فتاوى ابن الصلاحصفحات 178-219
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 178-219

@ والفقر صفته اللَّازِمَة عِنْد مَوته وَقبل ذَلِك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يقْدَح فِيهِ مَا كَانَ فِي ملكه من إعداده إِيَّاه لمصَالح الْمُسلمين وإخراجه مَا يحصل عِنْد حُصُوله وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يدْخل الْفُقَرَاء الْجنَّة قبل الْأَغْنِيَاء بِخمْس مائَة عَام حَدِيث ثَابت وَحَدِيث

@ أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَيْضا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين أَتَوْهُ فَقَالُوا ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العلى وَالنَّعِيم الْمُقِيم فَقَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا يصلونَ كَمَا نصلي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نتصدق ويعتقون وَلَا نعتق فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَفلا أعلمكُم شَيْئا تدركون بِهِ من سبقكم وتسبقون من بعدكم وَلَا يكون أحد أفضل من مِنْكُم الا من صنع مثل مَا صَنَعْتُم قَالُوا بل قَالَ تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مرّة فَرجع فُقَرَاء الْمُهَاجِرين إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا سمع أخواننا أهل الْأَمْوَال بِمَا فعلنَا فَفَعَلُوا مثله فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ هَذَا لفظ الحَدِيث فِي صَحِيح مُسلم وَأَخْبرنِي بعض الْأَشْيَاخ بخراسان قَالَ أخبرنَا أَبُو الْفتُوح عبد الْوَهَّاب بن شاه الصُّوفِي قَالَ أخبرنَا الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي

@ قَالَ سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا عَليّ الدقاق يَقُول تكلم النَّاس فِي الْفقر والغنى أَيهمَا أفضل وَعِنْدِي أَن الْأَفْضَل أَن يعْطى الرجل كِفَايَته ثمَّ يصان فِيهِ وَالله أعلم 28 - مَسْأَلَة صَوْم رَجَب كُله هَل على صائمه إِثْم أم لَهُ أجر وَفِي حَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرويهِ ابْن دحْيَة الَّذِي كَانَ بِمصْر أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن جَهَنَّم لتسعر من الْحول إِلَى الْحول لصوام رَجَب هَل صَحَّ ذَلِك أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَا إِثْم عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَلم يؤثمه بذلك أحد من عُلَمَاء الْأمة فِيمَا نعلمهُ بلَى قَالَ بعض حفاظ الحَدِيث لم يثبت فِي فضل صَوْم رَجَب حَدِيث أَي فضل خَاص وَهَذَا لَا يُوجب زهدا فِي صَوْمه فِيمَا ورد من النُّصُوص فِي فضل الصَّوْم مُطلقًا والْحَدِيث الْوَارِد فِي كتاب السّنَن لأبي دَاوُد وَغَيره فِي صَوْم الْأَشْهر الْحرم كَاف فِي التَّرْغِيب فِي صَوْمه وَأما الحَدِيث فِي تسعير جَهَنَّم لصوامه فَغير صَحِيح وَلَا تحل رِوَايَته وَالله أعلم

  • مَسْأَلَة إِذا أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَقوام أَنهم من أهل الْجنَّة وهم مُؤمنُونَ مصدقون بِخَبَرِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهَل يأمنوا الْمَكْر لما أخْبرهُم بِهِ من أَنهم من أهل الْجنَّة وَسَمعنَا عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لَا آمن مكره ورجلي الْوَاحِدَة فِي الْجنَّة وَالْأُخْرَى برا فَهَل هَذَا عَن عمر رَضِي الله عَنهُ صَحِيح أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ هَذَا القَوْل عَن عمر رَضِي الله عَنهُ لسنا نصححه بل أصل كَونه لم يَأْمَن مكر الله تَعَالَى وَأَنه كَانَ شَدِيد الْخَوْف مِمَّا بَين يَدَيْهِ ثَابت عَنهُ وَذَلِكَ لَهُ وُجُوه أَحدهَا أَنه كَانَ يرى جَوَاز النّسخ فِي مثل ذَلِك وَأَنه روى عَنهُ أَنه كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ إِن كنت كتبتني شقيا فامح ذَلِك واكتبني سعيدا أَو مَا مَعْنَاهُ هَذَا وَالثَّانِي أَنه وَأَمْثَاله أَن آمنُوا من كَونهم من أهل الْجنَّة فَلَا يأمنوا أهوالا تصيبهم قبل دُخُول الْجنَّة الثَّالِث وَإِن كَانُوا لَا يجوزون النّسخ فِي مثل ذَلِك فقد يجوزون أَن يكون ذَلِك مَشْرُوطًا بِشَرْط فَلَا يُوجد مِنْهُم وخفي عَلَيْهِم ذَلِك الشَّرْط عَافَانَا الله تَعَالَى 30 - مَسْأَلَة أول من يدْخل الْجنَّة قَالُوا الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم فَيدْخل كل نَبِي مَعَ أمته أَو الْأَنْبِيَاء كلهم يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أممهم أجَاب رَضِي الله عَنهُ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يدْخل الْجنَّة قبل الْجَمِيع وَالظَّاهِر أَن كل الْأَنْبِيَاء يدْخلُونَ قبل الْأُمَم كلهَا 31 - مَسْأَلَة عِيسَى بن مَرْيَم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى نَبينَا والنبيين وآلهم

@ وَسلم رأى رجلا يسرق فَقَالَ أسرقت قَالَ كلا وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ قَالَ آمَنت بِاللَّه وكذبت عَيْني وَحَدِيث آخر أَن بعض النَّاس أذْنب ذَنبا فَسئلَ عَنهُ فَقَالَ وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا فعلته أَو كَمَا قَالَ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غفر الله لَك ذَنْبك بصدقك فِي قَوْلك لَا إِلَه إِلَّا الله أجَاب رَضِي الله عَنهُ كَأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما وجد السَّارِق ربه تَعَالَى غمرته الهيبة وَالْعَظَمَة حَتَّى أنسته مَا استيقنه حَاله الابصار وَبَقِي فِي صُورَة من يرى الشَّيْء من بعد وَلَا يتحققه فَإِذا نوزع فِيهِ كذب رُؤْيَته وَأما الحَدِيث الآخر فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن حَسَنَة الصدْق فِي التَّوْحِيد كفرت الْمعْصِيَة وَالله أعلم 32 - مَسْأَلَة الْخَبَر الَّذِي لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ النّسخ وَالْخَبَر الَّذِي يدْخلهُ الْأَمر فيتطرق إِلَيْهِ النّسخ مَا هُوَ وَمَا من فرق بَين الْخَبَرَيْنِ أجَاب رَضِي الله عَنهُ من أَمْثِلَة الْخَبَر الَّذِي لَا يدْخلهُ النّسخ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ وَمن أَمْثِلَة الْخَبَر الْمُشْتَمل على قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توضئوا مِمَّا مست النَّار

@ وَمن أَمْثِلَة مَا لَا يدْخلهُ النّسخ من الْخَبَر فِي أَخْبَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي وَالْفرق أَن مَا فِيهِ الْأَمر تَكْلِيف فَلَا مُمْتَنع إِسْقَاطه بالنسخ بِخِلَاف الْخَبَر الْمَحْض فَإِن النّسخ فِيهِ الْحلف وَكَون ذَلِك وَقع كذبا وَالله أعلم 33 - مَسْأَلَة فِي الْفَقِير الصابر والغني الشاكر أَيهمَا أعلا بينوا ذَلِك ليحصل مَعْرفَتهَا وَالَّذِي لَا يجب عَلَيْهِ التكسب بِبَيَان دَلِيله وَمَا هُوَ عَلَيْهِ أجَاب رَضِي الله عَنهُ هَذَا بَاب وَاسع وَمِمَّا يحْتَج بِهِ من فضل الْفَقِير الصابر وإياه لخيار حَدِيث دُخُول الْفُقَرَاء الْجنَّة قبل الْأَغْنِيَاء بِخمْس مائَة عَام وَمِمَّا يحْتَج بِهِ من فضل الْغَنِيّ الشاكر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء فِي حَدِيث الذّكر الَّذِي علمه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْفُقَرَاء فَلَمَّا بلغ ذَلِك الْأَغْنِيَاء شاركوهم فِيهِ وَمن قَالَ لَا يجب عَلَيْهِ التكسب فدليله أَنه الْآن غير وَاجِد وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَاجِب من ذَلِك فَلَا يجب عَلَيْهِ التَّحْصِيل لتجب عَلَيْهِ النَّفَقَة كَمَا لَا يجب عَلَيْهِ تَحْصِيل المَال لتجب عَلَيْهِ الزَّكَاة وَالله أعلم 34 - مَسْأَلَة هَل ورد عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على كل قدم نَبِي من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام ولي من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَسَمعنَا أَن القطب على قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسَمعنَا أَن فِي الأَرْض سَبْعَة أوتاد وابدال ونجباء ونقباء كلما مَاتَ رجل أَقَامَ الله عز وَجل عوضه رجلا وَلَا تزَال الوراثة دائمة فِي علم الْبَاطِن وَفِي علم الظَّاهِر إِلَى قيام السَّاعَة الْأَمر على مَا ذكر أم لَا

@ أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَا يثبت هَذَا الحَدِيث وَأما الأبدال فأقوى مَا روينَاهُ فيهم قَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه بِالشَّام يكون الأبدال وَأَيْضًا فإثباتهم كالمجمع عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمُسلمين وصلحائهم وَأما الْأَوْتَاد والنخباء والنقباء فقد ذكرهم بعض مَشَايِخ الطَّرِيقَة وَلَا يثبت ذَلِك وَلَا تزَال طَائِفَة من الْأمة ظَاهِرَة على الْحق إِلَى أَن تقوم السَّاعَة وهم الْعلمَاء 35 - مَسْأَلَة هَل ورد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عُلَمَاء الْبَاطِن الَّذين أقامهم الله تَعَالَى لتربية أَرْبَاب الْأَحْوَال والمقامات الشَّرِيفَة ويوصلوا المريد إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بقوتهم الَّتِي أَعْطَاهُم الله وبدعوتهم المجابة كالجنيد وَأَمْثَاله من أَئِمَّة الطَّرِيق المكاشفين الَّذين لَهُم

@ الْكَشْف المصون الْمُوَافق للشريعة المطهرة هَل يجب عَلَيْهِم أَن يشهروا أنفسهم بذلك ويتصدوا بالقعود لِلْخلقِ كَمَا يجب على عُلَمَاء الشَّرِيعَة التصدي وَالْقعُود لِلْخلقِ لفوائد الْمُسلمين أَجْمَعِينَ مِنْهُم أم لَا وَالْخضر عَلَيْهِ السَّلَام هَل ورد أَنه حَيّ إِلَى الْوَقْت الْمَعْلُوم وَهل هُوَ نَبِي أَو ولي أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَا يجب عَلَيْهِم ذَلِك وَلَا يحْتَمل حَالهم وَحَال الْخلق ذَلِك وَفِي الشَّرِيعَة كِفَايَة فِيمَا يرجع إِلَى إرشاد الْخلق وَأما الْخضر عَلَيْهِ السَّلَام فَهُوَ من الْأَحْيَاء عِنْد جَمَاهِير الْخَاصَّة من الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ والعامة مَعَهم فِي ذَلِك وَإِنَّمَا شَذَّ بإنكار ذَلِك بعض

@ أهل الحَدِيث وَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى نَبينَا والنبيين وآلهم وَسلم نَبِي وَاخْتلفُوا فِي كَونه مُرْسلا وَالله أعلم 36 - مَسْأَلَة فِي الْأُبُوَّة هَل يجوز أَن يُطلق فِي الْكتاب الْعَزِيز والْحَدِيث الصَّحِيح على الْأَب من غير صلب وايش الْفرق بَين آدم أبي الْبشر وَبَين ابراهيم الْخَلِيل صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى النَّبِيين وَالْكل وَسلم أَب فآدم أَبُو الْبشر وَإِبْرَاهِيم أَبُو الْإِيمَان أَو لِمَعْنى آخر ونرى مَشَايِخ الطَّرِيق يسموهم آبَاء المريدين فَيجب بَيَان هَذَا من الْكتاب الْعَزِيز والْحَدِيث الصَّحِيح وَأيهمَا أعلا الْأَب أَو الْأَخ أَو الصاحب نرى الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَانَ إخْوَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ الْإِسْلَام وَالْإِيمَان ونراهم خصوا باسم الصاحب بَين لنا هَذَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى قَالُوا نعْبد إلهك وإله آباءك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْمَاعِيل من أَعْمَامه لَا من آبَائِهِ وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش﴾ وَأمه كَانَ قد تقدم وفاتها قَالُوا وَالْمرَاد خَالَته فَفِي هَذِه اسْتِعْمَال الْأَبَوَيْنِ من غير ولادَة حَقِيقِيَّة وَهُوَ مجَاز صَحِيح فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ واجراء ذَلِك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والعالم وَالشَّيْخ وَالْمرَاد سَائِغ من حَيْثُ اللُّغَة وَالْمعْنَى وَأما من حَيْثُ الشَّرْع فقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا

@ كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم وَفِي الحَدِيث الثَّابِت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد أعلمكُم فَذهب لهَذَا بعض عُلَمَائِنَا إِلَى أَنه لَا يُقَال فِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَب الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ يُقَال فِي أَزوَاجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وحجته مَا ذكرت فعلى هَذَا يُقَال هُوَ مثل الْأَب أَو كَالْأَبِ أَو بِمَنْزِلَة أَبينَا وَلَا يُقَال هُوَ أَبونَا أَو والدنا وَمن عُلَمَائِنَا من جوز وَأطلق هَذَا أَيْضا وَفِي ذَلِك للمحقق مجَال بحث يطول والأحوط التورع والتحرز عَن ذَلِك وَأما الْأَخ والصاحب وكل وَاحِد مِنْهُمَا أخص من الآخر وأعم فأخ لَيْسَ بِصَاحِب وَصَاحب لَيْسَ بِأَخ فاذا قابلت بَينهمَا فالأخوة أعلا وَأما فِي حق الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فَإِنَّمَا اختير لَهُم لفظ الصُّحْبَة لِأَنَّهَا خصيصة لَهُم وإخوة الْإِسْلَام شَامِلَة لَهُم ولغيرهم أَيْضا فَلفظ الصَّحَابَة يشْعر بالأمرين أخوة الدّين والصحبة لِأَنَّهُ لَا يُطلق ذَلِك فِي الْعرف على الْكَافِر وَإِن صَاحبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُدَّة وَالله أعلم

  • مَسْأَلَة شخص قَالَ من سبّ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لَا يغْفر لَهُ وَإِن تَابَ وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ سبّ صَحَابَتِي ذَنْب لَا يغْفر وَقَالَ قَالَ لي الشَّيْخ عِنْدِي لَا يَتُوب الله عَلَيْهِ فَقيل لَهُ إِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَقَالَ لَا يَتُوب الله عَلَيْهِ فَهَل يَتُوب الله عَلَيْهِ أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ أَخطَأ هَذَا الْقَائِل فِي قَوْله وَفِي احتجاجه خطأ فَاحش أما خَطؤُهُ فِي قَوْله فَإِنَّهُ نفى مغْفرَة الله تَعَالَى لهَذَا المذنب من غير تَوْبَة وَمَعَ التَّوْبَة وَهُوَ مخطىء مُبْتَدع فَأَخْطَأَ وابتدع فِي الْمَوْضِعَيْنِ أما اذا لم يتب فَلِأَن السَّبَب ذَنْب دون الشّرك وكل ذَنْب دون الشّرك فَيجوز أَن يغْفر الله تَعَالَى لفَاعِله وَإِن لم يتب أما مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ابْتِدَاء أَو بشفاعة الشافعين أَو بِأَن يرْزق حظا من الْحَسَنَات اللَّاتِي يذْهبن السيآت شهد بذلك دَلِيل النُّصُوص وَغَيرهَا وَمن قَالَ فِي شَيْء من الذُّنُوب الَّتِي هِيَ دون الشّرك إِن الله تَعَالَى لَا يغْفر لفَاعِله فقد تَأَول على الله تَعَالَى بذلك وَتعرض لعقابه وَأما إِذا تَابَ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء من الذُّنُوب لَا تَوْبَة مِنْهُ وَلَيْسَ هَذَا بأعظم من الشّرك ثمَّ لَا يُقَال الشّرك لَا تَوْبَة مِنْهُ فَإِن إِسْلَام الْكَافِر حَاصِلَة التَّوْبَة من الشّرك وأجمعت الْأمة على أَن الله لم يَجْعَل فِيمَا خلق ذَنبا لَا تَوْبَة مِنْهُ أصلا ونصوص الْكتاب وَالسّنة متظاهرة على ذَلِك غير أَنه يَنْبَغِي أَن يعلم أَن التَّوْبَة من ذَنْب السب لَا يَكْفِي فِيهَا تَوْبَة الساب فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَإِن سبّ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم ظلم لَهُم وَالتَّوْبَة من مظالم الْعباد طريقها إِلَى

@ الْبَرَاءَة اليهم بإجلالهم أَو غَيره وَذَلِكَ مُتَعَذر فِيمَن مَاتَ وَمَعَ ذَلِك فطريق الْخَلَاص غير مُتَعَذر على التائب من سبّ الصَّحَابَة من وُجُوه أَحدهَا الاسْتِغْفَار لَهُم وَالدُّعَاء لم بِالرَّحْمَةِ والرضوان وَلَا سِيمَا فِي أعقاب الصَّلَوَات الثَّانِي أَن يكثر من الْأَعْمَال الصَّالِحَة حَتَّى تقع بعض حَسَنَاته عوضا عَن هَذِه الْمظْلمَة ويفضل لَهُ مَا يسْعد بِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى الثَّالِث أَن يلجأ الى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَن يضمن عَنهُ تبعاته ويرضى عَنهُ من فَضله من ظلمه بالسب وَغَيره فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جدير بإجابة دُعَائِهِ وَهَذِه الْوُجُوه لَهَا أصُول مِنْهَا حَدِيث حُذَيْفَة أَنه شكى إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذرب لِسَانه على أَهله فَقَالَ أَيْن أَنْت عَن الاسْتِغْفَار أخرجه النَّسَائِيّ وَغَيره وَحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الْمخْرج فِي الصَّحِيح فِي الشَّخْص الَّذِي قتل مائَة نفس ثمَّ تَابَ وعاجله الْمَوْت بَين القريتين فليتب هَذَا التائب نفسا فَإِن الرَّحْمَة وَاسِعَة فقد جعل الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة من هذَيْن الْحَدِيثين مخلصا من مظالم الْعباد وَهُوَ خَارج على أحد الْوُجُوه الْمَذْكُورَة

