْم) وَلَا يَصح فِيهِ الْبَدَلِيَّة، لِأَن الثَّانِي غير الأول، فَيخرج على إِضْمَار فعل
حذف عَامل الْمصدر
(ص) مَسْأَلَة يحذف عَامله لقَرِينَة وَيجب فِي مَوَاضِع مِنْهَا مَا كَانَ بَدَلا من فعله وَيقدر معنى مَا لَا فعل لَهُ ك " دفرا " وَالأَصَح أَن بهرا فعل وَأَنه لَا يُقَاس فِي الدُّعَاء وَثَالِثهَا يُقَاس إِن كَانَ لَهُ فعل وَجَاز رفع بَعْضهَا وقبح إضافتها وَمَا أضيف نصب وَمِمَّا أفرد وأضيف وَيْح وويس وويب ويختار الرّفْع فِي وَيْح مُفردا عكس تب وَقيل يجب وَفِي عطف وَيْح على تب وَعَكسه خلف وَعلي الْجَوَاز
ينصب وَيْح وَتب على حَاله وَيُقَال ويله وويل لَهُ وويل طَوِيل وَبِالنَّصبِ فيهمَا وعول وعولة وَلَا يفرد عَنهُ ومضافها للتبيين ك (لَك) بعد سقيا وَالْأَحْسَن فِي الْمُعَرّف الرّفْع وَهُوَ سَماع فِي الْأَصَح (ش) يجوز حذف عَامل الْمصدر لقَرِينَة لفظية كَقَوْلِك حثيثا لمن قَالَ أَي سير سرت أَو معنوية نَحْو تأهبا ميمونا لمن رَأَيْته يتأهب لسفر وحجا مبرورا لمن قدم من حج وسعيا مشكورا لمن سعى فِي مثوبة وَيجب الْحَذف فِي مَوَاضِع مِنْهَا حَيْثُ كَانَ الْمصدر بَدَلا من اللَّفْظ بِالْفِعْلِ سَوَاء كَانَ فعل مُسْتَعْملا كسقيا ورعيا أَو مهملا أَي غير مَوْضُوع فِي لِسَان الْعَرَب ك (دفرا) بِمَعْنى (نَتنًا) وأفة وَهِي وسخ الْأذن وتفة وَهِي وسخ الْأَظْفَار فَيقدر للثَّلَاثَة فعل من مَعْنَاهَا وَجعل ابْن عُصْفُور من ذَلِك (بهرا) بِمَعْنى غَلَبَة وَمِنْه 731 - (ثمَّ قَالُوا تُحِبُّها قلت بَهْراً ... )
أَي غلبني حبها غَلَبَة وَقَالَ أَبُو حَيَّان حكى ابْن الْأَعرَابِي وَغَيره أَنه يُقَال للْقَوْم إِذا دعِي عَلَيْهِم بهرهم الله فَيكون مَنْصُوبًا بِفعل مُسْتَعْمل لَا مهمل وَاخْتلف هَل يقْتَصر على مَا سمع من هَذِه الْأَلْفَاظ فِي الدُّعَاء للْإنْسَان أَو عَلَيْهِ كسقيا ورعيا وجدعا وعقرا وبعدا وَسُحْقًا وتعسا ونكسا وبؤسا وخيبة وتبا أَو يُقَاس عَلَيْهَا فسيبويه على الأولى والأخفش والمبرد على الثَّانِي قَالَ أَبُو حَيَّان وَيَنْبَغِي أَن يفصل فَيُقَال مَا كَانَ لَهُ فعل من لَفظه يُقَاس وَمَا لَا فَلَا وَقد جَاءَ بَعْضهَا فِي الشّعْر مَرْفُوعا قَالَ 732 - (أَقَامَ وَأقوى ذاتَ يَوْم وخَيْبَةٌ ... لأوّل من يَلْقى وشرٌّ مُيَسَّرُ) فالمجرور خبر لَهُ
وَلَا تسْتَعْمل هَذِه المصادر مُضَافَة إِلَّا فِي قَبِيح من الْكَلَام وَإِذا أضيفت فالنصب حتم وَمِمَّا جَاءَ مُضَافا بعْدك وسحقك وَأنْشد الْكسَائي: 733 - (إِذا مَا المَهَارَى بلْغَتْنَا بلادَنَا ... فَبُعْدَ المَهَارَى من حَسير ومُتْعَبِ) وَمِمَّا اسْتعْمل مُفردا ومضافا قَوْلهم للمصاب المرحوم وَيْح فلَان وويحه وويح لَهُ وللمتعجب مِنْهُ ويبا لَهُ وويبك وويب غَيْرك وويسك وويسه قَالَ الْجُزُولِيّ وَهُوَ استصغار واستحقار وَقَالَ ابْن طَاهِر وَيْح كلمة تقال رَحْمَة وويس كلمة تقال فِي معنى رأفة وَهِي مُضَافَة إِلَى الْمَفْعُول وَمَتى أضفتها لَزِمت النصب وَلَا يجوز فِيهَا الرّفْع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ لَا خبر لَهُ فَإِذا أفردت جَازَ الرّفْع وَالنّصب تَقول وَيْح لَهُ وويحا لَهُ وويل لَهُ وويلا لَهُ وَلَا يقوى النصب فِي هَذَا قوته فِي غَيره لِأَن هَذَا مصدر لَا فعل لَهُ وَإِنَّمَا يقوى النصب فِي الْمصدر الَّذِي لَهُ فعل نَحْو حمدا وشكرا فالرفع فِي نَحْو (وَيْح) و (ويل) قوي وَالْغَالِب على (وَيْح) الرّفْع وَعلي (تب) النصب إِذا أفرد نَحْو تَبًّا لَهُ وَيجوز تَبًّا لَهُ وَقَالَ ابْن أبي الرّبيع تَبًّا لَك الْتزم نَصبه وويح لَك الْتزم رَفعه
