فتاوى ابن الصلاح
- عَلَم: ابن الصلاح
- الكتاب: فتاوى ابن الصلاح
- المؤلف: عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)
- المحقق: د. موفق عبد الله عبد القادر
- الناشر: مكتبة العلوم والحكم , عالم الكتب - بيروت
- الطبعة: الأولى، 1407
- عدد الأجزاء: 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
@ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم رَبنَا أتمم لنا نورنا وأغفر لنا إِنَّك على كل شَيْء قدير قَالَ العَبْد الْفَقِير عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح غفر الله لَهُ وَلَهُم الْحَمد لله الَّذِي كرم هَذِه الْأمة بالشريعة السمحة الطاهرة وأيدها بالحجج الباهرة الْقَاهِرَة ووطدها بالقواعد المتظاهرة المتناثرة ونورها بالأوضاع المتناسبة المتازرة أَحْمَده على نعمه الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة وأصلي على رَسُوله مُحَمَّد وَسَائِر النَّبِيين وَالصَّالِحِينَ وَأسلم صَلَاة وتسليما متواصلي الصلات فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة آمين هَذَا وَلما عظم شَأْن الْفَتْوَى فِي الدّين وتسنم الْمفْتُون مِنْهُ سَنَام
@ السناء وَكَانُوا قرات الْأَعْين لَا تسلم بهم على كثرتهم أعين الإستواء فنعق بهم فِي أعصارنا ناعق الفناء وتفانت بتفانيهم أندية ذَاك الْعَلَاء على أَن الأَرْض لَا تَخْلُو من قَائِم بِالْحجَّةِ إِلَى أَوَان الإنتهاء رَأَيْت أَن أستخير الله تَعَالَى وَأَسْتَعِينهُ وأستهديه وأستوفقه وأتبرأ من الْحول وَالْقُوَّة إِلَّا بِهِ فِي تأليف كتاب فِي الْفَتْوَى لَائِق بِالْوَقْتِ أفْصح فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى عَن شُرُوط الْمُفْتِي وأوصافه وَأَحْكَامه وَعَن صفة المستفتي وَأَحْكَامه وَعَن كَيْفيَّة الْفَتْوَى والاستفتاء وآدابها جَامعا فِيهِ شَمل نفائس ألتقطها من خبايا الروايا وخفايا الزوايا ومهمات تقر بهَا أعين أَعْيَان الْفُقَهَاء وَيرْفَع من قدرهَا من كثرت مطالعاته من الفهماء وتبادر إِلَى تَحْصِيلهَا كل من أرتفع عَن حضيض الضُّعَفَاء مقدما فِي أَوله بَيَان شرف مرتبَة الْفَتْوَى وخطرها والتنبيه على آفاتها وعظيم غررها ليعلم المقصر عَن شأوها المتجاسر عَلَيْهَا أَنه على النَّار يسجر وليعرف متعاطيها المضيع شَرطهَا أَنه لنَفسِهِ يضيع ويخسر وليتقاصر عَنْهَا القاصرون الَّذين إِذا انتزعوا على منصب تدريس واختلسوا ذَروا من تَقْدِيم وترييس جانبوا جَانب المحترس ووثبوا على الْفتيا وثبة المفترس اللَّهُمَّ فعافنا واعف عَنَّا وأحلنا مِنْهَا بِالْمحل المغبوط وَلَا تحلنا مِنْهَا بِالْمحل المغموط وَاجعَل نعانيه مِنْهَا على وفْق هداك وسببا واصلا بَيْننَا وَبَين رضاك إِنَّك الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
@ بَيَان شرف مرتبَة الْفَتْوَى وخطرها وغررها روينَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو عبد الله ابْن مَاجَه الْقزْوِينِي فِي كتبهمْ الْمُعْتَمدَة فِي السّنَن من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء) فَأثْبت للْعُلَمَاء خصيصة فاقوا بهَا سَائِر الْأمة وَمَا هم بصدده من أَمر الْفَتْوَى يُوضح تحققهم بِذَاكَ للمستوضح وَلذَلِك قيل فِي الْفتيا إِنَّهَا توقيع عَن الله تبَارك وَتَعَالَى وَقد أخبرنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو بكر مَنْصُور بن عبد الْمُنعم الفراوي قِرَاءَة عَلَيْهِ بنيسابور قَالَ أخبرنَا أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي قَالَ أخبرنَا الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَأَبُو سعيد بن أبي عَمْرو قَالَا أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن هِلَال بن الْفُرَات ببيروت حَدثنَا أَحْمد بن أبي الحراوي حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ
@ ((إِن الْعَالم بَين الله وَبَين خلقه فَلْينْظر كَيفَ يدْخل بَينهم)) وَفِيمَا يرويهِ عَن سهل بن عبد الله التسترِي وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ أحد الصَّالِحين المعروفين بالمعارف والكرامات أَنه قَالَ من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى مجَالِس الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فَلْينْظر الى مجَالِس الْعلمَاء يَجِيء الرجل فَيَقُول يَا فلَان إيش تَقول فِي رجل حلف على امْرَأَته بِكَذَا وَكَذَا فَيَقُول طلقت امْرَأَته وَهَذَا مقَام الْأَنْبِيَاء فاعرفوا لَهُم ذَلِك وَلما ذَكرْنَاهُ هاب الْفتيا من هابها من أكَابِر الْعلمَاء العاملين وأفاضل السالفين والخالفين وَكَانَ أحدهم لَا يمنعهُ شهرته بِالْإِمَامَةِ واضطلاعه بِمَعْرِِفَة المعضلات فِي اعْتِقَاد من يسْأَله من الْعَامَّة من أَن يدافع بِالْجَوَابِ أَو يَقُول لَا أَدْرِي أَو يُؤَخر الْجَواب إِلَى حِين يدْرِي
@ فروينا عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى أَنه قَالَ ادركت عشْرين وَمِائَة من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْأَل أحدهم عَن الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول وَفِي رِوَايَة مَا مِنْهُم من أحد يحدث بِحَدِيث إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ إِيَّاه وَلَا يستفتى عَن شَيْء إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ الْفتيا وروينا عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ من أفتى النَّاس فِي كل مَا يستفتونه فَهُوَ مَجْنُون وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا نَحوه