@ وَأما خطأ هَذَا الرجل فِي حجَّته فَفِي موضِعين أَيْضا أَحدهمَا أَن الحَدِيث الَّذِي ذكره من أَحَادِيث الْعَوام الَّتِي لَا أصل لَهَا يعرف وَالثَّانِي أَنه احْتج بالشيخ عِنْدِي وَهَذَا من الْعَجَائِب عِنْد أهل الْمعرفَة فَإِنَّهُ لَا يخفى على مُسلم إِنَّه لَا حجَّة فِي دين الله عز وَجل إِلَّا فِيمَا جَاءَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى معرفَة مَا جَاءَ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا بِنَقْل الثِّقَات من أهل الْعلم وَالْأَخْذ عَنْهُم فَمن لم يكن من أهل ذَلِك كَانَ جَاهِلا وَإِن كَانَ زاهدا فان الزّهْد لَا يَجعله نَبيا يُوحى اليه والقلوب لَا يتعرف مِنْهَا أَحْكَام الدّين وَشَرَائِع الْإِسْلَام وَمن انتسب إِلَى الْعلم الَّذِي زعم أَنه يطلعه على الصَّوَاب ويمنعه من الْخَطَأ سألناه عَن شَيْء من أَحْكَام الْقُرْآن الْمَعْلُومَة وَالسّنَن الصَّحِيحَة وأظهرنا بِهَذَا إخلاله فانه لَو كَانَ كَمَا زعم لم يجهل ذَلِك وَإِذا جعل ذَلِك فَهُوَ لغيره أَجْهَل فليتق الله ربه هَذَا الْقَائِل وَلَا يُقَلّد دينه من لَا علم لَهُ وليستغفر الله مِمَّا جرى مِنْهُ غفر الله لنا وَله وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين 38 - مَسْأَلَة رجل اغتاب رجلا مُسلما وَجَاء إِلَيْهِ وَقَالَ اغتبتك وَقلت عَنْك كَذَا وَكَذَا اجْعَلنِي فِي حل فَمَا فعل بجعله فِي حل هَل هُوَ مخطىء بِكَوْنِهِ لم يَجعله فِي حل وَهَذَا الَّذِي اغتابه بَقِي عَلَيْهِ تبعة أم لَا وَهل يجوز للانسان أَن يسبح بسبحة خيطها حَرِير وَالْخَيْط تخين وَهل يجوز الدروزة للْفُقَرَاء على أوجه الإنكسار أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَن يَجعله فِي حل وَلَكِن حرم

@ نَفسه فَائِدَة الْعَفو ومثوبة إسعاف السَّائِل والتبعة بَاقِيَة على المغتاب وَيَنْبَغِي أَن يكثر من أَن يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَلمن اغْتَبْته وَلمن ظلمته وَقد رُوِيَ فِي حَدِيث لَا أعلمهُ يُقَوي إِسْنَاده كَفَّارَة الْغَيْبَة إِن تستغفر لمن أغتبته وَإِن لم يثبت فَلهُ أصل وَلَا يحرم مَا ذكره فِي السبحة الْمَذْكُورَة وَالْأولَى إِبْدَاله بخيط آخر والدروزة جَائِزَة إِن سلمت من التذلل فِي السُّؤَال أَو من الإلحاح فِي السُّؤَال وَمن أَن المسؤل وَكَانَ المسؤل لَهُ فَمن يحل لَهُ السُّؤَال لعَجزه عَن الْكسْب وَلَا مَال لَهُ فَإِذا كَانَ سُؤَاله سليما عَن الْخلَل وَمن يسْأَل لَهُ أهل يحل لَهُ الْمَسْأَلَة فَذَلِك حسن وَالله أعلم 39 - مَسْأَلَة فِيمَن اغتاب هَل الاسْتِغْفَار كَفَّارَة للغيبة والْحَدِيث عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَفَّارَة الْغَيْبَة أَن تستغفر لمن أغتبته مَعَ أَن الحَدِيث غير ثَابت وان كَانَ إِسْنَاده قَوِيا لَهُ أصل فِي الْكتاب الْعَزِيز وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أم لَا وَهل يجوز إِذا كَانُوا جمَاعَة قد اجْتَمعُوا على الْخَيْر وَبينهمْ أَخ من الأخوان وَطَرِيقه طَرِيق دبره يجْتَمع بِبَعْض الأخوان وَيَقُول قد وجهني اليك فلَان وَيَقُول حَدثنِي بِمَا عنْدك وَمرَاده بِهَذَا أَنه يبصر مَا عِنْده وَمَا يكون ذَلِك وَجهه إِلَّا كذب من عِنْده وَيَجِيء إِلَى الْمَشَايِخ يمتحنهم وَيدخل عَلَيْهِم بِالْكَذِبِ وَيَقُول أَنْت شَيْخي وَيَقُول للْآخر أَنْت شَيْخي وَيخرج من عِنْدهم ويغتابهم ويؤذيهم بِلِسَانِهِ فَهَل يجوز أَن يحذر النَّاس الْمَشَايِخ والأخوان من هَذَا الرجل

@ أجَاب رَضِي الله عَنهُ الاسْتِغْفَار لمن اغْتَبْته كَفَّارَة ذَلِك والْحَدِيث وَإِن لم يعرف إِسْنَاد يُثبتهُ فَمَعْنَاه يثبت بِالْكتاب وَالسّنة الْمُعْتَمدَة أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات وَإِن كَانَ هَذَا نزل فِي الصَّلَوَات فَهُوَ عَام فالعام لَا يخْتَص بِالسَّبَبِ وَقد بَين ذَلِك قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِمعَاذ رَضِي الله عَنهُ أتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها وَأما السّنة فَمِنْهَا هَذَا وَمِنْهَا حَدِيث حُذَيْفَة أَنه شكا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذرب لِسَانه على أَهله فَقَالَ أَيْن أَنْت من الاسْتِغْفَار وذرب اللِّسَان على الْغَيْر أَخُو الْغَيْبَة فَإِن كَلَام جنايات اللِّسَان على الْغَيْر وَأما التحذير من الرجل الْمَوْصُوف فَحسن بِشَرْط أَن يكون الْمَقْصُود نصيحة الْمَحْذُور وَمَا هُوَ من الْأَغْرَاض الدِّينِيَّة الصَّحِيحَة من غير أَن يشوبه غير ذَلِك مثل أَن يقْصد التفكه بغرضه أَو التشفي مِنْهُ وَنَحْو هَذَا وَالله أعلم 40 - مَسْأَلَة هَل يجوز للانسان أَن يقْرَأ الْقُرْآن ويهديه لوَالِديهِ ولأقاربه خَاصَّة ولأموات الْمُسلمين عَامَّة وَهل تجوز الْقِرَاءَة من الْقرب والبعد على الْقَبْر خَاصَّة وَهل يجوز للشَّخْص أَن يسمع كَلَام الْمَظْلُوم عِنْد الظَّالِم وَهُوَ أَن يَقُول لصديقه أَو لِأَخِيهِ يَا أخي ظَلَمَنِي وَأخذ من عرضي وَشَتَمَنِي ذَلِك الْفَاعِل الصَّانِع وَتكلم فِي حَقه بِمَا لَا يحل فَهَل يجوز لَهُ سَمَاعه أم لَا

@ أجَاب رَضِي الله عَنهُ أما قِرَاءَة الْقُرْآن فَفِيهِ خلاف بَين الْفُقَهَاء وَالَّذِي عَلَيْهِ عمل أَكثر النَّاس تَجْوِيز ذَلِك وَيَنْبَغِي أَن يَقُول إِذا أَرَادَ ذَلِك اللَّهُمَّ أوصل ثَوَاب مَا قرأته لفُلَان وَلمن يُرِيد فَيَجْعَلهُ دُعَاء وَلَا يخْتَلف فِي ذَلِك الْقَرِيب والبعيد وَأما سَماع كَلَام الْمَظْلُوم فِي ظالمه فَهُوَ قرع على كَلَام الْمَظْلُوم فَمَا جَازَ للمظلوم أَن يَقُوله فَجَائِز لغيره سَمَاعه وَمَا لَا فَلَا يجوز الإصغاء إِلَيْهِ ثمَّ الَّذِي هُوَ جَائِز للمظلوم مَا تَدعُوهُ حَاجته اليه على وَجه الشكاية أَو على وَجه الايضاح لكَونه قد ظلمه أَو على وَجه آخر من الِاحْتِجَاج لنَفسِهِ عَلَيْهِ مثل قَول أحد المتخاصمين عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما جعل الْيَمين على خَصمه يَا رَسُول الله إِنَّه فَاجر لَا يتورع عَن شَيْء وَالله أعلم 41 - مَسْأَلَة قَول لَا إِلَه إِلَّا الله فِي رفع الوسوسة نَافِع هَل على ذَلِك دَلِيل أجَاب رَضِي الله عَنهُ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله لَهُ أثر فِي تنوير الْقلب وَلذَلِك اخْتَارَهُ جمَاعَة من الْمَشَايِخ لأهل الْخلْوَة وَقد علم أَن الشَّيْطَان الوسواس الخناس إِذا ذكر العَبْد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يخنس أَي يتَأَخَّر وَيبعد وَلَا إِلَه إِلَّا الله فِي أول دَرَجَات الذّكر فَإِنَّهُ التَّوْحِيد الناصع الباهر وَالله أعلم 42 - مَسْأَلَة رجل يمدح فتفرح نَفسه ويذم فتتألم