وَفِي ويل لَك وَجْهَان وَلَو قسنا لساوينا وَلَكِن لَا نتعدى السماع فَإِن عطف (وَيْح) على (تب) نصبته وَلَا يجوز رَفعه لِأَنَّهُ لَا خبر لَهُ وَإِن عطف تب على (وَيْح) فكحاله قبل الْعَطف وَيكون جملتان فعلية على اسمية لتساويهما فِي الْمَعْنى وَيُقَال تَبًّا لَهُ وويح لَهُ فَلَا يكون فِي (وَيْح) إِلَّا الرّفْع كحاله قبل الْعَطف انْتهى وَمنع الْمَازِني عطف (وَيْح) على (تب) وَعَكسه قَالَ لِأَن (وَيْح) رَحْمَة لَهُ و (تب) بِمَعْنى خسران لَهُ فَكيف يتَصَوَّر أَن يَدْعُو لَهُ وَعَلِيهِ فِي حِين وَاحِد (وَأجِيب) بِأَن (وَيْح) حِينَئِذٍ أخرج مخرج الدُّعَاء وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الدُّعَاء أَو تَبًّا أَيْضا دُعَاء لَهُ على حد قَاتله الله مَا أشعره وَيُقَال للمصاب المغضوب عَلَيْهِ ويله وويل لَهُ وويلا لَهُ وويل طَوِيل لَهُ وويلا طَويلا فَيجب النصب فِي الْإِضَافَة وَيجوز هُوَ وَالرَّفْع فِي الْإِفْرَاد وَيُقَال عول وعولك وَلَا يفرد وَإِنَّمَا يسْتَعْمل تَابعا لويل ومضافها للتبيين ك (لَك) فِي سقيا لَك وَأما الْمُعَرّف ب (أل) فالرفع فِيهِ أحسن من النصب لِأَنَّهُ صَار معرفَة فقوي فِيهِ الِابْتِدَاء نَحْو الويل لَهُ والخيبة لَهُ لَكِن إِدْخَال (أل) لَيْسَ مطردا فِي جَمِيعهَا وَإِنَّمَا هُوَ سَماع نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فَلَا يُقَال السَّقْي لَك والرعي
وَقَالَ الْفراء والجرمي بقياسه ووهاه أَبُو حَيَّان (ص) وَمِنْه الْمُثَنَّاة كلبيك وَسَعْديك تَابِعَة وحنانيك ودواليك وهذاذيك وحجازيك وحذاريك وحواليك وَلَا تتصرف وَتلْزم الْإِضَافَة وإضافتها لظَاهِر قَالَ ابْن مَالك شَاذَّة لغَائِب وَخَالفهُ أَبُو حَيَّان فَإِن أفردت تصرفت وَزعم يُونُس (لبا) مُفردا قلبت أَلفه وتثنيتها للتكثير وَقيل للشفع وزعمه السُّهيْلي فِي حنانيك خَاصَّة وَالْكَاف فِي مَا هُوَ خبر مفعول وَطلب فَاعل وَقَالَ الأعلم: حرف خطاب وَسمع (لب) كأمس (ش) من الْوَاجِب حذف عَامله لكَونه بَدَلا من فعله قَوْلهم فِي إِجَابَة الدَّاعِي لبيْك وَسَعْديك أَي إِجَابَة بعد إِجَابَة وإسعادا بعد إسعاد أَي كلما دعوتني وأمرتني أَجَبْتُك وساعدتك وَلَا يسْتَعْمل سعديك وَحده بل تَابعا للبيك كعوله بعد ويله
وَيجوز أَن يسْتَعْمل حنانيك وَحده وَمِنْه قَوْلهم حنانيك أَي تحننا بعد تَحَنن وَقد نطق بِفِعْلِهِ قَالَ 734 - (نحنّن على هدَاك الملِيكُ ... فإنّ لكلّ مقَام مَقالاَ) ودواليك من المداولة قَالَ 735 - (إِذا شُقّ بُرْدٌ شُقّ بالبُرْد مِثْلُه ... دَوَالَيْكَ حَتَّى كُلُّنَا غيرُ لاَبسِ)
أَي تداولنا دواليك كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادَ أَن يقْعد مَعَ امْرَأَته شقّ كل وَاحِد مِنْهُمَا ثوب الآخر ليؤكد الْمَوَدَّة وهذاذيك قَالَ 736 - (ضَرْباً هَذَاذَيْكَ وطَعْناً وَخْضَا) أَي: تهذ هذاذيك وحجازيك أَي تحجز حجازيك أَي تمنع وحذاريك أَي تحذر أَي ليكن مِنْك حذر بعد حذر
زَاد صَاحب الْبَسِيط حواليك أَي إطاقة بعد إطاقة وَهَذِه المصادر كلهَا لَا تتصرف وَهِي مُلْتَزم فِيهَا الْإِضَافَة والتثنية فَإِن أفرد مِنْهَا شَيْء كَانَ متصرفا كَقَوْلِه 737 - (فَقَالَت: حَنَانٌ مَا أَتَى بكِ هَا هُنا ... ) وَاخْتلف فِي تثنيتها أَهِي تَثْنِيَة يشفع بهَا الْوَاحِد وَهل المُرَاد إِجَابَة مَوْصُولَة بِأُخْرَى ومساعدة مَوْصُولَة بِأُخْرَى وحنان مَوْصُول بآخر أم تَثْنِيَة يُرَاد بهَا التكثير على قَوْلَيْنِ أصَحهمَا الثَّانِي وَقَالَ السُّهيْلي بِالْأولِ فِي حنانيك خَاصَّة قَالَ المُرَاد رَحْمَة فِي الدُّنْيَا وَرَحْمَة فِي الْآخِرَة ورد بِأَن من الْعَرَب من اسْتَعْملهُ وَهُوَ لَا يعْتَقد الْآخِرَة قَالَ طرفَة
