@ الْفَائِدَة ورجاء الْأجر والمثوبة الشَّيْخ كَمَال الدّين إِسْحَق بن أَحْمد بن عُثْمَان عَفا الله عَنهُ وَعَن وَالِده وَعَن جَمِيع الْمُسلمين آمين وأسأل الله عز وَجل أَن ينفع بهَا إِنَّه قريب مُجيب وعَلى ذَلِك قدير وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت واليه أنيب رتبتها على أَرْبَعَة أَقسَام قسم فِي شرح آيَات من كتاب الله تَعَالَى وَقسم فِي شرح أَحَادِيث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الرَّقَائِق وَقسم ثَالِث يُطلق بالعقائد وَالْأُصُول وَقسم رَابِع فِي الْفِقْه على ترتيبه
@
الْقسم الأول
فِي شرح آيَات من كتاب الله تَعَالَى 1 - مَسْأَلَة فِي قَوْله تبَارك وَتَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت﴾ إِلَى آخر الْآيَة قَالَ المستفتي يُرِيد تَفْسِيرهَا على الْوَجْه الصَّحِيح بِحَدِيث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الصِّحَاح أَو بِمَا أجمع أهل الْحق على صِحَّته وَقَوله تبَارك وَتَعَالَى ﴿قَالُوا أضغاث أَحْلَام﴾ وَمَا معنى أضغاث أَحْلَام وَمن أَيْن يفهم الْمَنَام الصَّالح من الْمَنَام الْفَاسِد وَهل يجب على الزَّوْج أَن يعلم زَوجته فَرَائض الصَّلَاة وَجَمِيع الْوَاجِبَات الَّتِي عَلَيْهَا أم لَا وَإِذا وهب من إِنْسَان شَيْئا أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ فَهَل لَهُ أَن يَشْتَرِيهِ مِنْهُ أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ أما قَوْله تبَارك وَتَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس﴾
@ الْآيَة فتفسيره الله يقبض الْأَنْفس حِين انْقِضَاء أجلهَا بِمَوْت أجسادها وَالَّتِي يقبضهَا أَيْضا عِنْد نومها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت بِمَوْت أجسادها فَلَا يردهَا إِلَى أجسادها وَيُرْسل الْأُخْرَى الَّتِي لم تقبض بِمَوْت أجسادها حَتَّى تعود إِلَى أجسادها إِلَى أَن يَأْتِي أجلهَا الْمُسَمّى لموتها ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ لدلالات المتفكرين على عَظِيم قدرَة الله سُبْحَانَهُ وعَلى أَمر الْبَعْث فَإِن الاستيقاظ بعد النّوم شَبيه بِهِ وَدَلِيل عَلَيْهِ نقل أَن فِي التَّوْرَاة يَا ابْن آدم كلما تنام تَمُوت وَكلما تستيقظ تبْعَث فَهَذَا وَاضح وَالَّذِي يشكل فِي ذَلِك أَن النَّفس المتوفاة فِي الْمَنَام أَهِي الرّوح المتوفاة عِنْد الْمَوْت أم هِيَ غَيرهَا فَإِن كَانَت هِيَ الرّوح فتوفيها فِي النّوم يكون بمفارقتها الْجَسَد أم لَا وَقد أعوز الحَدِيث الصَّحِيح وَالنَّص الصَّرِيح وَالْإِجْمَاع أَيْضا لوُقُوع الْخلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء فَمنهمْ من يرى أَن للانسان نفسا تتوفى عِنْد مَنَامه غير النَّفس الَّتِي هِيَ الرّوح وَالروح لَا تفارق الْجَسَد عِنْد النّوم وَتلك النَّفس المتوفاة فِي النّوم هِيَ الَّتِي يكون بهَا التَّمْيِيز والفهم وَأما الرّوح فِيهَا تكون الْحَيَاة وَلَا تقبض إِلَّا عِنْد الْمَوْت ويروى معنى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا
@ وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَن النَّفس الَّتِي تتوفى عِنْد النّوم هِيَ الرّوح نَفسهَا وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي توفيها فَمنهمْ من يذهب إِلَى أَن معنى وَفَاة الرّوح بِالنَّوْمِ قبضهَا عَن التَّصَرُّفَات مَعَ بَقَائِهَا فِي الْجَسَد وَهَذَا مُوَافق للْأولِ من وَجه ومخالف من وَجه وَهُوَ قَول بعض أهل النّظر وَمن الْمُعْتَزلَة وَمِنْهُم من ذهب الى أَن الرّوح تتوفى عِنْد النّوم بقبضها من الْجَسَد ومفارقتها لَهُ وَهَذَا الَّذِي نجيب بِهِ وَهُوَ الْأَشْبَه بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة وَقد أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن أبي الْفرج النَّيْسَابُورِي بهَا قَالَ أَنا جدي أَبُو مُحَمَّد الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الطوسي عَن القَاضِي أبي سعيد الفرخزاذي عَن الإِمَام أبي اسحق أَحْمد بن مُحَمَّد الثَّعْلَبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَن أَرْوَاح الْأَحْيَاء والأموات تلتقي فِي الْمَنَام فتتعارف مَا شَاءَ الله فَإِذا أَرَادَت جَمِيعهَا الرُّجُوع إِلَى أجسادها أمسك الله أَرْوَاح الْأَمْوَات عِنْده وحبسها وَأرْسل أَرْوَاح الْأَحْيَاء حَتَّى ترجع إِلَى أجسادها وَلَفظ هَذَا الإِمَام فِي هَذَا الشَّأْن يُعْطي أَن قَول أَكثر أهل الْعلم بِهَذَا الْفَنّ وَعند هَذَا فَيكون الْفرق بَين القبضتين والوفاتين أَن الرّوح فِي حَالَة النّوم تفارق الْجَسَد على أَنَّهَا تعود إِلَيْهِ فَلَا تخرج خُرُوجًا يَنْقَطِع بِهِ العلاقة بَينهَا وَبَين الْجَسَد بل يبْقى أَثَرهَا الَّذِي هُوَ حَيَاة الْجَسَد بَاقِيا فِيهِ فَأَما فِي حَالَة
@ الْمَوْت فالروح تخرج من الْجَسَد مُفَارقَة لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا تخلف فِيهِ شَيْئا من أَثَرهَا فَلذَلِك تذْهب الْحَيَاة مَعهَا عِنْد الْمَوْت دون النّوم ثمَّ إِن إِدْرَاك كَيْفيَّة ذَلِك وَالْوُقُوف على حَقِيقَته مُتَعَذر فانه من أَمر الرّوح وَقد اسْتَأْثر بِعِلْمِهِ الْجَلِيل تبَارك وَتَعَالَى فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وَأما قَوْله تبَارك وَتَعَالَى ﴿قَالُوا أضغاث أَحْلَام﴾ فَإِن الأضغاث جمع ضغث وَهُوَ الحزمة الَّتِي تقبض بالكف من الْحَشِيش وَنَحْوه والأحلام جمع حلم وَهِي للرؤيا مُطلقًا وَقد تخْتَص بالرؤيا الَّتِي تكون من الشَّيْطَان وَلما روى فِي حَدِيث الرُّؤْيَا من الله والحلم من الشَّيْطَان فَمَعْنَى الْآيَة أَنهم قَالُوا للْملك إِن الَّذِي رَأَيْته أَحْلَام مختلطة وَلَا يَصح تَأْوِيلهَا وَقد أفرد بعض أهل التَّعْبِير اصْطِلَاحا لأضغاث أَحْلَام فَذكر أَن من شَأْنهَا أَنَّهَا لَا تدل على الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة وَإِنَّمَا تدل على الْأُمُور الْحَاضِرَة والماضية ونجد مَعهَا أَن يكون الرَّأْي خَائفًا من شَيْء أَو راجيا لشَيْء وَفِي معنى