@ وروينا عَن أبي حُصَيْن الْأَسدي أَنه قَالَ إِن أحدكُم ليفتي فِي الْمَسْأَلَة وَلَو وَردت على عمر بن الْخطاب لجمع لَهَا أهل بدر وَرُوِيَ عَن الْحسن وَالشعْبِيّ مثله وَأخْبرنَا الشَّيْخ الْأَصِيل أَبُو الْقَاسِم مَنْصُور بن أبي الْمَعَالِي بنيسابور قَالَ أخبرنَا أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الصفار يَقُول سَمِعت عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول سَمِعت مَالك بن أنس يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عجلَان يَقُول ((إِذا أغفل الْعَالم لَا أَدْرِي أُصِيب مقاتله))
@ هَذَا إِسْنَاد جليل عَزِيز جدا لِاجْتِمَاع أَئِمَّة الْمذَاهب الثَّلَاثَة فِيهِ بَعضهم عَن بعض وروى مَالك مثل ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَذكر الْحَافِظ أَبُو عمر بن عبد الْبر الأندلسي عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنْهُم أَنه جَاءَهُ رجل فَسَأَلَهُ عَن شَيْء فَقَالَ الْقَاسِم لَا أحْسنه فَجعل الرجل يَقُول إِنِّي وقفت إِلَيْك لَا أعرف غَيْرك فَقَالَ الْقَاسِم لَا تنظر إِلَى طول لحيتي وَكَثْرَة النَّاس حَولي وَالله مَا أحْسنه فَقَالَ شيخ من قُرَيْش جَالس إِلَى جنبه يَا ابْن أخي الزمها فوَاللَّه مَا رَأَيْتُك فِي مجْلِس أنبل مِنْك الْيَوْم فَقَالَ الْقَاسِم وَالله لِأَن يقطع لساني أحب الي من أَن أَتكَلّم بِمَا لَا علم لي بِهِ
@ وروى أَبُو عمر عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَسَحْنُون بن سعيد قَالَا أجسر النَّاس على الْفتيا أقلهم علما وروينا عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ جَاءَ رجل إِلَى مَالك بن أنس
@ يسْأَله عَن شَيْء أَيَّامًا مَا يجِيبه فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله إِنِّي أُرِيد الْخُرُوج وَقد طَال التَّرَدُّد إِلَيْك قَالَ فَأَطْرَقَ طَويلا ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ مَا شَاءَ الله يَا هَذَا إِنِّي إِنَّمَا أَتكَلّم فِيمَا أحتسب فِيهِ الْخَيْر وَلست أحسن مسألتك هَذِه وَرُوِيَ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه سُئِلَ فِي مَسْأَلَة فَسكت فَقيل لَهُ أَلا تجيب رَحِمك الله فَقَالَ حَتَّى أَدْرِي الْفضل فِي سكوتي أَو فِي الْجَواب وروينا عَن أبي بكر الْأَثْرَم قَالَ سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يستفتى فيكثر أَن يَقُول لَا أَدْرِي وَذَلِكَ من أعرف الْأَقَاوِيل فِيهِ وبلغنا عَن الْهَيْثَم بن جميل قَالَ شهِدت مَالك بن أنس سُئِلَ عَن ثَمَان وَأَرْبَعين مَسْأَلَة فَقَالَ فِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا لَا أَدْرِي وَعَن مَالك أَيْضا أَنه رُبمَا كَانَ يسْأَل عَن خمسين مَسْأَلَة فَلَا يُجيب فِي وَاحِدَة مِنْهَا وَكَانَ يَقُول من أجَاب فِي مَسْأَلَة فَيَنْبَغِي من قبل أَن يُجيب فِيهَا أَن يعرض نَفسه على الْجنَّة وَالنَّار وَكَيف يكون خُلَاصَة فِي الْآخِرَة ثمَّ يُجيب فِيهَا وَعنهُ أَنه سُئِلَ فِي مَسْأَلَة فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقيل لَهُ إِنَّهَا مَسْأَلَة خَفِيفَة سهلة فَغَضب وَقَالَ لَيْسَ فِي الْعلم شَيْء خَفِيف أما سَمِعت قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾
@ فالعلم كُله ثقيل وبخاصة مَا يسْأَل عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ إِذا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تصعب عَلَيْهِم الْمسَائِل وَلَا يُجيب أحد مِنْهُم فِي مَسْأَلَة حَتَّى يَأْخُذ رَأْي صَاحبه مَعَ مَا رزقوا من السداد
@ والتوفيق مَعَ الطَّهَارَة فَكيف بِنَا الَّذين غطت الْخَطَايَا والذنُوب قُلُوبنَا وَعَن سعيد بن الْمسيب رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه كَانَ لَا يكَاد يُفْتِي فتية وَلَا يَقُول شَيْئا إِلَّا قَالَ اللَّهُمَّ سلمني وَسلم مني وَجَاء عَن أبي سعيد عبد السَّلَام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون إِمَام الْمَالِكِيَّة وَصَاحب الْمُدَوَّنَة الَّتِي هِيَ عِنْد المالكيين ككتاب الْأُم عِنْد الشافعيين أَنه قَالَ أَشْقَى النَّاس من بَاعَ آخرته بدنياه وأشقى مِنْهُ من بَاعَ آخرته بدنيا غَيره قَالَ ففكرت فِيمَن بَاعَ آخرته بدنيا غَيره فَوَجَدته الْمُفْتِي يَأْتِيهِ الرجل قد حنث فِي امْرَأَته ورقيقه فَيَقُول لَهُ لَا شَيْء عَلَيْك فَيذْهب الحانث فيتمتع بامرأته ورقيقه وَقد بَاعَ الْمُفْتِي دينه بدنيا هَذَا وَعَن سَحْنُون أَن رجلا أَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَن مَسْأَلَة فَأَقَامَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام مَسْأَلَتي أصلحك الله الْيَوْم ثَلَاثَة أَيَّام فَقَالَ لَهُ وَمَا أصنع لَك يَا خليلي مسألتك معضلة وفيهَا أقاويل وَأَنا متحير فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُ وَأَنت أصلحك الله لكل معضلة فَقَالَ لَهُ سَحْنُون هَيْهَات يَا ابْن أخي لَيْسَ بِقَوْلِك هَذَا أبذل لَك لحمي وَدمِي إِلَى النَّار مَا أَكثر مَا لَا أعرف إِن صبرت رَجَوْت أَن تنْقَلب