738 - (حَنَانَيْكَ بعضُ الشّرّ أَهْون من بَعْض ... ) وَذهب يُونُس إِلَى أَن لبيْك اسْم مُفْرد وَأَصله قبل الْإِضَافَة لبا مَقْصُورا قلبت أَلفه يَاء لأضافته إِلَى الضَّمِير كَمَا قلبوا فِي لديك وَعَلَيْك وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْخَلِيل وسيبويه وَالْجُمْهُور أَنه تَثْنِيَة لب كَمَا أَن حنانيك تَثْنِيَة حنان لِأَنَّهُ سمع لب وَلم يسمع لبا وَذكر ابْن مَالك أَن إِضَافَة لبيْك إِلَى الظَّاهِر شَاذَّة كإضافتها إِلَى الضَّمِير الْغَائِب قَالَ 739 - (فَلَبّىْ يَدَىْ مِسْور ... )
وَقَالَ 740 - (لَبَّيْهِ لمَنْ يَدْعُوني ... )
ورده أَبُو حَيَّان بِأَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ فِي كِتَابه يُقَال لبي زيد وسعدي زيد فساق ذَلِك مساق المنقاس المطرد وَالْكَاف فِي نَحْو لبيْك وَسَعْديك وحنانيك الْوَاقِع موقع الْفِعْل الَّذِي هُوَ خبر فِي مَوضِع الْمَفْعُول لِأَن الْمَعْنى لُزُوما وانقيادا لإجابتك ومساعدة لما تحبه وَمعنى قَوْلهم: سُبْحَانَ الله وحنانيه أسبحه وأسترحمه وَالْكَاف فِي نَحْو هَذَا ذيك ودواليك وحنانيك إِذا وَقعت موقع الطّلب فِي مَوضِع الْفَاعِل كَأَنَّهُ قَالَ هذك ومداولتك وتحننك وَزعم الأعلم أَن الْكَاف حرف خطاب لَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب كهي فِي (أبصرك) و (النجاك) و (ذَلِك) وحذفت النُّون لشبه الْإِضَافَة وَلِأَن الْكَاف تطلب الِاتِّصَال بِالِاسْمِ كاتصالها باسم الْإِشَارَة وَالنُّون تمنعها من ذَلِك فحذفت ورد بِأَن وُقُوع الِاسْم الظَّاهِر وَضمير الْغَائِب مَوضِع الْكَاف يبطل كَونهَا حرفا وَسمع مُفْرد لبيْك لب بِالْكَسْرِ وَهُوَ مصدر بِمَعْنى إِجَابَة مَنْصُوب مَبْنِيّ كأمس وغاق لقلَّة تمكنه كَذَا نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ ورد بِهِ أَبُو حَيَّان على ابْن مَالك حَيْثُ قَالَ إِنَّه اسْم فعل بِمَعْنى أجبْت (ص) وَمِنْه سُبْحَانَ الله ومعاذ الله وريحانه وَيلْزم سُبْحَانَ الله فِي الْأَصَح وَلَا يتَصَرَّف وَيلْزم الْإِضَافَة وَعرف سُبْحَانَ الله ب (أل) فِي الشّعْر وأفرد منونا وَغَيره وَقيل إِنَّه مَبْنِيّ (ش) من الْبَدَل عَن فعله سُبْحَانَ الله أَي بَرَاءَة لَهُ من السوء وَلَيْسَ مصدرا لسبح بل سبح مُشْتَقّ مِنْهُ كاشتقاق حاشيت من حاشي ولويت من لَوْلَا
وصهصهت وأففت وسوفت وبأبأت ولبيت من صه وأف وسوف وبأبأ ولبيك وَلَا يُقَال: سبح مخففا فَيكون سُبْحَانَ مصدرا لَهُ وَيلْزم الْإِضَافَة وَلَا يتَصَرَّف وَقد يفرد فِي الشّعْر منونا إِن لم تنو الْإِضَافَة كَقَوْلِه 741 - (سبحانَهُ ثمَّ سُبْحاناً نعوذُ بِهِ ... ) وَغير منون إِن نَوَيْت كَقَوْلِه 742 - (سُبْحان من عَلْقَمَة الفاخر ... )
أَرَادَ سُبْحَانَ الله فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وأبقي الْمُضَاف بِحَالهِ وَعرف ب (أل) فِي الشّعْر قَالَ 743 - (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ذَا السُّبْحَان ... ) وَمن ذَلِك (معَاذ الله) (بِمَعْنى عياذا بِاللَّه) وَيلْزم أَيْضا الْإِضَافَة وَلَا يتَصَرَّف وَمِنْه ريحَان الله بِمَعْنى استرزاق الله وَيلْزم أَيْضا الْإِضَافَة وَلَا يتَصَرَّف وَلم ينْطق لَهُ بِفعل من لَفظه فَيقدر من مَعْنَاهُ أَي