فتاوى ابن الصلاحصفحات 47-88
أهل الأثرالأرشيف العلمي

@ وَقد يكون تساهله وانحلاله بِأَن تحمله الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة على تتبع الْحِيَل المحظورة أَو الْمَكْرُوهَة والتمسك بالشبه للترخيص على من يروم نَفعه أَو التَّغْلِيظ على من يُرِيد ضره وَمن فعل ذَلِك هان عَلَيْهِ دينه ونسأل الله الْعَافِيَة وَالْعَفو وَأما إِذا صَحَّ قَصده فأحتسب فِي تطلب حِيلَة لَا شُبْهَة فِيهَا وَلَا يجر إِلَى مفْسدَة ليخلص بهَا المستفتي من ورطة يَمِين أَو نَحْوهَا فَذَلِك حسن جميل يشْهد لَهُ قَول الله تبَارك وَتَعَالَى لأيوب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى نَبينَا لما حلف ليضربن امْرَأَته مائَة ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ وَورد عَن سُفْيَان الثَّوْريّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ إِنَّمَا الْعلم عندنَا الرُّخْصَة من ثِقَة فَأَما التسديد فيحسنه كل أحد وَهَذَا خَارج على الشَّرْط الَّذِي

@ ذَكرْنَاهُ فَلَا يفرحن بِهِ من يُفْتِي بالحيل الجادة إِلَى الْمَفَاسِد أَو بِمَا فِيهِ شُبْهَة بِأَن يكون فِي النَّفس من القَوْل بِهِ شَيْء أَو نَحْو ذَلِك وَذَلِكَ لمن يُفْتِي بالحيلة الشَّرْعِيَّة فِي سد بَاب الطَّلَاق وَيعلمهَا وأمثال ذَلِك وَالله أعلم الثَّامِنَة لَيْسَ لَهُ أَن يُفْتِي فِي كل حَالَة تغير خلقه وتفسد قلبه وتمنعه من التثبت والتأمل كحالة الْغَضَب أَو الْجُوع أَو الْعَطش أَو الْحزن أَو الْفَرح الْغَالِب أَو النعاس أَو الملالة أَو الْمَرَض أَو الْحر المزعج أَو الْبرد المؤلم أَو مدافعة الأخبثين وَهُوَ أعلم بِنَفسِهِ فمهما أحسن آشتغال قلبه وَخُرُوجه عَن حد الِاعْتِدَال أمسك عَن الْفتيا فَإِن أفتى من شَيْء من هَذِه الْأَحْوَال وَهُوَ يرى أَن ذَلِك لم يمنعهُ من إِدْرَاك الصَّوَاب صحت فتياه وَإِن خاطر بهَا وَمن أعجب ذَلِك مَا وجدته بِخَط بعض أَصْحَاب القَاضِي الإِمَام حُسَيْن بن مُحَمَّد الْمروزِي عَنهُ أَنه سمع الإِمَام أَبَا عَاصِم

@ الْعَبَّادِيّ يذكر أَنه كَانَ عِنْد الْأُسْتَاذ أبي ظَاهر وَهُوَ الإِمَام الزيَادي شيخ خُرَاسَان حِين آختصر فَسَأَلَ عَن الضَّمَان وَكَانَ فِي النزع فَقَالَ إِن قبض

@ الثّمن فَيصح وَإِن لم يقبض فَلَا يَصح قَالَ لِأَنَّهُ بعد قبض الثّمن يكون ضَمَان مَا وَجب وَالله أعلم التَّاسِعَة الأولى بالمتصدي للْفَتْوَى أَن يتَبَرَّع بذلك وَيجوز لَهُ أَن يرتزق على ذَلِك من بَيت المَال إِلَّا إِذا تعين عَلَيْهِ وَله كِفَايَة فَظَاهر الْمَذْهَب أَنه لَا يجوز وَإِذا كَانَ لَهُ رزق فَلَا يجوز لَهُ أَخذ أجره أصلا وَإِن لم يكن لَهُ رزق من بَيت المَال فَلَيْسَ لَهُ أَخذ أجره من أَعْيَان من يفتيه كالحاكم على الْأَصَح واحتال لَهُ الشَّيْخ أَبُو حَاتِم الْقزْوِينِي فِي حِيلَة فَقَالَ لَو قَالَ للمستفتي إِنَّمَا يلْزَمنِي أَن أفتيك قولا وَأما بذل الْخط فَلَا فَإِذا اسْتَأْجرهُ أَن يكْتب لَهُ ذَلِك كَانَ جَائِزا وَذكر أَبُو الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ أَنه لَو آجتمع أهل الْبَلَد على أَن جعلُوا لَهُ رزقا من أَمْوَالهم ليتفرغ لفتياهم جَازَ ذَلِك وَأما الْهَدِيَّة فقد أطلق السَّمْعَانِيّ

@ الْكَبِير أَبُو المظفر أَنه يجوز لَهُ قبُول الْهَدِيَّة بِخِلَاف الْحَاكِم فَإِنَّهُ يلْزم حكمه قلت يَنْبَغِي أَن يُقَال يحرم عَلَيْهِ قبُولهَا إِذا كَانَت رشوة على أَن يفتيه بِمَا يُريدهُ كَمَا فِي الْحَاكِم وَسَائِر مَا لَا يُقَابل بعوض وَالله أعلم الْعَاشِرَة لَا يجوز لَهُ أَن يُفْتِي فِي الْأَيْمَان والأقادير وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق

@ بالألفاظ إِلَّا صَحَّ إِذا كَانَ من أهل بلد اللافظ بهَا أَو متنزلا مَنْزِلَتهمْ فِي الْخِبْرَة بمراداتهم من ألفاظهم وتعارفهم فِيهَا لِأَنَّهُ إِذا لم يكن كَذَلِك كثر خطأه عَلَيْهِم فِي ذَلِك كَمَا شهِدت بِهِ التجربة وَالله أعلم الْحَادِيَة عشرَة لَا يجوز لمن كَانَت فتياه نقلا لمَذْهَب إِمَامه إِذا اعْتمد فِي نَقله على الْكتب أَن يعْتَمد إِلَّا على كتاب موثوق بِصِحَّتِهِ وَجَاز ذَلِك كَمَا جَازَ اعْتِمَاد الرَّاوِي على كِتَابه وإعتماد المستفتي على مَا يَكْتُبهُ الْمُفْتِي وَيحصل لَهُ الثِّقَة بِمَا يجده من نسخه غير موثوق بِصِحَّتِهَا بِأَن يجده فِي نسخ عدَّة من أَمْثَالهَا وَقد يحصل لَهُ الثِّقَة بِمَا يجده فِي الثِّقَة بِمَا يجده فِي النُّسْخَة غير الموثوق بهَا بِأَن يرَاهُ كلَاما منتظما وَهُوَ خَبِير فطن لَا يخفى عَلَيْهِ فِي الْغَالِب مواقع الْإِسْقَاط والتغيير وَإِذا لم يجده إِلَّا فِي مَوضِع لم يَثِق بِصِحَّتِهِ نظر فَإِن وجده مُوَافقا لأصول الْمَذْهَب وَهُوَ أهل التَّخْرِيج مثله على الْمَذْهَب لَو لم يجده مَنْقُولًا فَلهُ أَن يُفْتِي بِهِ فَإِن أَرَادَ أَن يحكيه عَن إِمَامه فَلَا يقل قَالَ الشَّافِعِي مثلا كَذَا وَكَذَا وَليقل وجدت عَن الشَّافِعِي كَذَا وَكَذَا أَو بَلغنِي عَنهُ كَذَا وَكَذَا أَو مَا أشبه هَذَا من الْعبارَات أَو إِذا لم يكن أَهلا لتخريج مثله فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَن يذكرهُ بِلَفْظ جازم مُطلق فَإِن سَبِيل مثله النَّقْل الْمَحْض وَلم يحصل لَهُ فِيهِ مَا يجوز لَهُ مثل ذَلِك وَيجوز لَهُ أَن يذكرهُ فِي غير مقَام الْفَتْوَى مفصحا بِحَالهِ فِيهِ فَيَقُول وجدته فِي نُسْخَة من الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو من كتاب فلَان مَا لَا أعرف صِحَّتهَا أَو وجدت عَن فلَان كَذَا وَكَذَا أَو بَلغنِي عَنهُ كَذَا وَكَذَا وَمَا ضاهى ذَلِك من الْعبارَات وَالله أعلم الثَّانِيَة عشرَة إِذا أفتى فِي حَادِثَة ثمَّ وَقعت مرّة أُخْرَى فَإِذا كَانَ ذَاكِرًا الْفتيا الأولى ومستندها أما بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل الشَّرْع إِن كَانَ مُسْتقِلّا أَو بِالنِّسْبَةِ إِلَى مذهبَة إِن كَانَ منتسبا إِلَى مَذْهَب ذِي مَذْهَب أفتى بذلك وَإِن تذكرها وَلم يتَذَكَّر مستندها وَلم يطْرَأ مَا يُوجب رُجُوعه عَنْهَا فقد قيل لَهُ أَن يُفْتِي بذلك وَالأَصَح أَنه لَا يُفْتِي حَتَّى يجدد النّظر

@ وبلغنا عَن أبي الْحُسَيْن بن الْقطَّان أحد أَئِمَّة الْمَذْهَب أَنه كَانَ لَا يُفْتِي فِي شَيْء من الْمسَائِل حَتَّى يلحظ الدَّلِيل وَهَكَذَا يَنْبَغِي لمن هُوَ دونه وَمن لم يكن فتواه حِكَايَة عَن غَيره لم يكن لَهُ بُد من آستحضار الدَّلِيل فِيهَا وَالله أعلم الثَّالِثَة عشرَة روينَا عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقولُوا بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعوا مَا قلته وَهَذَا وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مَشْهُور عَنهُ فَعمل بذلك كثير من أَئِمَّة أَصْحَابنَا فَكَانَ من ظفر مِنْهُم بِمَسْأَلَة فِيهَا حَدِيث وَمذهب الشَّافِعِي خِلَافه عمل بِالْحَدِيثِ وَأفْتى بِهِ قَائِلا مَذْهَب الشَّافِعِي مَا وَافق الحَدِيث وَلم يتَّفق ذَلِك إِلَّا نَادرا وَمِنْه مَا نقل عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِيهِ قَول على وفْق الحَدِيث وَمِمَّنْ حكى عَنهُ مِنْهُم أَنه أفتى بِالْحَدِيثِ فِي مثل ذَلِك أَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ وَأَبُو الْقَاسِم الداركي وَهُوَ الَّذِي قطع بِهِ أَبُو الْحسن الكيا

@ الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه فِي أصُول الْفِقْه وَلَيْسَ هَذَا بالهين فَلَيْسَ كل فَقِيه يسوغ لَهُ أَن يسْتَقلّ بِالْعَمَلِ بِمَا يرَاهُ حجَّة من الحَدِيث وفيمن سلك هَذَا المسلك من الشافعيين من عمل بِحَدِيث تَركه الشَّافِعِي عمدا على علم مِنْهُ بِصِحَّتِهِ لمَانع آطلع عَلَيْهِ وخفي على غَيره كَأبي الْوَلِيد مُوسَى بن أبي الْجَارُود مِمَّن

@ صحب الشَّافِعِي رُوِيَ عَنهُ أَنه روى عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ إِذا صَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث وَقلت قولا فَأَنا رَاجع عَن قولي بذلك قَالَ أَبُو الْوَلِيد وَقد صَحَّ حَدِيث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) فَأَنا أَقُول قَالَ الشَّافِعِي أفطر الحاجم والمحجوم فَرد على أبي الْوَلِيد ذَلِك من حَيْثُ أَن الشَّافِعِي تَركه مَعَ صِحَّته لكَونه مَنْسُوخا عِنْده وَقد دلّ رَضِي الله عَنهُ على ذَلِك وَبَينه

@ وروينا عَن ابْن خُزَيْمَة الإِمَام البارع فِي الحَدِيث وَالْفِقْه إِنَّه قيل لَهُ هَل تعرف سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحَلَال وَالْحرَام لم يودعها الشَّافِعِي كِتَابه قَالَ لَا وَعند هَذَا أَقُول من وجد من الشافعيين حَدِيثا يُخَالف مذْهبه نظر فَإِن كملت آلَات الإجتهاد فِيهِ إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا من ذَلِك الْبَاب أوفى تِلْكَ الْمَسْأَلَة على مَا سبق بَيَانه كَانَ لَهُ الإستقلال بِالْعَمَلِ بذلك الحَدِيث وَإِن لم تكمل إِلَيْهِ وَوجد فِي قلبه حزازة من مُخَالفَة الحَدِيث بعد أَن بحث فَلم يجد لمُخَالفَته عَنهُ

@ جَوَابا شافيا فَلْينْظر هَل عمل بذلك الحَدِيث إِمَام مُسْتَقل فَإِن وجد فَلهُ أَن يتمذهب بمذهبه فِي الْعَمَل بذلك الحَدِيث عذرا فِي ترك مَذْهَب إِمَامه فِي ذَلِك وَالْعلم عِنْد الله تبَارك وَتَعَالَى الرَّابِعَة عشرَة هَل للمفتي المنتسب الى مَذْهَب الشَّافِعِي مثلا أَن يُفْتِي تَارَة بِمذهب آخر فِيهِ تَفْصِيل وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ ذَا اجْتِهَاد فأداة اجْتِهَاده إِلَى مَذْهَب إِمَام آخر فَاتبع اجْتِهَاده وَإِن كَانَ اجْتِهَاده مُقَيّدا مشوبا بِشَيْء من التَّقْلِيد نقل ذَلِك الشوب من التَّقْلِيد إِلَى ذَلِك الإِمَام الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى مذْهبه ثمَّ إِذا أفتى بَين ذَلِك فِي فتياه وَكَانَ الإِمَام أَبُو بكر الْقفال الْمروزِي يَقُول لَو اجتهدت فَأدى اجتهادي إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة فَأَقُول مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَا وَكَذَا وَلَكِنِّي أَقُول بِمذهب أبي حنيفَة لِأَنَّهُ جَاءَ لِيَسْتَفْتِيَ على مَذْهَب الشَّافِعِي فَلَا بُد من أَن أعرفهُ بِأَنِّي أُفْتِي بِغَيْرِهِ وحَدثني أحد الْمُفْتِينَ بخراسان أَيَّام مقَامي بهَا عَن بعض مشايخه أَن الإِمَام أَحْمد الخوافي قَالَ للغزالي فِي مَسْأَلَة أفتى فِيهَا أَخْطَأت فِي الْفَتْوَى

@ فَقَالَ لَهُ الْغَزالِيّ من أَيْن وَالْمَسْأَلَة لَيست مسطورة فَقَالَ لَهُ بلَى فِي الْمَذْهَب الْكَبِير فَقَالَ لَهُ الْغَزالِيّ لَيست فِيهِ وَلم تكن فِي الْموضع الَّذِي يَلِيق بهَا فأخرجها لَهُ الخوافي من مَوضِع قد أجراها فِيهِ المُصَنّف اسْتِشْهَادًا فَقَالَ لَهُ الْغَزالِيّ عِنْد ذَلِك لَا أقبل هَذَا واجتهادي مَا قلت فَقَالَ لَهُ الخوافي فِي هَذَا شَيْء آخر إِنَّمَا تسْأَل عَن مَذْهَب الشَّافِعِي أَو عَن اجتهادك فَلَا يجوز أَن تُفْتِي على اجتهادك أَو كَمَا قَالَ وَالْمذهب الْكَبِير هُوَ نِهَايَة الْمطلب تأليف الشَّيْخ أبي الْمَعَالِي ابْن الْجُوَيْنِيّ وَكَانَ الخوافي مَعَ الْغَزالِيّ من أكَابِر اصحابه وَإِمَّا إِذا لم يكن ذَلِك بِنَا على اجْتِهَاد فَإِن ترك مذْهبه إِلَى مَذْهَب هُوَ أسهل عَلَيْهِ وأوسع فَالصَّحِيح آمتناعه وَإِن تَركه لكَون الآخر أحوط المذهبين وَالظَّاهِر جَوَازه ثمَّ عَلَيْهِ بَيَان ذَلِك فِي فتواه على مَا تقدم وَالله أعلم الْخَامِسَة عشرَة لَيْسَ للمنتسب إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي فِي الْمَسْأَلَة ذَات الْقَوْلَيْنِ أَو الْوَجْهَيْنِ أَن يتَخَيَّر فَيعْمل أَو يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ بل عَلَيْهِ فِي الْقَوْلَيْنِ إِن علم الْمُتَأَخر مِنْهَا كَمَا فِي الْجَدِيد مَعَ الْقَدِيم أَن يتبع الْمُتَأَخر فَإِنَّهُ نَاسخ للمتقدم وَإِن ذكرهَا الشَّافِعِي جَمِيعًا وَلم يتَقَدَّم أَحدهمَا لَكِن مَنْهَج أَحدهمَا كَانَ الِاعْتِمَاد على الَّذِي رَجحه وَإِن جمع بَينهمَا فِي حَالَة وَاحِدَة من غير تَرْجِيح مِنْهُ لأَحَدهمَا وَقد قيل أَنه لم يُوجد مِنْهُ ذَلِك إِلَّا فِي سِتَّة عشر أَو

@ سَبْعَة عشر موضعا أَو نقل عَنهُ قَولَانِ وَلم يعلم حَالهمَا فِيمَا ذَكرْنَاهُ فَعَلَيهِ الْبَحْث عَن الْأَرْجَح الْأَصَح مِنْهُمَا متعرفا ذَلِك من أصُول مذْهبه غير متجاوز فِي التَّرْجِيح قَوَاعِد مذْهبه إِلَى غَيرهَا هَذَا إِن كَانَ ذَا إجتهاد فِي مذْهبه أَهلا للتخريج عَلَيْهِ فَإِن لم يكن أَهلا لذَلِك فلينقله عَن بعض أهل التَّخْرِيج من أَئِمَّة الْمَذْهَب وَإِن لم يجد شَيْئا من ذَلِك فليتوقف قَالَ القَاضِي الإِمَام أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ رَحمَه الله فِي مَسْأَلَة فعل المحلوق عَلَيْهِ على نِسْيَان ذَات الْقَوْلَيْنِ قَالَ شَيخنَا أَبُو الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ مَا أَفْتيت فِي يَمِين النَّاس بِشَيْء قطّ وَحكى عَن شَيْخه أبي الْفَيَّاض أَنه لم

@ يفت فِيهَا بِشَيْء قطّ وَحكى ابو الْفَيَّاض عَن شَيْخه أبي حَامِد الْمروزِي أَنه لم يفت فِيهَا بِشَيْء قطّ قَالَ الْمروزِي فاقتديت بِهَذَا السّلف وَلم أفت فِيهَا بِشَيْء لِأَن اسْتِعْمَال التوقي أحوط من فرطات الْإِقْدَام وَأما الْوَجْهَانِ فَلَا بُد من تَرْجِيح أَحدهمَا وتعرف الصَّحِيح مِنْهُمَا عِنْد الْعَمَل وَالْفَتْوَى بِمثل الطَّرِيق الْمَذْكُور وَلَا غَيره فِيهَا بالتقدم والتأخر وَسَوَاء وَقعا مَعًا فِي حَالَة وَاحِدَة من إِمَام من أَئِمَّة الْمَذْهَب أَو من إمامين وَاحِد بعد وَاحِد لِأَنَّهُمَا إنتسبا إِلَى الْمَذْهَب إنتسابا وَاحِدًا وَتقدم أَحدهمَا لَا تَجْعَلهُ بِمَنْزِلَة تقدم أحد الْقَوْلَيْنِ من صَاحب الْمَذْهَب وَلَيْسَ ذَلِك أَيْضا من قبيل إختلاف الْمَعْنيين على المستفتي بل كل ذَلِك إختلاف رَاجع إِلَى شخص وَاحِد وَهُوَ صَاحب الْمَذْهَب ليلتحق باخْتلَاف

@ الرِّوَايَتَيْنِ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَنه يتَعَيَّن الْعَمَل بأصحهما عَنهُ وَإِذا كَانَ أحد الرأيين مَنْصُوصا عَنهُ وَالْآخر مخرجا فَالظَّاهِر الَّذِي نَص عَلَيْهِ مِنْهُمَا يقدم كَمَا يقدم مَا رَجحه من الْقَوْلَيْنِ المنصوصين على الآخر لِأَنَّهُ أقوى نِسْبَة إِلَيْهِ مِنْهُ إِلَّا إِذا كَانَ القَوْل الْمخْرج مخرجا من نَص آخر لتعذر الْفَارِق فَاعْلَم ذَلِك وَأعلم أَن من يَكْتَفِي بِأَن يكون فِي فتاه أَو علمه مُوَافقا لقَوْل أَو وَجه فِي الْمَسْأَلَة وَيعْمل بِمَا يَشَاء من الْأَقْوَال أَو الْوُجُوه معد غير نظر فِي التَّرْجِيح وَلَا يُقيد بِهِ فقد جهل وخرق الْإِجْمَاع وسبيله سَبِيل الَّذِي حكى عَنهُ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ الْمَالِكِي من فُقَهَاء الْمَالِكِيَّة أَنه كَانَ يَقُول إِن الَّذِي لصديقي عَليّ إِذا وَقعت لَهُ حُكُومَة أَن أفتيه بالرواية الَّتِي توافقه وَحكي عَن من يَثِق بِهِ أَنه وَقعت لَهُ وَاقعَة وَأفْتى فِيهَا وَهُوَ غَائِب جمَاعَة من فقهائهم من أهل الصّلاح بِمَا يضرّهُ فَلَمَّا عَاد سَأَلَهُمْ فَقَالُوا مَا علمنَا أَنَّهَا لَك وأفتوه بالرواية الْأُخْرَى الَّتِي توافقه قَالَ وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف بَين الْمُسلمين مِمَّن يعْتد بِهِ فِي الاجماع أَنه لَا يجوز قلت وَقد قَالَ إمَامهمْ مَالك رَضِي الله عَنهُ فِي اخْتِلَاف أَصْحَاب

@ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَضي عَنْهُم مخطىء ومصيب فَعَلَيْك بِالِاجْتِهَادِ وَقَالَ لَيْسَ كَمَا قَالَ نَاس فِيهِ توسعة قلت لَا توسعة فِيهِ بِمَعْنى أَنه يتَخَيَّر بَين أَقْوَالهم من غير توقف على ظُهُور الرَّاجِح وَفِيه توسعة بِمَعْنى ان إختلافهم يدل على أَن الإجتهاد مجالا فِيمَا بَين أَقْوَالهم وَإِن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا يقطع فِيهِ بقول وَاحِد مُتَعَيّن لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِي خلَافَة وَالله أعلم

فرعان

أَحدهمَا إِذا وجد من لَيْسَ أَهلا للترجيح وَالتَّرْجِيح بِالدَّلِيلِ اخْتِلَافا بَين أَئِمَّة الْمَذْهَب فِي الْأَصَح من الْقَوْلَيْنِ أَو الْوَجْهَيْنِ فَيَنْبَغِي أَن يفرع فِي التَّرْجِيح إِلَى صفاتهم الْمُوجبَة لزِيَادَة الثِّقَة بأدائهم فَيعْمل بقول الْأَكْثَر والأعلم والأورع وَإِذا اخْتصَّ وَاحِد مِنْهُم بِصفة مِنْهَا والاخر بِصفة أُخْرَى قدم الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهَا بالإصابة فالأعلم الْوَرع مقدم على الأورع الْعَالم واعتبرنا ذَلِك فِي هَذَا كَمَا اعْتبرنَا فِي التَّرْجِيح عِنْد تعَارض الْأَخْبَار صِفَات رواتها وَكَذَلِكَ إِذا وجد قَوْلَيْنِ أَو وَجْهَيْن لم يبلغهُ عَن أحد من أئمته بَيَان الْأَصَح مِنْهُمَا اعْتبر أَوْصَاف ناقليهما وقائليهما فَمَا رَوَاهُ الْمُزنِيّ أَو الرّبيع

@ الْمرَادِي مقدم عِنْد أَصْحَابنَا على مَا حَكَاهُ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان

@ الْخطابِيّ عَنْهُم على مَا رَوَاهُ حَرْمَلَة أَبُو الرّبيع الجيزي وأشباههما

@ مِمَّن لم يكن قوي الْأَخْذ عَن الشَّافِعِي ويرجح مَا وَافق بهما أَكثر أَئِمَّة الْمذَاهب المتبوعة أَو أَكثر الْعلمَاء وَمِمَّا استفدته من الغرائب بخراسان عَن الشَّيْخ حُسَيْن بن مَسْعُود صَاحب التَّهْذِيب عَن شَيْخه القَاضِي حُسَيْن بن مُحَمَّد قَالَ إِذا اخْتلف قَول الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة وَأحد الْقَوْلَيْنِ يُوَافق مَذْهَب أبي حنيفَة فَأَيّهمَا أولى بالفتوى قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد مَا يُخَالف قَول أبي حنيفَة أولى لِأَنَّهُ لَوْلَا أَن الشَّافِعِي عرف فِيهِ معنى خفِيا بالكان لَا يُخَالف أَبَا حنيفَة وَقَالَ الشَّيْخ الْقفال مَا يُوَافق قَول أبي حنيفَة أولى قَالَ وَكَانَ القَاضِي يذهب إِلَى التَّرْجِيح بِالْمَعْنَى وَيَقُول كل قَول كَانَ مَعْنَاهُ رَاجِح فَذَاك أولى وَأفْتى بِهِ قلت وَقَول القَاضِي الْمروزِي الْمَذْكُور أظهر من قَول أبي حَامِد الاسفرائيني وَكِلَاهُمَا مَحْمُول على مَا إِذا لم يُعَارض ذَلِك من جِهَة القَوْل الآخر تَرْجِيح آخر مثله أَو أقوى مِنْهُ وَهَذِه الْأَنْوَاع من التَّرْجِيح مُعْتَبرَة أَيْضا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَئِمَّة الْمَذْهَب غير أَن مَا يرجحه الدَّلِيل عِنْدهم مقدم على ذَلِك وَالله أعلم الثَّانِي كل مَسْأَلَة فِيهَا قَولَانِ قديم وجديد فالجديد أصح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى إِلَّا فِي نَحْو عشْرين مسئلة أَو أَكثر يُفْتِي فِيهَا على الْقَدِيم على خلاف فِي ذَلِك من أَئِمَّة الْأَصْحَاب فِي أَكْثَرهَا ذَلِك مفرق فِي مصنفاتهم وَقد قَالَ

@ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي ابْن الْجُوَيْنِيّ فِي نهايته قَالَ الائمة كل قَوْلَيْنِ أَحدهمَا جَدِيد فَهُوَ الْأَصَح من الْقَدِيم إِلَّا من ثَلَاث مسَائِل وَذكر مِنْهَا مسئلة التثويب فِي أَذَان الصُّبْح وَمَسْأَلَة التباعد عَن النَّجَاسَة فِي المَاء الْكثير وَلم ينص على الثَّالِثَة غير أَنه لما ذكر القَوْل بعد اسْتِحْبَاب قِرَاءَة السُّورَة بعد الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين وَهُوَ القَوْل الْقَدِيم ثمَّ ذكر ان عَلَيْهِ الْعَمَل وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِشْعَار بِأَن عَلَيْهِ الْفَتْوَى فاصاروا إِلَى ذَلِك فِي ذَلِك مَعَ أَن الْقَدِيم لم يبْق قولا للشَّافِعِيّ لرجوعه عَنهُ وَيكون إختيارهم إِذن الْقَدِيم فِيهَا من قبيل مَا ذَكرْنَاهُ من اخْتِيَار أحدهم مَذْهَب غير الشَّافِعِي إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده اليه كَمَا سبق وبل أولى لكَون الْقَدِيم قد كَانَ قولا لَهُ مَنْصُوصا ويلتحق بذلك مَا إِذا اخْتَار أحدهم القَوْل الْمخْرج على القَوْل الْمَنْصُوص أَو اخْتَار من الْقَوْلَيْنِ اللَّذين رجح الشَّافِعِي أَحدهمَا غير مَا رَجحه وبل أولى من القَوْل الْقَدِيم ثمَّ حكم من لم يكن أَهلا للترجيح من المتبعين لمَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن لَا يتبعوا شَيْئا من اختياراتهم هَذِه الْمَذْكُورَة لأَنهم مقلدون للشَّافِعِيّ دون من خَالفه وَالله أعلم الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة إِذا اقْتصر فِي جَوَابه على حِكَايَة الْخلاف بِأَن قَالَ فِيهَا قَولَانِ أَو وَجْهَان أَو نَحْو ذَلِك من غير أَن يبين الْأَرْجَح فحاصل أمره أَنه لم يفت بِشَيْء وأذكر أَنِّي حضرت بالموصل الشَّيْخ الصَّدْر المُصَنّف أَبَا السعادات ابْن الْأَثِير الْجَزرِي رَحمَه الله فَذكر بعض الْحَاضِرين عِنْده

@ عَن بعض المدرسين أَنه أفتى فِي مَسْأَلَة فَقَالَ فِيهَا قَولَانِ وَأخذ يزري عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخ ابْن الْأَثِير كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم ابْن البرزي وَهُوَ عَلامَة زَمَانه فِي الْمَذْهَب إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة خلاف واستفتي عَنْهَا يذكر الْخلاف فِي الْفتيا وَيُقَال لَهُ فِي ذَلِك فَيَقُول لَا أتقلده الْعهْدَة مُخْتَارًا لأحد الرائيين مُقْتَصرا عَلَيْهِ وَهَذَا جيد عَن عرض الْفَتْوَى وَإِذا لم يذكر شَيْئا أصلا فَلم يتقلده الْعهْدَة أَيْضا وَلكنه لم يَأْتِ بالمطلوب حَيْثُ لم يخلص السَّائِل من عمايته وَهَذَا فِي ذَلِك كَذَلِك وَلَا اقْتِدَاء بِأبي بكر مُحَمَّد بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ الظَّاهِرِيّ فِي فتياه الَّتِي أَخْبرنِي بهَا أَو أَحْمد عبد الْوَهَّاب ابْن عَليّ شيخ