@ الْخَوْف والرجاء والحزن على شَيْء وَالسُّرُور بِشَيْء فاذا أَنَام من اتّصف بذلك لذَلِك رأى فِي نَومه ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه أَن يكون خَالِيا من شَيْء هُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ كالجائع والعطشان يرى فِي نَومه كَأَنَّهُ يَأْكُل وَيشْرب أَو يكون ممتلئا من شَيْء فَيرى كَأَنَّهُ يتجنبه كالممتلىء من الطَّعَام يرى كَأَنَّهُ يقذف وَذكر أَن هَذِه الْأُمُور الْأَرْبَعَة مهما سلم الرَّأْي مِنْهَا فرؤياه لَا تكون من أضغاث الأحلام الَّتِي لَا تَعْبِير لَهَا وَهَذَا الَّذِي ذكره ضَابِط حسن لَو سلم فِي طَرفَيْهِ لَكِن الْحصْر شَدِيد وَمَا ذكره فَعنده من المنامات الْفَاسِدَة شاركته فِي الاندراج فِي قبيل الأضغاث وَأما سُؤَاله من أَيْن يفهم الْمَنَام الصَّالح من الْمَنَام الْفَاسِد فَإِن للرؤيا الْفَاسِدَة أمارت يسْتَدلّ بهَا عَلَيْهَا وَمَا تقدم حكايته فِي شرح أضغاث الأحلام طرف مِنْهَا فَمِنْهَا أَن يرى مَا لَا يكون كالمحالات وَغَيرهَا مِمَّا يعلم أَنه لَا يُوجد بِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على صفة مستحيلة عَلَيْهِ أَو يرى نَبيا يعْمل عمل الفراعنة أَو يرى قولا لَا يحل التفوه بِهِ وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح من أَن رجلا قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي رَأَيْت رَأْسِي قطع وَأَنا أتبعه الحَدِيث الْمَعْرُوف وَهَذِه هِيَ الرُّؤْيَا الشيطانية الَّتِي ورد الحَدِيث بِأَنَّهَا تحزين من الشَّيْطَان أَو تلعب مِنْهُ بالانسان وَمن هَذَا النَّوْع
@ الِاحْتِلَام فَإِنَّهُ من الشَّيْطَان وَلِهَذَا لَا تحتلم الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَمن أَمَارَات الرُّؤْيَا الْفَاسِدَة أَن يكون مَا رَآهُ فِي النّوم قد رَآهُ فِي الْيَقَظَة وأدركه حسه بِعَهْد قريب قبل نَومه وَصورته بَاقِيَة فِي خياله فيراه بِعَينهَا فِي نَومه وَمِنْهَا أَن يكون مَا رَآهُ مناسبا لما هُوَ عَلَيْهِ من تَغْيِير المزاج بِأَن تغلب عَلَيْهِ الْحَرَارَة من الصَّفْرَاء فَيرى فِي نَومه النيرَان وَالشَّمْس المحرقة أَو يغلب عَلَيْهِ الْبُرُودَة فَيرى الثلوج أَو يغلب عَلَيْهِ الرُّطُوبَة فَيرى الأمطار والمياه أَو يغلب عَلَيْهِ اليبوسة والسوادء فَيرى الْأَشْيَاء الْمظْلمَة والأهوال فالرؤيا السوداوية فَجَمِيع هَذِه الآنواع فَاسِدَة لَا تَعْبِير لَهَا فاذا سلم الانسان فِي رُؤْيَاهُ من هَذِه الْأُمُور وَغلب على الظَّن سَلامَة رُؤْيَاهُ من الْفساد وَوَقعت الْعِنَايَة بتعبيرها واذا انْضَمَّ الى ذَلِك كَونه من أهل الصدْق وَالصَّلَاح قوي الظَّن بِكَوْنِهَا صَادِقَة صَالِحَة وَفِي الحَدِيث الثَّابِت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصدقهم رُؤْيا أصدقهم حَدِيثا وَمن أَمَارَات صدقهَا من حَيْثُ الزَّمَان كَونهَا فِي الأسحار لحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ أصدق الرُّؤْيَا بالأسحار
@ وَكَونهَا عِنْد اقتراب الزَّمَان لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا صَحَّ عَنهُ إِذا اقْترب الزَّمَان لم تكد رُؤْيا الْمُسلم تكذب واقتراب الزَّمَان قيل هُوَ اعتداله وَقت اسْتِوَاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَيَزْعُم المعبرون أَن أصدق الرُّؤْيَا مَا كَانَ أَيَّام الرّبيع وَقيل اقتراب الزَّمَان قرب قيام السَّاعَة وَمن أَمَارَات صَلَاحهَا أَن يكون تبشير بالثواب على الطَّاعَة أَو تحذير من الْمعْصِيَة ثمَّ إِن الْقطع على الرُّؤْيَا بِكَوْنِهَا صَالِحَة لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ غَلَبَة الظَّن وَنَظِير ذَلِك من حَال الْيَقَظَة الخواطر وَمَعْلُوم أَن إِدْرَاك مَا هُوَ حق مِنْهَا فَمَا هُوَ بَاطِل وعر الطَّرِيق أَن ظن الأظنان وَالله أعلم وَأما تَعْلِيم الزَّوْجَة مَا يجب عَلَيْهَا تعلمه من الْفَرَائِض فَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِ وعَلى غَيره مِمَّن يتَمَكَّن من تعليمها فرضا على الْكِفَايَة فَإِذا لم يقم بِهِ غَيره وَلم يقم هُوَ بِهِ أَثم وأثموا وَيتَعَيَّن عَلَيْهِ الْوُجُوب فِي تعليمها الْوَاجِبَات الَّتِي يحْتَاج تعليمها إِلَى سَماع صَوتهَا كالفاتحة وَغَيرهَا إِذا لم يُوجد لَهَا محرم وَلَا امْرَأَة يتَمَكَّن من تعليمها فَذَلِك يَخُصُّهُ الْوُجُود مِنْهُ ذَهَابًا إِلَى أَن غير الْمحرم وَالْمَرْأَة لَا يجوز لَهَا تعليمها والوجهان فِيمَا إِذا أصدقهَا تَعْلِيم سُورَة ثمَّ طَلقهَا قبل التَّعْلِيم وَكَذَلِكَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ فرض تعليمها إِذا لم يعلم بحاجتها إِلَى التَّعْلِيم غَيره وَالله أعلم وَأما ابتياعه شَيْئا وهبه أَو تصدق بِهِ من المهتب والمتصدق عَلَيْهِ فَيصح ذَلِك وَلَكِن يكره فِي الصَّدَقَة ذَلِك للْحَدِيث الصَّحِيح فِي كتاب مُسلم وَغَيره أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ حمل على فرس فِي سَبِيل الله
@ ثمَّ وجده عِنْد صَاحبه وَقد أضاعه فَاسْتَأْذن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تشتريه وَإِن أَعْطيته بدرهم فَإِن مثل الْعَائِد فِي صدقته كَمثل الْكَلْب يعود فِي قيئه وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَقَالَ لَا تشتريه وَلَا شَيْئا من نتاجه وَقد نهى الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على كَرَاهَة ذَلِك وَأما الْهِبَة فَالْأَمْر فِيهَا أَهْون وَمَعَ ذَلِك فَأصل الْكَرَاهَة فِي استفادة الْمَوْهُوب بِالشِّرَاءِ ثَابت أَيْضا فِيمَا يظْهر لي بِأَن حَدِيث عمر الْمَذْكُور دلّ على كَون المُشْتَرِي عَائِدًا وَالْعود مَكْرُوه فِي الْهِبَة وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه وَالله أعلم 2 - مَسْأَلَة قَول الله عز وَجل ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ مَا هِيَ الْخِصَال الَّتِي إِذا فعلهَا الانسان كَانَ متقيا لله عز وَجل حق تُقَاته وَهل نسخت هَذِه الْآيَة بقول الله عز وَجل ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ لم تنسخها بل فسرتها وَحقّ تُقَاته أَن يطاع فَلَا يعْصى غير إِذا تجنب الْكَبَائِر وَلم يصر على صَغِيرَة وَإِذا عمل صَغِيرَة يعقبها بالإستغفار كَانَ من جملَة الْمُتَّقِينَ وَالله أعلم 3 - مَسْأَلَة قَوْله عز وَجل إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ
@ إِلَى آخر الْآيَة مَا الْكَبَائِر وَمَا الصَّغَائِر وَكم الْمُتَّفق عَلَيْهِ من الْكَبَائِر وَمَا الْفرق بَين الصَّغَائِر والكبائر وَهل تحْتَاج الصَّغَائِر إِلَى تَوْبَة أم لَا وَهل تذْهب الصَّغَائِر بالصلوات كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أم لَا بُد من ذَلِك من التَّوْبَة وَإِن احْتَاجَت إِلَى التَّوْبَة فَمَا الْفرق بَينهمَا وَبَين الْكَبَائِر وبماذا يعد الْمصر على الصَّغِيرَة مصرا بِفعل الصَّغِيرَة مرّة وَاحِدَة أم مرَارًا أم بالعزم والنيه فَإِن قُلْنَا بِالْفِعْلِ مرَارًا فَمَا عدد تِلْكَ المرات أجَاب رَضِي الله عَنهُ قد اخْتلف النَّاس فِي الصَّغَائِر والكبائر فِي وُجُوه مِنْهُم من نفى الْفرق من الأَصْل وَجعل الذُّنُوب كلهَا كَبَائِر وَهُوَ مطرح وَالَّذين أثبتوا الْفرق وهم جَمَاهِير اضْطَرَبَتْ أَقْوَالهم فِي تَحْدِيد الْكَبَائِر وتعديدها