@ بمسألتك وَإِن أردْت أَن تمْضِي إِلَى غَيْرِي فَامْضِ تجاب فِي سَاعَة فَقَالَ لَهُ إِنَّمَا جِئْت إِلَيْك وَلَا أستفتي غَيْرك فَقَالَ لَهُ فاصبر عافاك الله ثمَّ أَجَابَهُ بعد ذَلِك وَقد كَانَ فيهم رَضِي الله عَنْهُم من يتباطأ بِالْجَوَابِ عَمَّا هُوَ فِيهِ غير مستريب ويتوقف فِي الْأَمر السهل الَّذِي هُوَ عَنهُ مُجيب بلغنَا عَمَّن سمع سَحْنُون بن سعيد يروي على من يعجل الْفَتْوَى وَيذكر النَّهْي عَن ذَلِك عَن الْمُتَقَدِّمين من معلميه وَقَالَ إِنِّي لأسأل عَن الْمَسْأَلَة فأعرفها وَأعرف فِي أَي كتاب هِيَ وَفِي أَي ورقة وَفِي أَي صفحة وعَلى كم بنيت من السطور فَمَا يَمْنعنِي من الْجَواب فِيهَا إِلَّا كَرَاهَة الجرأة بعدِي على الْفَتْوَى وبلغنا عَن الْخَلِيل بن أَحْمد أَنه كَانَ يَقُول إِن الرجل ليسأل عَن الْمَسْأَلَة ويعجل فِي الْجَواب فَيُصِيب فأذمه وَيسْأل عَن مَسْأَلَة فيتثبت فِي الْجَواب فيخطئ فأحمده وَرُوِيَ عَن سَحْنُون بن سعيد أَنه قيل لَهُ إِنَّك لتسأل عَن الْمَسْأَلَة لَو سُئِلَ عَنْهَا أحد من أَصْحَابك لأجاب فِيهَا فتترجح فِيهَا وتتوقف فَقَالَ إِن فتْنَة الْجَواب بِالصَّوَابِ أَشد من فتْنَة المَال رَضِي الله عَنهُ وَلما ذكره تلفت إِلَى نَحْو مَا بلغنَا عَن القَاضِي أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد ابْن حبيب الْمَاوَرْدِيّ أحد المصنفين الشافعيين قَالَ صنفت فِي الْبيُوع
@ كتابا جمعت لَهُ مَا اسْتَطَعْت من كتب النَّاس وأجهدت فِيهِ نَفسِي وكددت فِيهِ خاطري حَتَّى إِذا تهذب واستكمل وكدت أعجب بِهِ وتصورت أنني أَشد النَّاس اطلاعا بِعِلْمِهِ حضرني وَأَنا فِي مجلسي أَعْرَابِيَّانِ فسألاني عَن بيع عقداه فِي الْبَادِيَة على شُرُوط تَضَمَّنت أَربع مسَائِل لم أعرف لشَيْء مِنْهَا جَوَابا فأطرقت مفكرا وبحالي وحالهما مُعْتَبرا فَقَالَا أما عنْدك فِيمَا سألناك جَوَاب وَأَنت زعيم هَذِه الْجَمَاعَة قلت لَا فَقَالَا إيها لَك وانصرفا ثمَّ أَتَيَا من قد يتقدمه فِي الْعلم كثير من أَصْحَابِي فَسَأَلَاهُ فأجابهما مسرعا بِمَا أقنعهما فآنصرفا عَنهُ راضيين بجوابه مادحين لعلمه فَبَقيت مرتبكا وَإِنِّي لعلى مَا كنت عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمسَائِل إِلَى وقتي فَكَانَ ذَلِك لي زاجر نصيحة ونذير عظة
@ وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ أحد الْأَئِمَّة الشافعيين ثمَّ أَبُو بكر الْخَطِيب الْحَافِظ الْفَقِيه الشَّافِعِي الإِمَام فِي علم الحَدِيث قل من حرص على الْفَتْوَى وسابق إِلَيْهَا وثابر عَلَيْهَا إِلَّا قل توفيقه وآضطرب فِي أمره وَإِذا كَانَ كَارِهًا لذَلِك غير مُخْتَار لَهُ مَا وجد مندوحة عَنهُ وَقدر أَن يحِيل بِالْأَمر فِيهِ على غَيره كَانَت المعونة لَهُ من الله أَكثر وَالصَّلَاح فِي جَوَابه وفتاويه أغلب قَالَ ذَلِك الصَّيْمَرِيّ أَولا ثمَّ تَلقاهُ عَنهُ الْخَطِيب فَقَالَ لَهُ فِي بعض تصانيفه وروى بِإِسْنَادِهِ عَن بشر بن الْحَارِث أَنه قَالَ من أحب أَن يسْأَل فَلَيْسَ بِأَهْل أَن يسْأَل وَذكر أَبُو عبد الله الْمَالِكِي فِيمَا جمعه من مَنَاقِب شَيْخه أبي الْحسن الْقَابِسِيّ الإِمَام الْمَالِكِي أَنه كَانَ لَيْسَ شَيْء أَشد عَلَيْهِ من الْفَتْوَى وَأَنه
@ قَالَ لَهُ عَشِيَّة من العشايا مَا آبتلي أحد بِمَا إبتليت بِهِ أَفْتيت الْيَوْم فِي عشر مسَائِل قلت قَول الله تبَارك وَتَعَالَى وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لايفلحون مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم شَامِل بِمَعْنَاهُ لمن زاغ فِي فتواه فَقَالَ فِي الْحَرَام هَذَا حَلَال أَو فِي الْحَلَال هَذَا حرَام أَو نَحْو ذَلِك وَفِيمَا رَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر الْحَافِظ بِإِسْنَادِهِ عَن مَالك قَالَ أَخْبرنِي رجل أَنه دخل على ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن فَوَجَدَهُ يبكي فَقَالَ لَهُ مَا
@ يبكيك وارتاع لبكائه فَقَالَ لَهُ أَمُصِيبَة دخلت عَلَيْك فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي أستفتي من لَا علم لَهُ وَظهر فِي الْإِسْلَام أَمر عَظِيم قَالَ ربيعَة وَبَعض من يُفْتِي هَهُنَا أَحَق بالسجن من السراق رحم الله ربيعَة كَيفَ لَو أدْرك زَمَاننَا وَمَا شَاءَ الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
@ القَوْل فِي شُرُوط الْمُفْتِي وَصِفَاته وَأَحْكَامه وآدابه أما شُرُوطه وَصِفَاته فَهُوَ أَن يكون مُكَلّفا مُسلما ثِقَة مَأْمُونا منزها من أَسبَاب الْفسق ومسقطات الْمُرُوءَة لِأَن من لم يكن كَذَلِك فَقَوله غير صَالح للإعتماد وَإِن كَانَ من أهل الإجتهاد وَيكون فَقِيه النَّفس سليم الذِّهْن رصين الْفِكر صَحِيح التَّصَرُّف والإستنباط متيقظا ثمَّ يَنْقَسِم وَرَاء هَذَا إِلَى قسمَيْنِ مُسْتَقل وَغير مُسْتَقل
الْقسم الاول الْمُفْتِي المستقل وَشَرطه أَن يكون مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ قيمًا بِمَعْرِِفَة أَدِلَّة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَمَا الْتحق بهَا على التَّفْصِيل وَقد فصلت فِي كتب الْفِقْه وَغَيرهَا فتيسرت وَالْحَمْد لله عَالما بِمَا يشْتَرط
@ فِي الْأَدِلَّة ووجوه دلالاتها ويكفيه اقتباس الْأَحْكَام مِنْهَا وَذَلِكَ يُسْتَفَاد من علم أصُول الْفِقْه عَارِفًا من علم الْقُرْآن وَعلم الحَدِيث وَعلم النَّاسِخ والمنسوخ وَعلمِي النَّحْو واللغة وأختلاف الْعلمَاء وإنفاقهم بِالْقدرِ الَّذِي
@ يتَمَكَّن بِهِ من الْوَفَاء بِشُرُوط الْأَدِلَّة والاقتباس مِنْهَا ذَا دربة وآرتياض فِي اسْتِعْمَال ذَلِك عَالما بالفقه ضابطا لأمهات مسَائِله وتفاريعه المفروغ من تمهيدها فَمن جمع هَذِه الْفَضَائِل فَهُوَ الْمُفْتِي الْمُطلق المستقل الَّذِي يتَأَدَّى بِهِ
