إرشاد السالك إلى أفعال المناسكصفحات 5-47

مقدمة الطبعة الثانية

صفحات 5-47

حظي هذا الكتاب بتوصية بالنشر من وزارة الثقافة والإِعلام بتونس - تقديرًا لأهميته - فقامت بنشر طبعته الأولى المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات "بيت الحكمة" سنة 1989 م ولقي إِقبال القراء من رواد علوم الشريعة والمقبلين على دراسة مناسك الحج والعمرة، إِذ يعد هذا الكتاب من أهم ما ألف في المناسك التي تتجدد الحاجة إِلى معرفتها بتجدد المواسم.
ورغبة مني في فتح آفاق أرحب لتوزيع الكتاب رأيت إِعادة طبعه فأصلحت الأخطاء المطبعية القليلة المتسربة إِلى الطبعة الأولى، وغيرت الإِحالات على الكتب التي كانت مخطوطة في تاريخ تلك الطبعة ثم نشرت بعدها مثل - المعونة للقاضي عبد الوهاب، والقبس لابن العربي، وهداية السالك لابن جماعة.
والملاحظ أن أصل الكتاب أطروحة دكتوراة في الفقه المقارن بإِشراف فضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان الأستاذ في المعهد العالي للقضاء بالرياض - حفظه الله - نوقشت في المعهد المذكور بجامعة الإِمام محمد بن سعود سنة 1407 هـ/ 1987 م، ونالت مرتبة الشرف الأولى.
ولئن تضمن هذا الكتاب نص المناسك محققًا، مع التعليقات كاملًا كما كان عليه في الأطروحة، فإِن القسم الدراسي المقدم به للتحقيق ورد هنا مختصرًا عما

هو عليه في أصلها، إِذ استخرجت منه الترجمة الضافية لابن فرحون وجعلتها في كتاب مستقل نشرته مؤسسة (إِلفا) بمالطة سنة 1997 م. نسأل الله الكريم التوفيق والسداد والنفع بثمرة الجهد المتواضع المبذول في تحقيق هذا الأثر المالكي النفيس.
وندعوه أن لا يحرمنا أجره إِنه سميع مجيب.

مكة في 30 شوال 1420 هـ 6 فيفري 2000 م د. محمد بن الهادي أبو الأجفان التميمي القيرواني أستاذ الدراسات العليا الشرعية بكلية الشريعة جامعة أم القرى - مكة المكرمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تصدير

الحمد لله الذي خلقنا لنعبده، وهدانا بالإِسلام إِلى صراطه المستقيم، وبعث لنا رسولًا بالهدى ودين الحق، أرشدنا إِلى طريق الفلاح، وعرفنا بالعبادات المشروعة، ونهانا عن المنكرات الممنوعة.
والصلاة والسلام على أشرف مخلوقاته، المبعوث رحمة للعالمين، بالكتاب والحكمة، مبلغًا للدعوة الإِسلامية، ناصحًا للأمة المحمدية، مبشرًا المتقين بنعيم الجنة.
أمَّا بعد، فإِن للبلد الأمين فضلًا عند الله: أقسم به في كتابه العزيز، وجعله رمزًا للتوحيد، وجعل فيه البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وفرض الاتجاه إِليه في الصلاة والطواف به في الحج.
والحج إِلى بيت الله الحرام عبادة قديمة معهودة في ملة أبينا إِبراهيم فقد خاطبَه تعالى بقوله الكريم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ 1. وقد شُرِعت شعيرةُ الحج في الإِسلام، فكانت من القواعد الخمس وأركانه

الركينة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 1. وبذلك تتحقق للمسلمين فوائده الكثيرة ومنافعه الجمة، ويشعرون أنهم يقصدون أول بيت وضع للناس بمكة مباركًا، ويستعيدون ما ارتبط به من ذكريات خالدة.
ولما كان لهذه العبادة قيمتُها السامية، ولهذا البيت مكانته الرفيعة في نفوس المؤمنين، فقد اتجه العلماء منهم - منذ صدر الإِسلام - إِلى التأليف في أحكام هذه العبادة وفي تاريخ هذا البيت وأعلام بلده الأمين، وتعددت مؤلفاتهم وتنوعت، وما زال الكثير منها في عداد المخطوطات البعيدة عن متناول عامة القراء.
وقد أتيحت لي فرصة ممارسة جانب من هذا التراث النفيس، عندما عهد إِليَّ مركز أبحاث الحج التابع لجامعة أم القرى بالتنقيب عن الوثائق المتعلقة بالحج وبالحرمين الشريفين، في تونس، والتعريف بها تمهيدًا لتصويرها للمركز المذكور.
وشدتني هذه الوثائق إِليها، وعرفتني بما كان لأسلافنا من عناية بالغة بالوقف على الحرمين، ونظم الشعر فيهما، والتأريخ لهما، والترجمة لرجالهما، والعناية بالحديث عما فيهما من المعالم وما في الطريق إِليهما من المنازل، وبما كان لبعضهم من ولوع بتدوين رحلاتهم إِليهما، وبما بذل الفقهاء منهم من جهود في تصنيف مناسك الحج والعمرة، وآداب الزيارة.
ثم شدَّني أحد مصنفات المناسك وملك إِعجابي، عندما كنت في غمرة