استرزقه وَلَا يسْتَعْمل مُفردا بل مقترنا مَعَ (سُبْحَانَ الله) وَقيل: يسْتَعْمل وَحده لِأَن سِيبَوَيْهٍ لم يذكرهُ مقترنا مَعَ سُبْحَانَ الله وَلَا نبه على ذَلِك وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَن سُبْحَانَ علم للتسبيح مَمْنُوع الصّرْف وَقيل: هُوَ مَبْنِيّ، لِأَنَّهُ لَا يتَصَرَّف وَلَا ينْتَقل عَن هَذَا الْموضع فَأشبه الْحَرْف (ص) وَمِنْه سَلاما وحجرا وَمِنْه عجبا وحمدا وشكرا لَا كفرا وَهل هُوَ خبر أَو إنْشَاء أَو يلْزم اجْتِمَاعهمَا خلاف وَمِنْه أَفعلهُ وكرامة ومسرة
ونعمة عين وحبا ونعام عين وَلَا أَفعلهُ وَلَا كيدا وَلَا هما ولأفعلنه ورغما وَهَوَانًا وَجَاء رفع بَعْضهَا وطرده ابْن عُصْفُور وَمِنْه صلفا وكرما فِي التَّعَجُّب وَهل مِنْهُ غفرانك خلاف (ش) من الْبَدَل عَن فعله سَلاما بِمَعْنى بَرَاءَة مِنْكُم لَا خير بَيْننَا وَلَا شَرّ وَلَا يتَصَرَّف بِخِلَاف (سَلام) بِمَعْنى التَّحِيَّة فَإِنَّهُ يتَصَرَّف وَمِنْه حجرا بِكَسْر الْحَاء يُقَال للرجل أتفعل هَذَا فَيَقُول حجرا أَي منعا أَي أمنع نَفسِي وأبعده وَأَبْرَأ مِنْهُ وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ أَي سترا وَبَرَاءَة من هَذَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ حجرا مَحْجُورا﴾ [الْفرْقَان: 22] وَلَا يتَصَرَّف إِذا كَانَ مشابا معنى المبادأة والتعوذ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ على أَصله من الْمَنْع أَو السّتْر من غير أَن يشاب هَذَا الْمَعْنى فَإِنَّهُ متصرف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لذِي حجر﴾ [الْفجْر: 5] وَمن ذَلِك عجبا وحمدا وشكرا لَا كفرا قَالَ ابْن مَالك وَهِي إنْشَاء قَالَ أَبُو حَيَّان وَكَذَا قَالَ الشلوبين أَيْضا فَقَالَ إِن قلت كَيفَ يكون هَذَا مِمَّا لَا يظْهر فعله وَلَا شكّ أَنه يجوز أَن تَقول حمدت الله حمدا وأحمده حمدا فَالْجَوَاب إِنَّمَا تكلم سِيبَوَيْهٍ فِي (حمد) الَّذِي هُوَ نفس الْحَمد أَعنِي الَّذِي هُوَ صِيغَة الْإِنْشَاء للحمد وَهَذَا لَا يظْهر مَعَه الْفِعْل بل يتعاقبان وَالَّذِي أوردهُ الْمُعْتَرض إِنَّمَا هُوَ مَحْض الْخَبَر عَن الْحَمد لَا نفس الْحَمد قَالَ أَبُو حَيَّان: وَالَّذِي ذكره ابْن عُصْفُور أَن هَذِه الْأَلْفَاظ خبر فَإِنَّهُ قَالَ عجبا وحمدا وشكرا ثلاثتها مصَادر قَائِمَة مقَام أفعالها الناصبة لَهَا أَي أعجب عجبا وَأحمد حمدا وأشكر شكرا وتفارق ويله وَأَخَوَاتهَا فِي أَن معنى هَذِه الْخَبَر وَمعنى تِلْكَ الدُّعَاء وتفارق سُبْحَانَ الله وأخواته وَإِن كَانَ مَعْنَاهَا الْخَبَر من جِهَة أَنَّهَا تتصرف فتستعمل مَرْفُوعَة كَقَوْلِه 744 - (عجبٌ لتلكَ قَضِيّةٌ وإقامتي ... فيكُمُ على تِلْك القَضِيّة أَعْجَبُ)
وَتلك لَا تتصرف وَقد سردها سِيبَوَيْهٍ مَعَ مَا هُوَ خبر فَقَالَ (هَذَا بَاب مَا ينْتَصب على إِضْمَار الْفِعْل الْمَتْرُوك إِظْهَاره من ذَلِك قَوْلك حمدا وشكرا لَا كفرا وعجبا وأفعل ذَلِك وكرامة ومسرة ونعمة عين وحبا ونعام عين وَلَا أفعل ذَلِك وَلَا كيدا وَلَا هما وَلَأَفْعَلَن ذَلِك ورغما وَهَوَانًا فَإِنَّمَا ينْتَصب هَذَا على إِضْمَار الْفِعْل كَأَنَّك قلت أَحْمد الله حمدا وأشكر الله شكرا وأعجب عجبا وأكرمك كَرَامَة وأسرك مَسَرَّة وَلَا أكاد كيدا وَلَا أهم هما وأغرمك رغما ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَقد جَاءَ بعض هَذَا رفعا يبتدأ ثمَّ يَبْنِي عَلَيْهِ كَقَوْلِه عجب لتِلْك قَضِيَّة الْبَيْت قَالَ وَسَمعنَا بعض الْعَرَب يُقَال لَهُ كَيفَ أَصبَحت فَيَقُول حمد الله وثناء عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يَقُول أَمْرِي وشأني حمد الله وثناء عَلَيْهِ انْتهى قَالَ أَبُو عَمْرو بن بَقِي قَول سِيبَوَيْهٍ حمدا وشكرا لَا كفرا لَهُ كَذَا تكلم بِالثَّلَاثَةِ مجتمعة وَقد تفرد وعجبا مُفْرد عَنْهَا