@ الشُّيُوخ بِبَغْدَاد قَالَ أَنبأَنَا الْحَافِظ أَبُو بكر بن أَحْمد على الْخَطِيب قَالَ حَدثنِي القَاضِي أَبُو الطّيب ظَاهر بن عبد الله الطَّبَرِيّ حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس الخضري وَأَخْبرنِي أَيْضا الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس حمد بن الْحسن المقرىء بِبَغْدَاد قَالَ أَنبأَنَا ابو الْحسن عَليّ بن هبة الله بن عبد السَّلَام قَالَ أَنبأَنَا الشَّيْخ الإِمَام ابو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الفيروز آبادي قَالَ سَمِعت شَيخنَا القَاضِي أَبَا الطّيب الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الخضري قَالَ كنت جَالِسا عِنْد أبي بكر بن دَاوُد فَجَاءَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت لَهُ مَا تَقول فِي رجل لَهُ زَوْجَة لَا هُوَ ممسكها وَلَا هُوَ مُطلقهَا فَقَالَ ابو بكر اخْتلف فِي ذَلِك أهل الْعلم فَقَالَ قَائِلُونَ تُؤمر بِالصبرِ والاحتساب وَيبْعَث على التطلب والاكتساب وَقَالَ قَائِلُونَ يُؤمر بِالْإِنْفَاقِ وَإِلَّا تحمل على الْإِطْلَاق فَلم تفهم الْمَرْأَة قَوْله فأعادت وَقَالَت رجل لَهُ زَوْجَة لَا هُوَ ممسكها وَلَا هُوَ مُطلقهَا فَقَالَ لَهَا يَا هَذِه أَجَبْتُك عَن مسألتك وأرشدتك إِلَى طلبتك وَلست بسُلْطَان فأمضي وَلَا قَاض فأقضي وَلَا زوج فأرضي آنصرفي قَالَ فأنصرفت الْمَرْأَة وَلم تفهم جَوَابه قلت التَّصْحِيف شين فآعلم أَن أَبَا الْعَبَّاس الخضري هَذَا هُوَ بخاء مُعْجمَة مَضْمُومَة وبضاد مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَقَوله تُؤمر بِالصبرِ فِي أَوله التَّاء الَّتِي للمؤنث وَقَوله يبْعَث على التطلب فِي أَوله الْيَاء الَّتِي تبنى للمذكر وَقَوْلها لَا هُوَ ممسكها إِلَى لَيْسَ ينْفق عَلَيْهَا وَلَقَد وَقع آبن دَاوُد بَعيدا عَن مناهج الْمُفْتِينَ فِي تعقيده هَذَا وتسجيعه وتحييره من استرشده وَهَكَذَا إِذا قَالَ الْمُفْتِي فِي مَوضِع الْخلاف يرجع إِلَى رَأْي الْحَاكِم فقد عدل عَن نهج الْفَتْوَى وَلم يفت أَيْضا بِشَيْء وَهُوَ كَمَا إِذا استفتى فَلم يجب وَقَالَ آستفتوا غَيْرِي وَحَضَرت بالموصل شيخها الْمُفْتِي أَبَا حَامِد مُحَمَّد بن يُونُس وَقد

@ آستفتي من مسئلة فَكتب فِي جوابها إِن فِيهَا خلافًا فَقَالَ بعض من حضر كَيفَ يعْمل المستفتي فَقَالَ يخْتَار لَهُ القَاضِي أحد المذهبين ثمَّ قَالَ هَذَا يبْنى على أَن الْعَاميّ إِذا آختلف عَلَيْهِ آجتهاد اثْنَيْنِ فَمَاذَا يعْمل وَفِيه خلاف مَشْهُور وَهَذَا غير مُسْتَقِيم أما قَوْله أَولا يخْتَار لَهُ الْحَاكِم فَهُوَ فَاسد لما ذَكرْنَاهُ وَلِأَن الْحَاكِم إِذا لم يكن أَهلا للْفَتْوَى وَذَلِكَ هُوَ الْغَالِب فِي زمَان من ذكرنَا عَنهُ مَا ذَكرْنَاهُ فقد رده إِلَى رَأْي من لَا رَأْي لَهُ وأحاله على عَاجز حَاجته فِي ذَلِك إِلَى فتياه كحاجة من استفتاه وَأما قَوْله ثَانِيًا يبْنى ذَلِك على الْخلاف فِيمَا إِذا اخْتلف عَلَيْهِ إجتهاد مفتيين فتواهما فَهَل يتَخَيَّر بَين فتواهما أَو يَأْخُذ بالأخف أَو بالأغلظ فَهَذَا فِيهِ إحواج للمستفتي إِلَى أَن يستفتى مرّة أُخْرَى وَيسْأل عَن هَذَا أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أَن حكمه التخير أَو الْأَخْذ بالأخف أَو الأغلظ فَلم يَأْتِ إِذن بِمَا يكْشف عمايته بل زَاده عماية وحيرة على أَن الصَّحِيح فِي ذَلِك على مَا سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِنَّه يجب عَلَيْهِ الْأَخْذ بقول الأوثق مِنْهُمَا وَإِذا قَالَ فِيهِ خلاف وَلم يعين الْقَائِلين لم يتهيأ لَهُ فِيهِ وَهَذِه حَالَته الْبَحْث عَن الأوثق من الْقَائِلين وَالله أعلم

@

القَوْل فِي كَيْفيَّة الْفَتْوَى وآدابها وَفِيه مسَائِل الأولى يجب على الْمُفْتِي حَيْثُ يجب عَلَيْهِ الْجَواب أَن يُبينهُ بَيَانا مزيحا للإشكال ثمَّ لَهُ أَن يُجيب شفاها بِاللِّسَانِ وَإِذا لم يعلم لِسَان المستفتي أَجْزَأت تَرْجَمَة الْوَاحِد لِأَن طَرِيقه الْخَيْر وَله أَن يُجيب بِالْكِتَابَةِ مَعًا فِي الْفَتْوَى فِي الرّقاع وفيهَا من الْخطر وَكَانَ القَاضِي أَبُو حَامِد المروزوري الإِمَام فِيمَا بلغنَا عَنهُ كثير الْهَرَب من الْفَتْوَى فِي الرّقاع قَالَ أَبُو الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ وَلَيْسَ من الْأَدَب للمفتي أَن يكون السُّؤَال بِخَطِّهِ فإمَّا بإملائه وتهذيبه فواسع وبلغنا عَن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ رَحمَه الله أَنه كَانَ قد يكْتب إِلَى المستفتي السُّؤَال على ورق من عِنْده ثمَّ يكْتب الْجَواب وَالله أعلم الثَّانِيَة إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة فِيهَا تَفْصِيل لم يُطلق الْجَواب فَإِنَّهُ خطأ ثمَّ لَهُ أَن يستفصل السَّائِل إِن حضر ويقيد السُّؤَال فِي رقْعَة الاستفتاء ثمَّ يُجيب عَنهُ وَهَذَا أولى وَكَثِيرًا مَا نتحراه نَحن ونفعله وَله أَن يقْتَصر على جَوَاب أحد الْأَقْسَام إِذا علم أَنه الْوَاقِع للسَّائِل وَلَكِن تَقول هَذَا إِذا كَانَ كَذَا وَكَذَا وَله أَن يفصل الْأَقْسَام فِي جَوَابه وَيذكر حكم كل قسم وَهَذَا قد كرهه أَبُو الْحُسَيْن الْقَابِسِيّ من أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة وَقَالَ هَذَا ذَرِيعَة إِلَى تَعْلِيم النَّاس الْفُجُور وَنحن نكرهه أَيْضا لما ذكره من أَنه يفتح للخصوم بَاب التمحل والاحتيال الْبَاطِل وَلِأَن ازدحام الْأَقْسَام بأحكامها على فهم الْعَاميّ يكَاد يضيعه وَإِذا لم يجد الْمُفْتِي من

@ يستفسره فِي ذَلِك كَانَ مدفوعا إِلَى التَّفْصِيل فليتثبت وليجتهد فِي إستيفاء الْأَقْسَام وأحكامها وتحريرها وَالله أعلم الثَّالِثَة إِذا كَانَ المستفتي بعيد الْفَهم فَيَنْبَغِي للمفتي أَن يكون رَفِيقًا بِهِ صبورا عَلَيْهِ حسن التأني فِي التفهم مِنْهُ والتفهيم لَهُ حسن الإقبال عَلَيْهِ لَا سِيمَا إِذا كَانَ ضَعِيف الْحَال محتسبا أجر ذَلِك فَإِنَّهُ جزيل أخْبرت عَن أبي الْفتُوح عبد الْوَهَّاب بن شاه النَّيْسَابُورِي قَالَ أخبرنَا الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي قَالَ سَمِعت أَبَا سعيد الشحام يَقُول رَأَيْت الشَّيْخ الإِمَام أَبَا الطّيب سهلا الصعلوكي فِي الْمَنَام فَقلت أَيهَا الشَّيْخ فَقَالَ دع التشييخ فَقلت وَتلك الْأَحْوَال الَّتِي شاهدتها فَقَالَ لم تغن عَنَّا فَقلت مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي بمسائل كَانَ يسْأَل عَنْهَا الْعَجز الْعَجز بِضَم الْعين وَالْجِيم الْعَجَائِز وَالله أعلم الرَّابِعَة ليتأمل رقْعَة الأستفتاء تأملا شافيا كلمة بعد كلمة ولتكن عنايته بتأمل آخرهَا أَكثر فَإِنَّهُ فِي آخرهَا يكون السُّؤَال وَقد يتَقَيَّد الْجَمِيع بِكَلِمَة فِي آخر الرقعة ويغفل عَنْهَا القارىء لَهَا وَهَذَا من أهم أَن يراعيه فَإِذا مر فِيهَا بمشتبه سَأَلَ عَنْهَا المستفتي ونقطه وشكله مصلحَة لنَفسِهِ ونيابة عَمَّن يُفْتِي بعده وَكَذَا إِن رأى لحنا فَاحِشا أَو خطأ يحِيل معنى أصلحه قطع بذلك أَبُو الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا فِي كِتَابه فِي أدب الْمُفْتِي والمستفتي وَقَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الْحَافِظ رَأَيْت القَاضِي أَبَا الطّيب الطَّبَرِيّ يفعل هَذَا فِي الرّقاع الَّتِي ترفع إِلَيْهِ للإستفتاء قلت وَوَجهه إِلْحَاقه بقبيل الْمَأْذُون فِيهِ بِلِسَان الْحَال فَإِن الرقعة إِنَّمَا قدمهَا صَاحبهَا إِلَيْهِ ليكتب فِيهَا مَا يرى وَهَذَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ إِذا رأى بَيَاضًا فِي أثْنَاء بعض السطور أَو فِي آخرهَا خطّ عَلَيْهِ وشغله على نَحْو مَا يَفْعَله الشَّاهِد فِي كتب الوثائق وَنَحْوهَا لِأَنَّهُ رُبمَا قصد الْمُفْتِي فَيكْتب من ذَلِك الْبيَاض بعد