البحث عن مؤلفات الفقيه برهان الدين إِبراهيم بن فرحون استعدادًا للترجمة له ضمن التقديم لتحقيق كتابه "درة الغواص في محاضرة الخواص" الذي كان لي حظ الإِسهام في إِعداده للنشر سنة 1400 هـ. هذا المنسك الذي أعنيه سماه مؤلفه ابن فرحون "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك"؛ ظفرت به أول مرة ضمن المخطوطات التي كانت بمدينة صفاقس، ثم آلت إِلى دار الكتب الوطنية بتونس، وتبينت لي - بعد قراءته - أهميتُه، فدفعني ذلك إِلى البحث عن نسخ أخرى له عسى أن ييسر الله لي تحقيقه اعتمادًا عليها.
وفي بعض رحلاتي العلمية عثرت على نسخة ثانية بالخزانة العامة بالرباط، ثم على نسخة ثالثة بمكتبة اللغات الشرقية بباريس.
وتأكد عندي أن هذه النسخ كفيلة بأن تمدنا بنص كامل سليم لهذه المناسك الفرحونية، التي تحركت في نفسي الرغبة في تحقيقها تدفعني الاعتبارات التالية:

  • أن المناسك عامة، مرجع تتجدد الحاجة إِليه كل عام، ولا غنى لحاج أو معتمر عن تعلمها، ولا غنى لمتعلم عن تذكرها.
  • وأن هذه المناسك الفرحونية تفيد القراء من مختلف المستويات وتعرفهم بما يحتاجون من أحكام المناسك، وتوجههم - أحيانًا - إِلى تطهير الوجدان بأداء هذه المناسك.
  • وأنها من أهم ما ألِّفَ في أدب المناسك على المذهب المالكي الذي بقيت أغلبت نفائسه محجوبة عن الأنظار، تحتاج جهود المحققين لإِعدادها للنشر، ونفض الغبار عنها، فهي ترينا مدى إِسهام بعض المالكية في هذا الفن الفقهي الذي راجت

كثير من مؤلفاته، عندما كان الناس يحرصون، كل الحرص، على تَعلُّمِ أحكامِ الحج قبل الشروع فيه.

  • وأنها لقيت استحسان بعض العلماء السابقين، فنوه بها السخاوي والتمبكتي ونقل عنها مؤلفو المناسك كالحطاب وابن هلال السجلماسي.
  • وأنها لم تغفل الرقائق والترغيب في الحج والعمرة والآداب التي يتحلَّى بها المسافر إِلى الحرمين.
  • وأنها تتضمن بعض الإِفادات التاريخية والجغرافية المتعلقة بالحرمين.
  • وأنها اشتملت على استنكار بعض البدع وبيان حكمها، مثل لمس القبر النبوي وإلصاق الجسم بجداره والدوران بالحجرة، ونحوها مما كان معروفًا في عصر المؤلف.
  • وأن مؤلفها استفاد كثيرًا مما وجده من الثروة الزاخرة من كتب الفقه العامة، وكتب المناسك خاصة، فاستقى ومحص ونقح الروايات وأجاد التنسيق والعرض.
  • وأنه خطط لتأليفه.
    وأحسن توزيع المسائل على أبوابها فقرب المنال، ويسر الاستفادة.
  • وأنه من أعلام فقهاء المالكية، اشتهر بكتابه الذي ألفه في القضاء والدعوى "تبصرة الحكام" وكتابه الذي ترجم فيه لطبقات المالكية "الديباج المذهب" وبألغازه الفقهية "درة الغواص".
    ويكون تحقيق هذا الكتاب مُبرزًا لجانب آخر له فيه اليد الطولي، وهو فن المناسك.

عملي في الدراسة والتحقيق

: جعلت عملي في هذا الكتاب موزعًا على قسمين، مهد أولهما للثاني الذي عُنيت فيه بتحقيق نص المناسك.
فأما القسم التمهيدي فقد اشتمل على فصلين، خصص أولهما للتعريف بالمؤلف برهان الدين إِبراهيم بن فرحون.
وخصص ثانيهما لدراسة كتاب "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك".
وإِبراز ميزاته وما تضمنه من بدع لم تخل منها ثقافة عصره وأما تحقيق النص فاعتمدت فيه على النسخ المخطوطة التي أشرت إِليها، وسأورد وصفًا دقيقًا لها.
لم أجد من هذه النسخ - بعد فحصها وقراءتها - ما تستحق أن تكون أمَّا، تقابل بها النسختان الأخريان، فكلها لم تخل من الأخطاء، وإِن كانت نسخة باريس أقلها أخطاء ونسخة الرباط أكثرها أخطاء، وليس منها نسخة للمؤلف ولا نسخة مقروءة عليه أو مقابلة بنسخته أو مكتوبة في عصره أو قريبة منه، أو ممتازة بميزات تؤهلها أن تفضل الأخريين وتتقدم عليهما.
لهذا اتبعت طريقة النص المختار، فأثبت ما كان صحيحًا في الأصل بعد المقابلة بين جميع النسخ، وأثبت ما خالفه بالهامش، دون أن أحرص على الإِشارة إِلى كل الأخطاء بالهامش، لأن ذلك يثقل التعاليق دون جدوى تفيد القارئ، وفي ما أقتصرت على إِثباته بالهامش من الأخطاء والتصحيف ما يكفي لإِعطاء صورة عن