@ وَقد قلت فِي ذَلِك قولا رَجَوْت أَنه صَوَاب وَهُوَ أَن الْكَبِيرَة ذَنْب كَبِير وَعظم عظما يَصح مَعَه أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْكَبِير وَوصف بِكَوْنِهِ عَظِيما يَصح مَعَه أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْكَبِير وَوصف يكون عَظِيما على الْإِطْلَاق فَهَذَا فاصل لَهَا عَن الصَّغِيرَة الَّتِي وان كَانَت كَبِيرَة بِالْإِضَافَة الى مَا دونهَا فَلَيْسَتْ كَبِيرَة يُطلق عَلَيْهَا الْوَصْف بِالْكبرِ والعظم اطلاقا ثمَّ إِن لكبر الْكَبِيرَة وعظمها أَمَارَات مَعْرُوفَة بهَا مِنْهَا إِيجَاب الْحَد وَمِنْهَا أَلا يُعَاد عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ النَّار وَنَحْوهَا فِي الْكتاب أَو السّنة وَمِنْهَا وصف فاعلها بِالْفِسْقِ نصا وَمِنْهَا اللَّعْن كَمَا قي قَوْله لعن الله من غير منار الأَرْض فِي أشباه لذَلِك لَا نحصيها وَعند هَذَا يعلم أَن عدد الْكَبَائِر غير مَحْصُور وَالله أعلم والصغائر قد تمحى من غير تَوْبَة بالصلوات وَغَيرهَا كَمَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ أَن فَاعل الصَّغِيرَة لَو أتبعهَا حَسَنَة أَو حَسَنَات وَهُوَ غافل عَن التندم والعزم على عدم الْعود المشترطين فِي صِحَة التَّوْبَة لَكَانَ ذَلِك ماحيا لصغيرة ومكفرا لَهَا كَمَا ورد بِهِ النَّص وَإِن لم تُوجد مِنْهُ التَّوْبَة لعدم ركنها لَا لتلبسه بأضدادها والمصر على الصَّغِيرَة من تلبس من أضداد التَّوْبَة باستمرار الْعَزْم على المعاودة أَو باستدامة الْفِعْل بِحَيْثُ يدْخل بِهِ ذَنبه فِي حيّز مَا يُطلق
@ عَلَيْهِ الْوَصْف بصيرورته كَبِيرا وعظيما وَلَيْسَ لزمان ذَلِك وعدده حصر وَالله أعلم 4 - مَسْأَلَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ وَقد ثَبت أَن أَعمال الْأَبدَان لَا تنْتَقل وَقد ورد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عَنهُ عمله إِلَّا من ثَلَاثَة صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَقد اخْتلف فِي الْقُرْآن هَل يصل إِلَى الْمَيِّت أم لَا كَيفَ يكون الدُّعَاء يصل إِلَيْهِ وَالْقُرْآن أفضل أجَاب رَضِي الله عَنهُ هَذَا قد اخْتلف فِيهِ وَأهل الْخَيْر وجدوا الْبركَة فِي مُوَاصلَة الْأَمْوَات بِالْقُرْآنِ وَلَيْسَ الِاخْتِلَاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كالاختلاف فِي الْأُصُول بل هِيَ من مسَائِل الْفُرُوع وَلَيْسَ نَص الْآيَة الْمَذْكُورَة دَالا على بطلَان قَول من قَالَ أَنه يصل فَإِن المُرَاد أَنه لَا حق لَهُ وَلَا جَزَاء إِلَّا فِيمَا سعى فَلَا يدْخل فِيمَا يتَبَرَّع عَلَيْهِ الْغَيْر من قِرَاءَة أَو دُعَاء فانه لَا حق لَهُ فِي ذَلِك وَلَا مجازاة وَإِنَّمَا أعطَاهُ إِيَّاه الْغَيْر تَبَرعا وَكَذَلِكَ الحَدِيث لَا يدل على بطلَان قَوْله فَإِنَّهُ فِي عمله وَهَذَا من عمل غَيره 5 - مَسْأَلَة قَوْله عز وَجل الذَّاكِرِينَ الله كثيرا والذكرات مَا هُوَ الذّكر
@ وَمَا هُوَ مِقْدَاره الَّذِي يصير بِهِ الْمُؤمن من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَهل قِرَاءَة الْقُرْآن أفضل من سَائِر الْأَذْكَار من التَّسْبِيح والتهليل وَالتَّكْبِير وَمَا معنى الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن فَلهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات مَعَ أَنا نعلم ذَلِك بقوله عز وَجل ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ فتخصيص الْخَيْر بِقِرَاءَة الْقُرْآن بِكُل حرف عشر حَسَنَات لَا بُد لَهُ من فَائِدَة وَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك وَأفضل أَوْقَات الذّكر مَا هِيَ أجَاب رَضِي الله عَنهُ إِذا واظب على الْأَذْكَار المأثورة المثبتة صباحا وَمَسَاء وَفِي الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة فِي ليل العَبْد ونهاره وَهِي مبينَة فِي كتاب عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة كَانَ من الذَّاكِرِينَ الله تبَارك وَتَعَالَى كثيرا وَقِرَاءَة الْقُرْآن أفضل من سَائِر الْأَذْكَار وَقَوله لَهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات فِيهِ فَائِدَة زَائِدَة وَهِي الْأَعْلَام بِأَن الْحَسَنَة هُنَا لَيست مَخْصُوصَة فِي أَن يَأْتِي بِالْكَلِمَةِ محصورة بكمالها بل تحصل بِحرف مِنْهَا وَأفضل أَوْقَات الْأَذْكَار هِيَ الْأَوْقَات الشَّرِيفَة الْمَعْرُوفَة إِذا اقترنت بالأحوال الصافية 6 - مَسْأَلَة قَوْله عز وَجل فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين
@ هن يراؤن وَيمْنَعُونَ الماعون من الساهون والمراؤن وَالَّذين يمْنَعُونَ الماعون وَهل إِذا فعل إِحْدَى هَذِه الثَّلَاث كَانَ من أَصْحَاب الويل أم إِذا فعل الثَّلَاث أجَاب رَضِي الله عَنهُ الساهون الغافلون عَن الصَّلَاة التاركون لَهَا والمراؤن هم من يعْمل مَا هُوَ طَاعَة لغير الله أَو لله ولغير الله وَالَّذين يمْنَعُونَ الماعون اخْتلفُوا فِيهِ وَالْأَظْهَر أَن الماعون مهمات آلَات الْبَيْت من قدر ومغرفة وفاس ومجرفة وأشباههما هَذَا لما كَانَت الْإِعَارَة وَاجِبَة وَهُوَ ظَاهر الْآيَة ثمَّ نسخ وَالْأَظْهَر أَن اسْتِحْقَاق الويل مَخْصُوص بِمن جمع بَين الثَّلَاث وَالله أعلم 7 - مَسْأَلَة قَول الله تبَارك وَتَعَالَى فَانْظُر إِلَى آثَار رَحْمَة الله كَيفَ يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا إِن ذَلِك لمحيي الْمَوْتَى لم أَمر بِالنّظرِ