@ نَفسه وَرجل إِذا مدح بِمَا فِيهِ يكره ذَلِك فَهَل هَذَا الْفَرح من النَّفس مَقْبُول فِي الشَّرْع أَو مَذْمُوم والتقبل لَهُ وَالَّذِي يكره الْمَدْح فِي نَفسه لَا يحب ان يمدح فَهَل هَذَا مُوَافق للشَّرْع أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ هَذَا كُله يخْتَلف باخْتلَاف مُسْتَنده فِي السرُور وَالْكَرَاهَة فَإِذا سر بالمدح لما دلّ عَلَيْهِ من إنعام الله تَعَالَى عَلَيْهِ بالستر وَالْقَبُول مَعَ عدم الاعجاب وَغَيره من الْأَخْلَاق المذمومة فَلَا بَأْس وَكَذَلِكَ إِذا تأذى بالذم كَمَا يتَأَذَّى بِغَيْرِهِ من أَنْوَاع الْبلَاء مَعَ سَلَامَته من السخط وَنَحْوه فَلَا بَأْس وَإِذا كره الْمَدْح تخوفا من الْفِتْنَة وَالْعجب وَنَحْو ذَلِك فَلَا بَأْس وَالله أعلم 43 - مَسْأَلَة فِي تحميل المنن بِأَيّ شَيْء يَزُول مَعَ كَون الانسان فَقِيرا مَا لَهُ شَيْء فَإِذا جَاءَهُ شَيْء من النَّاس كَيفَ الطريف فِيهِ أَن يَأْخُذهُ وَلَا يكون عَلَيْهِ مِنْهُ من أعطَاهُ وَكم يجب على الْفَقِير الْمُعسر المتزوج فِي السّنة من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَعند موت الْمُسلم الْمُؤمن يرى ربه عِنْد الْمَوْت وَإِذا رَآهُ عرفه فِي الدَّار الْآخِرَة بِتِلْكَ الرُّؤْيَة الأولة أَو بطرِيق أُخْرَى بَين لنا هَذَا بِدَلِيل من الْكتاب وَالسّنة والاجماع وَهل يجوز أَن يُعْطي الله تَعَالَى لوَلِيّ من أوليائه أَن يعرف أَنه من أهل الْجنَّة بإلهام يلهمه الله تَعَالَى إِيَّاه ويخبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو بطرِيق آخر بَين لنا الطَّرِيق وأوضح لنا دلَالَة لَا شكّ فِيهَا وَلَا ريب والإلهام الَّذِي هُوَ من الله سُبْحَانَهُ عرفنَا ماهيته فِي الانسان كَيفَ هُوَ حَتَّى يعرف

@ أجَاب رَضِي الله عَنهُ يتفقد حَال الْمُعْطى فَإِذا وجده مُطيعًا لله تَعَالَى فَأَخذه من الله تَعَالَى لَا مِنْهُ فِيهِ وعده مُجَرّد سَبَب وحقق النّظر إِلَى الْمُسَبّب ذهبت الْمِنَّة وطاحت ان شَاءَ الله تَعَالَى وعَلى الْمُعسر من النَّفَقَة كل يَوْم مد من الْقَمْح هَا هُنَا وَهُوَ ثَلَاثَة أَوَاقٍ وَنصف بِهَذَا الرطل وَعَلِيهِ مُؤنَة الْحجر وَالْخبْز وَإِن تَرَاضيا على أَخذ الْخبز لَا على وَجه الْمُفَاوضَة جَازَ وَيجب لَهَا من الْأدم قدر مَا يصلح هَذَا الْقدر من الطَّعَام وَذَلِكَ من إدام الْبَلَد وَيجب لَهَا آلَة الشطيف من مشط وَنَحْوه وَيجب لَهَا من الْكسْوَة فِي السّنة مرَّتَيْنِ من غليظ الْقطن أَو الْكَتَّان وَذَلِكَ قَمِيص وَسَرَاويل ومقنعة ويزداد فِي الشتَاء جُبَّة وَيجب لَهَا مَا يجلس عَلَيْهِ وَمَا ينَام فِيهِ من الْمنَازل من جنس ذَلِك وَلها مداس فِي رجلهَا ومنم أثاث الْبَيْت وَنَحْو ذَلِك على قِيَاسه وَالله أعلم وَأما رُؤْيَة الْمُؤمن ربه تَعَالَى بعد مَوته فمخالف لرُؤْيَته لَهُ تبَارك وَتَعَالَى فِي الْآخِرَة فان تِلْكَ رُؤْيَة الْبَصَر من الْعين الجسدانية بِخِلَاف هَذِه الَّتِي هِيَ إِدْرَاك من الرّوح فَحسب وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى وَيجوز أَن يعرف الْمُؤمن كَونه من أهل الْجنَّة بِخَبَر من الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا فِي النَّفر الَّذِي شهد لَهُم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجنَّةِ وهم الْعشْرَة وَأهل بدر وَعَائِشَة وثابت بن قيس بن شماس وَخَدِيجَة فِي سادة آخَرين وَأما بِغَيْر ذَلِك فكلا وَإِنَّمَا يَرْجُو رَجَاء مصحوبا بخوف وَقد اخْتلفُوا فِي أَن الْوَلِيّ هَل يجوز أَن يعرف كَونه وليا فَمنهمْ من قَالَ يجوز ذَلِك لَكِن قَالَ لَيْسَ من شَرط الْولَايَة سَلامَة الْعَاقِبَة فاذا لَا يلْزم على هَذَا من مَعْرفَته لكَونه وليا مَعْرفَته لكَونه من أهل الْجنَّة

@ وَأما الإلهام فَهُوَ خاطر حق من الْحق تَعَالَى فَمن علامته أَن ينشرح لَهُ الصَّدْر وَلَا يُعَارضهُ معَارض من خاطر آخر وَالله أعلم 44 - مَسْأَلَة سَأَلَ سَائل فِي كَلَام الصُّوفِيَّة فِي الْقُرْآن كالجنيد وَغَيره وَكَانَ السَّائِل عَن هَذَا يُنكر مَا سمع من ذَلِك وَكَانَ يُجَالس شَيخا من الْمُفْتِينَ فَجرى ذَلِك فِي مَجْلِسه بابتدأ الشَّيْخ وَقَالَ كالمستحسن لكَلَام الصُّوفِيَّة وَقَالَ أَيْضا هم لَا يُرِيدُونَ بِهِ تَفْسِير الْقُرْآن وَإِنَّمَا هِيَ مَعَاني يجدونها عِنْد التِّلَاوَة وَقَالَ أَيْضا يَقُولُونَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار﴾ قَالُوا هِيَ النَّفس وَكَانَ الشَّيْخ الْمُفْتِي يشْرَح ذَلِك وَيَقُول أمرنَا بِقِتَال من يلينا لأَنهم أقرب شرا إِلَيْنَا وَأقرب شرا إِلَى الانسان نَفسه وَقَالَ الشَّيْخ أَيْضا يَقُولُونَ ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ يَقُول نوح الْعقل وَالْغَرَض أَنهم يلقِي الله عِنْدهم فِي كَلَامه مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَهَذَا قد صدر عَن أكابرهم والجم الْغَفِير وَأَنْتُم بذلك أعلم والسائل لهَذَا لَيْسَ بجاهل وَلَيْسَ غَرَضه إِلَّا الاعتضاد بِمَا يسمع من الشَّيْخ تَقِيّ الدّين رَضِي الله عَنهُ وَاحِد لَا يجهل أَن قَوْله تَعَالَى قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار لَيْسَ المُرَاد بِهِ النَّفس وَإِن المُرَاد ظَاهر وَمن قَالَ غير ذَاك فَهُوَ مخطىء أجَاب رَضِي الله عَنهُ وجدت عَن الإِمَام أبي الْحسن

@ الواحدي الْمُفَسّر رَحمَه الله أَنه قَالَ صنف أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ حقائق التَّفْسِير فَإِن كَانَ قد اعْتقد أَن ذَلِك تَفْسِير فقد كفر وَأَنا أَقُول الظَّن بِمن يوثق بِهِ مِنْهُم أَنه اذا قَالَ شَيْئا من أَمْثَال ذَلِك أَنه لم يذكر تَفْسِيرا وَلَا ذهب بِهِ مَذْهَب الشَّرْح للكلمة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن الْعَظِيم فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك كَانُوا قد سلكوا مسالك الباطنية وَإِنَّمَا ذَلِك ذكر مِنْهُم لنظير مَا ورد بِهِ الْقُرْآن فان النظير يذكر بالنظير فَمن ذكر قتال النَّفس فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة فَكَأَنَّهُ قَالَ أمرنَا بِقِتَال النَّفس وَمن يلينا من الْكفَّار وَمَعَ ذَلِك فيا ليتهم لم يتساهلوا بِمثل ذَلِك لما فِيهِ من الْإِيهَام والإلتباس وَالله أعلم 45 - مَسْأَلَة رجل طلب الْعلم وَهَاجَر اليه من وَطنه فَسمع دَاعيا الى الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَله نفس جموح وَخَافَ أَن لَا ينجو من آفَات الدُّنْيَا مَعَ النَّفس الأمارة بالسوء فَمَا الْحِيلَة فِي نجاته وَبِمَ يكون علاج النَّفس الجموح وماذا يقربهُ من الله الزّهْد أم الْعلم أَو السياحة أَو الْعُزْلَة أجَاب رَضِي الله عَنهُ سَبيله وَالله الْمُوفق الْهَادِي أَن يزهد فِي الدُّنْيَا وَلَكِن زهد الرَّاشِدين الْعَالمين لَا زهد الْجَاهِلين فيطلب الْعلم مخلصا لله تَعَالَى متقربا بِهِ إِلَيْهِ وَلَا يتْرك التَّسَبُّب الَّذِي يُغْنِيه عَن الْحَاجة إِلَى النَّاس وَلَا يعتزل النَّاس بل يُقيم بَينهم صَابِرًا عَلَيْهِم مصححا نِيَّته فِي ذَلِك فان هَذِه طَريقَة

@ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَالْخُلَفَاء وأئمة الْمُتَّقِينَ ويجاهد نَفسه بِالْعلمِ وآدابه وتسديده وتقويمه وَلَيْسَ الطَّرِيق إِلَى السَّلامَة من الْآفَات الْهَرَب من النَّاس وَلَا مُتَابعَة الْقَوْم الَّذين تظاهروا بالفقر والزهد غير ملتفتين إِلَى الشَّرِيعَة وآدابها معرضين عَن ذَلِك وَعَن مَا شرحناه معتمدين على خواطرهم مُتَمَسِّكِينَ برسوم لَا أصل لَهَا فِي الشَّرِيعَة معتضدين بأحوال لم يَأْتِ بهَا كتاب وَلَا سنة زاعمين أَنهم مَعَ الْحَقِيقَة وَلَيْسَ عَلَيْهِم الْوُقُوف مَعَ الشَّرِيعَة فَإِن هَذَا سَبِيل المغرورين المفتونين وَطَرِيق المضلين الدجالين والسالك لسبيلهم قارع بَاب الْإِلْحَاد وَهُوَ والج فِيهِ عَن قريب شهد بِمَا ذكرته أَعْلَام الْعُلُوم والمعارف وبراهينها وَالله أعلم 46 - مَسْأَلَة رجل قَالَ إِن الله لَا يسمع دُعَاء ملحونا قيل وَمَا الدُّعَاء الملحون قَالَ أَن يَدْعُو الانسان بِالْجَزْمِ وَيَقُول بِالرَّفْع قَالَ الآخر بل هُوَ أَن يَقُول الانسان يَا رب قصر عمر فلَان أَو قتر رزق فلَان أَو خُذْهُ فَهَذَا من جملَة الدُّعَاء الملحون أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَيْسَ مَا ذكره الثَّانِي من الدُّعَاء الملحون نعم هُوَ من الاعتداء فِي الدُّعَاء الَّذِي ورد النَّهْي عَنهُ اذا كَانَ قَصده بِالدُّعَاءِ على فلَان غير صَحِيح فان كَانَ صَحِيحا بِأَن كَانَ فِي قصر عمره صَلَاح للْمُسلمين لظلمه أَو نَحْو ذَلِك فَلَيْسَ اعتداء ثمَّ إِن الدُّعَاء الملحون مِمَّن لَا يَسْتَطِيع غير الملحون لَا يقْدَح فِي الدُّعَاء ويعذر فِيهِ وَالله أعلم

  • مَسْأَلَة قِرَاءَة الْقُرْآن بعد صَلَاة الصُّبْح أفضل أَو بعد صَلَاة الْمغرب أَي الْوَقْتَيْنِ أفضل أجَاب رَضِي الله عَنهُ فِي كل وَاحِد من الْوَقْتَيْنِ فضل وَفِي ادراك الْأَفْضَل عسر وَيظْهر أَنه بعد صَلَاة الصُّبْح أفضل لما يُرْجَى من أَن يلْحقهُ من بركَة عَاصِمَة لَهُ فِي نَهَاره الَّذِي هُوَ مَظَنَّة تَصَرُّفَاته وتقلباته وَالله أعلم 48 - مَسْأَلَة رجل لَهُ وَالِد وَالْوَالِد غير مفتقر إِلَيْهِ فِي الْقيام بأموره من إِنْفَاق عَلَيْهِ أَو مُبَاشرَة لخدمته بل لَا يُمكن وَلَده من ذَلِك فَأحب الْوَلَد الِانْقِطَاع إِلَى الله تَعَالَى والتفرغ لعبادته فِي قَرْيَة لعلمه أَن مقَامه فِي بَلَده لَا يسلم فِيهِ من المآثم لمخالطة النَّاس إِلَّا بمشاق يضعف عزمه عَن تجشمها ووالده يكره مُفَارقَته ويتألم لَهَا مَعَ أَن لَهُ أَوْلَادًا يأنس بهم غير هَذَا الْوَلَد فَهَل يحل لَهُ مُخَالفَة الْوَالِد والانتقال الى الْقرْيَة بنية طلب سَلامَة دينه والتفرغ لِلْعِبَادَةِ أم لَا يحل مُخَالفَته فِي ذَلِك وسيتبع هَذِه الْمَسْأَلَة ثَلَاث مسَائِل أحداها لَو كَانَ دينه فِي الْمقَام سالما لكنه فِي الِانْتِقَال أَكثر توفرا على الْعِبَادَة هَل الأولى الِانْتِقَال أَو الْمقَام مَعَ مُخَالفَة الْوَالِد الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَو كَانَ الِانْتِقَال لطلب الرَّاحَة والتنزه هَل لَهُ مُخَالفَته فِي ذَلِك أم لَا هَذَا كُله مَعَ تعهده لوَالِديهِ بالزيارة

@ فِي الْمسَائِل الْمَذْكُورَة كلهَا وَالسُّؤَال فِي ذَلِك عَن تَعْرِيف الْمُبَاح وَالْأولَى مفصلا الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة تعرف حق العقوق مَا هُوَ أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَا يحل لَهُ ذَلِك وَمُخَالفَة الْوَالِد فِي ذَلِك مَعَ تألمه بهَا مُحرمَة وَعَلِيهِ الطواعية لَهُ فِي الْإِقَامَة وَالْحَالة هَذِه ثمَّ ليجاهد نَفسه فِي التصون مِمَّا يحرم دينه بِسَبَب مُخَالطَة النَّاس فَلَا يخالط من جَانب الطَّرِيق المحمودة وَلَا يُجَالس من من شَأْنه الْغَيْبَة وَليكن مَعَ النَّاس بَين المنقبض والمنبسط بلغنَا عَن الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وأرضاه أَنه قَالَ الانقباض عَن النَّاس مكسبة للعداوة والانبساط مجلبة لقرناء السوء فَكُن بَين المنقبض والمنبسط وليصحح نِيَّته فِي مواتاه وَالِده وطاعته فَإِنَّهَا من أكبر أَسبَاب السَّعَادَة فِي الدَّاريْنِ وَثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن بر الْوَالِدين يقدم على الْجِهَاد فَكيف لَا يقدم على مَا ذكر هَذَا مَعَ أَن مَا يرجوه فِي الْقرْيَة يَنَالهُ فِي الْبَلدة بِحَضْرَة وَالِده إِن استمسك وَإِنَّمَا هَذَا خاطر فَاسد من عمل الشَّيْطَان وتسويله وَقد جَاءَ أَن أويسا الْقَرنِي فَوت صُحْبَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمسير إِلَيْهِ من الْيمن بِسَبَب بره بِأُمِّهِ وَحمد على ذَلِك وَفِي هَذَا جَوَاب الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وإيضاح لكَون الْمقَام أولى

@ وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فَلَا يحل مُخَالفَته مَعَ تألمه بهَا بِسَبَب التَّنَزُّه أصلا وَأما أَن العقوق مَا هُوَ فَإنَّا قَائِلُونَ فِيهِ العقوق الْمحرم كل فعل يتَأَذَّى بِهِ الْوَالِد أَو نَحوه تأذيا لَيْسَ بالهين مَعَ كَونه لَيْسَ من الْأَفْعَال الْوَاجِبَة وَرُبمَا قيل طَاعَة الْوَالِدين وَاجِبَة فِي كل مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة وَمُخَالفَة أَمرهمَا فِي كل ذَلِك عقوق وَقد أوجب كثير من الْعلمَاء طاعتهما فِي الشُّبُهَات وَلَيْسَ قَول من قَالَ من عُلَمَائِنَا يجوز لَهُ السّفر فِي طلب الْعلم وَفِي التِّجَارَة بِغَيْر اذنهما مُخَالف لما ذكرت فَإِن هَذَا كَلَام مُطلق وَفِيمَا ذكرته بَيَان لتقييد ذَلِك الْمُطلق وَالله أعلم 49 - مَسْأَلَة رجل تصدق بِصَدقَة التَّطَوُّع على صلحاء الْأمة وَسبق إِلَى الْأَخْذ الْآخِذ من الله لَا من معطي الصَّدَقَة فَأَيّهمَا أفضل يَد الْمُعْطِي أَو يَد الْآخِذ أجَاب رَضِي الله عَنهُ الْمُعْطِي عَطاء بعده من الله خير من الْآخِذ أحذا يعده من الله وَإِن غفل عَن الْمُسَبّب ولحظ السَّبَب فِي الْجَانِبَيْنِ فالمعطي أَيْضا أفضل وان وجد شُهُود جَانب المسسبب فِي أحد الْجَانِبَيْنِ دون الآخر وَالْأَفْضَل هُوَ الَّذِي وجد فِيهِ ذَلِك وَالله أعلم

@

الْقسم الثَّالِث

يتَعَلَّق بالعقائد وَالْأُصُول فَمن ذَلِك 50 - مَسْأَلَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَام الْغَزالِيّ وَالْإِمَام أَبُو اسحق رَضِي الله عَنْهُم هَل بلغ أحد هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين دَرَجَة الِاجْتِهَاد فِي الْمَذْهَب على الْإِطْلَاق أم لَا وَمَا حَقِيقَة الِاجْتِهَاد على الاطلاق وَمَا حَقِيقَة الإجتهاد فِي الْمَذْهَب وَهل بلغ أحد مِنْهُم رُتْبَة الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق أجَاب رَضِي الله عَنهُ لم يكن لَهُم الِاجْتِهَاد الْمُطلق وبلغوا الِاجْتِهَاد الْمُقَيد فِي مَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ ودرجة الِاجْتِهَاد الْمُطلق يحصل بتمكنه من تعرف الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من أدلتها اسْتِدْلَالا من غير تَقْلِيد وَالِاجْتِهَاد الْمُقَيد دَرَجَته تحصل بالتبحر فِي مَذْهَب إِمَام من الْأَئِمَّة بِحَيْثُ يتَمَكَّن من إِلْحَاق مَا لم ينص عَلَيْهِ ذَلِك الإِمَام بِمَا نَص عَلَيْهِ مُعْتَبرا قَوَاعِد مذْهبه وأصوله 51 - مَسْأَلَة كتاب من كتب أصُول الْفِقْه لَيْسَ فِيهِ شَيْء من علم