النسخ وعن مستوى ناسخيها.
واعتنيت بتوزيع النص، وإِقامته سليمًا قدر المستطاع، واهتممت خاصة بما يلي:

  • الإِشارة إِلى السور التي تنتمي إِليها الآيات وإلى أرقامها فيها، وإِتمامها إِذا اقتصر ابن فرحون على الاستشهاد بجزء منها.
  • تخريج الأحاديث النبوية مع الإِشارة إِلى موطنها في كتب الذين خرجوها وذكر رواتها من الصحابة، ونقدها مستعينا بأقوال المحدثين في نقد متنها وسندها، كلما كان ذلك ممكنًا.
    وقد واجهتني صعوبة تمثلت في إِيراد ابن فرحون لبعض الأحاديث بالمعنى، دون حرص على إِيراد المتن كما خرجه المحدثون؛ وقد تلافيت ذلك بإِثبات لفظه كما هو عند المخرجين، أو إِثبات الفرق بين ما أورده ابن فرحون وما أخرجه به رجال الحديث.
  • الحرص على توثيق النقول التي أوردها ابن فرحون من الكتب العديدة التي اعتمدها في مختلف الفنون، وأغلبها فقهي.
    وقد وثقت كل النقول التي توفرت كتبها لي من مخطوطات ومطبوعات.
    وهنا واجهتني صعوبة فقدان بعض المصادر أو عدم توفرها لي، فلجأت بالنسبة إِلى البعض من النصوص إِلى التوثيق من كتب بديلة.
    وقد يسر الله لي أن أحصل على صور من مخطوطات نادرة لتوثيق النقول

منها، مثل: تنبيهات عياض، ومناسك الحطاب.
وقد أثبتت عملية التوثيق أن ابن فرحون ينقل خلاصة الكلام في الغالب، فإِذا بدا لي أن تلخيصه أخلَّ بالمقصود أو طرح معنى مهمًا أُثبت النص كاملًا بالهامش، إِكمالًا للفائدة.
كما ثبت لي أن ابن فرحون لا يشير أحيانًا إِلى نهاية نقله، فيمزج كلامه بما نقل من كتب غيره، وهنا أتدخل للتمييز بين كلامه وكلام غيره.

  • الترجمة الموجزة للأعلام الوارد ذكرها في نص المناسك، مع الإِحالة على المصادر التي ترجمت لهم لمن أراد التوسع، وذلك عند ورود العلم أول مرة.
  • شرح العبارات الغريبة والألفاظ الاصطلاحية، عند ورودها أول مرة، ولا يصرفني عن ذلك كون ابن فرحون يشرح بعضها عندما تتكرر.
  • التعريف بالأماكن التي تُذكر في النص.
  • إِثراء هذه المناسك بما رأيته مناسبًا من التعاليق المفيدة بالتوسع في تفصيل حكم، أو دعم مسألة بدليل أو تعقيب على المؤلف مستعينًا في ذلك بالنصوص الشرعية وأقوال أعلامنا، وكان من أهم الموضوعات التي علقت عليها تلك التي تتعلق ببعض البدع التي ساقها ابن فرحون دون تحقيق وتمحيص.
    وقد اقتضى تنوع هذه التعاليق تنوع فنون مصادرها من تفسير وحديث وفقه ولغة وتاريخ وغير ذلك.
    على أني كنت مؤثرًا منها، في الغالب، المؤلفات القديمة باعتبارها مصادر

أصيلة ذات قيمة، وتتبعت حتى المخطوط الذي أمكن أن تصله يدي.
وكذلك فعلت عند الترجمة للمؤلف، حيث استعملت الوثائق النادرة وفضلت أقرب المصادر إِلى عهده، وكنت ألجأ إِلى غيرها كمصادر ثانوية مساعدة.
هذا وقد ذيلت نص المناسك بفهارس مناسبة كمفاتيح للقارئ تعينه على الظفر ببغيته من الكتاب، وهي تشمل آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، والآثار، والشعر، والقواعد الفقهية والأصولية، والأعلام، والموضوعات.

شكر وتقدير

وإِنني بعد شكري لله تعالى الذي لا تحصى نعمه، أتوجه إِلى كل من أعانني في هذا العمل بالإِرشاد والتوجيه أو توفير الوثائق النادرة، وأخص بالذكر:

  • شيخي العلامة الدكتور صالح الفوزان الأستاذ في المعهد العالي للقضاء في جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية في الرياض، وهو الذي بفضل إِشرافه على هذه الرسالة، وبفضل توجيهه السديد المتواصل تحققت الفوائد، وخرج الكتاب على هذه الصورة.
  • شيخي المفضال الدكتور محمد الحبيب بلخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإِسلامي بجدة، الذي ما فتئ يشملني بإِرشاده وتشجيعه.
  • شيخيَّ الفاضلين الكريمين: محمد المنوني ومحمد أبو خبزة من المغرب فإِني مدين لهما بما دلاني إِليه من المصادر.
    وأخيرًا، فليس هذا العمل إِلا كسائر الأعمال البشرية، يتسم بالنقص، ولا تبلغ به الجهود المبذولة في إِنجازه درجة الكمال، وإِن كلَّ الناسِ يُخطئُ ويصيب، إِلا صاحب العصمة - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغ عن رب العالمين.
    والله الموفق إِلى سبيل الرشاد، الهادي إِلى طريق السداد، هو حسبنا ونعم الوكيل.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    تونس 10 صفر 1409 هـ د. محمد بن الهادي أبو الأجفان التميمي القيرواني رئيس قسم الفقه بالمعهد الأعلى للشريعة جامعة الزيتونة - تونس