@ فرض الْكِفَايَة وَأَن يكون مُجْتَهدا مُسْتقِلّا والمجتهد المستقل هُوَ الَّذِي يسْتَقلّ بِإِدْرَاك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة من غير تَقْلِيد وتقيد بِمذهب أحد وَفصل الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ صِفَات الْمُفْتِي ثمَّ قَالَ القَوْل الْوَجِيز فِي ذَلِك إِن الْمُفْتِي هُوَ المتمكن من دَرك أَحْكَام الوقائع على سبر من غير معاناة تعلم وَهَذَا الَّذِي قَالَه مُعْتَبر فِي الْمُفْتِي وَلَا يصلح حدا للمفتي وَالله أعلم تَنْبِيهَات الأول مَا اشترطناه فِيهِ من كَونه حَافِظًا لمسائل الْفِقْه لم يعد من شُرُوطه
@ فِي كثير من الْكتب الْمَشْهُورَة نظرا إِلَى أَنه لَيْسَ شرطا لمنصب الِاجْتِهَاد فَإِن الْفِقْه من ثمراته فَيكون مُتَأَخِّرًا عَنهُ وَشرط الشَّيْء لَا يتَأَخَّر عَنهُ واشترطه الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائيني وَصَاحبه أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ وَغَيرهمَا وَاشْتِرَاط ذَلِك فِي صفة الْمُفْتِي الَّذِي يتَأَدَّى بِهِ فرض الْكِفَايَة هُوَ الصَّحِيح وَإِن لم يكن كَذَلِك فِي صفة الْمُجْتَهد المستقل على تجرده كَأَن حَال الْمُفْتِي يَقْتَضِي اشْتِرَاط كَونه على صفة يسهل عَلَيْهِ مَعهَا إِدْرَاك أَحْكَام الوقائع على الْقرب من غير تَعب كثير وَهَذَا لَا يحصل لأحد من الْخلق إِلَّا بِحِفْظ إِلَّا بِحِفْظ أَبْوَاب الْفِقْه ومسائله ثمَّ لَا يشْتَرط أَن تكون جَمِيع الْأَحْكَام على ذهنه بل يَكْفِي أَن يكون حَافِظًا للمعظم مُتَمَكنًا من إِدْرَاك الْبَاقِي على الْقرب الثَّانِي هَل يشْتَرط فِيهِ أَن يعرف من الْحساب مَا يصحح بِهِ الْمسَائِل الحسابية الْفِقْهِيَّة
@ حكى أَبُو إِسْحَاق وَأَبُو مَنْصُور فِيهِ اخْتِلَافا للأصحاب وَالأَصَح أشتراطه لِأَن من الْمسَائِل الْوَاقِعَة نوعا لَا يعرف جَوَابه إِلَّا من جمع بَين الْفِقْه والحساب الثَّالِث إِنَّمَا يشْتَرط اجْتِمَاع الْعُلُوم الْمَذْكُورَة فِي الْمُفْتِي الْمُطلق فِي جَمِيع أَبْوَاب الشَّرْع أما الْمُفْتِي فِي بَاب خَاص من الْعلم نَحْو علم الْمَنَاسِك أَو علم الْفَرَائِض أَو غَيرهمَا فَلَا يشْتَرط فِيهِ جَمِيع ذَلِك وَمن الْجَائِز أَن ينَال الْإِنْسَان منصب الْفَتْوَى وَالِاجْتِهَاد فِي بعض الْأَبْوَاب دون بعض فَمن عرف الْقيَاس وطرقه وَلَيْسَ عَالما بِالْحَدِيثِ فَلهُ أَن يُفْتِي فِي مسَائِل قياسية يعلم أَنه لَا تعلق لَهَا بِالْحَدِيثِ وَمن عرف أصُول علم الْمَوَارِيث واحكامها جَازَ أَن يُفْتِي فِيهَا وَإِن لم يكن عَالما بِأَحَادِيث النِّكَاح وَلَا عَارِفًا بِمَا يجوز لَهُ الْفَتْوَى فِي غير ذَلِك من أَبْوَاب الْفِقْه قطع بِجَوَازِهِ الْغَزالِيّ وَابْن برهَان وَغَيرهمَا وَمِنْهُم من منع من ذَلِك مُطلقًا وَأَجَازَهُ أَبُو نصر بن الصّباغ غير أَنه خصصه بِبَاب الْمَوَارِيث قَالَ لِأَن الْفَرَائِض لَا تبنى على غَيرهَا من الْأَحْكَام فَأَما مَا عَداهَا من الْأَحْكَام فبعضه مُرْتَبِط بِبَعْض وَالأَصَح أَن ذَلِك لَا يخْتَص بِبَاب الْمَوَارِيث وَالله أعلم
@
الْقسم الثَّانِي
الْمُفْتِي الَّذِي لَيْسَ بمستقل مُنْذُ دهر طَوِيل طوي بِسَاط الْمُفْتِي المستقل الْمُطلق والمجتهد المستقل وأفضى أَمر الْفَتْوَى إِلَى الْفُقَهَاء المنتسبين إِلَى أَئِمَّة الْمذَاهب المتبوعة وللمفتي المنتسب أَحْوَال أَربع الأولى أَن لَا يكون مُقَلدًا لإمامه لَا فِي الْمَذْهَب وَلَا فِي دَلِيله لكَونه قد جمع الْأَوْصَاف والعلوم المشترطة فِي المستقل وَإِنَّمَا ينْسب إِلَيْهِ لكَونه سلك طَرِيقه فِي الِاجْتِهَاد ودعا إِلَى سَبيله وَقد بلغنَا عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإسفرائيني رَحمَه الله أَنه ادّعى هَذِه الصّفة لأئمة أَصْحَابنَا فَحكى عَن أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَدَاوُد وَأكْثر أَصْحَاب أبي حنيفَة رَحِمهم الله أَنهم صَارُوا إِلَى مَذَاهِب أئمتهم تقليدا لَهُم
@ ثمَّ قَالَ الصَّحِيح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا وَهُوَ أَنهم صَارُوا إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله لَا على جِهَة التَّقْلِيد لَهُ وَلَكِن لما وجدوا طَرِيقه فِي الِاجْتِهَاد والفتاوى أَسد الطّرق وأولاها وَلم يكن لَهُم يَد من الِاجْتِهَاد سلكوا طَرِيقه فِي الِاجْتِهَاد وطلبوا معرفَة الْأَحْكَام بِالطَّرِيقِ الَّذِي طلبَهَا الشَّافِعِي بِهِ قلت وَهَذَا الرَّأْي حَكَاهُ عَن أَصْحَابنَا وَاقع على وفْق مَا رسمه لَهُم الشَّافِعِي ثمَّ الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره وَفِي غَيره وَذكر الشَّيْخ أَبُو عَليّ السنجي شَبِيها بذلك فَقَالَ اتَّبعنَا قَول الشَّافِعِي دون قَول غَيره من الْأَئِمَّة لما وجدنَا قَوْله أصح الْأَقْوَال وأعدلها لَا أَنا قلدناه فِي قَوْله
@ قلت دَعْوَى انْتِفَاء التَّقْلِيد عَنْهُم مُطلقًا من كل وَجه لَا يَسْتَقِيم إِلَّا أَن يَكُونُوا قد أحاطوا بعلوم الإجتهاد الْمُطلق وفازوا برتبة الْمُجْتَهدين المستقلين وَذَلِكَ لَا يلائم الْمَعْلُوم من أَحْوَالهم أَو أَحْوَال أَكْثَرهم وَقد ذكر بعض الْأُصُولِيِّينَ منا أَنه لم يُوجد بعد عصر الشَّافِعِي مُجْتَهد مُسْتَقل وَحكى اخْتِلَافا بَين أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب أبي حنيفَة فِي أبي يُوسُف وَأبي مُحَمَّد الْمُزنِيّ وَابْن سُرَيج خَاصَّة هَل كَانُوا من الْمُجْتَهدين المستقلين أَو من الْمُجْتَهدين فِي الْمذَاهب وَلَا يُنكر دَعْوَى ذَلِك فيهم فِي فن من الْفِقْه دون فن بِنَاء على مَا قدمْنَاهُ فِي جَوَاز تَجْرِيد منصب الْمُجْتَهد المستقل وَيبعد جَرَيَان
