بَاب الْوَقْف
إِذا وقف شَيْئا على الْفُقَرَاء فافتقر الْوَاقِف لَا يصرف إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ كل وقف يمتلك مِنْهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ شَيْئا من غلَّة أَو ثَمَرَة فَلَا ينْصَرف إِلَى الْوَاقِف وَإِن كَانَ بِتِلْكَ الصّفة بِخِلَاف مَا لَو وقف رِبَاطًا على الْمَارَّة والمسافرين قَالَ يجوز للْوَاقِف نُزُوله إِذا كَانَ مُسَافِرًا لِأَن ذَلِك الِاسْتِحْقَاق لَيْسَ اسْتِحْقَاق تملك كَمَا لَو وقف مَسْجِدا لَهُ أَن يُصَلِّي فِيهِ أَو مَقْبرَة جَازَ أَن يدْفن فِيهِ الْوَاقِف 856 - مَسْأَلَة ذمِّي اتخذ مَسْجِدا جَازَ وَإِن لم يكن قربه فِي اعْتِقَاده كَمَا لَو بنى رِبَاطًا للْمُسلمين اعْتِبَارا باعتقاد الْإِسْلَام كَمَا بيع الشَّحْم يجوز وَإِن كَانَ لَا يعْتَقد جَوَازه اعْتِبَارا باعتقاد الْإِسْلَام وَيحْتَمل أَن لَا تصح وَصِيَّة الذِّمِّيّ بِبِنَاء الْمَسْجِد وَلَا يَصح وَقفه الْمَسْجِد لِأَن الْوَصِيَّة وَالْوَقْف إِنَّمَا يجوز فِيمَا يكون عِنْد الْمُوصي قربَة أَو عِنْد الْوَاقِف وَهُوَ لَا يَعْتَقِدهُ قربَة وَلَا هُوَ قربَة عِنْد الله لِأَن الله تَعَالَى لَا يقبل مِنْهُ ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله﴾ فَكيف يجوز أَن يعمر ويتخذ ملكه مَسْجِدا وَهَذَا بِخِلَاف الْعتْق وَالتَّدْبِير يَصح مِنْهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يَعْتَقِدهُ قربَة وَهُوَ عندنَا قربَة جَازَ وَلَو قَالَ وقفت هَذَا على أَن يطعم الْمَسَاكِين على رَأس قبر أبي وَأَبوهُ ميت صَحَّ 857 - مَسْأَلَة إِذا قَالَ وقفت هَذَا على فُقَرَاء أَوْلَادِي وَلَا فَقير فِي وَلَده وَجب أَن لَا يَصح كَمَا لَو قَالَ على مَسْجِد بَيْتِي فَإِن كَانَ فيهم فُقَرَاء وأغنياء صَحَّ وَمن افْتقر نفذ وَصرف إِلَيْهِ 858 - مَسْأَلَة إِذا وقف مدرسة على أَصْحَاب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ شَرط أَن يكون فلَان مدرسها أَو قَالَ حَالَة الْوَقْف فوضت التدريس إِلَى فلَان فَهُوَ لَازم وَلَا يبْذل الْمدرس كَمَا لَو قَالَ وقفت هَذَا على أَوْلَادِي الْفُقَرَاء لَا يُبدل إِلَى الْأَغْنِيَاء أما إِذا تمّ الْوُقُوف ثمَّ قَالَ لوَاحِد من الْعلمَاء اذْهَبْ فدرس أَو