رموز

أ: بعد رقم، يكون الرقم للوحة مخطوط، وهذا الحرف يعني وجهها.
ب: نسخة "إِرشاد السالك" التي تحتفظ بها مكتبة اللغات الشرقية بباريس.
وإِذا جاء بعد رقم، فالرقم للوحة مخطوط، والحرف لظهرها.
مخط: مخطوط: ص نسخة دار الكتب الوطنية بتونس "إِرشاد السالك".
وقد يرمز إِلى صفحة.
ر: نسخة الخزانة العامة بالرباط، من "إِرشاد السالك".
د. ك. ت: دار الكتب الوطنية بتونس.
ط: طبع، أو طبعة.
مط: مطبوع ت: توفي سنة، أو متوفى سنة.
د. ت: بدون تاريخ.
م. ن: المصدر نفسه سالف الذكر قريبًا.
... /...: إِثر ذكر مصدر، يشير ما قبل الخط إِلى الجزء وما بعده إِلى صفحته.

[... ]: لحصر ما أضيف من عبارات مقترحة ليستقيم المعنى، أو ما أضيف من عناوين فرعية، أو لما أصلح في الأصول المعتمدة.
/: تتخلل نص المناسك، تدل على أن ما بعدها بداية صفحة من نسخة باريس.
//: تتخلل نص المناسك، تدل على أن ما بعدها بداية صفحة من نسخة تونس.
: تتخلل نص المناسك، تدل على أن ما بعدها بداية صفحة من نسخة الرباط.
﴿... ﴾: لحصر الآيات القرآنية.
"... ": لحصر الأحاديث النبوية.
هـ: بعد أرقام الصفحات في الفهارس تدل على الهامش.
ملحوظة: لم يراع في ترتيب فهرس الأعلام المترجم لهم: ابن، أب، أم، آل.

القسم الأول الدّراسَة الفصل الأول: ترجمة المؤلف ابن فرحون الفصل الثَّاني: دراسة كتاب "إرشاد السَّالك"

الفصل الأول

ترجمة المؤلّف ابن فرحون

حياة ابن فرحون وأثره في الحركة العلمية   وردت ترجمته في:

  • الأعلام، للزركلي: 1/ 133.
  • ألف سنة من الوفيات: 133.
  • إِنباء الغمر بأنباء العمر، لابن حجر: 1/ 531.
  • إِيضاح المكنون، للبغدادي: 1/ 189 - 2/ 368.
  • برنامج المكتبة الصادقية: 4/ 280 و 361.
  • برهان الدين إِبراهيم بن فرحون، لمحمد أبو الأجفان - منشورات الفا مالطا.
  • تاريخ الأدب، لبروكلمان (بالألمانية): 2/ 175، ملحق: 2/ 226.
  • تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش: 3/ 623، ط. دمشق.
  • التحفة اللطيفة، للسخاوي: 1/ 116 - 117.
  • تعريف الخلف برجال السلف، للحفناوي: 1/ 200 - 201.
  • توشيح الديباج، للبدر القرافي: 45 - 46 رقم 1.
  • دائرة المعارف الإِسلامية: 3/ 786، هوبكنز (بالفرنسية).
  • درة الحجال، لابن القاضي: 1/ 182 - 183 رقم 240.
  • الدرر الكامنة، لابن حجر: 1/ 49 رقم 124.
  • شجرة النور، لمخلوف: 222 رقم 789.
  • شذرات الذهب، لابن العماد: 6/ 357.
  • طبقات المالكية، لمجهول: 340 رقم 636.
  • الفتح المبين: 2/ 211.

.................................. - القاضي برهان الدين بن فرحون وجهوده في الفقه المالكي.
(رسالة جامعية في كلية الآداب جامعة محمد الخامس في الرباط) للطالبة نجيبة أغرابي.

  • كشف الظنون، لحاجي خليفة: 1/ 339، 762 - 2/ 1106.
  • كفاية المحتاج، للتمبكتي: 19 أ.
  • معجم المؤلفين، لكحالة: 1/ 68.
  • معجم المطبوعات، لسركيس: 202.
  • معلمة الفقه المالكي، لعبد العزيز بن عبد الله: 32.
  • مقدمة تحقيق درة الغواص في محاضرة الخواص: 13 - 29.
  • مقدمة تحقيق الديباج: 1/ ل. م. ن. س.
  • الموسوعة المغربية، لعبد العزيز بن عبد الله: 1/ 15 - 2/ 81.
  • نيل الابتهاج: 30 - 32.