@ ذَلِك الْخلاف فِي حق هَؤُلَاءِ المتبحرين الَّذين عَم نظرهم الْأَبْوَاب كلهَا فَإِنَّهُ لَا يخفى على أحدهم إِذا أكمل فِي بَاب مَالا يتَعَلَّق مِنْهُ بِغَيْرِهِ من الْأَبْوَاب الَّتِي لم يكمل فِيهَا لعُمُوم نظره وجولانه فِي الْأَبْوَاب كلهَا إِذا عرفت هَذَا ففتوى المستفتين فِي هَذِه الْحَالة فِي حكم فَتْوَى الْمُجْتَهد المستقل الْمُطلق يعْمل بهَا ويعتد بهَا فِي الْإِجْمَاع وَالْخلاف وَالله أعلم الْحَالة الثَّانِيَة أَن يكون فِي مَذْهَب إِمَامه مُجْتَهدا مُفِيدا فيستقل بتقرير مذاهبه بِالدَّلِيلِ غير أَنه لَا يتَجَاوَز فِي أدلته أصُول إِمَامه وقواعده وَمن شَأْنه أَن يكون عَالما بالفقه خَبِيرا بأصول الْفِقْه عَارِفًا بأدلة الْأَحْكَام تَفْصِيلًا بَصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني تَامّ الارتياض فِي التَّخْرِيج والإستنباط قيمًا بإلحاق مَا لَيْسَ بمنصوص عَلَيْهِ فِي مَذْهَب إِمَامه بأصول مذْهبه وقواعده وَلَا يعرى عَن شوب من التَّقْلِيد لَهُ لإخلاله بِبَعْض الْعُلُوم والأدوات الْمُعْتَبرَة فِي المستقل مثل أَن يخل بِعلم الحَدِيث أَو بِعلم اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَكَثِيرًا مَا وَقع الْإِخْلَال بِهَذَيْنِ العلمين فِي أهل الِاجْتِهَاد الْمُقَيد ويتخذ أصُول نُصُوص إِمَامه أصولا يستنبط مِنْهَا نَحْو مَا يَفْعَله المستقل بنصوص الشَّارِع وَرُبمَا مريه الحكم وَقد ذكره إِمَامه بدليله فيكتفي بذلك وَلَا يبْحَث هَل لذَلِك الدَّلِيل من معَارض وَلَا يَسْتَوْفِي النّظر فِي شُرُوطه كَمَا يَفْعَله المستقل وَهَذِه صفة أَصْحَاب الْوُجُوه والطرق فِي الْمَذْهَب وعَلى هَذِه الصّفة كَانَ أَئِمَّة أَصْحَابنَا أَو أَكْثَرهم وَمن كَانَ هَذَا شَأْنه فالعامل بفتياه مقلد لإمامة لاله معوله على صِحَة إِضَافَة مَا يَقُوله إِلَى إِمَامه لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إِلَى الشَّارِع وَالله أعلم تَنْبِيهَات الأول الَّذِي رَأَيْته من كَلَام الْأَئِمَّة يشْعر بِأَن من كَانَت هَذِه حَالَته فَفرض الْكِفَايَة لَا يتأد بِهِ وَوَجهه أَن مَا فِيهِ من التَّقْلِيد نقص وخلل فِي الْمَقْصُود وَأَقُول يظْهر أَنه يتَأَدَّى بِهِ فرض الْكِفَايَة فِي الْفَتْوَى وَإِن لم يتأد بِهِ فرض الْكِفَايَة فِي إحْيَاء الْعُلُوم الَّتِي مِنْهَا استمداد الْفَتْوَى لِأَنَّهُ قد قَامَ فِي فتواه مقَام إِمَام
@ مُطلق فَهُوَ يُؤَدِّي عَنهُ مَا كَانَ يتَأَدَّى بِهِ الْفَرْض حِين كَانَ حَيا قَائِما بِالْفَرْضِ فِيهَا والتفريع على الصَّحِيح فِي أَن تَقْلِيد الْمَيِّت جَائِز الثَّانِي قد يُؤْخَذ من الْمُجْتَهد الْمُقَيد الِاسْتِقْلَال بِالِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة خَاصَّة أَو فِي بَاب خَاص كَمَا تقدم فِي النَّوْع الَّذِي قبله وَالله أعلم الثَّالِث يجوز لَهُ أَن يُفْتِي فِيمَا لَا يجده من أَحْكَام الوقائع مَنْصُوصا عَلَيْهِ لإمامه بِمَا يُخرجهَا على مذْهبه هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل وَإِلَيْهِ مفزع الْمُفْتِينَ من مدد مديدة فالمجتهد فِي مَذْهَب الشَّافِعِي مثلا الْمُحِيط بقواعد مذْهبه المتدرب فِي مقاييسه وسبل متفرقاته وتنزل كَمَا قدمنَا ذكره فِي الْإِلْحَاق بمنصوصاته وقواعد مذْهبه منزلَة الْمُجْتَهد المستقل فِي إِلْحَاقه مَا لم ينص عَلَيْهِ الشَّارِع بِمَا نَص عَلَيْهِ وَهَذَا أقدر على هَذَا من ذَاك على ذَاك فَإِن هَذَا يجد فِي مَذْهَب إِمَامه من الْقَوَاعِد الممهدة والضوابط المهذبة مَا لَا يجده المستقل فِي أصُول الشَّرْع ونصوصه ثمَّ إِن المستفتي فِيمَا يفتيه بِهِ من تَخْرِيجه هَذَا مقلد لإمامه لَا لَهُ قطع بِهَذَا الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي ابْن الْجُوَيْنِيّ فِي كِتَابه الغياثي وَأَنا أَقُول يَنْبَغِي أَن يخرج هَذَا على خلاف حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي أَن مَا يُخرجهُ أَصْحَابنَا رَحِمهم الله على مَذْهَب الشَّافِعِي
@ رَحمَه الله هَل يجوز أَن ينْسب إِلَيْهِ وَاخْتَارَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق أَنه لَا يجوز أَن ينْسب إِلَيْهِ وَالله أعلم الرَّابِع تَخْرِيجه تَارَة يكون من نَص معِين لإمامه فِي مَسْأَلَة مُعينَة وَتارَة لَا
@ يجد لإمامه نصا معينا يخرج مِنْهُ فَيخرج على وفْق أُصُوله بِأَن يجد دَلِيلا من جنس مَا يحجّ بِهِ إِمَامه وعَلى شَرطه فيفتي بِمُوجبِه ثمَّ إِن وَقع النَّوْع الأول من التَّخْرِيج فِي صُورَة فِيهَا نَص لإمامه مخرجا خلاف نَصه فِيهَا من نَص آخر فِي صُورَة أُخْرَى سمي قولا مخرجا وَإِذا وَقع النَّوْع الثَّانِي فِي صُورَة قد قَالَ فِيهَا بعض الْأَصْحَاب غير ذَلِك سمي ذَلِك وَجها وَيُقَال فِيهَا وَجْهَان وَشرط التَّخْرِيج الْمَذْكُور عِنْد اخْتِلَاف النصين أَن لَا يجد بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فارقا ولإمامه فِي مثل ذَلِك أَي عِلّة جَامِعَة وَهُوَ من قبيل إِلْحَاق الْأمة بِالْعَبدِ فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أعتق شركا لَهُ فِي عبد قوم عَلَيْهِ وَمهما أمكنه الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ لم يجز لَهُ على الْأَصَح التَّخْرِيج فَلَزِمَهُ تَقْرِير النظير على ظاهرهما مُعْتَمدًا على الْفَارِق وَكثير مَا يَخْتَلِفُونَ فِي القَوْل بالتخريج فِي مثل ذَلِك لاختلافهم فِي إِمْكَان الْفرق وَالله أعلم الْحَالة الثَّالِثَة أَن لَا يبلغ رُتْبَة أَئِمَّة الْمذَاهب أَصْحَاب الْوُجُوه والطرق غير أَنه فَقِيه النَّفس حَافظ لمَذْهَب إِمَامه عَارِف بأدلته قَائِم بتقريرها وبنصرته يصور ويجرد ويمهد ويقرر ويوازن ويرجح لكنه قصر عَن دَرَجَة أُولَئِكَ إِمَّا لكَونه لم يبلغ فِي حفظ الْمَذْهَب مبلغهم