@ أَن تدريسه مفوض إِلَيْهِ لَهُ تبديله وتغييره كَمَا لَو نصب بعدالوقف خَادِمًا لعمل الْمدرسَة لَهُ تبديله وَلَو نصب قيمًا لَهُ تبديله وَبعد موت الْوَاقِف إِذا كَانَ قد نصب قيمًا لَا يُبدل 859 - مَسْأَلَة إِذا وقف مرجلا يسْتَعْمل فِيمَا جرت الْعَادة بِاسْتِعْمَال فِيهِ مثل غسل الثِّيَاب فَلَا يسْتَعْمل فِي الطَّبْخ والطبخير يسْتَعْمل فِي الطَّبْخ دون الغسيل وَلَو تكسر وَأَرَادَ أَن يتَبَرَّع مُتَبَرّع بإصلاحه وابتياع جُزْء مِنْهُ لينفق عَلَيْهِ ويتخذ اصغر مِنْهُ يجوز أَن يتَّخذ شَيْء آخر من مغرفة وَنَحْوهَا فَإِن كَانَ مرجلان موقوفان على محلّة فكسرا وَصَارَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِحَيْثُ لَا يُمكن أَن يتَّخذ مِنْهُ مرجل صَغِير يجوز أَن تجمع بَينهمَا فيتخذ مِنْهُمَا جَمِيعًا مرجل وَاحِد بِحَيْثُ لَا يَجِيء مِنْهُ مرجل وَلَا مغرفة وَلَو جمع بَينهمَا يحصل مِنْهُ مغرفة جَازَ أَن يَجْعَل مغرفة بالتجميع وَإِن كَانَ مرجل مَوْقُوف على محلّة أُخْرَى لَا يجوز الْجمع بل كل وَاحِد يتَّخذ مغرفة لمحلته فَإِن لم يتأت من كل وَاحِد شَيْء أصلا قَالَ حِينَئِذٍ لَا بَأْس أَن تجمع بَينهمَا فيتخذ مِنْهُ مغرفة ثمَّ أهل كل محلّة يستعملونه على التَّسَاوِي وَمَا دَامَت الْمحلة أَهله لَا يجوز النَّقْل إِلَى الْأُخْرَى كأجزاء الْمَسْجِد لَا ينْقل إِلَى مَسْجِد آخر مَا دَامَ الْمَسْجِد مَا هُوَ لَهُ 860 - مَسْأَلَة سُئِلَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ عَن نقش الْمَسْجِد وجداره من غلَّة وقف الْمَسْجِد هَل يجوز للقيم قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ الإِمَام لَا يجوز وَيغرم إِن فعل وَإِن فعله رجل بِمَال نَفسه يكره لِأَن فِيهِ شغل قلب الْمُصَلِّي قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي خميصة معلمة شغلني أَعْلَام هَذِه 861 - مَسْأَلَة وَكَانَ هُوَ ملك الْمَسْجِد هَل يجوز أم يَجْعَل مَسْجِدا قَالَ لَا
@ يجوز كَمَا لَا يجوز إِعْتَاق عبد الْمَسْجِد والحشيش إِذا نبت فِي الْمَسْجِد هَل يجوز أَن يُؤْخَذ ويعلف الدَّوَابّ قَالَ إِن كَانَ لَهُ قيمَة لَا يجوز إِلَّا بِعرْض يُعْطي عَلَيْهِ وَإِن لم تكن لَهُ قيمَة يجوز وَإِذا غرس فِي الْمَسْجِد شَجَرَة قَالَ لَا يجوز الْغَرْس فِي الْمَسْجِد وتقلع وَتَكون لمن غرسها فَإِن ملكهَا الْمَسْجِد وَقبل الْقيم يصير ملكا لِلْمَسْجِدِ 862 - مَسْأَلَة رجل وقف شَيْئا على عَائِشَة وَفَاطِمَة ابْنَتي عَليّ بن مُحَمَّد ابْن مُوسَى مَا عاشا ثمَّ على أولادهما وَأَوْلَاد أولادهما مَا تَنَاسَلُوا أَو تَوَالَدُوا بَطنا بعد بطن وقرنا بعد قرن وكل من مَاتَ مِنْهُم وأعقب صرفت حِصَّته من ذَلِك إِلَى عقبَة وَمن لم يعقب صرفت حِصَّته إِلَى من فِي دَرَجَته أَو أقرب فَإِن لم يبْق أحد مِنْهُمَا وَلَا فِي عقبيهما رَجَعَ الْوَقْف إِلَى فُقَرَاء قَرَابَات الْوَاقِف من قبل أَبِيه وَأمه فَإِن انقرضوا وَلم يبْق مِنْهُم أحد فعلى فُقَرَاء الْمُسلمين فَمَاتَتْ فَاطِمَة وَلَا