@ فتواه مَا يُفْسِدهَا كَمَا بلي القَاضِي أَبُو حَامِد الْمروزِي بِمثل ذَلِك إِذْ قصد مساءته بعض النَّاس فَكتب مَا تَقول فِي رجل مَاتَ وَخلف ابْنه وأختا لأم ثمَّ ترك بَيَاضًا فِي آخر السطر مَوضِع كلمة ثمَّ كتب فِي أول السطر الَّذِي يَلِيهِ وَترك ابْن عَم فَأفْتى للْبِنْت النّصْف وَالْبَاقِي لآبن الْعم فَلَمَّا أَخذ خطه بذلك ألحق فِي مَوضِع الْبيَاض وَأب وشنع عَلَيْهِ بذلك وَكَانَ ذَلِك سَبَب فتْنَة ثارت بَين طائفتين من رُؤَسَاء الْبَصْرَة وَالله أعلم الْخَامِسَة يسْتَحبّ لَهُ أَن يقْرَأ مَا فِي الرقعة على من بِحَضْرَتِهِ من هُوَ أهل لذَلِك ويشاورهم فِي الْجَواب ويباحثهم فِيهِ وَإِن كَانُوا دونه وتلامذته لما فِي ذَلِك من الْبركَة والإقتداء برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبالسلف الصَّالح رَضِي الله عَنْهُم اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون فِي الرقعة مَا لَعَلَّ السَّائِل يُؤثر ستره أَو فِي إشاعته مفْسدَة لبَعض النَّاس فينفرد هُوَ بِقِرَاءَتِهَا وجوابها وَالله أعلم السَّادِسَة يَنْبَغِي أَن يكْتب الْجَواب بِخَط وَاضح وسط لَيْسَ بالدقيق الخافي وَلَا بالغليظ الجافي وَكَذَا يتوسط فِي سطوره بَين توسيعها وتضييقها وَتَكون عِبَارَته وَاضِحَة صَحِيحَة بِحَيْثُ يفهمها الْعَامَّة وَلَا تزدريها الْخَاصَّة وَاسْتحبَّ بَعضهم أَن لَا يتَفَاوَت أقلامه وَلَا يخْتَلف خطه خوفًا من التزوير عَلَيْهِ وَكيلا يشْتَبه خطه قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَقل مَا وجد التزوير على الْمُفْتِي وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى حفظ الدّين وَإِذا كتب الْجَواب أعَاد نظره فِيهِ خوفًا من أَن يكون أخل بِشَيْء مِنْهُ السَّابِعَة إِذا كَانَ هُوَ المبتدىء بالإفتاء فِيهَا العاده جَارِيَة قَدِيما وحديثا بِأَن يكْتب فتواه فِي النَّاحِيَة الْيُسْرَى من الورقة لِأَن ذَلِك أمكن لَهُ وَلَو كتب فِي غَيرهَا فَلَا عتب عَلَيْهِ إِلَّا أَن يرْتَفع إِلَى أَعْلَاهَا ترفعا وَلَا سِيمَا فَوق الْبَسْمَلَة وَفِيمَا وَجَدْنَاهُ عَن أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ أَن كثيرا من الْفُقَهَاء يبْدَأ فِي فتواه

@ بِأَن يَقُول الْجَواب وَحذف ذَلِك آخَرُونَ قَالَ وَلَو عمل ذَلِك فِيمَا طَال من الْمسَائِل وَحذف فِيمَا سوى ذَلِك لَكَانَ وَجها وَلَكِن لَا يدع أَن يخْتم جَوَابه بِأَن يَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَو وَالله الْمُوفق أَو وَالله أعلم قَالَ وَكَانَ بعض السّلف إِذا أفتى يَقُول إِن كَانَ صَوَابا فَمن الله وَإِن كَانَ خطأ فمني قَالَ وَهَذَا معنى كره فِي هَذَا الزَّمَان لِأَن فِيهِ إضعاف نفس السَّائِل وَإِدْخَال قلبه الشَّك فِي الْجَواب قَالَ وَلَيْسَ يقبح مِنْهُ أَن يَقُول الْجَواب عندنَا أَو الَّذِي عندنَا أَو يَقُول أَو الَّذِي نرَاهُ كَذَا وَكَذَا لِأَنَّهُ من حَملَة أَصْحَابه وأرباب مقَالَته وَالله أعلم الثَّامِنَة رُوِيَ عَن مَكْحُول وَمَالك رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا

@ يفتيان حَتَّى يَقُولَا لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَنحن نستحب للمفتي مَعَ غَيره فَلْيقل إِذا أَرَادَ الْإِفْتَاء أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ﴿سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ الْآيَة ﴿رب اشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي واحلل عقدَة من لساني يفقهوا قولي﴾ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وحنانيك اللَّهُمَّ لَا تنسني وَلَا تنسني الْحَمد لله أفضل الْحَمد اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آله وَسَائِر النَّبِيين وَسلم اللَّهُمَّ وفقني واهدني وسددني واجمع لي بَين الصَّوَاب وَالثَّوَاب وأعذني من الْخَطَأ والحرمان آمين وَإِن لم يَأْتِ بذلك عِنْد كل فَتْوَى فليأت بِهِ عِنْد أول فتيا يفتيها فِي يَوْمه لما يفتيه فِي سَائِر يَوْمه مضيفا إِلَيْهِ قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَآيَة الْكُرْسِيّ وَمَا تيَسّر فَإِن من ثابر على ذَلِك كَانَ حَقِيقا بِأَن يكون موفقا فِي فَتَاوِيهِ وَالله أعلم التَّاسِعَة بلغنَا عَن القَاضِي أبي الْحسن الْمَاوَرْدِيّ صَاحب كتاب الْحَاوِي قَالَ إِن الْمُفْتِي عَلَيْهِ أَن يختصر جَوَابه فيكتفي فِيهِ بِأَنَّهُ يجوز أَو لَا يجوز أَو حق أَو بَاطِل وَلَا يعدل إِلَى الإطالة والاحتجاج ليفرق

@ بَين الْفَتْوَى والتصنيف قَالَ وَلَو سَاغَ التجاوز إِلَى قَلِيل لساغ إِلَى كثير ولصار الْمُفْتِي مدرسا وَلكُل مقَام مقَال وَذكر شَيخنَا أَبُو الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ عَن شَيْخه القَاضِي أبي حَامِد الْمروزِي أَنه كَانَ يختصر فِي فتواه عَامَّة مَا يُمكنهُ واستفتي فِي مَسْأَلَة قيل فِي آخرهَا أَيجوزُ ذَلِك أم لَا فَكَانَت لَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق قلت الِاقْتِصَار على لَا أَو نعم لَا يَلِيق بِغَيْر الْعَامَّة وَإِنَّمَا يحسن بالمفتي الإختصار الَّذِي لَا يخل بِالْبَيَانِ الْمُشْتَرط عَلَيْهِ دون مَا يخل بِهِ فَلَا يدع إطاله لَا يحصل الْبَيَان بِدُونِهَا فَإِذا كَانَت فتياه فِيمَا يُوجب الْقود أَو الرَّجْم مثلا فليذكر الشُّرُوط الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا الْقود وَالرَّجم وَإِذا استفتي فِيمَن قَالَ قولا يكفر بِهِ بِأَن قَالَ الصَّلَاة لعب أَو الْحَج عَبث أَو نَحْو ذَلِك فَلَا يُبَادر بِأَن يَقُول هَذَا حَلَال الدَّم أَو يقتل بل يَقُول إِذا ثَبت عَلَيْهِ ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ أَو الْإِقْرَار إستتابه السُّلْطَان فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته وَإِن أصر وَلم يتب قتل وَفعل بِهِ كَذَا وَكَذَا وَبَالغ فِي تَغْلِيظ أمره وَإِن كَانَ الْكَلَام الَّذِي قَالَه يحْتَمل أمورا لَا يكفر بِبَعْضِهَا فَلَا يُطلق جَوَابه وَله أَن يَقُول ليسأل عَمَّا إراد بقوله فَإِن أَرَادَ كَذَا فَالْجَوَاب كَذَا وَإِن أَرَادَ كَذَا فَالْحكم فِيهِ كَذَا وَقد سبق الْكَلَام فِيمَا شَأْنه التَّفْصِيل وَإِذا استفتي فِيمَا يُوجب التَّعْزِير فليذكر قدر مَا يعزره بِهِ السُّلْطَان فَيَقُول يضْرب مَا بَين كَذَا إِلَى كَذَا وَلَا يُزَاد على كَذَا خوفًا من أَن يضْرب بفتواه إِذا أطلق القَوْل مَا لَا يجوز ضربه ذكر ذَلِك الصَّيْمَرِيّ قلت وَإِذا قَالَ عَلَيْهِ التَّعْزِير بِشَرْطِهِ أَو الْقصاص بِشَرْطِهِ فَلَيْسَ باطلاق وتقييده بِشَرْطِهِ يبْعَث من لَا يعرف الشَّرْط من ولاه الْأَمر على السُّؤَال عَن شَرطه وَالْبَيَان أولى وَالله أعلم الْعَاشِرَة إِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة مِيرَاث فالعادة غير جَارِيَة بِأَن يشْتَرط فِي

@ جَوَابه فِي الْوَرَثَة عدم الرّقّ وَالْكفْر وَالْقَتْل وَغَيرهَا من الْمَوَانِع بل الْمُطلق مَحْمُول على ذَلِك بِخِلَاف مَا إِذا أطلق السَّائِل ذكر الْأُخوة والاخوان والأعمام وبنيهم فَلَا بُد أَن يشْتَرط فِي الْجَواب فَيَقُول من أَب وَأم أَو من أَب أَو من أم وَإِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فِيهَا عول كالمنبرية وَهِي زَوْجَة وأبوان وبنتان فَلَا يقل للزَّوْجَة الثّمن وَلَا للزَّوْجَة التسع لِأَن أحدا من السّلف لم يقلهُ بل إِمَّا أَن يَقُول ثمن عائل وَهُوَ ثَلَاثَة أسْهم من سَبْعَة وَعشْرين سَهْما من كَذَا وَكَذَا وَإِذا كَانَ فِي الْمَذْكُورين فِي السُّؤَال من لَا يَرث أفْصح بسقوطه فَقَالَ وَسقط فلَان وَإِن كَانَ سُقُوطه فِي صُورَة دون صُورَة قَالَ سقط فلَان فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَو نَحْو ذَلِك وَإِذا سُئِلَ عَن إخْوَة وأخوات أَو بَنِينَ وَبَنَات فَلَا يَنْبَغِي إِلَّا أَن يَقُول يقتسمون التَّرِكَة على كَذَا وَكَذَا سَهْما لكل ذكر كَذَا سَهْما وَلكُل أُنْثَى كَذَا سَهْما وَلَا يقل للذّكر مثل حَظّ الأثنيين فَإِن ذَلِك يشكل على الْعَاميّ وَهَذَا رَأْي الإِمَام أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ وَنحن نجد فِي تعمد الْعُدُول عَنهُ حزازة فِي النَّفس لكَونه لفظ الْقُرْآن الْعَظِيم وَأَنه قل مَا يخفى مَعْنَاهُ على أحد وسبيله أَن يكون فِي جَوَاب مسَائِل المناسخات شَدِيد التَّحَرُّز والتحفظ وَليقل فِيهَا لفُلَان كَذَا وَكَذَا من ذَلِك كَذَا بميراثه من فلَان وَكَذَا بميراثه من فلَان وَحسن أَن يَقُول فِي قسْمَة الْمَوَارِيث تقسم التَّرِكَة بعد إِخْرَاج مَا يجب تَقْدِيمه من دين أَو وَصِيَّة إِن كَانَا وَالله أعلم الْحَادِيَة عشرَة لَيْسَ للمفتي أَن يَبْنِي مَا يَكْتُبهُ فِي جَوَابه على مَا يعلم من صُورَة الْوَاقِعَة المستفتى عَنْهَا إِذا لم يكن فِي الرقعة تعرض لَهُ وَكَذَا إِذا أَرَادَ السَّائِل شفاها مَا لَيْسَ فِي الرقعة تعرض لَهُ وَلَا لَهُ بِهِ تعلق فَلَيْسَ للمفتي أَن يكْتب جَوَابه من الرقعة وَلَا بَأْس بِأَن يضيفه إِلَى السُّؤَال بِخَطِّهِ وَإِن لم يكن من الْأَدَب كَون السُّؤَال جَمِيعه بِخَط الْمُفْتِي على مَا سبق وَلَا بَأْس أَيْضا لَو كتب بعد جَوَابه عَمَّا فِي الرقعة زَاد السَّائِل لَفظه من كَذَا وَكَذَا أَو الْجَواب عَنهُ كَذَا وَكَذَا وَإِذا كَانَ الْمَكْتُوب فِي الرقعة على خلاف الصُّورَة الْوَاقِعَة وَعلم الْمُفْتِي