@ وَإِمَّا لكَونه لم يرتض فِي التَّخْرِيج والاستنباط كارتياضهم وَإِمَّا لكَونه غير متبحر فِي علم أصُول الْفِقْه على أَنه لَا يَخْلُو مثله فِي ضمن مَا يحفظ من الْفِقْه ويعرفه من أدلته عَن أَطْرَاف من قَوَاعِد أصُول الْفِقْه وَإِمَّا لكَونه مقصرا فِي غير ذَلِك من الْعُلُوم الَّتِي هِيَ أدوات الِاجْتِهَاد الْحَاصِل لأَصْحَاب الْوُجُوه والطرق وَهَذِه صفة كثير من الْمُتَأَخِّرين إِلَى أَوَاخِر الْمِائَة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة المصنفين الَّذين رتبوا الْمَذْهَب وحرروه وصنفوا فِيهِ تصانيف بهَا مُعظم آشتغال النَّاس الْيَوْم وَلم يلْحقُوا بأرباب الْحَالة الثَّانِيَة فِي تَخْرِيج الْوُجُوه وتمهيد الطّرق فِي الْمَذْهَب وَأما فِي فتاواهم فقد كَانُوا يتبسطون فِيهَا كتبسط أُولَئِكَ أَو قَرِيبا مِنْهُ ويقيسون غير الْمَنْقُول والمسطور على الْمَنْقُول والمسطور فِي الْمَذْهَب غير مختصرين فِي ذَلِك على الْقيَاس الْجَلِيّ وَقِيَاس لَا فَارق الَّذِي هُوَ نَحْو قِيَاس الْأمة على العَبْد فِي إِعْتَاق الشَّرِيك وَقِيَاس الْمَرْأَة على الرجل فِي رُجُوع البَائِع إِلَى غير مَاله عِنْد تعذر الثّمن وَفِيهِمْ من جمعت فَتَاوَاهُ وأفردت بالتدوين وَلَا يبلغ فِي التحاقها بِالْمذهبِ مبلغ فَتَاوَى أَصْحَاب الْوُجُوه وَلَا يقوى كقوتها وَالله أعلم الْحَالة الرَّابِعَة أَن يقوم بِحِفْظ الْمَذْهَب وَنَقله وفهمه فِي واضحات الْمسَائِل ومشكلاتها غير أَن عِنْده ضعفا فِي تَقْرِير أدلته وتحرير أقيسته فَهَذَا يعْتَمد نَقله وفتواه بِهِ فِيمَا يحكيه من مسطورات مذْهبه من منصوصات إِمَامه وتفريعات أَصْحَابه الْمُجْتَهدين فِي مذْهبه وتخريجاتهم وَأما مَا لَا يجده مَنْقُولًا فِي مذْهبه فَإِن وجد فِي الْمَنْقُول مَا هَذَا فِي مَعْنَاهُ بِحَيْثُ يدْرك من غير فضل فكر وَتَأمل أَنه لَا فَارق بَينهمَا كَمَا فِي الْأمة بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي إِعْتَاق الشَّرِيك جَازَ لَهُ إِلْحَاقه بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَكَذَلِكَ مَا يعلم إندراجه تَحت ضَابِط مَنْقُول ممهد فِي الْمَذْهَب
@ وَمَا لم يكن كَذَلِك فَعَلَيهِ الْإِمْسَاك عَن الْفتيا مِنْهُ وَمثل هَذَا يَقع نَادرا فِي مثل الْفَقِيه الْمَذْكُور إِذا يبعد كَمَا ذكر الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ أَن يَقع وَاقعَة لم ينص على حكمهَا فِي الْمَذْهَب وَلَا هِيَ فِي معنى شَيْء فِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِيهِ من غير فرق وَلَا هِيَ مندرجة تَحت شَيْء من ضوابط الْمَذْهَب المحررة فِيهِ ثمَّ إِن هَذَا الْفَقِيه لَا يكون إِلَّا فَقِيه النَّفس لِأَن تَصْوِير الْمسَائِل على وَجههَا ثمَّ نقل أَحْكَامهَا بعد أستتمام تصويرها جلياتها وخفياتها لَا يقوم بِهِ إِلَّا فَقِيه النَّفس ذُو حَظّ من الْفِقْه قلت وَيَنْبَغِي أَن يَكْتَفِي فِي حفظ الْمَذْهَب فِي هَذِه الْحَالة وَفِي الْحَالة الَّتِي قبلهَا بِأَن يكون الْمُعظم على ذهنه لدربنه مُتَمَكنًا من الْوُقُوف على الْبَاقِي بالمطالعة أَو مَا يلْتَحق بهَا على الْقرب كَمَا اكتفينا فِي اقسام الِاجْتِهَاد الثَّلَاثَة الأول بِأَن يكون الْمُعظم على ذهنه ويتمكن من إِدْرَاك الْبَاقِي بِالِاجْتِهَادِ على الْقرب وَهَذِه أَصْنَاف الْمُفْتِينَ وشروطهم وَهِي خَمْسَة وَمَا من صنف مِنْهَا إِلَّا وَيشْتَرط فِيهِ حفظ الْمَذْهَب وَفقه النَّفس وَذَلِكَ فِيمَا عدا الصِّنْف الْأَخير الَّذِي هُوَ أخسها بَعْدَمَا يشْتَرط فِي هَذَا الْقَبِيل فَمن انتصب فِي منصب الْفتيا وتصدى لَهَا وَلَيْسَ على صفة وَاحِد من هَذِه الْأَصْنَاف الْخَمْسَة فقد بَاء بِأَمْر عَظِيم أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون ليَوْم عَظِيم وَمن أَرَادَ التصدي للفتيا ظَانّا كَونه من أَهلهَا فليتهم نَفسه وليتق الله ربه تبَارك الله وَتَعَالَى وَلَا يجد عَن الْأَخْذ بالوثيقة لنَفسِهِ وَالنَّظَر لَهَا وَلَقَد قطع الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي وَغَيره بِأَن الاصولي الماهر الْمُتَصَرف فِي الْفِقْه لَا يحل لَهُ الْفَتْوَى بِمُجَرَّد ذَلِك وَلَو وَقعت لَهُ فِي نَفسه وَاقعَة لزمَه أَن يستفتي غَيره فِيهَا ويلتحق بِهِ الْمُتَصَرف النظار البحاث فِي الْفِقْه من أَئِمَّة الْخلاف وفحول المناظرين وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا لإدراك حكم الْوَاقِعَة اسْتِقْلَالا لمقصور آلَته وَلَا
@ من مَذْهَب إِمَام مُتَقَدم لعدم حفظه لَهُ وَعدم إطلاعه عَلَيْهِ على الْوَجْه الْمُعْتَبر وَالله أعلم تَنْبِيهَات الأول قطع بِهِ الإِمَام الْعَلامَة أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ إِمَام الشافعيين بِمَا وَرَاء النَّهر وَالْقَاضِي أَبُو المحاسن الرَّوْيَانِيّ صَاحب بَحر الْمَذْهَب وَغَيرهمَا بِأَنَّهُ لَا يجوز للمقلد أَن يُفْتِي بِمَا هُوَ مقلد فِيهِ وَذكر الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فِي شَرحه لرسالة الشَّافِعِي عَن شَيْخه أبي بكر الْقفال الْمروزِي أَنه يجوز لمن حفظ مَذْهَب صَاحب مَذْهَب ونصوصه أَن يُفْتِي بِهِ وَإِن لم يكن عَارِفًا بغوامضه وحقائقه وَخَالفهُ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ لَا