وَقَالَ ابْن عُصْفُور لَا يسْتَعْمل كفرا إِلَّا مَعَ حمدا وشكرا وَلَا يُقَال أبدا حمدا وَحده وشكرا إِلَّا أَن يظْهر الْفِعْل على الْجَوَاز وَلَا يلْزم الْإِضْمَار إِلَّا مَعَ لَا كفرا فَهَذِهِ الْأُمُور لما جرت مجْرى الْمثل يَنْبَغِي أَن يلْتَزم فِيهَا مَا التزمته الْعَرَب وَقَالَ أَبُو حَيَّان لَا يسْتَعْمل (أفعل ذَلِك وكرامة) إِلَّا جَوَابا أبدا وَكَأن قَائِلا قَالَ أفعل ذَلِك أَو أتفعله فَقلت أَفعلهُ وأكرمك بِفِعْلِهِ كَرَامَة وأسرك مَسَرَّة بعد مَسَرَّة وَلَا يسْتَعْمل مَسَرَّة إِلَّا بعد كَرَامَة وَكَذَا نعمى عين بعد (حبا) لَا يُقَال مَسَرَّة وكرامة وَلَا نعمي عين وحبا وكرامة هَذَا اسْم مَوْضُوع مَوضِع الْمصدر الَّذِي هُوَ الْإِكْرَام وَكَذَا نعْمَة عين ونعام عين اسمان فِي معني إنعام ونعام عين بِضَم النُّون وَكسرهَا وَفتحهَا وَأنكر الشلوبين الْفَتْح و (أكاد) الَّذِي قدره سِيبَوَيْهٍ فِي كيدا اخْتلف فِيهِ فَقَالَ الأعلم هِيَ النَّاقِصَة وَالْمعْنَى وَلَا أكاد أقَارِب الْفِعْل وَحذف الْخَبَر للْعلم بِهِ وَقَالَ ابْن طَاهِر هِيَ التَّامَّة وَالْمعْنَى وَلَا مقاربة وهما من هَمَمْت بالشَّيْء وَلَأَفْعَلَن ذَلِك ورغما جَوَاب لمن قَالَ أَفعلهُ وَإِن رغم أَنفه رغما وَإِن هان هوانا قَالَ أَبُو حَيَّان وَقَول سِيبَوَيْهٍ وَقد جَاءَ بعض هَذَا رفعا فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يطرد وَبِه صرح صَاحب الْبَسِيط وَهُوَ مُخَالف لكَلَام ابْن عُصْفُور أَنَّهَا تسْتَعْمل مَرْفُوعَة انْتهى وَمن ذَلِك قَوْلك فِي التَّعَجُّب كرما وصلفا قَالَ سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ صَار بَدَلا من أكْرم بِهِ وأصلف قَالَ بَعضهم وَيقدر ناصبه كرم كرما وصلف صلفا لِأَن أبنية التَّعَجُّب لَيْسَ مِنْهَا مَا لَهُ مصدر إِلَّا فعل وَمن ذَلِك (غفرانك) عدَّة ابْن مَالك تبعا للزجاجي فِيمَا هُوَ بدل من اللَّفْظ بِالْفِعْلِ وَقيل هُوَ من قبيل مَا يجوز إِظْهَار ناصبه واضطرب كَلَام ابْن عُصْفُور فِي ذَلِك فَمرَّة قَالَ بِالْأولِ وَمرَّة قَالَ بِالثَّانِي
وَاخْتلف هَل الْفِعْل الناصب لَهُ بِمَعْنى الطّلب أَو بِمَعْنى الْخَبَر فَذهب الزّجاج إِلَى الأول وَأَن التَّقْدِير أَغفر غفرانك وَعَزاهُ السجاوندي إِلَى سِيبَوَيْهٍ وَذهب الزَّمَخْشَرِيّ إِلَى الثَّانِي وَأَن التَّقْدِير نستغفرك غفرانك وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه مَنْصُوب على الْمَفْعُول بِهِ أَي نطلب أَو نسْأَل غفرانك وَجوز بَعضهم فِيهِ الرّفْع على الِابْتِدَاء أَو إِضْمَار الْخَبَر أَي غفرانك مطلوبنا
مَوَاضِع وجوب حذف عَامل الْمصدر
(ص) وَمِنْهَا الْوَاقِع فِي توبيخ مَعَ اسْتِفْهَام أَو لَا للنَّفس أَو غَيرهَا أَو تَفْصِيل عَاقِبَة طلب أَو خبر أَو نَائِبا عَن خبر اسْم عين بتكرير أَو حصر أَو مُؤَكد جملَة لَا تحْتَمل غَيره وَيُسمى مُؤَكد نَفسه أَو تحْتَمل فمؤكد غَيره وَيلْزم فِيهِ معرفَة الْبَتَّةَ وَلَا يقدم عَلَيْهَا فِي الْأَصَح إِلَّا نَحْو أجدك لَا تفعل اللَّازِم للإضافة لمناسب الْفَاعِل وإيلائه غَالِبا (لَا) أَو (لم) أَو (لن) وَجوز الزّجاج توسيطه وسيبويه رَفعه والمبرد الْبَاقِي وَمِنْهَا الْمُشبه بِهِ مشعرا بحدوث بعد جملَة مُشْتَمِلَة على مَعْنَاهُ وَصَاحبه دون صَالح للْعَمَل وَيجوز إتباعه قَالَ ابْن خروف بِضعْف وَابْن عُصْفُور سَوَاء وَهُوَ أولى إِن خلت الْجُمْلَة (ش) من الْمَوَاضِع الَّتِي يجب فِيهَا حذف عَامل الْمصدر مَا وَقع فِي توبيخ سَوَاء مَعَ اسْتِفْهَام كَقَوْلِه:
745 - (أَذُلاًّ إِذا شبّ العِدَى نارَ حَرْبهمْ ... وزَهْواً إِذا مَا يَجْنَحُونَ إِلَى السّلم) أم دونه كَقَوْلِه: 746 - (خُمولاً وإهمالاً وَغَيْرك مُولَعٌ ... بتثبيت أَسبَاب السِّيادة والمَجْدِ) سَوَاء كَانَ التوبيخ للمخاطب كَمَا مثل وَكَقَوْلِه: 747 - (أطَرَباً وأَنْت قِنَّسْريُّ ... )
أم للنَّفس كَقَوْل عَامر بن الطُّفَيْل يُخَاطب نَفسه أغدة كَغُدَّة الْبَعِير وموتا فِي بَيت سَلُولِيَّة وَمِنْهَا مَا وَقع تَفْصِيل عَاقِبَة طلب أَو خبر فالطلب نَحْو: ﴿فشدوا الوثاق فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ [مُحَمَّد: 4] وَالْخَبَر نَحْو: 748 - (لأجْهَدَنَّ فإمّا دَرْءُ واقعةٍ ... تُخْشَى وَإِمَّا بُلُوغ السُّؤْل والأمَل) وَمِنْهَا مَا وَقع نَائِبا عَن خبر اسْم عين بتكرير أَو حصر فالتكرير نَحْو زيد سيرا سيرا أَي يسير وَكَقَوْلِه: 749 - (أنَا جدًّا جدًّا ولَهْوُكَ يَزْدَادُ ... إِذن مَا إِلَى اتِّفاق سَبيلُ)
أَي أجد جدا والحصر نَحْو إِنَّمَا زيد سيرا وَمَا زيد إِلَّا سيرا أَي يسير وَكَقَوْلِه: 750 - (ألاَ إِنَّمَا المُسْتَوْجُبون تفضُّلاً ... بدَاراً إِلَى نَيْل التّقدّم فِي الفَضْل) أَي يبادرون بدارا جعل أحد اللَّفْظَيْنِ فِي التكرير عوضا من ظُهُور الْفِعْل وَقَامَ مقَامه فِي الْحصْر (إِنَّمَا) أَو (مَا) و (إِلَّا) فَلَو كَانَ الْمخبر عَنهُ اسْم معنى وَجب رفع الْمصدر خَبرا عَنهُ نَحْو جدك جد عَظِيم وَإِنَّمَا بدارك بدار حَرِيص وَمِنْهَا مَا وَقع مؤكدا لمضمون جملَة فَإِن كَانَ لَا يتَطَرَّق إِلَيْهَا احْتِمَال يَزُول بِالْمَصْدَرِ سمي مؤكدا لنَفسِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة تَكْرِير الْجُمْلَة فَكَأَنَّهُ نفس الْجُمْلَة نَحْو (لَهُ على دِينَار اعترافا) وَإِن كَانَ مَفْهُوم الْجُمْلَة يتَطَرَّق إِلَيْهِ احْتِمَال يَزُول بِالْمَصْدَرِ سمي مؤكدا لغيره لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَة تَكْرِير الْجُمْلَة فَهُوَ غَيرهَا لفظا وَمعنى نَحْو أَنْت ابْني حَقًا
قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الْمصدر الْمُؤَكّد بِهِ فِي ضربيه يجوز أَن يَأْتِي نكرَة وَمَعْرِفَة بِاللَّامِ وبالإضافة فالنكرة نَحْو هَذَا عبد الله حَقًا وقطعا ويقينا وَهُوَ عَالم جدا والمعرفة نَحْو هَذَا عبد الله الْحق لَا الْبَاطِل وَالْيَقِين لَا الشَّك والمضاف نَحْو صنع الله ووعد الله وصبغة الله وَكتاب الله وَقد الْتزم فِي بَعْضهَا التَّعْرِيف فَقَط نَحْو الْبَتَّةَ كَقَوْلِك لَا أَفعلهُ الْبَتَّةَ وَمَعْنَاهُ الْقطع وَلَا أَعُود إِلَيْهِ الْبَتَّةَ وَأَنت طَالِق الْبَتَّةَ ثمَّ هَذَا الْمصدر الْمُؤَكّد بضربيه لَا يجوز تَقْدِيمه على الْجُمْلَة الْمُؤَكّدَة على الصَّحِيح وَسَببه أَن الْعَالم فِيهِ فعل يفسره مضمونها من جِهَة الْمَعْنى إِن التَّقْدِير فِي لَهُ على دِينَار اعترافا أعترف بذلك اعترافا وَفِي هُوَ ابْني حَقًا أحقه حَقًا فَأشبه مَا الْعَامِل فِيهِ معنى الْفِعْل فَلم يجز تَقْدِيمه قِيَاسا عَلَيْهِ وَأَجَازَ الزّجاج توسطيه فَيُقَال هَذَا حَقًا عبد الله قَالَ لِأَنَّهُ إِذا تقدم جُزْء فقد تقدم مَا يدل على الْفِعْل وَاسْتشْهدَ بقوله: 751 - (وكَذَاكُمْ مَصِيرُ كُلّ أُنَاس ... سَوف حَقًّا تُبْلِيهمُ الأيّامُ) وَقَوله: 752 - (إِنِّي وَرَبِّ الْقَائِم المَهْدِيّ ... مَا زلْتُ حقًّا يَا بني عَدِيّ)