@ الْكَلَام وَلَا الْمنطق وَلَا يتَعَلَّق بِغَيْر أصُول الْفِقْه فَهَل يحرم الِاشْتِغَال بِهِ أَو يكره وَهل يسوغ إِنْكَار الِاشْتِغَال بِهِ وحالته مَا ذكر سوى ذَلِك أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَا يحرم وَلَا يكره إِذا لم يكن فِيهِ مَعَ ذَلِك تَقْرِير بِدعَة أَو إمالة إِلَى فلسفة بِأَن يكون مُصَنفه من أَهلهَا وَكَلَامه فِي كِتَابه فِي أصُول الْفِقْه يؤنس بِحسن كَلَامه حَتَّى فِي الفلسفة كَمَا وَقع فِي كَلَام هَذَا النابغ فِي عصرنا أَو نَحْو هَذَا أَو شبهه فَإِذا سلم عَن كل ذَلِك فالإشتغال بِهِ عِنْد صِحَة الْقَصْد وَكَيف لَا وَهُوَ بَاب التَّحْقِيق فِي الْفِقْه وعماده وَالله أعلم 52 - مَسْأَلَة مَا الْفرق بَين الْقيَاس وَالِاسْتِدْلَال فَإِنَّهُ يتَفَرَّع على مَا يتَفَرَّع عَلَيْهِ الْقيَاس فَإِن كَانَ مَدْلُول الاسمين وَاحِدًا فَمَا وَجه تنويع الاسمين وَإِن كَانَا شَيْئَيْنِ فَيحمل كل وَاحِد من الْقيَاس وَالِاسْتِدْلَال بِحَدّ يحصره أجَاب رَضِي الله عَنهُ الْفرق بَين الْقيَاس وَالِاسْتِدْلَال أَن الْقيَاس يشْتَمل على أصل وَفرع يجمع بَينهمَا بِجَامِع وَالِاسْتِدْلَال لَيْسَ كَذَلِك من التلازم الَّذِي هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ 53 - مَسْأَلَة هَل كَانَ دَاوُد الظَّاهِرِيّ صَاحب الْمَذْهَب رَضِي

@ الله عَنهُ مِمَّن يعْتد بِهِ فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع فِي زَمَانه أم لَا وَهل كَانَ بِحَيْثُ إِذا حدثت فِي زَمَانه فَخَالف فِيهَا وَحده يعد خارقا للْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ من لم ير نقض الْوضُوء بِالنَّوْمِ إِلَّا إِذا أخبر بِخُرُوج الْحَدث كسعيد بن الْمسيب وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ هَل ينْعَقد الْإِجْمَاع بدونهم أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ أما الِاعْتِدَاد بِدَاوُد يرحمه الله فِي الاجماع وفَاقا وَخِلَافًا مهما وَقع فِيهِ الِاخْتِلَاف بَين الْفُقَهَاء والأصوليين منا وَمن غَيرنَا فَذكر الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبُو اسحق الاسفرائيني رَحمَه الله أَن أهل الْحق اخْتلفُوا فَذهب الْجُمْهُور مِنْهُم الى أَن نفاة الْقيَاس لَا يبلغون منزلَة الِاجْتِهَاد وَلَا يجوز توليهم الْقَضَاء وَهَذَا يَنْفِي الِاعْتِدَاد بِدَاوُد فِي الاجماع وَنقل صَاحب الْإِسْنَاد أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ عَن أبي عَليّ بن أبي هُرَيْرَة وَطَائِفَة من متأخري الشافعيين أَنه لَا اعْتِبَار بِخِلَافِهِ وَسَائِر نفاة الْقيَاس فِي فروع الْفِقْه لَكِن يعْتَبر خلافهم فِي الأصوليات

@ وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي بن الْجُوَيْنِيّ مَا ذهب إِلَيْهِ ذَوُو التَّحْقِيق أَنا لَا نعد منكري الْقيَاس من عُلَمَاء الْأمة وَحَملَة الشَّرِيعَة فَإِنَّهُم أَولا باقون على عنادهم فِيمَا ثَبت استفاضة وتواترا وَأَيْضًا فان مُعظم الشَّرِيعَة صادرة عَن الِاجْتِهَاد والنصوص لَا تفي بالعشر من أعشار الشَّرِيعَة فَهَؤُلَاءِ ملتحقون بالعوام وَكَيف يدعونَ مجتهدين وَلَا اجْتِهَاد عِنْدهم وَهَذَا مِنْهُ نوع إفراط وَكَانَ أَبُو بكر الرَّازِيّ من أَئِمَّة الْمُحَقِّقين يذهب فِي دَاوُد وَأَضْرَابه إِلَى نَحْو هَذَا الْمَذْهَب ويغلو فَذكر دَاوُد فِي مُقَدّمَة كِتَابه فِي أَحْكَام الْقُرْآن وَمَال عَلَيْهِ فأفرط وَقَالَ فِيمَا قَالَ لَو تكلم دَاوُد فِي مَسْأَلَة حَادِثَة فِي عصره وَخَالف فِيهَا بعض أهل زَمَانه لم يكن خلافًا عَلَيْهِم قَالَ وَكَانَ يَنْفِي حجج الْعُقُول ومشهور عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول بل على الْعُقُول وَقَالَ بعد كَلَام كثير وَلأَجل ذَلِك لم يعد خِلَافه أحد من الْفُقَهَاء خلافًا وَلم يذكروه فِي كتبهمْ فقد انْعَقَد الاجماع على أطراحه وَترك الِاعْتِدَاد بِهِ هَذَا الرَّازِيّ فِيهِ وَهُوَ كَمَا ترى لَا يَخْلُو عَن نوع من الحنيفة الَّذِي قد كَانَ فِيهِ وَكَانَ شَدِيد الْميل والعصبية على من يُخَالِفهُ من

@ حَيْثُ أَنه قد وصف دَاوُد فِي هَذَا الْموضع من كِتَابه بِمَا يأباه عَنهُ الثَّابِت الْمَعْرُوف من زهده وتحريه وَالَّذِي اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور فِي هَذَا وَذكر أَنه الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَنه يعْتَبر خِلَافه فِي الْفِقْه الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْأَمر آخرا فِيمَا هُوَ الْأَغْلَب الأعرف من صفوة الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين الَّذين أوردوا مَذَاهِب دَاوُد فِي إِثْبَات مصنفاتهم الْمَشْهُورَة فِي الْفُرُوع كالشيخ أبي حَامِد الإسفرائيني وَصَاحبه الْمحَامِلِي وَغَيرهم رَضِي الله عَنْهُم فانه لَوْلَا اعتدادهم بِخِلَافِهِ لما أوردوا مذاهبه فِي أَمْثَال مصنفاتهم هَذِه لمنافاة موضوعها لذَلِك وَبِهَذَا أجبْت مستخيرا الله تَعَالَى مستعينا مِمَّا بناه دَاوُد من مذاهبه على أَصله فِي نفي الْقيَاس الْجَلِيّ وَمَا اجْتمع عَلَيْهِ القياسيون من أَنْوَاعه أَو على غَيره من أُصُوله الَّتِي قَامَ الدَّلِيل الْقَاطِع على بُطْلَانهَا فاتفاق من عداهُ فِي مثله على خِلَافه إِجْمَاع مُنْعَقد وَقَوله فِي مثله مَعْدُود خارقا للاجماع وَكَذَلِكَ قَوْله فِي المتغوط فِي المَاء الراكد وَتلك الْمسَائِل الشنيعة فِيهِ وَكَقَوْلِه فِي الرِّبَا فِيمَا سوى الْأَشْيَاء السِّتَّة فخلافه فِي هَذَا وَأَمْثَاله غير مُعْتَد بِهِ لكَونه مَبْنِيا على مَا يقطع بِبُطْلَانِهِ وَالِاجْتِهَاد الْوَاقِع على خلاف الدَّلِيل الْقَاطِع كاجتهاد من لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد فِي انزالهما بِمَنْزِلَة مَا لَا يعْتد بِهِ وينقض الحكم بِهِ وَهَذَا الَّذِي اخترته يثبت بِدَلِيل القَوْل بتحرير يجز منصب الِاجْتِهَاد وَقد تقرر جَوَاز ذَلِك وَإِن الْعَالم قد يكون مُجْتَهدا فِي نوع دون غَيره وَالْعلم عِنْد الله

@ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثمَّ لَا فرق فِيمَا ذَكرْنَاهُ بَين زَمَانه وَمَا بعده فَإِن الْمذَاهب لَا تَمُوت بِمَوْت أَصْحَابهَا وَأما من لم ير نقض وضوء النَّائِم إِلَّا إِذا أخبر بِخُرُوج حدث كَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب رَضِي الله عَنْهُمَا ان كَانَ سعيد قَالَ ذَلِك فَإِنَّهُ غير مَعْرُوف عَنهُ فالإجماع لَا ينْعَقد مَعَ خلافهما فَإِن أَبَا مُوسَى أحد فُقَهَاء الصَّحَابَة وَمن الْمُفْتِينَ فِي عصرهم وَكَانَ سعيد صَدرا فِي الْعلم والفتيا وَغَيرهمَا فِي ذَلِك الصَّدْر وترجح على أجلاء التَّابِعين وَكَانَ السُّؤَال عَن انْعِقَاد الاجماع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خَاصَّة على خلاف هَذَا القَوْل فَعدم انْعِقَاده فِيهَا فِي ذَلِك الْعَصْر لَازم من هَذَا وَأما فِيمَا بعده فقد أجمع على خِلَافه فِيمَن قَالَ إِن الْإِجْمَاع بعد عصر الْمُخْتَلِفين على أحد قوليهم إِجْمَاع صَحِيح رَافع للْخلاف فقد تحقق عِنْده انْعِقَاد الْإِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة على خلاف ذَلِك القَوْل وَمن قَالَ أَنه لَا يرفع الْخلاف فَلَا إِجْمَاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مُطلقًا وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ الصَّحِيح فِي ذَلِك وَالله أعلم 54 - مَسْأَلَة فِي جمَاعَة من الْمُسلمين المنتسبين إِلَى أهل الْعلم والتصوف هَل يجوز أَن يشتغلوا بتصنيف ابْن سينا وَأَن يطالعوا فِي

@ كتبه وَهل يجوز لَهُم أَن يعتقدوا أَنه كَانَ من الْعلمَاء أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ لَا يجوز لَهُم ذَلِك وَمن فعل ذَلِك فقد غرر بِدِينِهِ وَتعرض للفتنة الْعُظْمَى وَلم يكن من الْعلمَاء بل كَانَ شَيْطَانا من شياطين الْإِنْس وَكَانَ حيران فِي كثير من أمره ينشد كثيرا ... إِن كنت أَدْرِي فعلى بدنه ... من كَثْرَة التَّخْلِيط من أَنه ...