@ يجوز أَن يُفْتِي بِمذهب غَيره إِذا لم يكن متبحرا فِيهِ عَالما بغوامضه وحقائقه كَمَا لَا يجوز للعامي الَّذِي جمع فتاوي الْمُفْتِينَ أَن يُفْتِي بهَا وَإِذا كَانَ متبحرا بهَا جَازَ أَن يُفْتِي بهَا قلت قَول من قَالَ لَا يجوز أَن يُفْتِي بذلك مَعْنَاهُ أَنه لَا يذكرهُ فِي صُورَة مَا يَقُوله من عِنْد نَفسه بل يضيفه إِلَى غَيره ويحكيه عَن إِمَامه الَّذِي قَلّدهُ فعلى هَذَا من عددناه فِي أَصْنَاف المفتيين من المقلدين لَيْسُوا على الْحَقِيقَة من المفتيين وَلَكنهُمْ قَامُوا مقَام الْمُفْتِينَ وأدوا عَنْهُم فعدوا مَعَهم وسبيلهم فِي ذَلِك أَن يَقُول مثلا مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَا وَكَذَا أَو مُقْتَضى مذْهبه كَذَا وَكَذَا وَمَا أشبه ذَلِك وَمن ترك إِضَافَة ذَلِك إِلَى إِمَامه إِن كَانَ ذَلِك مِنْهُ اكْتِفَاء بالمعلوم عَن الْحَال عَن التَّصْرِيح بالمقال فَلَا بَأْس وَذكر الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي فِي القَاضِي إِذا عرف حكم حَادِثَة بني على دليلها ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يجوز أَن يُفْتِي بِهِ وَيجوز تَقْلِيده فِيهِ لِأَنَّهُ قد وصل إِلَى الْعلم بِهِ مثل وُصُول الْعَالم إِلَيْهِ وَالثَّانِي يجوز ذَلِك إِن كَانَ دليلها من الْكتاب وَالسّنة وَالثَّالِث هُوَ أَصَحهَا أَنه لَا يجوز ذَلِك مُطلقًا قلت وَلَيْسَ فِيمَا ذكره حِكَايَة خلاف فِي جَوَاز فتيا الْمُقَلّد وتقليده لِأَن فِيمَا ذكره من تَوْجِيه وَجه الْجَوَاز تَشْبِيها بِأَن الْعَاميّ لَا يبْقى مُقَلدًا فِي حكم تِلْكَ الْحَادِثَة وَالله أعلم الثَّانِي إِن قلت من تفقه وَقَرَأَ كتابا من كتب الْمَذْهَب أَو أَكثر هُوَ مَعَ ذَلِك قَاصِر لم يَتَّصِف بِصفة أحد من أَصْنَاف الْمُفْتِينَ الَّذين سبق ذكرهم فَإِذا لم يجد الْعَاميّ فِي بَلَده غَيره فرجوعه إِلَيْهِ أولى من أَن يبْقى فِي واقعته مرتكبا فِي
@ حيرته قلت وَإِن كَانَ فِي غير بَلَده مفت يجد السَّبِيل إِلَى استفتائه فَعَلَيهِ التَّوَصُّل إِلَى إستفتائه بِحَسب إِمْكَانه على أَن بعض أَصْحَابنَا ذكر أَنه إِذا شغرت الْبَلَد عَن الْمُفْتِينَ فَلَا يحل الْمقَام فِيهَا وَإِن تعذر ذَلِك عَلَيْهِ ذكر مَسْأَلته للْقَاضِي الْمَذْكُور فَإِن وجد مَسْأَلته بِعَينهَا مسطورة فِي كتاب موثوق بِصِحَّتِهِ وَهُوَ مِمَّن يقبل خَبره نقل لَهُ حكمهَا بنصه وَكَانَ الْعَاميّ فِي ذَلِك مُقَلدًا لصَاحب الْمَذْهَب وَهَذَا وجدته فِي ضمن كَلَام بَعضهم وَالدَّلِيل يعضده ثمَّ لَا يعد هَذَا الْقَاصِر بأمثال ذَلِك من الْمُفْتِينَ وَلَا من الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة الْمُسْتَعَار لَهُم سمة الْمُفْتِينَ وَأَن لم يجد مَسْأَلته بِعَينهَا وَنَصهَا مسطورة فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى القَوْل فِيهَا قِيَاسا على مَا عِنْده من السطور وَإِن آعتقده من قبيل قِيَاس لَا فَارق الَّذِي هُوَ نَحْو قِيَاس الْأمة على العَبْد فِي سر آيَة الْعتْق لِأَن القَاضِي معرض لِأَن يعْتَقد مَا لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل دَاخِلا فِي هَذَا الْقَبِيل وَإِنَّمَا استتب إِلْحَاق الْأمة بِالْعَبدِ فِي سر آيَة الْعتْق فِي حق من عرف مصَادر الشَّرْع وموارده فِي أَحْكَام الْعتْق بِحَيْثُ استبان لَهُ أَنه لَا فرق فِي ذَلِك بَين الذّكر وَالْأُنْثَى وَالله أعلم الثَّالِث إِذا لم يجد صَاحب الْوَاقِعَة مفتيا وَلَا أحدا ينْقل لَهُ حكم واقعته لَا فِي بَلَده وَلَا فِي غَيره فَمَاذَا يصنع قلت هَذِه مَسْأَلَة فَتْرَة الشَّرِيعَة الْأُصُولِيَّة والسبيل فِي ذَلِك كالسبيل فِي مَا قبل وُرُود الشَّرَائِع وَالصَّحِيح فِي كل ذَلِك القَوْل بإنتفاء التَّكْلِيف عَن العَبْد وَإنَّهُ لَا يثبت فِي حَقه حكم لَا إِيجَاب وَلَا تَحْرِيم وَلَا غير ذَلِك فَلَا يُؤْخَذ إِذن صَاحب الْوَاقِعَة بِأَيّ شَيْء صنعه فِيهَا وَهَذَا مَعَ تقرره بِالدَّلِيلِ الْمَعْنَوِيّ الأصولي يشْهد لَهُ حَدِيث حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يدرس الْإِسْلَام كَمَا يدرس وشي الثَّوْب حتي لَا يدْرِي مَا
@ صِيَام وَلَا صَلَاة وَلَا نسك وَلَا صَدَقَة وليسرى على كتاب الله تَعَالَى فِي لَيْلَة لَا يبْقى فِي الأَرْض مِنْهُ اية وَتبقى طوائف من النَّاس الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز الْكَبِيرَة يَقُولُونَ آدركنا آبَاءَنَا على هَذِه الْكَلِمَة لَا إِلَه إِلَّا الله فَنحْن نقولها فَقَالَ صلَة ابْن ذفر لِحُذَيْفَة فَمَا تغني عَنْهُم لَا رله إِلَّا الله وهم لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا نسك وَلَا صَدَقَة فَأَعْرض عَنهُ حُذَيْفَة فَردهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا كل ذَلِك يعرض عَنهُ حُذَيْفَة ثمَّ أقبل عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَة فَقَالَ يَا صلَة تنجيهم من النَّار تنجيهم من النَّار تنجيهم من النَّار رَوَاهُ أَبُو عبد الله بن مَاجَه فِي سنَنه وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله الحافط فِي صَحِيحه وَقَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ وَالله أعلم