(أَخا اعتِلال وَعلَى أَدِيِّ ... ) أَي سفر وَأَجَازَ قوم تَقْدِيمه وَاسْتَدَلُّوا بقَوْلهمْ أحقا زيد منطلق وأوله المانعون على أَن حَقًا هُنَا نصب على الظّرْف لَا على الْمصدر أَي أَفِي حق زيد منطلق نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ قَالَ ابْن مَالك رَحمَه الله وَأما قَوْلهم أجدك لَا تفعل فَأجَاز فِيهِ الْفَارِسِي تقديرين
أَحدهمَا أَن يكون لَا تفعل فِي مَوضِع الْحَال وَالثَّانِي أَن يكون أَصله أجدك أَن لَا تفعل ثمَّ حذفت أَن وَبَطل عَملهَا وَزعم الشلوبين أَن فِيهِ معنى الْقسم وَلذَلِك قدم انْتهى قَالَ أَبُو حَيَّان قد أدخلهُ سِيبَوَيْهٍ فِي الْمصدر الْمُؤَكّد لما قبله وَهُوَ بِمَنْزِلَة أحقا وَلَا تفعل كَذَا وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا مُضَافا وغالبا بعد لَا أَو لم أَو لن قَالَ فِي النِّهَايَة وَالِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ (جد) حَقه أَن يُنَاسب فَاعل الْفِعْل الَّذِي فِي التَّكَلُّم وَالْخطاب والغيبة نَحْو أجدي أكرمتك وأجدك لَا تفعل وأجدك لم تفعل وأجده لم يزرنا وَعلة ذَلِك أَنه مصدر يُؤَكد الْجُمْلَة الَّتِي بعده فَلَو أضفته لغير فَاعله اخْتَلَّ التوكيد قَالَ أَبُو حَيَّان فَإِن قلت كَيفَ أَدخل سِيبَوَيْهٍ هَذَا فِي الْمصدر الْمُؤَكّد لما قبله وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّك إِذا فرضته مؤكدا فَإِنَّمَا يكون مؤكدا لما بعده قلت إِنَّمَا هُوَ جَوَاب لمن قَالَ أَنا لَا أفعل كَذَا وَأَنا أفعل كَذَا فبلا شكّ أَن الْمُتَكَلّم يحمل كَلَامه على الْجد فَهُوَ يَقُوله فَإِذا قلت أتجد ذَلِك جدا فَهُوَ مُؤَكد لما قبله وَجوز سِيبَوَيْهٍ رفع هَذَا النَّوْع كُله أَي الْمصدر الْمُؤَكّد بجملة على تَقْدِير الِابْتِدَاء وَيكون لَازِما الْإِضْمَار كالفعل فَصنعَ الله مثلا على إِضْمَار (هُوَ) أَو (ذَلِك) و (لَهُ على ألف) اعْتِرَاف كَذَلِك وَجوز الْمبرد رفع الْبَاقِي الْخَبَر المكرر والمحصور فَيُقَال زيد سير سير وَإِنَّمَا أَنْت سير
وَمن الْمَوَاضِع الَّتِي يجب فِيهَا حذف عَامل الْمصدر مَا وَقع مشبها بِهِ مشعرا بحدوث بعد جملَة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ وَلَا صَلَاحِية للْعَمَل فِيهِ كَقَوْلِك مَرَرْت بِهِ فَإِذا لَهُ صَوت صَوت حمَار وَله صُرَاخ صارخ الثكلى وَقَوله: 753 - (لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ الْقَعْوِ بِالْمَسَد ... ) واحترزنا بقولنَا مشعرا بحدوث عَمَّا لَا يشْعر بِهِ نَحْو لَهُ ذكاء ذكاء الْحُكَمَاء فَلَا يجوز نَصبه لِأَن نصب صَوت وَشبهه إِنَّمَا يكون لكَون مَا قبله بِمَنْزِلَة يفعل مُسْندًا إِلَى فَاعل إِذْ التَّقْدِير فِي (وَله صَوت) وَهُوَ يصوت فاستقام نصب مَا بعده لِاسْتِقَامَةِ تَقْدِير الْفِعْل فِي مَوْضِعه وَذَلِكَ لَا يُمكن فِي (لَهُ ذكاء) فَلم يستقم النصب وبقولنا بعد جملَة عَمَّا بعد مُفْرد نَحْو صَوته صَوت حمَار فَلَا يجوز نَصبه وبقولنا حاوية إِلَى آخِره عَن نَحْو فِيهَا صَوت صَوت حمَار وَعَلِيهِ نوح نوح الْحمام فالنصب فِي ذَلِك ضَعِيف لِأَنَّهُ لم يشْتَمل على صَاحب الصَّوْت فَلم يُمكن تَقْدِيره ب (يصوت) فَوجه النصب على ضعفه أَن الصَّوْت يدل على المصوت وبقولنا وَلَا صَلَاحِية للْعَمَل عَمَّا لَا يصلح للْعَمَل فِي الْمصدر نَحْو هُوَ مصوت صَوت حمَار فَإِن صَوت حمَار هُنَا ينْتَصب (بمصوت) لَا بمضمر