55 - مَسْأَلَة فِيمَن يشْتَغل بالْمَنْطق والفلسفة تَعْلِيما وتعلما وَهل الْمنطق جملَة وتفصيلا مِمَّا أَبَاحَ الشَّارِع تَعْلِيمه وتعلمه وَالصَّحَابَة والتابعون وَالْأَئِمَّة المجتهدون وَالسَّلَف الصالحون ذكرُوا ذَلِك أَو أباحوا الِاشْتِغَال بِهِ أَو سوغوا الِاشْتِغَال بِهِ أم لَا وَهل يجوز أَن يسْتَعْمل فِي إِثْبَات الْأَحْكَام الشَّرِيعَة الاصطلاحات المنطقية أم لَا وَهل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مفتقرة إِلَى ذَلِك فِي إِثْبَاتهَا أم لَا وَمَا الْوَاجِب على من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهرا بِهِ مَا الَّذِي يجب على سُلْطَان الْوَقْت فِي أمره وَإِذا وجد فِي بعض الْبِلَاد شخص من أهل الفلسفة مَعْرُوفا بتعليمها وإقرائها والتصنيف فِيهَا وَهُوَ مدرس فِي مدرسة من مدارس الْعلم فَهَل يجب على سُلْطَان تِلْكَ الْبِلَاد عَزله وكفاية النَّاس شَره أجَاب رَضِي الله عَنهُ الفلسفة رَأس السَّفه والانحلال

@ ومادة الْحيرَة والضلال ومثار الزيغ والزندقة وَمن تفلسف عميت بصيرته عَن محَاسِن الشَّرِيعَة المؤيدة بالحجج الظَّاهِرَة والبراهين الباهرة وَمن تلبس بهَا تَعْلِيما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان واستحوذ عَلَيْهِ الشَّيْطَان وَأي فن أخزى من فن يعمي صَاحبه أظلم قلبه عَن نبوة نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كلما ذكره ذَاكر وَكلما غفل عَن ذكره غافل مَعَ انتشار آيَاته المستبينة ومعجزاته المستنيرة حَتَّى لقد انتدب بعض الْعلمَاء لاستقصائها فَجمع مِنْهَا ألف معْجزَة وعددناه مقصرا إِذا فَوق ذَلِك بأضعاف لَا تحصى فَإِنَّهَا لَيست محصورة على مَا وجد مِنْهَا فِي عصره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل لم تزل تتجدد بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على تعاقب العصور وَذَلِكَ أَن كرامات الْأَوْلِيَاء من أمته وإجابات المتوسلين بِهِ فِي حوائجهم ومغوثاتهم عقيب توسلهم بِهِ فِي شدائدهم براهين لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قواطع ومعجزات لَهُ سواطع وَلَا يعدها عد وَلَا يحصرها حد أعاذنا الله من الزيغ عَن مِلَّته وَجَعَلنَا من المهتدين الهادين بهديه وسنته وَأما الْمنطق فَهُوَ مدْخل الفلسفة ومدخل الشَّرّ شَرّ وَلَيْسَ الِاشْتِغَال بتعليمه وتعلمه مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّارِع وَلَا استباحه أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين وَالسَّلَف الصَّالِحين وَسَائِر من يَقْتَدِي بِهِ من أَعْلَام

@ الْأَئِمَّة وسادتها وأركان الْأمة وقادتها قد برأَ الله الْجَمِيع من مغرة ذَلِك وأدناسه وطهرهم من أوضاره وَأما اسْتِعْمَال الاصطلاحات المنطقية فِي مبَاحث الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَمن الْمُنْكَرَات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وَلَيْسَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة وَالْحَمْد الله فالافتقار إِلَى الْمنطق أصلا وَمَا يزعمه المنطقي للمنطق من أَمر الْحَد والبرهان فقعاقع قد أغْنى الله عَنْهَا بِالطَّرِيقِ الأقوم والسبيل الأسلم الأطهر كل صَحِيح الذِّهْن لَا سِيمَا من خدم نظريات الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَلَقَد تمت الشَّرِيعَة وعلومها وخاض فِي بحار الْحَقَائِق والدقائق علماؤها حَيْثُ لَا منطق وَلَا فلسفة وَلَا فلاسفة وَمن زعم أَنه يشْتَغل مَعَ نَفسه بالْمَنْطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشَّيْطَان ومكر بِهِ فَالْوَاجِب على السُّلْطَان أعزه الله وأعز بِهِ الْإِسْلَام وَأَهله أَن يدْفع عَن المسملين شَرّ هَؤُلَاءِ المشائيم ويخرجهم من الْمدَارِس ويبعدهم ويعاقب على الِاشْتِغَال بفنهم ويعرض من ظهر مِنْهُ اعْتِقَاد عقائد الفلاسفة على السَّيْف أَو الاسلام لتخمد نارهم وتنمحي آثارها وآثارهم يسر الله ذَلِك وعجله وَمن أوجب هَذَا الْوَاجِب عزل من كَانَ مدرس مدرسة من أهل الفلسفة والتصنيف فِيهَا والإقراء لَهَا ثمَّ سجنه وألزامه

@ منزله وَمن زعم أَنه غير مُعْتَقد لعقائدهم فَإِن حَاله يكذبهُ وَالطَّرِيق فِي قلع الشَّرّ قلع أُصُوله وانتصاب مثله مدرسا من العظائم جملَة وَالله تبَارك وَتَعَالَى ولي التَّوْفِيق والعصمة وَهُوَ أعلم 56 - مَسْأَلَة قَول بعض المصنفين مستدلا على إِثْبَات الْقيَاس بخوض الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فِي حوادث وَاخْتِلَافهمْ وَذكر من جُمْلَتهَا مَسْأَلَة الْجد والأخوة قَائِلا أَنهم قضوا فِيهَا بقضايا مُخْتَلفَة وصرحوا فِيهَا بالتشبيه بالحوضين والخليجين وَمَا وَجه التَّشْبِيه وَمَا ضبط اللَّفْظَيْنِ الْمُشبه بهما وَقَول بَعضهم بلغ رَأس المَال أَعلَى مَرَاتِب الْأَعْيَان فَيبلغ الْمُسلم فِيهِ أَعلَى مَرَاتِب الدُّيُون مَا الْمَرَاتِب الْمشَار إِلَيْهَا فِي أصل الْقيَاس وفرعه أجَاب رَضِي الله عَنهُ أما التَّشْبِيه بالخليجين فَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَتَى بِهِ ردا لقَوْل من أسقط الْأَخ بالجد فَشبه ذَلِك بواد سَالَ بِمِائَة فانشعبت فِيهِ شُعْبَة ثمَّ انشعبت من الشعبة شعبتان فَلَو سدت احدى هَاتين الشعبتين لرجع مَاؤُهَا على الشعبة الْبَاقِيَة من الشعبتين وعَلى الشعبة الَّتِي هِيَ أَصْلهَا فَكَذَلِك إِذا مَاتَ أحد الْأَخَوَيْنِ أَخذ مِيرَاثه أَخُوهُ الْبَاقِي وَالْجد الَّذِي هُوَ أَصْلهَا جَمِيعًا وَشبه ذَلِك زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ بشجرة خرج مِنْهَا غُصْن ثمَّ خرج من الْغُصْن غصنان وَلَو قطع أحد الغصنين لرجع مَاؤُهُ على الْغُصْن الْبَاقِي من الغصنين وَعلي الغصين الَّذِي هُوَ أَصْلهَا كَذَلِك من خَلفه الْمَيِّت من إخْوَته مَعَ الْجد الَّذِي هُوَ أصلهم