@ بذلك فليفت على مَا وجده فِي الرقعة وَليقل هَذَا إِن كَانَ الْأَمر على مَا ذكر وَإِن كَانَ كَيْت وَكَيْت وَيذكر مَا علمه من الصُّورَة فَالْحكم كَذَا وَكَذَا قلت وَإِذا زَاد الْمُفْتِي على جَوَاب الْمَذْكُور فِي السُّؤَال مَا لَهُ بِهِ تعلق وَيحْتَاج إِلَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ فَذَلِك حسن وَالله أعلم الثَّانِيَة عشرَة لَا يَنْبَغِي إِذا ضَاقَ مَوضِع الْفَتْوَى عَنْهَا أَن يكْتب الْجَواب فِي رقْعَة أُخْرَى خوفًا من الْحِيلَة عَلَيْهِ وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون جَوَابه مَوْصُولا بآخر سطر من الرقعة وَلَا يدع بَينهمَا فُرْجَة خوفًا من أَن يثبت السَّائِل فِيهَا غَرضا لَهُ ضارا وَكَذَا إِذا كَانَ فِي مَوضِع الْجَواب ورقة ملزقة كتب على مَوضِع الإلزاق وشغله بِشَيْء وَإِذا أجَاب على ظهر الرقعة فَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب فِي أَعْلَاهَا لَا فِي ذيلها اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يبتدىء الْجَواب فِي أَسْفَلهَا مُتَّصِلا بالإستفتاء فيضيق عَلَيْهِ الْموضع فيمتد وَرَاءَهَا مِمَّا يَلِي أَسْفَلهَا ليتصل جَوَابه وَاخْتَارَ بَعضهم أَن لَا يكْتب على ظهرهَا وَلَا يكْتب على حاشيتها بِطُولِهَا وَالْمُخْتَار أَن حاشيتها أولى بذلك من ظهرهَا وَالْأَمر من ذَلِك قريب وَالله أعلم الثَّالِثَة عشرَة إِذا رأى الْمُفْتِي رقْعَة الإستفتاء قد سبق بِالْجَوَابِ فِيهَا من لَيْسَ أَهلا للْفَتْوَى فَعَن الإِمَام أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ رَضِي الله عَنهُ أَنه لَا يُفْتِي مَعَه لِأَن فِيهِ تَقْرِير مِنْهُ لمنكر بل يضْرب على ذَلِك بِإِذن صَاحب الرقعة وَلَو لم يستاذنه فِي هَذَا الْقدر جَازَ لَكِن لَيْسَ لَهُ إحتباس الرقعة إِلَّا بِإِذن صَاحبهَا وَله انتهار السَّائِل وزجره وتعريف قبح مَا أَتَاهُ وَإنَّهُ قد كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ الْبَحْث عَن أهل الْفَتْوَى وَطلب من يسْتَحق ذَلِك وَإِن رأى فِيهَا اسْم من لَا يعرفهُ سَأَلَ عَنهُ فَإِن لم يعرفهُ فبوسعه أَن يمْتَنع من الْفَتْوَى مَعَه خوفًا مِمَّا قُلْنَاهُ قَالَ وَكَانَ بَعضهم فِي مثل هَذَا يكْتب على ظهرهَا وَالْأولَى فِي هَذِه الْمَوَاضِع أَن يشار على صَاحبهَا بإبدالها فَإِن أَبى ذَلِك أَجَابَهُ شفاها قلت وَإِذا خَافَ فتْنَة من الضَّرْب على فتيا العادم للأهلية وَلم يكن خطأ عدل إِلَى الِامْتِنَاع من الْفتيا مَعَه وَإِن غلبت فَتَاوِيهِ لتغلبه على منصبها بجاه أَو

@ تلبيس أَو غير ذَلِك بِحَيْثُ صَار امْتنَاع الْأَهْل من الْفتيا مَعَه ضارا بالمستفتيين فليفت مَعَه فَإِن ذَلِك أَهْون الضررين وليتلطف مَعَ ذَلِك فِي إِظْهَار قصوره لمن يجهله وَالله أعلم الرَّابِعَة عشرَة إِذا ظهر لَهُ أَن الْجَواب على خلاف غَرَض المستفتي وَأَنه لَا يرضى بكتبه فِي ورقته فليقتصر على مشافهته بِالْجَوَابِ حَدثنِي الشَّيْخ أَبُو المظفر عبد الرَّحِيم بن الْحَافِظ أبي سعيد عبد الْكَرِيم السَّمْعَانِيّ بِمَدِينَة مرو عَن وَالِده قَالَ سَمِعت أَبَا السعادات الْمُبَارك بن الْحُسَيْن الشَّاهِد بواسط يَقُول دخلت على قَاضِي الْقُضَاة أبي عبد الله الدَّامغَانِي وَكَانَ معي رقْعَة فِيهَا مَسْأَلَة فَسَأَلته الْجَواب عَنْهَا فَأخذ الرقعة وَشرع يكْتب الْجَواب وَكنت أَدْعُو لَهُ فَقَالَ الْمُفْتِي إِذا وَافق جَوَابه غَرَض المستفتى يَدْعُو لَهُ وَإِذا لم يُوَافق سكت ثمَّ قَالَ غرم شَيخنَا أَبُو الْحسن بن الْقَدُورِيّ لرجل ورقة أفتى يَوْمًا فِي مَسْأَلَة استفتي عَنْهَا فأتفق الْجَواب على خلاف غَرَض المستفتي فَقَالَ لَهُ يَا شيخ اتلفت ورقتي قَالَ فَأخْرج شَيخنَا ورقة من عِنْده وَقَالَ هاك عوضهَا وَالله أعلم الْخَامِسَة عشرَة إِذا وجد فِي رقْعَة الاستفتاء فتيا غَيره وَهِي خطأ قطعا وَإِمَّا خطأ مُطلقًا لمخالفتها الدَّلِيل الْقَاطِع وَإِمَّا خطأ على مَذْهَب من يُفْتِي ذَلِك الْغَيْر على مذْهبه قطعا فَلَا يجوز لَهُ الإمتناع من الْإِفْتَاء فَهُوَ كالتنبيه على خطاياها إِذا لم يكفه ذَلِك غَيره بل عَلَيْهِ الضَّرْب عَلَيْهَا عِنْد تيسره أَو الْإِبْدَال وتقطيع الرقعة بِإِذن صَاحبهَا أَو نَحْو ذَلِك وَإِذا تعذر ذَلِك وَمَا يقوم مقَامه كتب صَوَاب جَوَابه عِنْد ذَلِك الْخَطَأ ثمَّ إِذا كَانَ المخطىء أَهلا للْفَتْوَى فَحسن أَن يُعَاد إِلَيْهِ بِإِذن صَاحبهَا وَأما إِذا وجد فِيهَا فتيا مِمَّن هُوَ أهل للْفَتْوَى وَهُوَ على خلاف مَا يرَاهُ هُوَ غير أَنه لَا يقطع بخطاياها فليقتصر على أَن يكْتب جَوَاب نَفسه وَلَا يتَعَرَّض لفتيا غَيره بتخطئة وَلَا إعتراض عَلَيْهِ وبلغنا أَن الْملك الملقب بِجلَال الدولة من مُلُوك الديلم المتسلطين على

@ الْخُلَفَاء لما زيد فِي ألقابه شاهان شاه الْأَعْظَم ملك الْمُلُوك وخطب لَهُ بذلك بِبَغْدَاد على الْمِنْبَر جرى فِي ذَلِك إستفتاء فُقَهَاء بَغْدَاد فِي جَوَاز ذَلِك وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبع مائَة فَأفْتى غير وَاحِد من أَئِمَّة الْعَصْر بِجَوَاز ذَلِك مِنْهُم القَاضِي الإِمَام أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ وَأَبُو الْقَاسِم الْكَرْخِي وَابْن الْبَيْضَاوِيّ وَالْقَاضِي أَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ الْحَنَفِيّ وَأَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ وَلم يفت مَعَهم القَاضِي أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ فَكتب إِلَيْهِ كَاتب الْخَلِيفَة يَخُصُّهُ بالإستفتاء فِي ذَلِك فَأفْتى بِأَن ذَلِك لَا يجوز وَلَقَد أصَاب فِي تَحْرِيمه ذَلِك وأخطاوا فِي تجويزه فَلَمَّا وقفُوا على جَوَابه تصدوا لنقضه وَأطَال القاضيان أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ وَأَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ فِي التشنيع عَلَيْهِ فَأجَاب الْمَاوَرْدِيّ عَن كِلَاهُمَا بِجَوَاب طَوِيل يذكر فِيهِ أَنَّهُمَا أخطا من وُجُوه مِنْهَا أَنه لَا يسوغ لمفت إِذا أفتى أَن يتَعَرَّض لجواب غَيره برد وَلَا بِخطْبَة ويجيب بِمَا عِنْده من مُوَافقَة أَو مُخَالفَة فقد يُفْتِي بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي بِمَا يخالفهم فِيهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة فَلَا يتَعَرَّض أحد مِنْهُم لرد على صَاحبه وَالله أعلم السَّادِسَة عشرَة إِذا لم يفهم الْمُفْتِي السُّؤَال أصلا وَلم يحضر صَاحب الْوَاقِعَة فَعَن القَاضِي أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ الشَّافِعِي رَحمَه الله أَن لَهُ أَن يكْتب يُزَاد فِي الشَّرْح لنجيب عَنهُ أَو لم أفهم مَا فِيهَا فَأُجِيب عَنهُ وَقَالَ بَعضهم لَا يكْتب شَيْئا أصلا قَالَ وَرَأَيْت بَعضهم كتب فِي مثل هَذَا يحضر السَّائِل لنخاطبه شفاها وَإِذا اشْتَمَلت الرقعة على مسَائِل فهم بَعْضهَا دون بعض أَو فهمها كلهَا وَلم يزدْ الْجَواب عَن بَعْضهَا أَو احْتَاجَ فِي بَعْضهَا إِلَى مطالعة رَأْيه أَو كتبه سكت عَن ذَلِك الْبَعْض وَأجَاب عَن الْبَعْض الآخر وَعَن الصَّيْمَرِيّ أَنه يَقُول فِي جَوَابه فَأَما بَاقِي الْمسَائِل قُلْنَا فِيهِ نظر أَو يَقُول مطالعة أَو يَقُول زِيَادَة تَأمل قلت وَإِذا فهم من السُّؤَال صُورَة وَهُوَ يحْتَمل غَيرهَا فلينهر عَلَيْهَا فِي