@ إِلَى الْأَثر وَلم يَأْمر بِالنّظرِ إِلَى الرَّحْمَة وَهل يجوز لأحد أَن يُفَسر الْقُرْآن بِمَا يخْطر فِي نفس أَو يغلب على ظَنّه من غير نقل عَن أحد الْمُفَسّرين وَمن غير علم بِالْعَرَبِيَّةِ واللغة أجَاب رَضِي الله عَنهُ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك كَذَلِك لِأَن الْآيَة وَارِدَة لِلْأَمْرِ بِالنّظرِ إِلَى الْمَطَر الَّذِي يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا والمطر الَّذِي هَذَا شَأْنه وَسَائِر صنوف الْأَنْعَام آثَار للرحمة لأنفس الرَّحْمَة فَإِن الرَّحْمَة عِنْد الْمُحَقِّقين من صِفَات الذَّات نَحْو الارادة وَلَا سَبِيل إِلَى النّظر اليها وَمهما سمي الْمَطَر وَغَيره من وُجُوه الإنعام رَحْمَة فعلى سَبِيل التَّجَوُّز وَالْأَصْل هُوَ الأول وَأما تَفْسِير الْقُرْآن مِمَّن هُوَ على الصّفة الْمَذْكُورَة فَمن كَبَائِر الْإِثْم وَرووا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَفِي رِوَايَة من قَالَ فِي الْقُرْآن بِغَيْر علمه فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار خرجه أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَخرج أَيْضا عَن جُنْدُب أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَأصَاب فقد أَخطَأ الحَدِيث الأول من حسانها وَهَذَا دونه والمفسر الْمَوْصُوف قَائِل فِي الْقُرْآن قولا لَا يسْتَند إِلَى أصل وَحجَّة تعتمد وَهَذَا هُوَ القَوْل بِالرَّأْيِ المذموم قَائِله وَقَوله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى من قَالَ فِي الْقُرْآن بِغَيْر علم كالمفسر لهَذَا ونسأل الله الْعِصْمَة من ذَلِك وَمن سَائِر مَا يسخطه سُبْحَانَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أعلم 8 - مَسْأَلَة فِي قَوْله الله عز وَجل كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك ذُو
@ الْجلَال وَالْإِكْرَام هَل يجوز الْوَقْف على قَوْله سُبْحَانَهُ وَيبقى والابتداء بِمَا بعده وَفِي الْوَقْف على فان وفيمن قَالَ إِنَّمَا الْوَقْف على قَوْله عز وَجل وَيبقى دون قَوْله فان أجَاب رَضِي الله عَنهُ الْوَقْف على وَيبقى مِمَّا يجب أَن يعاف ويتقى لِأَنَّهُ مَعَ أَنه مُخَالف قَول من تناهى إِلَيْنَا قَوْله من مفسري الْقرَان الْعَظِيم ومقرئيه وَالْعُلَمَاء فَإِنَّهُ يَدْفَعهُ الدَّلِيل ويأباه لِأَنَّهُ ترك للظَّاهِر الأسبق الى الْفَهم وَقد تقرر أَنه غير سَائِغ إِلَّا مُسْتَند يُقَوي قُوَّة يصير بِهِ خلاف الظَّاهِر أرجح مِنْهُ وَلَيْسَ الْوَقْف على يبْقى مُسْتَند يتنزل هَذِه الْمنزلَة وَلَا قَرِيبا مِنْهَا وقصارى الصائر إِلَيْهِ أَن يبين اتجاه معنى أَو مَجِيئه على مُتَقَدم نقلا واحتماله معنى لَا يسوغه مَعَ أَن الْأَظْهر غَيره وَنَقله غير مُتَقَدم لَو ترك فِي يَده لم يَنْفَعهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز الْعُدُول عَن قَول الجماهير بِمُجَرَّد قَول فأرد وَهَذَا وَإِن فِيهِ إِثْبَات تَفْسِير الاية أَو نَحوه يبْعَث الشذوذ فِي الْقرَان كَمَا فِي الأَصْل والجرأة عَلَيْهِ عَظِيمَة وَإِنَّمَا يتوقاها المتقون وَالله أعلم 9 - مَسْأَلَة مَا قَول أَئِمَّة الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْعُلَمَاء بِالْأَيَّامِ وَالسير
@ فِي الْبَقَرَة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن الْعَزِيز فِي سُورَة الْبَقَرَة هَل هِيَ أُنْثَى أَو ذكر وَفِي بغلة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المسماه بدلدل هَل هِيَ أُنْثَى أَو ذكر بينوا ذَلِك أجَاب رَضِي الله عَنهُ كل مِنْهُمَا أُنْثَى لَا ذكر وَلَا تستفيد ذَلِك من هَاء التَّأْنِيث فيهمَا فَإِنَّهُ يُقَال للذّكر بقرة وَبغلة أَيْضا حَتَّى صَار بعض أَئِمَّة الشافعيين إِلَى أَنه لَو أوصى ببقرة أَو بغلة جَازَ إِخْرَاج الذّكر وَالْأُنْثَى وَمن خصص بِالْأُنْثَى فلغة عرف الِاسْتِعْمَال فِيهَا لَا لِأَنَّهَا فِي اللُّغَة مَخْصُوصَة بِالْأُنْثَى وَإِنَّمَا استفدنا الْأُنُوثَة فِي المذكورتين من معارف غير ذَلِك أما الْبَقَرَة فَفِي إناثها مَا يُوضح الْأُنُوثَة فِيهَا وَذَلِكَ فِي غير مَوضِع مِمَّا ذكره الله تبَارك وَتَعَالَى فِي صفاتها فَمن ذَلِك قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿عوان بَين ذَلِك﴾ فان صفة الْأُنْثَى النّصْف وَفِي التَّفْسِير أَنَّهَا الْأُنْثَى الَّتِي ولدت بَطنا أَو بطنين وَمن ذَلِك قَوْله ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ فَإِنَّهُ إِذا قيل للذّكر بقرة قيل عِنْد الْوَصْف بقرة أصفر لَا صفراء وَلذَلِك لَا يُقَال تسر بل يسر وَفِي ذَلِك غير هَذَا
@ وَأما بغلة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المسماه بدلدل فَمن الدَّلِيل على أَنَّهَا كَانَت أُنْثَى مَا جَاءَ فِي خَبَرهَا عَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه قَالَ كَانَت دُلْدُل بغلة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول بغلة رؤيت فِي الْإِسْلَام أهداها لَهُ الْمُقَوْقس قَالَ الرَّاوِي وَبقيت حَتَّى كَانَ زمن مُعَاوِيَة وروى مُحَمَّد بن سعد بِسَنَد لَهُ أَن اسْم بغلة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدلْدل وَكَانَت شهباء وَكَانَ بينبع حتي مَاتَت ثمَّ قَالَ ابْن سعد وَهُوَ ثِقَة أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأَسدي وَقبيصَة بن عقبَة قَالَا حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن جَعْفَر عَن أَبِيه قَالَ كَانَت بغلة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تسمى الشَّهْبَاء وَهَذَا إِسْنَاد رِجَاله أثبت وبمثل هَذَا لَا يُوصف بِهِ الذّكر وَإِن أَجَازُوا فِيهِ أَن يُقَال بغلة فَلم يخبروا فِي صفة وَفِيمَا يرجع إِلَيْهِ من الضمائر مثل هَذَا الَّذِي ترَاهُ وبابه وَلَا الْتِفَات فِي ذَلِك إِلَى تَأْنِيث اللَّفْظ كَمَا فِي قَوْلنَا طَلْحَة وَحَمْزَة فَلَا يُقَال طَلْحَة سرتني أَو كَانَت وَنَحْو ذَلِك وَلَا حَمْزَة الْبَيْضَاء بل الْأَبْيَض فَقَط وَالله أعلم
@ ثمَّ إِذا ضم مَا أردته من أَمر دُلْدُل إِلَى مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن الْحَارِث صهر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخي جوَيْرِية بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ وَهُوَ أحد الصَّحَابَة الَّذين تفرد البُخَارِيّ عَن مُسلم بِإِخْرَاج حَدِيثهمْ قَالَ مَا ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد مَوته درهما وَلَا دِينَارا وَلَا عبدا وَلَا أمة وَلَا شَيْئا إِلَّا بغلته الْبَيْضَاء الَّتِي كَانَ يركبهَا وسلاحه وأرضا جعلهَا لِابْنِ السَّبِيل صَدَقَة ظهر من ذَلِك أَن بغلته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المسماه بدلدل هِيَ الَّتِي تسمى الْبَيْضَاء وَكَانَت تسمى الشَّهْبَاء ذكره السُّهيْلي صَاحب الرَّوْض الْأنف فِي شرح السِّيرَة من أَن الْمُسَمَّاة بالبيضاء غير الْمُسَمَّاة بدلدل غير مرض ومعتمد وَالله أعلم 10 - مَسْأَلَة قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ ونبلوا أخباركم فَعلم الله السَّابِق وَهُوَ قَوْله
@ حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم أَو هُوَ علم يَأْتِي وَسمعت شخصا يَقُول فِي هَذِه الْآيَة حَتَّى نعلم يَتَجَدَّد لَهُ علم ثَان وَالْحق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُ علمَان أَو علم وَاحِد بَين لنا هَذَا على الْوَجْه الصَّحِيح الَّذِي لَا ريب فِيهِ فِي الدّين أجَاب رَضِي الله عَنهُ الَّذِي قَالَه الشَّخْص خطأ وَلَا يَتَجَدَّد لله سُبْحَانَهُ علم وَإِنَّمَا علمه يخْتَلف مُتَعَلقَة فَتعلق قبل وجود مجاهدتهم بِأَنَّهُ يستوجد مجاهدتهم وَبعد وجودهَا بِأَنَّهَا قد وجدت فَإِذا معنى الْآيَة حَتَّى نعلم مجاهدتكم مَوْجُودَة فنجازيكم عَلَيْهَا وَالله أعلم
@ الْقسم الثَّانِي فِي شرح أَحَادِيث وَردت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمن ذَلِك 11 - مَسْأَلَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤْتى بالعالم يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال إِنَّمَا تعلمت الْعلم ليقال كَذَا وَكَذَا وَقد قيل الحَدِيث
@ مَا مَعْنَاهُ أَيحلُّ على أَنه كَانَت لَهُ حَسَنَات غير الْعلم فأحبطت نِيَّته فِي الْعلم حَسَنَاته وَهَذَا خلاف قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات أَو يحمل على أَنه لم يكن لَهُ حَسَنَة سوى الْعلم وَكَذَا الْمُجَاهِد وَهَذَا خلاف الظَّاهِر أم لَهُ معنى غير هذَيْن أجَاب رَضِي الله عَنهُ هَذَا فِي شخص كَانَ بِمَثَابَة لَو أخْلص فِيهَا فِي علمه لنجاه علمه من الْعَذَاب الَّذِي وجد مُقْتَضَاهُ فَلَمَّا لم يخلص نزل بِهِ مُوجب الْمُقْتَضى لعذاب أَو هَذَا فِيمَن ترجحت سيئاته لريائه بِالْعلمِ على حَسَنَاته فَلم تدفع عَنهُ حَسَنَاته عَذَاب ذَنْب الرِّيَاء فعذب وَالله أعلم 21 - مَسْأَلَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّلَاة إِلَى الصَّلَاة كَفَّارَة لما بَينهمَا وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهمَا ورمضان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهمَا
@ وَإِذا كَانَت الصَّلَاة إِلَى الصَّلَاة كَفَّارَة لما بَينهَا فَمَا يكفر الْجُمُعَة ورمضان بَين لنا أجَاب رَضِي الله عَنهُ هِيَ كَفَّارَات وَإِن لم تصادف شَيْئا تكفره بِمَعْنى أَنَّهَا أَسبَاب للتكفير وَقد يَنْتَفِي عَن السَّبَب مسببه لأمر من الْأُمُور فَلَا يُخرجهُ ذَلِك عَن كَونه سَببا ثمَّ جَوَاب آخر وَهُوَ أَن الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة للصغائر على مَا نطق بِهِ الحَدِيث والمرجو أَن الْكَفَّارَة الثَّانِيَة إِذا لم تصادف صَغِيرَة تكفر بعض الْكَبَائِر وَالله أعلم 13 - مَسْأَلَة فِي أَن الْخَبَر إِذا ورد من جِهَة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يتَصَوَّر وجوده على خلاف الْمخبر بِهِ وَهل هُوَ كَمَا أطلق أم ثمَّ فرق بَين وعد ووعيده وَإِذا لم يَصح الْإِطْلَاق فَمَا الْفرق بَينهمَا وَهل يَكْفِي فِي الْفرق أَن يُقَال إِن إخلاف الْوَعيد لَا يَلِيق بِجَانِب الله تَعَالَى وَالْعَفو عَن الْوَعيد لَائِق بِهِ أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ نعم هُوَ على أصح إِطْلَاقه فَلَا يَقع أصلا شَيْء من أخباره على خلاف مخبره وَمن ذَلِك الْوَعْد وَأما الْوَعيد فالعفو متطرق إِلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِك خلفا فِي خَبره فِيهِ فَإِن الْوَعيد مُقَيّد من حَيْثُ الْمَعْنى بِحَالَة عدم الْعَفو فَإِذا قَالَ لأعذبن الظَّالِم مثلا فتقديره إِن لم أعف عَنهُ أَو إِلَى أَن أسامحه أَو أتكرم عَلَيْهِ وَنَحْو هَذَا وَهَذَا الْقَيْد عرف من عَادَة الْعَرَب فِي إيعاداتها وَمن أَخْبَار الشَّارِع عَن ذَلِك على الْجُمْلَة والعموم فِي مثل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا روينَاهُ عَن وعد الله على من عمل ثَوابًا فَهُوَ
@ منجز لَهُ وَمن وعده على عمل عقَابا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ غفر لَهُ وَالله أعلم 14 - مَسْأَلَة رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ يدْخل فُقَرَاء أمتِي الْجنَّة قبل أغنيائها بِنصْف يَوْم فَهَل هَذَا يُطلق على الْفَقِير الَّذِي قد جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل أم الْفَقِير الَّذِي قد منع الدُّنْيَا وَلَا حَظّ لَهُ فِيهَا فَيكون دُخُوله الْجنَّة جبرا لِقَلْبِهِ يَوْم الْقِيَامَة حَيْثُ يتَمَنَّى شَيْئا لَا يقدر عَلَيْهِ وَإِن أطلق ذَلِك على الْفَقِير الَّذِي قد جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل فَذَلِك هُوَ الْغَنِيّ الْأَكْبَر وَمَا هُوَ الْفَقِير والغني الَّذِي ورد فيهم بَين لنا أجَاب رَضِي الله عَنهُ يدْخل فِي هَذَا الْفَقِير الَّذِي لَا يملك شَيْئا والمسكين الَّذِي يملك شَيْئا وَلَكِن لَا يملك تَمام كِفَايَته إِذا كَانُوا مُؤمنين غير مرتكبين شَيْئا من الْكَبَائِر وَلَا مصرين على شَيْء من الصَّغَائِر وَيشْتَرط فِي ذَلِك أَن يَكُونَا صابرين على الْفقر والمسكنة راضين بهما وَالله أعلم 15 - مَسْأَلَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير الْقُرُون قَرْني الَّذِي أَنا فِيهِ ثمَّ
@ الَّذِي يَلُونَهُمْ الحَدِيث مَا الْفرق بَين هَذَا وَبَين قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على تَقْدِير صِحَّته أمتِي كالغيث لَا يدْرِي أَوله خير أم آخِره وَمَا معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للصَّائِم فرحتان فرحة عِنْد إفطاره وفرحة عِنْد لِقَاء ربه الفرحة عِنْد افطاره مَا هِيَ كَونه يفرح بِالْأَكْلِ وَالشرب وفرحة كَونه حصلت لَهُ عبَادَة هَذَا الْيَوْم أجَاب رَضِي الله عَنهُ أما الحديثان الْأَوَّلَانِ فَلَا تنَاقض بَينهمَا لِأَن آخر الْأمة فِي الحَدِيث الثَّانِي المضطرب عبارَة عَن الْمهْدي وَعِيسَى بن مَرْيَم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن مَعَهُمَا وَأما فرحة الصَّائِم عِنْد إفطاره فَجَائِز حملهَا على الْأَمريْنِ فرحة النَّفس بِمَا تتَنَاوَل وَلَا مَحْذُور فِيهَا وفرحة بِتمَام الْعِبَادَة الفاضلة لَهُ وَالله أعلم
- مَسْأَلَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم على مَاذَا يحمل وَهُوَ أَنا نغفل عَن الصّبيان الصغار من الْأَوْلَاد الَّذين لَا يُمكنهُم التحرر مِنْهُم كَمَا لَا يُمكن فِي الطوافات لِلْعِلَّةِ وَلَو تيقنت النَّجَاسَة مِنْهُم فِي مَحل الْعَفو عَنْهَا فِي مثله مِنْهَا وَهل يجوز استنقاذ كتب الْمُسلمين من بِلَاد الفرنج وَالْقِرَاءَة فِيهَا بِنَاء على أَنه مَتى جَازَ بهَا دَفعهَا اليه بِلَا شَيْء وَلَا عوض أجَاب رَضِي الله عَنهُ الطوافون الخدم والطوافات الخدامات وأفواه الْأَطْفَال الَّتِي يغلب نجاستها الظَّاهِر أَنَّهَا كأفواه السناير فِي الْعَفو وَالله أعلم واستنقاذ الْكتب الْمَذْكُورَة حسن ثمَّ لَا يجوز الْقِرَاءَة فِيهَا وَالِانْتِفَاع بهَا فِي الْحَال وَالظَّاهِر أَنه اذا قرفها سنة كَمَا فِي تَعْرِيف اللّقطَة جَازَ لَهُ تَملكهَا كَمَا يتَمَلَّك اللّقطَة
- مَسْأَلَة روى أَبُو عبد الله البُخَارِيّ وَأَبُو الْحسن مُسلم رحمهمَا الله تَعَالَى فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ الصَّادِق المصدوق أَن أحدكُم يجمع خلقه فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله الْملك وَذكر بَاقِي الحَدِيث وَفِي الحَدِيث الَّذِي انْفَرد مُسلم بِإِخْرَاجِهِ من حَدِيث أبي شريحة حُذَيْفَة بن أسيد الْغِفَارِيّ أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَذكر بَاقِي الحَدِيث
@ فَفِي الحَدِيث الأول إِشْعَار بِأَن الله تَعَالَى يُرْسل الْملك بعد مائَة وَعشْرين لَيْلَة وَفِي الحَدِيث الثَّانِي تَصْرِيح بِأَن الْملك يبْعَث بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَكيف الْجمع بَين هذَيْن الْحَدِيثين أجَاب رَضِي الله عَنهُ حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد هَذَا لم يُخرجهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه وَلَعَلَّ ذَلِك لكَونه لم يجده يلتئم مَعَ حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وَوجد حَدِيث ابْن مَسْعُود أقوى وَأَصَح فارتاب بِحَدِيث حُذَيْفَة الَّذِي مَدَاره على أبي الطُّفَيْل عَامر بن وائلة عَنهُ فَأَعْرض عَنهُ وَأما مُسلم فَإِنَّهُ خرج الْحَدِيثين مَعًا فِي كِتَابه فأحوجنا إِلَى تطلب وَجه يلتئمان بِهِ وَلَا يتنافران وَقد وَجَدْنَاهُ وَللَّه الْحَمد الأتم فَأَقُول الْملك يُرْسل غير مرّة إِلَى الرَّحِم يُرْسل مرّة عقيب الْأَرْبَعين الأولى بِدلَالَة حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد بألفاظه فِي رواياته المتعددة فَيكْتب رزقه وأجله وَعَمله وحاله فِي السَّعَادَة والشقاء وَغير ذَلِك وَيُرْسل مرّة أُخْرَى عقيب الْأَرْبَعين الثَّانِيَة فينفخ فِيهِ الرّوح بِدلَالَة حَيْثُ ابْن مَسْعُود وَغَيره ثمَّ أَنه يشكل وَرَاء هَذَا من حَدِيث حُذَيْفَة فِي قَوْله فِي بعض رواياته عِنْد ذكر إرْسَال الْملك عقيب الْأَرْبَعين الأولى فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثمَّ قَالَ يَا رب ذكر أَو أُنْثَى فَيَقْضِي رَبك مَا شَاءَ وَيكْتب إِلَى آخِره وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا التَّصْوِير لَا يكون فِي الْأَرْبَعين الثَّانِيَة فَإِنَّهُ يكون فِيهَا علقَة وَإِنَّمَا يكون هَذَا التَّصْوِير قَرِيبا من نفخ الرّوح وَهَكَذَا روينَا ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي بعض رِوَايَات حَدِيث حُذَيْفَة خَارج الصَّحِيح وسبيل الْجَواب عَن هَذَا الْإِشْكَال أَن يحمل قَوْله فصورها على معنى فصورها قولا كتابا لَا فعلا أَي فَذكر تصويرها وَكتب ذَلِك وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا أَن جعلهَا
@ ذكرا أَو أُنْثَى يكون مَعَ التصاوير الْمَذْكُورَة وَقد قَالَ فِي جعله ذكرا أَو أُنْثَى فَيَقْضِي رَبك مَا شَاءَ وَيكْتب الْملك الى آخِره وَيشكل أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ أَن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يكون علقَة مثله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله ثمَّ يبْعَث الله إِلَيْهِ الْملك فَيُؤذن بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب رزقه وأجله وَعَمله وشقي أم سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح فَقَوله ثمَّ يبْعَث إِلَيْهِ الْملك بِحرف ثمَّ تَقْتَضِي تَأْخِير كتب الْملك الْأُمُور الْأَرْبَعَة إِلَى مَا بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة وَحَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد قَاضِي بِتَقْدِيم كتب الْملك لذَلِك عقيب الْأَرْبَعين الأولى وسبيل الْخُرُوج عَن إِشْكَال ذَلِك أَن يَجْعَل قَوْله ثمَّ يبْعَث الله إِلَيْهِ الْملك فَيُؤذن فَيكْتب مَعْطُوفًا على قَوْله يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ومتعلقا بِهَذَا إِلَّا بِالَّذِي يَلِيهِ قبله وَهُوَ قَوْله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله وَيكون قَوْله ثمَّ يكون علقَة مثله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله إعتراضا وَقع بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ والاعتراض بأمثال ذَلِك فِي كَلَام الله تبَارك وَتَعَالَى وَكَلَام الْعَرَب غير قَلِيل وَمن ذَلِك قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿فسبحان الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ وَله الْحَمد فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وعشيا وَحين تظْهرُونَ﴾ فَقَوله وعشيا لَيْسَ مُتَعَلقا بِالَّذِي يَلِيهِ قبله وَهُوَ قَوْله وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض ومعطوفا عَلَيْهِ بل مُتَعَلقا بِمَا سبق من قَوْله وَحين تُصبحُونَ وَقَوله وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض اعتراضا بَينهمَا
@ إِذا عرفت هَذَا فَقَوله ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح مُتَّصِل بقوله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله لِأَنَّهُ فِي نِيَّة التَّأْخِير لما ذَكرْنَاهُ فَافْهَم ذَلِك واعرفه فَإِنَّهُ مُشكل عويص جدا لَا أحد نعلمهُ تقدم بحله وَقد أوضحته ايضاحا ينشرح لَهُ صدر الفاهم الآهل وَالله سُبْحَانَهُ الْمَحْمُود حَقًا وَقد كَانَ الْحَافِظ عِيَاض بن مُوسَى القَاضِي من المغاربة قد تعرض لذَلِك مُقْتَصرا على رِوَايَة مُسلم لحَدِيث ابْن مَسْعُود وَذَلِكَ فِيهَا بِحرف الْوَاو لَا بِحرف ثمَّ ولفظها ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الورح وَيُؤمر بِأَرْبَع كَلِمَات يكْتب رزقه إِلَى آخِره وَأجَاب بِأَن الْوَاو لَا تَقْتَضِي ترتيبا وَهَذَا الَّذِي أَتَى بِهِ سهل إلايتاء مثله فِي رِوَايَة البُخَارِيّ الَّتِي هدَانَا الله الْكَرِيم لشرح مَعْنَاهَا وَله الْحَمد كُله وَالله أعلم 18 - مَسْأَلَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ هَل خرج فِي الصَّحِيح أم لَا وَهل يصير فِي عقيب التَّوْبَة كمن لَا