نسل لَهَا وَلَا عقب فَمَاتَ عائشتة وخلفت ابْنا يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَحْمُود فَمَاتَ مُحَمَّد وَخلف ابْنا يُقَال لَهُ أَبُو الْفضل وبنتا يُقَال لَهَا غَالِيَة فَمَاتَ أَبُو الْفضل وَلَا نسل لَهُ وَمَاتَتْ غَالِيَة وخلفت ابْنا يُقَال لَهُ أَبُو عَمْرو بن أبي مَنْصُور فَرجع الْوَقْف كُله إِلَيْهِ وَولد لَهُ أَوْلَاد مُحَمَّد وَعلي وغالية وَعَائِشَة فَمَاتَتْ عَائِشَة وأبوها حَيّ ثمَّ مَاتَ أَبُو عَمْرو عَن ثَلَاثَة أَوْلَاد مُحَمَّد وَعلي وغالية وولدين من ابْنَته عَائِشَة الَّتِي مَاتَت قبل أَبِيهَا ثمَّ مَاتَ أَوْلَاده الْبَاقُونَ وَخلف كل وَاحِد مِنْهُم أَوْلَادًا هَل يستبد بريع هَذَا الْوَقْف أَوْلَاد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذين مَوْتهمْ بعد موت أَبِيهِم أم يشاركهم أَوْلَاد عَائِشَة الَّتِي مَاتَت قبل أَبِيهَا لِأَن الْكل الْيَوْم فِي دَرَجَة وَاحِدَة قَالَ لَا يشاركهم أَوْلَاد عَائِشَة 863 - مَسْأَلَة رجل وقف خَانا على قوم فانهدم وَلم يبْق من الخان شَيْء فأجر الْمُتَوَلِي عرصته من إِنْسَان أَرْبَعِينَ سنة ليبني فِيهَا فَبنى ثمَّ الْبَانِي وقف عِمَارَته على جمَاعَة أُخْرَى من غير الْأَوَّلين قَالَ لَا يَصح الْوَقْف بل بعد مُضِيّ الْمدَّة الْمُسْتَأْجرَة يَأْخُذهَا مُتَوَلِّي الْوَقْف الأول وَيرد أجرتهَا إِلَى الْمُسْتَأْجر فَتكون الْعِمَارَة فِي حكم الْوَقْف الأول فَلَو كَانَ الْمُسْتَأْجر أَدخل فِيهَا شَيْئا من آلاته
@ فَأَرَادَ أَن يرفعها وَيضمن أرش النُّقْصَان الَّذِي دخل الأَرْض لَهُ ذَلِك وَلَيْسَ للمتولي أَن يقْلع وَيغرم أرش النُّقْصَان وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو أعَار أَو أجر سطحه من إِنْسَان أَو أرضه ليبني فِيهَا فَبنى فَبعد مُضِيّ الْمدَّة لَهُ قلعهَا وَيضمن أرش النُّقْصَان لِأَنَّهُ ملكه وَله تفريغها وَهَا هُنَا الْقلع لَيْسَ من مصلحَة الْوَقْف فَإِنَّهُ مَأْمُور بِأَن يَبْنِي فِيهَا من أُجْرَة الْمَوْقُوف أُحِيل للموقف الأول وَهَذَا لِأَن من وقف دَارا صَار هَواهَا فِي حكم الْوَقْف إِلَى السَّمَاء وَلذَلِك لَا يجوز للْغَيْر الْبناء على سطرح الدَّار الْمَوْقُوفَة قَالَ وَكَذَلِكَ لَو أجر أرضه للغرس فغرس لَيْسَ للْمُسْتَأْجر وقف الْغِرَاس لِأَن مَالك الأَرْض بعد مُضِيّ مُدَّة الْإِجَارَة حق التَّمَلُّك ثمَّ لَو رَضِي مَالك الأَرْض جَازَ وَقفه وَهَا هُنَا لَا يجوز لِأَنَّهُ ملك فَهُوَ كالمشتري إِذا وقف الأَرْض الَّتِي تبنى فِيهَا الشُّفْعَة فَإِن أَرغب الشَّفِيع فِي أَخذهَا أَخذهَا ورد الْوَقْف وَإِن ترك الشُّفْعَة كَانَ وَقفا