نسبه وأصله

: إِن لآل ابن فرحون المستوطنين بالمدينة المنورة نسبًا عربيًا يرجع إِلى بطن من كِنَانة يُعرف بيَعمَر، ينسبون إِليه فيقال: اليَعمَري 1 (بفتح أوله والميم وسكون المهملة، آخره راء).
كتب مترجمُنَا نسبَهُ بخطه، فجاء كما يلي: إِبراهيم بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون اليعمري المدني المالكي 2. وأضاف في ترجمة أبيه 3 وعمه 4 عبارة التونسي الأصل 5 المدني المولد والمنشأ.
ولخص أحمد بابا التمبكتي ترجمته مما كتبه جده الفقيه أحمد بن عمر، فجاء فيها 6:

اليعمري 1 الأُيَّاني 2 ثم الجياني 3 الأصل 4. ويمكن أن نستنتج من ذلك أن هذه الأسرة عاشت في الأندلس ثم بتونس.
قبل أن تستوطن المدينة المنورة التي ولد فيها أعلام من آل ابن فرحون، نبغوا في فنون علمية وتولوا القضاء خلال القرون السابع والثامن والتاسع، فبنوا مجد هذه الأسرة مما جعل السخاوي يصفها بقوله: (بيت رئاسة وقضاء وعلم) 5 وتابعه في ذلك التمبكتي فقال: (أهل بيت علم) 6.

ولادته ونشأته

: لئن اتفق المترجمون لبرهان الدين أبي الوفاء إبراهيم بن فرحون على أنه توفي سنة 799 هـ، فإِنهم لم يتفقوا على سنة ولادته.
ومنهم من أشار إِليها بصفة تقريبية بذكر عمره عند وفاته، وبعضهم عيَّنَها.
ومنهم من أغفلها.
فابن حجر ذكر في "الدرر الكامنة" 1 أنه توفي عن نحو من السبعين 2، فتكون ولادته حوالي سنة 729 هـ، وذكر في "إِنباء الغمر" 3 أنه جاوز السبعين، فتكون ولادته قبل هذه السنة.
ومال السخاوي 4 إلى أنها كانت بعد 5 730 هـ فيكون عمره أقل من السبعين.

أما ابن العماد 1 فقد ذكر أنه جاوز التسعين عند موته، وهذا بعيد، وانفرد به.
وأبعد منه قول (هوبكينز): إِنَّه ولد حوالي سنة 760 هـ 2 لأن هناك ما يدلنا على أنه عاش قبل هذا التاريخ، ومن ذلك أنه أخذ عن شيوخ ماتوا قبله كما سنرى.
وعين تاريخ الولادة أصحاب برنامج المكتبة الصادقية، فقالوا: (ولد في ذي القعدة سنة 732 هـ) 3 دون ذكر مصدرهم المعتمد في ذلك.
وعيَّن السنة كحالة، فذكر أنها 719 هـ 4. وممن أغفل التعرض لسنة ولادته أحمد بابا التمبكتي.
وعندي أنه لا يستبعد أن يكون مترجمنا ولد قبل سنة 729 هـ وعاش أكثر من سبعين سنة، وذلك لأن شيخه الأقشهري المختلف في سنة وفاته وعلى أبعد الاحتمالات توفي 5 سنة 739 هـ، المتوقع أن يكون ابن فرحون

أخذ عنه متجاوزًا العاشرة من عمره، وكذلك شيخه الجمال المطري الذي احتك به كثيرًا ولازمه وانتفع به، وهو متوفى 1 سنة 741 هـ. وكانت ولادة إِبراهيم بن فرحون في المدينة المنورة 2، موطن أسلافه.
وبها نشأ وترعرع في ظل أسرته العلمية المعتزة بشريف المحتد وكريم النسب، وفي كنف شيوخه الأبرار.
وكان ينعم بعناية والده العالم المحدث الفقيه المتبحر في علوم العربية، ويحظى بتربيته الإِسلامية وتوجيهه في درب الاستقامة والصلاح.
ولئن استأثرت رحمة الله بالوالد أبي الحسن علي 3 قبل أن يتخطى الابن العقد الثاني من عمره، فإِن أحضان العم أبي محمد البدر عبد الله تلقت مترجمنا، فواصل العناية به والإِشراف على دراسته.
ونستشف من ترجمة إِبراهيم لعمه 4 أنه كان يكنُّ الإِعجابَ بشخصيته، ويقدِّر جِدَّه في العبادة وسعيَه لنفع الناس وحرصَه على طلب العلم.

وكان ذلك بادرة تأثر به (1) واقتداء بسلوكه وأخلاقه.