@ ذَنْب لَهُ ليحكم القَاضِي برشده فِي تَزْوِيج ابْنَته أَو موليته أم لَا بُد من إصْلَاح الْعَمَل بعد التَّوْبَة إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة وَكَيف حكم الله فِي ذَلِك أجَاب رَضِي الله عَنهُ لم يخرج فِي الصِّحَاح وَلم نجد لَهُ إِسْنَادًا يثبت بِمثلِهِ الحَدِيث والتائب يلْحق عِنْد بعض أَصْحَابنَا بالمستور من غير توقف على إصْلَاح الْعَمَل فِي الْمدَّة الْمَعْلُومَة وَلَا بَأْس بِالْعَمَلِ بِهَذَا والمستور يَلِي التَّزْوِيج وَلَا يخرج على الْخلاف فِي الْفَاسِق 19 - مَسْأَلَة رجلَانِ تشاجرا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينزل ربكُم فِي كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا الحَدِيث بِتَمَامِهِ فَقَالَ أَحدهمَا ينزل وَكَذَا فِي جَمِيع الصِّفَات وَجَمِيع الْآيَات وَالْأَخْبَار لَا تتأول وكل وَاحِد يَدعِي الصِّحَّة فِي قَوْله أجَاب رَضِي الله عَنهُ الَّذِي عَلَيْهِ الصالحون من السّلف وَالْخلف رَضِي الله عَنهُ الِاقْتِصَار فِي ذَلِك وَأَمْثَاله على الْإِيمَان الْجملِي بهَا والإعراض عَن الْخَوْض فِي مَعَانِيهَا مَعَ اعْتِقَاد التَّقْدِيس الْمُطلق وانه لَيْسَ مَعْنَاهَا مَا يفهم من مثلهَا فِي حق الْمَخْلُوق وَالله أعلم
- مَسْأَلَة فِي معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الَّذِي يرويهِ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ قَوْله كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه فَهَل المُرَاد بالفطرة الْمَذْكُورَة هِيَ فطْرَة الْإِسْلَام والفطرة الَّتِي هِيَ الْخلق والإبداع والاختراع أجَاب رَضِي الله عَنهُ مَعْنَاهُ وَالله أعلم أَنه يُولد غير متلبس بِحَقِيقَة الْكفْر فَإِنَّهُ بالاعتقاد وَلَا وجود قطعا فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ قبل الْبلُوغ من حَيْثُ الْأَحْكَام تبقى وَبعد الْبلُوغ بتقليده لَهما فِي حَقِيقَة الْكفْر مُبَاشرَة مِنْهُ وملابسه مِنْهُ للكفر وَأما مَا ورد من أَن الشقي من شقي فِي بطن أمه فَالْمُرَاد بِهِ أَن يكْتب الْملك عَلَيْهِ ذَلِك إِخْبَارًا عَمَّا يُوجد مِنْهُ إِذا بَاشر الْكفْر وَفِي قَوْله وَالله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين اشعارا بِأَنَّهُ قد يكْتب عَلَيْهِ الشَّقَاء وَيحكم بِهِ عَلَيْهِ بِنَاء على مَا يُعلمهُ الله تَعَالَى مِنْهُ من أَنه لَو أَحْيَاهُ الى
@ حِين يسْتَقلّ بِالْإِيمَان وَالْكفْر لاختار الْكفْر وَكفر كَمَا جَاءَت الرِّوَايَة بذلك مُصَرحًا بِهِ فِي بعض الْأَحَادِيث فَيخرج من ذَلِك أَنا لَا نستلزم الحكم بِأَن من مَاتَ من أَطْفَال الْمُشْركين فَهُوَ فِي الْجنَّة وَكَذَا فِي أشباههم من المجانين وَالله أعلم 21 - مَسْأَلَة فِي معنى قِرَاءَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أبي ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ بِأَمْر الله تَعَالَى مَا المُرَاد بذلك وَمَا وَجه تَخْصِيص هَذِه الصُّورَة بِالذكر وَمَا الحكم فِي ذَلِك أجَاب رَضِي الله عَنهُ فِي ذَلِك فَوَائِد مِنْهَا كَونه يسن بذلك عرض الْقُرْآن على مَا يحفظه وَيعرف كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف من قِرَاءَة القارىء على المقرىء وَمِنْهَا أَن أَبَيَا كَانَ موثوقا بِهِ فِي الْأَخْذ وَالْأَدَاء عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَفعل ذَلِك ليؤدي عَنهُ وَفِيه حض لَهُ على الْقَصْد وَفِي قِرَاءَة الْقُرْآن عَلَيْهِ فَكَانَ رَضِي الله عَنهُ بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأْسا وإماما وَأما تَخْصِيص هَذِه السُّورَة فَمن الْمَعْنى فِيهَا أَنَّهَا مَعَ وجازتها جَامِعَة
@ لأصول وقواعد ومهام عَظِيمَة وَكَانَ الْوَقْت يَقْتَضِي ترك التَّطْوِيل وَالله أعلم 22 - مَسْأَلَة قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تخرج نَار من قَعْر عدن تَسوق النَّاس إِلَى الْمَحْشَر فَهَل يكون هَذَا السُّوق قبل موت الْخلق أَو بعد خُرُوجهمْ من الأجداث أجَاب رَضِي الله عَنهُ بل قبل موت الْخلق وَقَوله لَا تقوم السَّاعَة شَاهد بذلك وَالله أعلم 23 - مَسْأَلَة فِيمَا رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لعن الله من أكْرم غَنِيا لغناه وأهان فَقِيرا لفقره وَعنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لعن الله من أكْرم بالغنى وأهان بالفقر هَل يدْخل تَحت هَذَا اللَّعْن شيخ يزار يَجِيئهُ الْفَقِير والغني وَأَبْنَاء الدولة وَمن هُوَ من ذَوي الولايات والتسلط يتَكَلَّف لأبناء الدُّنْيَا ويحضر للْفَقِير مَا يَتَيَسَّر أم لَا أَولا فان هذَيْن الْحَدِيثين لَا نعرفهما من جِهَة تصح تقوم بهَا
@ الْحجَّة وَقد أخرج أَبُو شُجَاع شيروية الْهَمدَانِي صَاحب الفردوس فِيهِ من حَدِيث أبي ذَر الْغِفَارِيّ رَضِي الله عَنهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ قَالَ لعن الله فَقِيرا تواضع لَغَنِيّ من أجل مَاله من فعل ذَلِك مِنْهُم فقد ذهب ثلثا دينه لَكِن لَيْسَ مِمَّا يَقع عَلَيْهِ الِاعْتِمَاد فان صَاحب كتاب الفردوس جمع فِيهِ بَين الصَّحِيح والسقيم وَبلغ بِهِ الإنحلال إِلَى أَن أخرج أَشْيَاء من الْمَوْضُوع ويداني هَذَا الحَدِيث فِي مَعْنَاهُ مَا يرْوى من أَنه من تضعضع لَغَنِيّ ذهب نصف دينه وأخبرت عَن أبي الْفتُوح الشاذ ياخي وَغَيره قَالُوا أَنبأَنَا الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي قَالَ سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا عَليّ الدقاق رَحمَه