ثمَّ إِذا اجْتمعت الشُّرُوط فَإِن كَانَ معرفَة تعين فِيهِ مَا ذكر من النصب على المصدرية نَحْو لَهُ صَوت صَوت الْحمار وَإِن كَانَ نكرَة جَازَ فِيهِ مَعَ ذَلِك الحالية بِتَقْدِير فعل أَي يبديه ويخرجه صَوت حمَار وَيجوز الرّفْع فِي الْمعرفَة والنكرة على الإتباع بَدَلا فيهمَا ونعتا فِي النكرَة وَعلي الخبرية بِتَقْدِير الْمُبْتَدَأ فيهمَا وَجعل ابْن خروف النصب فِي هَذَا النَّوْع أقوى من الرّفْع قَالَ لِأَن الثَّانِي لَيْسَ بِالْأولِ فيدخله الْمجَاز والاتساع وجعلهما ابْن عُصْفُور متكافئين لِأَن فِي الرّفْع الْمجَاز وَفِي النصب الْإِضْمَار والإتباع أولى من النصب إِن خلت الْجُمْلَة عَن صَاحبه كَمَا تقدم
مَا يَنُوب عَن الْمصدر
(ص) مَسْأَلَة أنابوا عَنهُ صِفَات كعائذا بك وهينا وأقائما وَقد قعدوا وأعيانا كتربا وجندلا وفاها لفيك وأأعور وَذَا نَاب وَلَا يُقَاس وَفِي الصِّفَات خلف وَالأَصَح أَنَّهَا أَحْوَال والأعيان مفعولات وَسمع رفع ترب وقاس سِيبَوَيْهٍ رفع أَعْيَان غير الدُّعَاء (ش) أنابوا عَن الْمصدر اللَّازِم إِضْمَار ناصبه صِفَات كعائذا بلك وهنيا لَك وأَقائما وَقد قعد النَّاس وأقاعدا وَقد سَار الركب وَهِي أَسمَاء فاعلين وهنيء من هنؤ كشريف من شرف قَالَ بعض المغاربة وَهِي مَوْقُوفَة على السماع وَزعم بَعضهم أَن ذَلِك مقيس عِنْد سِيبَوَيْهٍ يُقَال لَك من لَازم صفة دائبا عَلَيْهَا نَحْو أضاحكا وأخارجا
وأنابوا عَنهُ أَيْضا أَسمَاء أَعْيَان قَالُوا تربا وجندلا فِي معنى تربت يَدَاهُ أَي لَا أصَاب خيرا والترب التُّرَاب والجندل الْحِجَارَة وَقَالُوا فاها لفيك أَي فالداهية وَيسْتَعْمل هَذَا فِي معنى الدُّعَاء أَي دهاه الله وَقيل ضمير (فاها) للخيبة وَقَالُوا (أأعور وَذَا نَاب) والمقصور بِهِ الْإِنْكَار وَأَصله أَن بني عَامر لما قَاتلُوا بني أَسد جعلُوا فِي مقدمتهم عِنْد اللِّقَاء جملا أَعور مُشَوه الْخلق ذَا نَاب وَهُوَ السن فَقَالَ بعض الأسديين ذَلِك مُنْكرا عَلَيْهِم وَلَا يُقَاس هَذَا النَّوْع إِجْمَاعًا لَا يُقَال أَرضًا وَلَا جبلا وَرَأى الْأَكْثَرين أَن نصب الصِّفَات الْمَذْكُورَة على الحالية الْمُؤَكّدَة لعاملها الْمُلْتَزم إضماره وَالتَّقْدِير أعوذ وأتقوم وأتقعد وَنصب الْأَعْيَان على المفعولية بِفعل مُقَدّر وَالتَّقْدِير أطعمك الله أَو ألزمك تربا وجندلا وألزمك الله فاها لفيك وأتستقبلون أعو وَذَا نَاب وَذهب الْمبرد إِلَى إِن هَذِه الصِّفَات مَنْصُوبَة على أَنَّهَا مصَادر جَاءَت على فَاعل كالمالح والعافية وَذهب الشلوبين وَغَيره إِلَى أَن تربا وجندلا انتصاب انتصاب الْمصدر بِدَلِيل جَوَاز دُخُول اللَّام فَيُقَال تربا لَك كَمَا يُقَال سقيا لَك وَذهب ابْن عُصْفُور وَابْن خروف إِلَى أَن أَعور وَذَا نَاب حَال وَالتَّقْدِير أتستقبلونه أَعور وَسمع رفع (ترب) على الِابْتِدَاء وَمَا بعده الْخَبَر قَالَ: 754 - (فَتُرْبٌ لأفْواهِ الوُشاةِ وجِنْدَلُ ... )
قَالَ ابْن حَيَّان وَلَا ينقاس الرّفْع فِي أَسمَاء الْأَعْيَان الَّتِي يَدعِي بهَا لَو قلت فوها لفيك على قصد الدُّعَاء لم يجز وَأما غير الْمَدْعُو بهَا فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ لَو قَالَ أَعور وَذُو نَاب كَانَ مصيبا قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره مُقَدّر أَي مستقبلكم أَو مصادفكم