شيوخه بالمدينة

: كانت المدينة المنورة في القرن الثامن تزخر بأعلام العلماء من أهلها ومن الوافدين عليها في المواسم وغيرها.
وقد كانت لإِبراهيم بن فرحون صلةٌ بعلماء أهل السنة من هؤلاء، أخذ العلم وسمع الحديث عنهم، وحاورهم وشاورهم في بعض المسائل الفقهية.
والمعروفون من شيوخه - زيادة على والده وعمه - هم: 1 - جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خالد بن عيسى الأنصاري السعدي المديني المعروف بالمطري.
كان مؤرخًا مشاركًا في علوم.
ت 741 هـ 2. سمع ابنُ فرحون عنه الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه، وغيرها 3.1

(وتفرد عنه بسماعه منه تاريخ المدينة) 1. 2 - عفيف الدين عبد الله المطري ابن الجمال المذكور، وهو إِمام علامة ت 765 هـ 2. 3 - محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري، ولد في أقشهر بقونية اختلف في سنة وفاته بين 731 هـ و 737 هـ و 739 هـ 3. 4 - الزبير بن علي بن سيد الكل بن أبي صفرة الشرف الأسواني الأزدي المهلبي المصري، نزيل المدينة المنورة.
ت 748 هـ 4. 5 - محمد بن جابر بن محمد الوادي آشي الأصل التونسي الاستيطان المعروف بابن جابر.
كان محدثًا مقرئًا عارفًا بالنحو واللغة وكانت له رحلات وله أسانيدُ كتبِ المالكيةِ يرويها إِلى مؤلفيها، وله تآليف حديثية 5. ولد سنة 673 هـ، ت 749 هـ.

قال عنه ابن فرحون: (سمعت عليه موطأ مالك بن أنس رواية يحيى بن يحيى في الحرم النبوي في سنة ست وأربعين وسبعمائة، لقي أيمة من العلماء والمحدثين أصبح بهم نسيج وحده انفساح رواية وعلو إِسناد... إِنه أحد شيوخنا وشيخ كثير من أهل زماننا) 1. 6 - محمد بن عرفة 2 (والد الشيخ أبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي الإِمام، كان خيرًا صالحًا متعبدًا، جاور بالمدينة ولازمها حتى توفى، وكان صاحبَ جد) 3. قال عنه ابن فرحون: أقام بالمدينة على منهاج الصالحين والسلف الماضين 4. 7 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي الهواري المالكي.
كان نحويًّا ناظمًا، قرأ القرآنَ والنحوَ والفقهَ على شيوخ الأندلس ثم رحل إِلى الشرق وهو أعمى 5، صحبةَ أحمد بن يوسف الرعيني ت 779 هـ. توفي ابن جابر 6 سنة 780 هـ.

هذا ويذكر الشيخ محمد مخلوف 1 أن مترجمنا أخذ عن أبي الحسن علي بن الجياب الأندلسي ت 749 هـ. وعندي أن ذلك غير صحيح، لأن ابن فرحون ترجم له 2 ولم يشر إِلى ذلك.
فلو أخذ عنه لذكر ذلك في ترجمته، كما فعل عندما ترجم لابن جابر الوادي آشي.
وجدير بالملاحظة أن ابن فرحون كان حريصًا على ربط وثيق الصلة بأقرانه من الأعلام الواردين إِلى المدينة المنورة وعلى مباحثتهم ومشاورتهم في بعض المسائل العلمية، ومن ذلك أنه استضاف الإِمامَ محمد بن عرفة التونسي - ابن شيخه سالف الذكر - فأكرمه وأنزله في بيته، وذلك عندما قدِمَ المدينةَ في رحلة حجه 3. ومن المسائل الفقهية التي باحثه فيها وشاوره في حكمها مسألة صلاة المسافرين في السفينة تحت سقفها غير المرتفع، مع انحناء رؤوسهم 4.

وقد أجاز ابن عرفة جميع مسموعاته ومروياته وتصانيفه لابن فرحون (1).

رحلاته

: لإِبراهيم بن فرحون رحلات إِلى مصر والقدس ودمشق، لم يهتم مترجموه بإِفاضة الكلام عنها ولم يسلطوا عليها ساطع الأضواء، وإِنما اقتصر بعضهم 2 على تعيين تاريخ رحلته إِلى القدس ودمشق، وهو سنة 792 هـ. وبتتبع تراجم تلاميذ ابن فرحون وتراجم العلماء الذين أرخ لهم في "الديباج" تَمَكَّنا من التقاط بعض الإِفادات عن تاريخ زيارته لبعضِ البلدان.
استفدنا أنه كان سنة 775 هـ بحمص يدرس صحيح البخاري 3 وأنه كان في القاهرة سنة 776 هـ أو قبلها، وذلك لقوله في ترجمة خليل بن إِسحاق الجندي المالكي: (اجتمعت به في القاهرة) 4، ولقوله في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادي: (اجتمعت به بمصر1

بمنزله بالقاهرة شيخًا فاضلًا حسن السَّمت والوقار كثير المذاكرة... لزم بيته للإِسماع والإِفادة) 1. والرجلان من الذين توفاهم الله سنة 776 2. واستفدنا أنه كان سنة 792 هـ بدمشق، يصحبه ابنه محمد أبو اليمن، فقد قال في ترجمة أحمد بن عمر بن علي بن هلال الربعي 3 ت 795 هـ

(لقيته بدمشق في سنة اثنتين وتسعين وأخذ عنه ابني محمد أبو اليمن وكان مع مجموع فضائله خامل الذكر كثير العزلة عن أهل المناصب، بل عن الناس ما عدا خواص طلبته) (1). وهذه الرحلة إِلى القدس ودمشق كانت آخر أسفاره (2). ويستنتج من هذا أن ابن فرحون كان في رحلاته يفيد ويستفيد، يسمع الحديث ويدرس العلم ويلاقي الشيوخ ويحضر مجالسهم العلمية، ولقد كانت الرحلة في عصره - لطلب العلوم ولقاء المشيخة - مزيد كمال في التعلم، وبها تحصل الملكات وترسخ، وتكتسب الفوائد الجمة (3).