@ أول جَوَابه فَيَقُول إِن كَانَ قد قَالَ كَذَا وَكَذَا أَو فعل كَذَا وَكَذَا أَو مَا أشبه هَذَا ثمَّ يذكر حكم ذَلِك وَالله أعلم السَّابِعَة عشرَة لَيْسَ بمنكر أَن يذكر الْمُفْتِي فِي فتواه الْحجَّة إِذا كَانَت نصا وَاضحا مُخْتَصرا مثل أَن يسئل عَن عدَّة الْآيَة وَحسن أَن يكْتب فِي فتواه قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ أَو يسْأَل هَل يطهر جلد الْميتَة بالدباغ فَيكْتب نعم يطهر قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر) وَأما الأقيسة وَشبههَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ ذكر شَيْء مِنْهَا وَفِيمَا وَجَدْنَاهُ عَن الصَّيْمَرِيّ قَالَ لم تجر الْعَادة على أَن يذكر فِي فتواه طَرِيق الإجتهاد وَلَا وَجه الْقيَاس والإستدلال اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون الْفَتْوَى تتَعَلَّق بِنَظَر قَاض فيومىء فِيهَا طَرِيق الإجتهاد ويلوح بالنكثة الَّتِي عَلَيْهَا بني الْجَواب أَو يكون غَيره قد أفتى فِيهَا بفتوى غلظ فِيهَا عِنْده فيلوح بالنكثة الَّتِي أوجب خِلَافه ليقمْ عذره فِي مُخَالفَته قلت وَكَذَلِكَ لَو كَانَ فِيمَا يُفْتِي بِهِ غموض فَحسن أَن يلوح بحجته وَهَذَا التَّفْصِيل أولى مِمَّا سبق قَرِيبا ذكره عَن القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ من إِطْلَاقه القَوْل بِالْمَنْعِ من تعرضه للإحتجاج وَقد يحْتَاج الْمُفْتِي فِي بعض الوقائع إِلَى أَن يشدد ويبالغ فَيَقُول هَذَا اجماع الْمُسلمين أَو لَا أعلم فِي هَذَا خلافًا أَو فَمن خَالف هَذَا فقد خَالف الْوَاجِب وَعدل عَن الصَّوَاب أَو فقد أَثم وَفسق أَو على ولي الْأَمر أَن يَأْخُذ بِهَذَا وَلَا يهمل الْأَمر وَمَا اشبه هَذِه الْأَلْفَاظ على حسب مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة وتوجبه الْحَال وَالله أعلم

@ الثَّامِنَة عشرَة يجب على الْمُفْتِي عِنْد اجْتِمَاع الرّقاع بِحَضْرَتِهِ أَن يقدم الأسبق فالاسبق كَمَا يَفْعَله القَاضِي عِنْد اجْتِمَاع الْخُصُوم وَذَلِكَ فِيمَا يجب عَلَيْهِ الْإِفْتَاء وَعند التَّسَاوِي أَو الْجَهْل بالسابق يقدم بِالْقُرْعَةِ وَالصَّحِيح أَنه يجوز لَهُ تَقْدِيم الْمَرْأَة وَالْمُسَافر الَّذِي شدّ رَحْله وَفِي تَأْخِيره تخلفه عَن رفقته على من سبقهما إِلَّا إِذا أَكثر المسافرون وَالنِّسَاء بِحَيْثُ يلْحق غَيرهم من تقديمهم ضَرَر كثير فَيَعُود إِلَى التَّقْدِيم بِالسَّبقِ أَو القرعه ثمَّ لَا يقدم من يقدمهُ إِلَّا فتيا وَاحِدَة وَالله أعلم التَّاسِعَة عشرَة ليحذر أَن يمِيل فِي فتواه مَعَ المستفتي أَو مَعَ خَصمه ووجوه الْميل كَثِيرَة لَا تخفى وَمِنْهَا أَن يكْتب فِي جَوَابه مَا هُوَ لَهُ ويسكت عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَن يبتدىء فِي مسَائِل الدَّعَاوَى والبينات يذكر وُجُوه المخالص مِنْهَا وَإِذا سَأَلَهُ أحدهم وَقَالَ بِأَيّ شَيْء تنْدَفع دَعْوَى كَذَا أَو كَذَا وَبَيِّنَة كَذَا أَو كَذَا لم يجبهُ كي لَا يتَوَصَّل بذلك إِلَى إبِْطَال حق وَله أَن يسْأَل عَن حَاله فِيمَا ادعِي عَلَيْهِ فَإِذا شَرحه لَهُ عرفه بِمَا فِيهِ من دَافع وَغير دَافع وَالله أعلم الْعشْرُونَ لَيْسَ لَهُ إِذا استفتي فِي شَيْء من الْمسَائِل الكلامية أَن يُفْتِي بالتفصيل بل يمْنَع مستفتيه وَسَائِر الْعَامَّة من الْخَوْض فِي ذَلِك أصلا وَيَأْمُرهُمْ بِأَن يقتصروا فِيهَا على الْإِيمَان جملَة من غير تَفْصِيل ويقولوا فِيهَا وَفِيمَا ورد من الْآيَات والاخبار المتشابهات أَن الثَّابِت فِيهَا فِي نفس الْأَمر كل مَا هُوَ لَائِق فِيهَا بِجلَال الله وكماله وتقديسه المطلقين وَذَلِكَ هُوَ معتقدنا فِيهَا وَلَيْسَ علينا تَفْصِيله وتعيينه وَلَيْسَ الْبَحْث عَنهُ من شَأْننَا بل نكل علم تَفْصِيله إِلَى الله تبَارك وَتَعَالَى ونصرف عَن الْخَوْض فِيهِ قُلُوبنَا وألسنتنا فَهَذَا وَنَحْوه عَن أَئِمَّة الْفَتْوَى هُوَ الصَّوَاب فِي ذَلِك وَهُوَ سَبِيل سلف الْأمة وأئمة الْمذَاهب الْمُعْتَبرَة وأكابر الْفُقَهَاء وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ أصوب وَأسلم للعامة وأشباههم مِمَّن يدغل قلبه بالخوض فِي ذَلِك وَمن كَانَ مِنْهُم إعتقد إعتقادا بَاطِلا تَفْصِيلًا

@ فَفِي إِلْزَامه بِهَذَا صرف لَهُ عَن ذَلِك الِاعْتِقَاد الْبَاطِل بِمَا هُوَ أَهْون وأيسر وَأسلم وَإِذا عزّر ولي الْأَمر من حاد مِنْهُم عَن هَذِه الطَّرِيقَة فقد تأسى بعمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فِي تعزيره ضبيع بن عسل الَّذِي كَانَ يسْأَل عَن المتشابهات على ذَلِك والمتكلمون من أَصْحَابنَا معترفون بِصِحَّة هَذِه الطَّرِيقَة وبأنها أسلم لمن سلمت لَهُ وَكَانَ الْغَزالِيّ مِنْهُم فِي آخر أمره شَدِيد الْمُبَالغَة فِي الدُّعَاء إِلَيْهَا والبرهنة عَلَيْهَا وَذكر شَيْخه الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي فِي كِتَابه الغياثي أَن الإِمَام يحرص مَا أمكنه على جمع الْعَامَّة من الْخلق على سلوك سَبِيل السّلف فِي ذَلِك واستفتى الْغَزالِيّ فِي كَلَام الله تبَارك وَتَعَالَى وَكَانَ من جَوَابه وَأما الْخَوْض فِي أَن كَلَامه تَعَالَى حرف وَصَوت أَو لَيْسَ كَذَلِك فَهُوَ بِدعَة وكل من يَدْعُو الْعَوام إِلَى الْخَوْض فِي هَذَا فَلَيْسَ من أَئِمَّة الدّين وَإِنَّمَا هُوَ من المضلين ومثاله من يَدْعُو الصّبيان الَّذين لَا يعْرفُونَ السباحة إِلَى خوض الْبَحْر وَمن يَدْعُو الزَّمن المقعد إِلَى السّفر فِي البراري من غير مركوب وَقَالَ فِي رِسَالَة لَهُ الصَّوَاب لِلْخلقِ كلهم إِلَّا الشاذ النَّادِر الَّذِي لَا تسمح الإعصار إِلَّا بِوَاحِد مِنْهُم أَو اثْنَيْنِ سلوك مَسْلَك السّلف فِي الْإِيمَان الْمُرْسل والتصديق الْمُجْمل بِكُل مَا أنزلهُ الله تَعَالَى وَأخْبر بِهِ رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير بحث وتفتيش والإشتغال بالفتوى فَفِيهِ شغل شاغل وَفِي كتاب أدب الْمُفْتِي والمستفتي للصيمري أبي الْقَاسِم أَن مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْفَتْوَى أَن من كَانَ مَنْسُوبا بالفتوى فِي الْفِقْه لم يَنْبغ أَن يضع حَظه بفتوى فِي مسئلة من الْكَلَام كالقضاء وَالْقدر والرؤية وَخلق الْقُرْآن وَكَانَ بَعضهم لَا يستتم قِرَاءَة مثل هَذِه الرقعة وَحكى أَبُو عمر بن عبد الْبر الْفَقِيه الْحَافِظ الأندلسي الِامْتِنَاع من