@ فَأَما مَا ذكره من التَّشْبِيه بالحوضين فموجود فِي الْمُسْتَصْفى فِي أصُول الْفِقْه وَذَلِكَ لَا يعرف وَلَا أرَاهُ إِلَّا تصحيفا من الخوطين والخوط بِضَم الْخَاء المنقوطة والطاء الْمُهْملَة هُوَ الغض الناعم فَاعْلَم ذَلِك وَالله أعلم وَأما قَول الْقَائِل بلغ رَأس المَال إِلَى آخِره فَهَذَا دَلِيل يذكر فِي الْمَنْع من السّلم الْحَال وَأَعْلَى مَرَاتِب الْأَعْيَان أَن يَنْضَم الى العينية الْقَبْض فِي مجْلِس العقد وَأَعْلَى مَرَاتِب الدُّيُون أَن ينظم إِلَى الدِّينِيَّة وصف الْأَجَل ثمَّ أَنه لَا يتَوَقَّف صِحَة الْعبارَة على تَبْيِين الزِّيَادَة على مرتبتين فلسنا نتكلفه وَالله أعلم 57 - مَسْأَلَة قَالَ بَعضهم عَن الامام مَالك رَضِي الله عَنهُ أَنه جمع بَين السّنة والْحَدِيث فَمَا الْفرق بَين السّنة والْحَدِيث أجَاب رَضِي الله عَنهُ السّنة هَا هُنَا ضد الْبِدْعَة وَقد يكون الْإِنْسَان من أهل الحَدِيث وَهُوَ مُبْتَدع وَمَالك رَضِي الله عَنهُ جمع بَين السنتين فَكَانَ عَالما بِالسنةِ أَي الحَدِيث ومعتقدا للسّنة أَي كَانَ مذْهبه مَذْهَب أهل الْحق من غير بِدعَة وَالله أعلم 58 - مَسْأَلَة فِي لفظ الْإِسْلَام هَل هُوَ مَخْصُوص بِهَذِهِ الْأمة أم مُطلق على كل من آمن بِنَبِيِّهِ من أمة مُوسَى وَعِيسَى وَغَيرهمَا من الْأَنْبِيَاء صلى الله عَلَيْهِم وعَلى نَبينَا وَسلم فَإِذا جَازَ إِطْلَاقه على كل من آمن بِنَبِيِّهِ من سَائِر الْأُمَم فَهَل إِطْلَاقه عَلَيْهِ شَرْعِي أم لغَوِيّ من حَيْثُ أَنه منقاد مُطِيع فَإِذا جَازَ اطلاقه على كل من آمن بِنَبِيِّهِ فِي زَمَنه شرعا فَمَا فَائِدَة قَوْله عز وَجل

@ ﴿ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ إِذا كل مِنْهُم يُسمى مُسلما وَهل قَول الْقَائِل فِي زمن مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا إِلَه إِلَّا الله مُوسَى رَسُول الله كَقَوْل أحد هَذِه الْأمة لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فِي هَذَا الزَّمَان وَيكون لَفظه شَامِلًا لَهما وَيُسمى كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسلما أجَاب رَضِي الله عَنهُ بل يُطلق على الْجَمِيع وَهُوَ اسْم لكل دين حق لُغَة وَشرعا فقد ورد ذَلِك بِأَلْفَاظ رَاجِعَة إِلَى هَذَا فِي كتاب الله عز وَجل مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ لَا يَنْفِي أَن يرضاه لغَيرهم دينا وَقَول الْقَائِل فِي زمَان مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى نَبينَا وَسلم لَا إِلَه إِلَّا الله مُوسَى رَسُول الله إِسْلَام كمثله الْآن وَالله أعلم 59 - مَسْأَلَة فِيمَن يعْتَقد أَن فِي ملك الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا يرضاه وَلَا يُريدهُ فَهَل هُوَ مُخطئ أَو مُصِيب فِي هَذَا القَوْل والاعتقاد أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ أصَاب فِي قَوْله أَنه يُوجد مالايرضاه تبَارك وَتَعَالَى مثل الْكفْر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ وضل

@ وابتدع فِي قَوْله أَنه يُوجد مَا لَا يُريدهُ بل ذَلِك محَال مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لَا شَاءَ لَا يكون وَفرق بَين الرِّضَا والإرادة ثمَّ مَا لكم والخوض فِي هَذَا الْبَحْر المغرق عَلَيْكُم بِالْعَمَلِ فَفِيهِ شغل شاغل وَالله أعلم 60 - مَسْأَلَة طَائِفَة يَعْتَقِدُونَ أَن الْحُرُوف الَّتِي فِي الْمُصحف قديمَة وَالصَّوْت الَّذِي يظْهر من الْآدَمِيّ حَالَة الْقِرَاءَة قديم كَيفَ يحل هَذَا وَمذهب السّلف بِخِلَاف هَذَا وَمذهب أَرْبَاب التَّأْوِيل يُخَالف هَذَا وَالْمرَاد أَن يفرق الانسان بَين الصّفة الْقَدِيمَة وَالصّفة المحدثة حَتَّى لَا يتَطَرَّق إِلَى النَّفس وَالْعقل بِسَبَبِهِ أَن يفض إِلَى الضلال أعاذنا الله من ذَلِك بينوا لنا هَذَا بِالدَّلِيلِ الْعقلِيّ وَالدَّلِيل الشَّرْعِيّ أجَاب رَضِي الله عَنهُ الَّذِي يدين بِهِ من يَقْتَدِي بِهِ من السالفين والخالفين وَاخْتَارَهُ عباد الله الصالحون أَن لَا يخاض فِي صِفَات الله تَعَالَى بالتكييف وَمن ذَلِك الْقُرْآن الْعَزِيز فَلَا يُقَال تكلم بِكَذَا وَكَذَا بل يقْتَصر فِيهِ على مَا اقْتصر عَلَيْهِ السّلف رَضِي الله عَنْهُم الْقُرْآن كَلَام الله منزل غير مَخْلُوق وَيَقُولُونَ فِي كل مَا جَاءَ من المتشابهات آمنا بِهِ مقتصرين عَليّ الْإِيمَان جملَة من غير تَفْضِيل وتكييف ويعتقدون على الْجُمْلَة أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُ فِي كل ذَلِك مَا هُوَ الْكَمَال الْمُطلق من كل وَجه ويعرضون على الْخَوْض خوفًا من أَن تزل قدم بعد ثُبُوتهَا فبهم فاقتدوا تسلموا وَإِلَى هَذِه

@ الطَّرِيق رَجَعَ كثير من كبار الْمُتَكَلِّمين المصنفين بعد أَن امتعضوا مِمَّا نالهم من آفَات الْخَوْض فمهما ورد عَلَيْكُم شَيْء من هَذِه الْمسَائِل فقد اعْتقد فِيهَا لله تَعَالَى مَا هُوَ الْكَمَال الْمُطلق والتنزيه الْمُطلق وَلَا أخوض فِيمَا وَرَاءه يجزيني الْإِيمَان الْمُرْسل والتصديق الْمُجْمل وَالله أعلم 61 - مَسْأَلَة رجل يعْتَقد أَن يزِيد بن مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ أَمر بقتل الْحُسَيْن ابْن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا وَاخْتَارَ ذَلِك ورضيه طَوْعًا مِنْهُ لَا كرها ويورد فِي ذَلِك أَحَادِيث مروية عَن من قَلّدهُ ذَلِك الْأَمر وَهُوَ مصر عَلَيْهِ ويسبه ويلعنه على ذَلِك والمسئول خطوط الْعلمَاء ليَكُون رادعا لَهُ أَو حجَّة لَهُ أجَاب رَضِي الله عَنهُ لم يَصح عندنَا أَنه أَمر بقتْله رَضِي الله عَنهُ وَالْمَحْفُوظ أَن الْآمِر بقتاله المفضي إِلَى قَتله كرمه الله إِنَّمَا هُوَ عبيد الله بن زِيَاد وَالِي الْعرَاق إِذْ ذَاك وَأما سَبَب يزِيد ولعنه فَلَيْسَ من شَأْن الْمُؤمنِينَ فَإِن صَحَّ أَنه قَتله

@ أَو أَمر بقتْله وَقد ورد فِي الحَدِيث الْمَحْفُوظ أَن لعن الْمُسلم كقتله وَقَاتل الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ لَا يكفر بذلك وَإِنَّمَا ارْتكب عَظِيما وَإِنَّمَا يكفر بِالْقَتْلِ قَاتل نَبِي من الْأَنْبِيَاء صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّاس فِي يزِيد ثَلَاث فرق فرقة

@ تحيه وتتوالاه وَفرْقَة أُخْرَى تسبه وتلعنه وَفرْقَة متوسطة فِي ذَلِك لَا تتوالاه وَلَا تلعنه وتسلك بِهِ سَبِيل سَائِر مُلُوك الْإِسْلَام وخلفائهم غير الرَّاشِدين فِي ذَلِك وَشبهه وَهَذِه الْفرْقَة هِيَ الصيبة ومذهبها اللَّائِق بِمن يعرف سير الماضين وَيعلم قَوَاعِد الشَّرِيعَة الطاهرة جعلنَا الله من خِيَار أَهلهَا آمين 62 - مَسْأَلَة المبتدع وَالْفَاسِق وَالْغَضَب والغل بَين لنا هَذَا الْمَجْمُوع أجَاب رَضِي الله عَنهُ كل مُبْتَدع فَاسق وَلَيْسَ كل فَاسق مُبْتَدع وَالْمرَاد أَن المبتدع الَّذِي لَا تخرجه بدعته عَن الْإِسْلَام وَهَذَا لِأَن الْبِدْعَة فَسَاد فِي العقيدة فِي أصل من أصُول الدّين وَالْفِسْق قد يكون فَسَادًا فِي الْعَمَل مَعَ سَلامَة العقيدة وَالْغَضَب مفارق للغل وَمِمَّا يفترقان فِيهِ أَن الْغَضَب قد يكون يُؤمر بِهِ كالغضب على العَاصِي لله تَعَالَى من أَجله والغل لَا يُؤمر بِهِ وَأَيْضًا فالغل فَسَاد فِي الْقلب يتَعَلَّق بِالْعينِ مثل الحقد والحسد والبغض وَإِن لم يكن من ذَلِك الْغَيْر سَبَب عَامل بِهِ صَاحب الغل إثارة بِهِ عَلَيْهِ وَأما الْغَضَب فَمن شَرطه أَن يكون عَلَيْهِ جِنَايَة يعدها غضب جِنَايَة مُوجبَة لغضبه وَالله أعلم

فصول الكتاب · 27 فصل · 750 صفحة
جارٍ التحميل