توليه القضاء

: كان ابن فرحون يعارض المؤلفين الذين يرهبون في تآليفهم من تولي القضاء، ويرى أن هذا المنصب شريف يؤدي صاحبُه أجلَّ الخدمات لمجتمعه الإِسلامي 4.123

وقد تولى مترجمنا خطة القضاء في ربيع الآخر من سنة 793 هـ واستمر في مباشرتها إِلى وفاته 1. وقد كان مؤهلًا لهذه الخطة علميًّا، فهو واسع المعرفة بإِجراءات التداعي وأحكام القضاء، يبرهن على ذلك ما أودعه كتابَه "تبصرة الحكام" الذي سيأتي ضمن مؤلفاته.
وكان في قضائه مثال العدل والنزاهة وإِقرار الحق والانتصاف من الظالمين.
قال أحمد بابا التمبكتي: (سار فيها (خطة القضاء) سيرة حسنة ولم تأخذه في الله لومة لائم... فهابته الرعية، وانتصف من الظالم) 2. ومع استمراره في منصب القضاء طيلة السبع سنوات الأخيرة من عمره، فقد قضى هذه السنوات في فقر، يستدين ليأكل وينفق على عياله الذين أرهقت كثرتهم كاهله ويكتري المسكن دون أن يملكه وعندما توفي كانت الديون تثقل ذمته 3.

صفاته الخلقية والخُلقية ومستواه العلمي:

كان جميل الهيئة أبيض اللون حلو المنظر معتدل القامة لا يلبس الثياب المصقولة، ويلازم الطيلسان على العمامة 1. أما صفاته الخُلقية والعلمية فقد نوه بها مترجموه الذين أبرزوا بذلك جوانب النبوغ في شخصيته.
فابن قاضي شهبة يصفه بـ (القاضي العالم الأصيل) 2. والتمبكتي يذكر أنه كان (جامعًا للفضائل فريد وقته... عالمًا بالفقه والنحو والأصول والفرائض والوثائق وعلم القضاء، عالمًا بالرجال وطبقاتهم مشاركًا في الأسانيد، واسع العلم فصيح القلم، ذا بيان كريم الأخلاق، بعيدًا عن التصنع والرياء، من أرق أهل زمانه طبعًا وألطفهم عبارة) 3. والشيخ مخلوف يحليه بـ (الإِمام العمدة الهمام أحد شيوخ الإِسلام وقدوة العلماء الأعلام، وخاتمة الفضلاء الكرام) 4. ويحليه الزركلي بـ (العالم البحاث) 5.

ويدلنا على روح التقوى التي يتمتع بها كثرة أوراده وذكره وتلاوته وإِحياؤه الليل بالصلاة والعبادة (1) تقربًا لله سبحانه.

وفاته

: ابتلى الله سبحانه وتعالى برهان الدين بن فرحون آخر عمره بداء الفالج الذي أصاب شقَّه الأيسر وأبطل حركته 2. وفي العاشر من ذي الحجة يوم عيد الأضحى سنة 799 هـ (4 سبتمبر 1397 م) فاضت روحه الطاهرة بالمدينة المنورة راجعة إِلى ربّها.
وأجمع مترجموه على تاريخ وفاته، ولم يشذ عنهم إِلا ابن القاضي فحشره ضمن المتوفين في سنة 790 في "لقط الفرائد" 3 وكذلك فعل في "درة الحجال" موردا التاريخ الصحيح بصيغة التضعيف 4: (وقيل: توفي سنة 799 هـ). وما ذهب إِليه ابن القاضي لا يصح، لأنه يخالف ما درج عليه مترجموه 5، وفيهم الأقرب زمنًا إِلى ابن فرحون، الأعرف به منه، ولأنه1

تأكد أن ابن فرحون كان له نشاط معروف بعد سنة 790 هـ، فقد رحل إِلى الشام سنة 792 هـ، واتصل في السنة نفسها بابن عرفة وابن هلال الربعي، كما رأينا، ثم باشر القضاء سنة 793 هـ كما سبق.
وقد دفن البرهان بن فرحون بالبقيع (1) وهي المقبرة التي تضم رفات سائر من مات بالمدينة من أفراد أسرته (2).

أثر ابن فرحون في التيار الثقافي والحركة العلمية

: إِن من المعايير التي تُعرف بها قيمة الأعلام، وتدرك بها مكانتهم، معيار التأثير في حياة مجتمعهم وواقع بيئتهم، ومعيار الإِثراء للرصيد الفكري، ونشر المعرفة الدينية والعقيدة الصحيحة بين الناس.
ومحاولات الإِصلاح التي تصدر عن الأعلام تعارضها نزعات الفساد والباطل والضلال، فيكون الصراع بين الحق والباطل، ويقوى تأثير الإِصلاح تارة ويضعف تارة أخرى.12 = (التحفة: 1/ 117)، وابن العماد في (الشذرات: 6/ 357)، والتمبكتي في (النيل: 32)، والقرافي في (التوشيح: 45)، ومخلوف في (الشجرة: 222)، وكحالة في (المعجم: 1/ 68)، وبروكلمان في (تاريخه: 2/ 175).