@ الله تَعَالَى يَقُول فِي الْخَبَر من تواضع لَغَنِيّ لأجل غناهُ ذهب ثلثا دينه فان اعْتقد فَضله بِقَلْبِه كَمَا تواضع لَهُ بِلِسَانِهِ وَنَفسه ذهب دينه كُله هَذَا كَلَام ثمَّ أَنا نعلم أَن هَذِه الْأَحَادِيث وَإِن لم تثبت من حَيْثُ الرِّوَايَة فَمَا تَقْتَضِيه من ذمّ إكرام الْغَنِيّ لغناه وإهانة الْفَقِير ثَابت صَحِيح وَذَلِكَ إِن لم ينْتَه بفاعله إِلَى فظاعة اللَّعْن وَذَهَاب ثُلثي الدّين فَهُوَ مُنكر قَبِيح على الْجُمْلَة فَإِن فِيهِ تَعْظِيم الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ مجمع الْآفَات وَأم الْخَبَائِث ويستلزم ذَلِك من ضعف قوى التَّقْوَى أمرا عَظِيما لَكِنَّهَا لَا تتَنَاوَل من أكْرم الْغَنِيّ مُطلقًا بل من أكْرم الْغَنِيّ من أجل غناهُ أَي كَانَ الْبَاعِث لَهُ على إكرامه مَا عِنْده من الدُّنْيَا واستعظام مَا اتّصف بِهِ من الْغنى فَلَا يدْخل فِي ذَلِك من أكْرم الْغَنِيّ لِمَعْنى آخر لَا يذمه الشَّرْع ويأباه بِأَن يقْصد بِهِ حفظ قلب الْغَنِيّ لعلمه بِأَنَّهُ إِن لم يفعل تأذى أَو ترغيبه فِي إكرام الأضياف أَو يُرِيد بِهِ دفع شَره وصيانة نَفسه وإياه عَن مَحْذُور غيبته أَو توطيئته لما يُرِيد أَن يَأْمُرهُ بِهِ من الْخَيْر فَهَذَا وَمَا أشبهه من الْمَقَاصِد الصَّحِيحَة إِذا اقْترن بِفعل ذَلِك فَهُوَ حسن غير مَذْمُوم وَالْفَاعِل لَهُ بنية التَّقَرُّب مأجور غير مأزور وتكلف هَذَا الْمَذْكُور لأبناء الدُّنْيَا إِذا كَانَ لشَيْء من هَذِه الْمَقَاصِد المستقيمة فَلَيْسَ فِي إكرام الْغَنِيّ لغناه فِي شَيْء أصلا وَكَذَلِكَ اقْتِصَاره فِي حق الْفَقِير على إِحْضَار مَا تيَسّر إِذا كَانَ ذَلِك يَكْفِي الْفَقِير ويرضيه من غير أَن يقْتَرن بِهِ استحقار مِنْهُ للْفَقِير وَفَقره لَيْسَ من إهانة الْفَقِير لفقره بسبيل وَقد أخرج أَبُو دَاوُد صَاحب السّنَن فِيهِ عَن مَيْمُون بن أبي شبيب أَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مر بهَا سَائل فَأَعْطَتْهُ كسرة وَمر عَلَيْهَا رجل عَلَيْهِ ثِيَاب واهية فأقعدته فَأكل فَقيل لَهَا فِي ذَلِك
@ فَقَالَت أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن ننزل النَّاس مَنَازِلهمْ فَهَذَا الحَدِيث أصل فِي هَذَا الَّذِي نَحن بصدده فليصحح الممتحن بذلك مقاصده فِيمَا يَأْتِي مِنْهُ وَمن غَيره ويذر فَفِي صِحَّتهَا صِحَة أَعماله وَفِي فَسَادهَا فَسَادهَا وَالله المسؤول توفيقنا وإياه لما يُحِبهُ ويرضاه وَمن نحبه وَالْمُسْلِمين أَجْمَعِينَ وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ 24 - مَسْأَلَة رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن رجلا من أهل الصّفة توفّي فَوجدَ مَعَه دِينَارَانِ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كبتان فَمَا السِّرّ فِي ذَلِك وَمَا الْمَعْنى فِيهِ مَعَ أَن الدينارين لَا حق فيهمَا لله تَعَالَى أجَاب رَضِي الله عَنهُ من الْأَسْبَاب فِي ذَلِك أَنه رَحمَه الله أظهر الْفقر وَقعد مَعَ الْفُقَرَاء أهل الصّفة الَّذين لَا يملكُونَ دِينَارا وَلَا درهما وَلم يخرج ديناريه على نَفسه وَلَا رفقائه وَالله أعلم 25 - مَسْأَلَة سَأَلَ سَائل الْمولى الْعَالم الْحَافِظ تَقِيّ الدّين أَبَا عَمْرو عُثْمَان الْمُعَرّف بِابْن الصّلاح أثابه الله الْجنَّة وَقَالَ ذكرت فِي كتابك الَّذِي صنفته فِي عُلُوم الحَدِيث فَوَائِد جمة إِلَّا أَن فِي أَوله أَو قَالُوا فِي حَدِيث أَنه غير صَحِيح فَلَيْسَ ذَلِك قطعا بِأَنَّهُ كذب فِي نفس الْأَمر إِذْ قد يكون صدقا فِي نفس الْأَمر وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ أَنه لم يَصح إِسْنَاده على الشَّرْط الْمَذْكُور وَالله أعلم
@ وَقد رَأينَا قد ذكر عَن الْأَئِمَّة أَنهم قَالُوا فِي الحَدِيث حَدِيث إِسْنَاده صَحِيح وَمَتنه غير صَحِيح أَو إِسْنَاده غير صَحِيح وَمَتنه صَحِيح أَو صَحِيح أَو إِسْنَاده ضَعِيف وَمَتنه ضَعِيف وَأَيْضًا لَهُم كتب الموضوعات وَيَقُولُونَ من فلَان الله أعلم من وَضعه فَهَذَا يدل على أَنه فِي نفس الْأَمر غير صَحِيح فان رأى أَن يذكر فِي شرح هَذَا مَا يشفي بِهِ غلَّة الطَّالِب فعل ذَلِك أجَاب رَضِي الله عَنهُ الَّذِي يرد من هَذَا على ذَلِك قَوْلهم اسناده صَحِيح وَمَتنه غير صَحِيح وَجَوَابه أَن فِي كَلَامي احْتِرَاز عَنهُ وَذَلِكَ فِي قولي أَنه يَصح إِسْنَاده على الشَّرْط الْمَذْكُور وَمَتى كَانَ الْمَتْن غير صَحِيح فمحال أَن يكون لَهُ إِسْنَاد صَحِيح على الشَّرْط الْمَذْكُور لِأَنَّهُ من الشَّرْط الْمَذْكُور فَلَا يكون شاذا أَو لَا مُعَللا وَالَّذِي أوردتموه لَا بُد أَن يكون فِي إِسْنَاده شذوذ أَو عِلّة تعلله وَلأَجل ذَلِك لَا يَصح بِهِ الْمَتْن فَإِن أطلق عَلَيْهِ أَنه إِسْنَاد صَحِيح فَلَا بالتفسير الَّذِي ذكرته بل بِمَعْنى أَن رجال إِسْنَاده عدُول ثِقَات هَذَا فَحسب وَمَا بعد هَذَا لَا يمس مَا ذكرته إِلَّا قَوْلهم فِي بعض الْأَحَادِيث أَنه مَوْضُوع وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَام الَّذِي ذكرته إِنْكَار لذَلِك وَإِنَّمَا فِيهِ أَنه لَا يُسْتَفَاد وَلَا يفهم من قَوْلهم هَذَا الحَدِيث غير صَحِيح أَكثر من أَنه لم يَصح لَهُ إِسْنَاد على الشَّرْط الْمَذْكُور وَهَذَا كَذَلِك لِأَن هَذَا الْكَلَام لَا يظْهر من مَعْنَاهُ أَنه كذب فِي نفس الْأَمر وَمهما أردنَا أَن نذْكر أَنه كذب فِي نفس الْأَمر احتجنا إِلَى
@ زِيَادَة لفظ مثل أَن يَقُول هُوَ مَوْضُوع أَو كذب أَو نَحْو ذَلِك وَالله أعلم قولي لم يَصح اسناده عَام أَي لم يَصح لَهُ أسناد وَالله أعلم 26 - مَسْأَلَة فِي رجل يقْرَأ الحَدِيث على الْمُحدث وَيَقُول فِي كل حَدِيث وبالاسناد حَدثنَا فلَان عَن فلَان وَلَا يَقُول قَالَ حَدثنَا فَهَل يَصح هَذَا السماع أم لَا أجَاب رَضِي الله عَنهُ هَذَا خطأ من فَاعله وَأما بطلَان السماع بِهِ فَفِيهِ احْتِمَال وَالْأَظْهَر أَنه لايبطل من حَيْثُ أَن حذف القَوْل اختصارا مَعَ كَونه مُقَدرا فِي كثير من كتاب الله تَعَالَى وَغَيره وَالله أعلم 27 - مَسْأَلَة رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَ وَدِرْعه مَرْهُونَة عِنْد يَهُودِيّ على صَاع أَو صَاعَيْنِ من شعير وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَ وَله حصون وَأَرْض فَهَل هَذِه الْأَحَادِيث صِحَاح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَ وَهُوَ فَقير بينوا لنا أَدِلَّة مَوته على الْفقر والكلمات الَّتِي علمهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للْفُقَرَاء ففضلوا على الْأَغْنِيَاء بِتِلْكَ الْكَلِمَات وَغَيرهَا من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَالَّذِي ذهب من الْعلمَاء الى أَن الْفَقِير الصابر أَعلَى من الْغَنِيّ الشاكر من هُوَ من الْعلمَاء أجَاب رَضِي الله عَنهُ روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عَائِشَة
@ رَضِي الله عَنْهَا قَالَت توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودرعة مَرْهُونَة عِنْد يَهُودِيّ بِثَلَاثِينَ صَاعا من شعير وَكَانَ لَهُ مِمَّا أَفَاء الله تبَارك وَتَعَالَى أراض بِخَيْبَر وفدك وَغَيرهمَا وَكَانَت معدة لنوائبه وَلم تورث مِنْهُ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّا لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة وكل هَذَا صَحِيح وَلَا تنَاقض فِيهِ