@ القَوْل فِي أَحْكَام الْمُفْتِينَ وَفِيه مسَائِل الأولى لَا يشْتَرط فِي الْمُفْتِي الْحُرِّيَّة والذكورة كَمَا فِي الرَّاوِي وَيَنْبَغِي أَن يكون كالراوي أَيْضا فِي أَنه لَا يُؤثر فِيهِ الْقَرَابَة والعداوة وجلب النَّفْع وَدفع الضَّرَر لِأَن الْمُفْتِي فِي حكم من يخبر عَن الشَّرْع بِمَا لاخْتِصَاص لَهُ بشخص وَكَانَ فِي ذَلِك كالراوي لَا كالشاهد وفتواه لَا يرتبط بهَا إِلْزَام بِخِلَاف القَاضِي وَوجدت عَن القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِيمَا جاوب بِهِ القَاضِي أَبَا الطّيب
@ الطَّبَرِيّ عَن رده عَلَيْهِ فِي فتواه بِالْمَنْعِ من التلقيب بِملك الْمُلُوك مَا مَعْنَاهُ
@ أَن الْمُفْتِي إِذا نابذ فِي فتواه شخصا معينا صَار خصما معاندا ترد فتواه على من عَادَاهُ كَمَا ترد شَهَادَته وَلَا بَأْس بِأَن يكون الْمُفْتِي أعمى أَو أخرس مَفْهُوم الْإِشَارَة أَو كَاتبا وَالله أعلم الثَّانِيَة لَا تصح فتيا الْفَاسِق وَإِن كَانَ مُجْتَهدا مُسْتقِلّا غير أَنه لَو وَقعت لَهُ فِي نَفسه وَاقعَة عمل فِيهِ بإجتهاد نَفسه وَلم يستفت غَيره وَأما المستور وَهُوَ من كَانَ ظَاهره الْعَدَالَة وَلم تعرف عَدَالَته الْبَاطِنَة فَفِي وَجه لَا يجوز فتياه كَالشَّهَادَةِ وَالْأَظْهَر أَنَّهَا تجوز لِأَن الْعَدَالَة الْبَاطِنَة يعسر مَعْرفَتهَا على غير الْحُكَّام فَفِي أشراطها فِي الْمُفْتِينَ جرح على المستفتين وَالله أعلم
@ الثَّالِثَة من كَانَ من أهل الْفتيا قَاضِيا فَهُوَ فِيهَا كَغَيْرِهِ وبلغنا عَن أبي بكر بن الْمُنْذر أَنه يكره للقضاة أَن تُفْتِي فِي مسَائِل الْأَحْكَام دون مَا لَا مجْرى لأحكام الْقَضَاء فِيهِ كمسائل الطَّهَارَة والعبادات وَقَالَ قَالَ شُرَيْح أَنا أَقْْضِي وَلَا أُفْتِي وَوجدت فِي بعض تعاليق الشَّيْخ أبي حَامِد الإسفرائيني أَن لَهُ أَن يُفْتِي فِي الْعِبَادَات وَمَا لَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم وَأما فتياه من الْأَحْكَام فلأصحابنا فِيهِ جوابان أَحدهمَا أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يُفْتِي فِيهَا لِأَن لكَلَام النَّاس عَلَيْهِ مجالا ولأحد الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ مقَالا وَالثَّانِي لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ أهل لذَلِك وَالله أعلم الرَّابِعَة إِذا استفتي الْمُفْتِي وَلَيْسَ فِي النَّاحِيَة غَيره تعين عَلَيْهِ الْجَواب وَإِن كَانَ فِي النَّاحِيَة غَيره فَإِن حضر هُوَ وَغَيره واستفتيا مَعًا فَالْجَوَاب عَلَيْهِمَا على الْكِفَايَة وَإِن لم يحضر غَيره فَعِنْدَ الْحَلِيمِيّ يتَعَيَّن عَلَيْهِ بسؤاله جَوَابه وَلَيْسَ لَهُ أَن يحيله على غَيره وَالْأَظْهَر أَنه لَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ بذلك وَقد سبقت روايتنا عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى أَنه قَالَ أدْركْت عشْرين وَمِائَة من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْأَل أَحدهمَا عَن الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول وَإِذا سُئِلَ الْعَاميّ عَن مَسْأَلَة لم تقع لم تجب مجاوبته وَالله أعلم الْخَامِسَة إِذا أفتى بِشَيْء ثمَّ رَجَعَ عَنهُ نظرت فَإِن أعلم المستفتي بِرُجُوعِهِ وَلم يكن عمل بِالْأولِ بعد لم يجز لَهُ الْعَمَل بِهِ وَكَذَلِكَ لَو نكح بفتواه أَو اسْتمرّ على نِكَاح ثمَّ رَجَعَ لزمَه مفارقتها كَمَا لَو تغير إجتهاد من قَلّدهُ فِي الْقبْلَة فِي أثْنَاء صلَاته فَإِنَّهُ يتَحَوَّل وَإِن كَانَ المستفتي قد عمل بِهِ قبل رُجُوعه فَإِن كَانَ مُخَالفا الدَّلِيل قَاطع لزم المستفتي نقض عمله ذَلِك وَإِن كَانَ فِي مَحل الإجتهاد لم يلْزمه نَقصه قلت وَإِذا كَانَ الْمُفْتِي إِنَّمَا يُفْتِي على مَذْهَب إِمَام معِين فَإِذا رَجَعَ لكَونه بإن لَهُ قطعا أَنه خَالف فِي فتواه بعض نَص مَذْهَب إِمَامه فَإِنَّهُ يجب نقضه وَإِن كَانَ
@ ذَلِك فِي كل الإجتهاد لِأَن نَص مَذْهَب إِمَامه فِي حَقه كنص الشَّارِع فِي حق الْمُفْتِي الْمُجْتَهد المستقل على مَا سبق تأصيله وَأما إِذا لم يعلم المستفتي بِرُجُوعِهِ فحال المستفتي فِي عمله بِهِ على مَا كَانَ وَيلْزم الْمُفْتِي إِعْلَامه بِرُجُوعِهِ قبل الْعَمَل وَكَذَا بعد الْعَمَل حَيْثُ يجب النَّقْض وَلَقَد أحسن الْحسن بن أبي زِيَاد اللؤْلُؤِي صَاحب أبي حنيفَة فِيمَا بلغنَا عَنهُ أَنه استفتي فِي مَسْأَلَة فَأَخْطَأَ فِيهَا وَلم يعرف الَّذِي أفتاه فاكترى مناديا فَنَادَى أَن الْحسن بن أبي زِيَاد استفتي يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي مَسْأَلَة فَأَخْطَأَ فَمن كَانَ أفتاه الْحسن بن أبي زِيَاد بِشَيْء فَليرْجع إِلَيْهِ فَلبث أَيَّامًا لَا يُفْتِي حَتَّى وجد صَاحب الْفَتْوَى فَأعلمهُ أَنه أَخطَأ وَإِن الصَّوَاب كَذَا وَكَذَا وَالله أعلم السَّادِسَة إِذا عمل المستفتي بفتوى الْمُفْتِي فِي إِتْلَاف ثمَّ بَان خطأه وَإنَّهُ خَالف فِيهَا الْقَاطِع فَعَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإسفرائيني أَنه يضمن إِن كَانَ أَهلا للْفَتْوَى وَلَا يضمن إِن لم يكن أَهلا لِأَن المستفتي قصر وَالله أعلم السَّابِعَة لَا يجوز للمفتي أَن يتساهل فِي الْفَتْوَى وَمن عرف بذلك لم يجز أَن يستفتي وَذَلِكَ قد يكون بِأَن لَا يثبت ويسرع بالفتوى قبل إستيفاء حَقّهَا من النّظر والفكر وَرُبمَا يحملهُ على ذَلِك توهمه أَن الْإِسْرَاع براعة والإبطاء عجز ومنقصة وَذَلِكَ جهل وَلَإِنْ يبطىء وَلَا يخطىء أجمل بِهِ من أَن يعجل فيضل ويضل فَإِن تقدّمت مَعْرفَته بِمَا سُئِلَ عَنهُ على السُّؤَال فبادر عِنْد السُّؤَال بِالْجَوَابِ فَلَا بَأْس عَلَيْهِ وعَلى مثله يحمل مَا ورد عَن الْأَئِمَّة الماضيين من هَذَا الْقَبِيل