@ الْكَلَام فِي كل ذَلِك عَن الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء قَدِيما وحديثا من أهل الحَدِيث وَالْفَتْوَى وَقَالَ إِنَّمَا خَالف ذَلِك أهل الْبدع قلت فَإِن كَانَت الْمَسْأَلَة مِمَّا يُؤمن فِي تَفْصِيل جوابها من ضَرَر الْخَوْض الْمَذْكُور جَازَ الْجَواب تَفْصِيلًا وَذَلِكَ بِأَن يكون جوابها مُخْتَصرا مفهوما فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَطْرَاف يتجاذبها المتنازعون وَالسُّؤَال عَنهُ صادر من مسترشد خَاص منقاد أَو من عَامَّة قَليلَة التَّنَازُع والمماراة والمفتي مِمَّن ينقادون لفتواه وَنَحْو هَذَا وعَلى هَذَا أَو نَحوه يخرج مَا جَاءَ عَن بعض السّلف من بعض الْفَتْوَى فِي بعض الْمسَائِل الكلامية وَذَلِكَ مِنْهُم قَلِيل نَادِر وَالله أعلم القَوْل فِي صفة المستفتي وَأَحْكَامه وآدابه أما صفته فَكل من لم يبلغ دَرَجَة الْمُفْتِي فَهُوَ فِيمَا يسْأَل عَنهُ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مستفت ومقلد لمن يفتيه وحد التَّقْلِيد فِي اختيارنا وتحريرنا قبُول قَول من يجوز عَلَيْهِ الْإِصْرَار على الْخَطَأ بِغَيْر حجَّة على عين مَا قبل قَوْله فِيهِ وَيجب عَلَيْهِ الاستفتاء إِذا نزلت بِهِ حَادِثَة يجب عَلَيْهِ تعلم حكمهَا وَفِي أَحْكَامه وآدابه مسَائِل الأولى إختلفوا فِي أَنه هَل يجب عَلَيْهِ الْبَحْث وَالِاجْتِهَاد عَن أَعْيَان الْمُفْتِينَ وَلَيْسَ هَذَا الْخلاف على الْإِطْلَاق فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ قطعا الْبَحْث الَّذِي يعرف بِهِ صَلَاحِية من يستفتيه للإفتاء إِذا لم يكن قد تقدّمت مَعْرفَته بذلك وَلَا

@ يجوز لَهُ استفتاء كل من اعتزى إِلَى الْعلم أَو انتصب فِي منصب التدريس أَو غَيره من مناصب أهل الْعلم بِمُجَرَّد ذَلِك وَيجوز لَهُ استفتاء من تَوَاتر بَين النَّاس واستفاض فيهم كَونه أَهلا للْفَتْوَى وَعند بعض أَصْحَابنَا الْمُتَأَخِّرين إِنَّمَا يعْتَمد قَوْله أَنا أهل للْفَتْوَى لَا يشْهد لَهُ بذلك والتواتر لِأَن التَّوَاتُر لَا يُفِيد الْعلم إِذا لم يسْتَند إِلَى مَعْلُوم محسوس والشهرة بَين الْعَامَّة لَا يوثق بهَا وَقد يكون أَصْلهَا التلبيس وَيجوز لَهُ أَيْضا استفتاء من أخبر الْمَشْهُور الْمَذْكُور عَن أَهْلِيَّته وَلَا يَنْبَغِي أَن يَكْتَفِي فِي هَذِه الازمان بِمُجَرَّد تصديه للْفَتْوَى واشتهاره بمباشرتها لَا بأهليته لَهَا وَقد أطلق الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ وَغَيره أَن يقبل فِيهِ خبر الْعدْل الْوَاحِد وَيَنْبَغِي أَن يشْتَرط فِيهِ أَن يكون عِنْده من الْعلم وَالْبَصَر مَا يُمَيّز بِهِ الملبس من غَيره وَلَا يعْتَمد فِي ذَلِك على خبر احاد الْعَامَّة لِكَثْرَة مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِم من التلبيس فِي ذَلِك إِذا عرفت هَذَا فَإِذا اجْتمع إثنان أَو أَكثر مِمَّن يجوز استفتاؤهم فَهَل يجب عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي أعيانهم والبحث عَن الأعلم الأودع الأوثق ليقلده دون غَيره فَهَذَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا وَهُوَ فِي طَريقَة الْعرَاق مَنْسُوب إِلَى أَكثر أَصْحَابنَا وَهُوَ الصَّحِيح فِيهَا أَنه لَا يجب ذَلِك وَله استفتاء من شَاءَ مِنْهُم لِأَن الْجَمِيع أهل وَقد أسقطنا الِاجْتِهَاد عَن الْعَاميّ وَالثَّانِي يجب عَلَيْهِ ذَلِك وَهُوَ قَول ابْن سُرَيج وإختيار الْقفال الْمروزِي وَالصَّحِيح عِنْد صَاحبه القَاضِي حُسَيْن لِأَنَّهُ يُمكنهُ هَذَا الْقدر من الِاجْتِهَاد بالبحث وَالسُّؤَال وشواهد الْأَحْوَال فَلم يسْقط عَنهُ

@ وَالْأول أصح وَهُوَ الظَّاهِر من حَال الْأَوَّلين وَلَكِن مَتى اطلع على الأوثق مِنْهُمَا فَالْأَظْهر أَنه يلْزمه تَقْلِيده دون الآخر كَمَا وَجب تَقْدِيم أرجح الدَّلِيلَيْنِ وأوثق الروايين فعلى هَذَا يلْزمه تَقْلِيد الاورع من الْعَالمين والأعلم من الورعين فَإِن كَانَ أَحدهمَا أعلم وَالْآخر أورع قلد الأعلم على الْأَصَح وَالله أعلم الثَّانِيَة فِي جَوَاز تَقْلِيد الْمَيِّت وَجْهَان أَحدهمَا لَا يجوز لِأَن أَهْلِيَّته زَالَت لمَوْته فَهُوَ كَمَا لَو فسق وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل الْجَوَاز لِأَن الْمذَاهب لَا تَمُوت بِمَوْت أَصْحَابهَا وَلِهَذَا يعْتد بهَا بعدهمْ فِي الْإِجْمَاع وَالْخلاف وَمَوْت الشَّاهِد قبل الحكم لَا يمْنَع من الحكم بِشَهَادَتِهِ بِخِلَاف الْفسق وَالْقَوْل بِالْأولِ يجر ضبطا فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة الثَّالِثَة هَل يجوز للعامي أَن يتَخَيَّر ويقلد أَي مَذْهَب شَاءَ لينْظر إِن كَانَ منتسبا إِلَى مَذْهَب معِين بنينَا ذَلِك على وَجْهَيْن حَكَاهُمَا القَاضِي حُسَيْن فِي أَن للعامي هَل لَهُ مَذْهَب أَولا أَحدهمَا أَنه لَا مَذْهَب لَهُ لِأَن الْمَذْهَب إِنَّمَا يكون لمن يعرف الْأَدِلَّة فعلى هَذَا لَهُ أَن يستفتي من شَاءَ شَافِعِيّ أَو حَنَفِيّ أَو غَيرهمَا وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَح عِنْد الْقفال الْمروزِي أَن لَهُ مذهبا لِأَنَّهُ اعْتقد أَن الْمَذْهَب الَّذِي انتسب إِلَيْهِ هُوَ الْحق وَرجحه على غَيره فَعَلَيهِ الْوَفَاء بِمُوجب إعتقاده ذَلِك فَإِن كَانَ شافعيا لم يكن لَهُ أَن يستفتي حنفيا وَلَا يُخَالف إِمَامه فقد ذكرنَا فِي الْمُفْتِي المنتسب مَا يجوز لَهُ أَن يُخَالف إِمَامه فِيهِ وَإِن لم يكن قد انتسب إِلَى مَذْهَب معِين فنبني ذَلِك فِيهِ على وَجْهَيْن حَكَاهُمَا ابْن برهَان فِي أَن الْعَاميّ هَل يلْزمه أَن يتمذهب بِمذهب معِين يَأْخُذ بِرُخصِهِ وعزائمه

@ أَحدهمَا أَلا يلْزمه ذَلِك كَمَا لم يلْزم فِي عصر أَوَائِل الْأمة أَن يخص الْعَاميّ عَالما معينا بتقليده قلت فعلى هَذَا هَل لَهُ أَن يستفتي على أَي مَذْهَب شَاءَ أَو يلْزمه أَن يبْحَث حَتَّى يعلم علم مثله أَسد الْمذَاهب وأصحها أصلا فيستفتي أَهله فِيهِ وَجْهَان مذكوران كالوجهين اللَّذين سبقا فِي إِلْزَامه بالبحث عَن الأعلم والأوثق من الْمُفْتِينَ وَالثَّانِي يلْزمه ذَلِك وَبِه قطع الكيا أَبُو الْحسن وَهُوَ جَار فِي كل من لم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد من الْفُقَهَاء وأرباب سَائِر الْعُلُوم وَوَجهه أَنه لَو جَازَ لَهُ اتِّبَاع اي مَذْهَب شَاءَ لأفضى إِلَى أَن يتَلَفَّظ رخص الْمذَاهب مُتبعا هَوَاهُ ومتخيرا بَين التَّحْرِيم والتجويز فِي ذَلِك الْخلاف رُتْبَة التَّكْلِيف بِخِلَاف الْعَصْر الأول فَإِنَّهُ لم تكن الْمذَاهب الوافية بِأَحْكَام الْحَوَادِث حِينَئِذٍ قد مهدت وَعرفت فعلى هَذَا يلْزمه أَن يجْتَهد فِي اخْتِيَار مَذْهَب يقلده على التَّعْيِين وَهَذَا أولى بِإِيجَاب الِاجْتِهَاد فِيهِ على الْعَاميّ مِمَّا سبق ذكره فِي الاستفتاء وَنحن نمهد لَهُ طَرِيقا يسلكه فِي اجْتِهَاده سهلا فَنَقُول أَولا لَيْسَ لَهُ أَن يتبع فِي ذَلِك مُجَرّد التشهي والميل إِلَى مَا وجد عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَيْسَ لَهُ التمذهب بِمذهب أحد من أَئِمَّة الصَّحَابَة وَغَيرهم من الْأَوَّلين وَإِن كَانُوا أعلم وَأَعْلَى دَرَجَة من بعدهمْ لأَنهم لم يتفرغوا لتدوين الْعلم وَضبط أُصُوله وفروعه وَلَيْسَ لأحد مِنْهُم مَذْهَب مهذب مُحَرر مُقَرر وَإِنَّمَا قَامَ بذلك من جَاءَ بعدهمْ من الْأَئِمَّة الناخلين لمذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ القائمين بتمهيد أَحْكَام الوقائع قبل وُقُوعهَا الناهضين بإيضاح أُصُولهَا وفروعها كمالك وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا وَلما كَانَ الشَّافِعِي قد تَأَخّر عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَنظر فِي مذاهبهم نَحْو نظرهم فِي مَذَاهِب من قبلهم فسبرها وحبرها وانتقدها وَاخْتَارَ أرجحها وَوجد من قبله قد كَفاهُ مُؤنَة التأصيل فتفرغ للاختيار وَالتَّرْجِيح والتنقيح والتكميل مَعَ كَمَال آليته وبراعته فِي الْعُلُوم وترجحه

فصول الكتاب · 27 فصل · 750 صفحة
جارٍ التحميل