وهذا ما رأيناه ببيئة المدينة في عصر ابن فرحون، حيث كانت للعلماء جهود في مقاومة ضلال فئة الشيعة ومحاولة استئصال شأفة المنكرات.
وكان ابن فرحون ينبهُ إِلى خطر بدعةِ الشيعة وما تجره من عظيم الفساد وبالغ الضرر، ويحمّل الحكام تبعة التصدي إِلى هذه البدعة لحسمها بسلطانهم ودرء مفاسدها الجسيمة.
وفي تقديري أن إِشارة التمبكتي إِلى إِظهار ابن فرحون لمذهب مالك ومناصرته بعد خموله بالمدينة عندما ولي منصب القضاء 1 لا تعني طغيان التعصب المذهبي عليه، لعلاقته الوطيدة بعلماء من المذاهب الفقهية المختلفة إِذ أخذ عن فقهاء من غير المالكية، وسمع عنه وأخذ عنه طلبة من غير المالكية بالمدينة وبحمص.
وإِنما تعني تلك الإِشارة سعيه لخدمة مذهبه المالكي، تدريسًا وتأليفًا وتطبيقًا في مجال القضاء، وإِفتاءً بأحكامه، كما تعني مناصرة الاتجاه السني الذي تمثل المالكية رافدًا من روافده.
وكل انحراف جره سلطان أمراء الشيعة بالمدينة يتصدى له ابن فرحون بالمعارضة، ويكشف للناس خطره، ويدلهم على فساده، مبرهنًا

على صحة رأيه وسلامة العقيدة التي يعلنها أهل السنة، مستدلًا بنصوص من أقوال الأيمة السنيين من مختلف المذاهب التشريعية.
من ذلك قبول شهادة أهل بدعة التشيع، وبناء الأحكام في القضاء عليها.
فقد عارض ابن فرحون ذلك بشدة، قائلًا: (لا خلاف في المذهب أن شهادة أهل البدع غير جائزة، ولا يعتبر منهم الأمثل فالأمثل، ولا تجوز شهادتهم لأهل السنة ولا عليهم، ولا تجوز شهادتهم لبعضهم على بعض، لانتفاء العدالة التي هي شرط في قبول الشهادة... ) 1. وكان ابن فرحون يؤكد على وجوب تعيين عدول من أهل السنة لخطة الشهادة، لينحسم بذلك خطر شهود أهل البدعة الذين ينبغي أن لا تقبل شهادتهم إِلا فيما يقع بينهم مما لا يحضره أهل السنة، وبذلك يخفّ الأمر وتكون شهادتهم مقصورة على محل الضرورة 2. وهكذا يحاول ابن فرحون أن يحقق إِصلاحًا في الواقع الذي حوله، ويسير في ذلك على ضوء هدي الشريعة الإِسلامية.
أما أثره في الحركة العلمية فهو يتجلى خاصة في مجالات التدريس والتأليف والإِفتاء.
وسنتعرض لجهوده في هذه المجالات.

ففي مجال التدريس وتبليغ العلم لمع نجم ابن فرحون حتى عُدّ من (صدور المدرسين ومن أهل التحقيق) 1. وقد تخرجت على يديه ثلة من الأعلام، منهم: 1 - ابنه أبو اليمن محمد 2 ت حوالي 814 هـ. 2 - حفيد عمه: أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي القاسم فرحون اليعمري 3 ت 822 هـ. 3 - شرف الدين محمد بن أبي بكر بن الحسين القرشي العثماني 4 المراغي المصري المدني نزيل مكة الشافعي، أبو الفتح.
ت 859 هـ. 4 - تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي أبو الطيب المالكي 5 ت 832 هـ. 5 - محمد بن خالد بن موسى الحمصي الحنبلي ابن زَهرة (بفتح الزاي) ت 830 هـ قاضي القضاة، شمس الدين.

حضر سنة 775 هـ بحمص على إِبراهيم بن فرحون قطعة من آخر صحيح البخاري وحدث بها 1. 6 - عبد الرحمن بن زهرة أخو محمد المذكور ت 864 هـ. ولد بحمص سنة 777 هـ ونشأ بها وحفظ القرآن وغالب المنهاج وألفية النحو 2. سمع من ابن فرحون قطعة من صحيح البخاري، وهي باب قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
3 وحدث بها 4. 7 - محمد بن محمد بن محمد الحمصي الصوفي القادري الشافعي سمع من ابن فرحون صحيح البخاري 5. 8 - عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن موسى الحمصي الحنبلي جمال الدين ابن زهرة ت 868 هـ 6.

9 - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن خلف الأنصاري الخزرجي المطري الأصل المدني الشافعي 1 ت 856 هـ. وممن أجازهم ابن فرحون.
10 - حسين بن علي بن يوسف بن سالم بن عطية المكي، الشهير بابن أبي الأصيبع، البدر.
ت 849 هـ بمكة 2. 11 - عبد اللطيف بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الغنُّومي المكي ت 859 هـ بمكة 3. 12 - عبد الرحيم بن إِبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن إِبراهيم اللخمي الأميوطي المكي الشافعي، زين الدين ت 867 هـ بمكة 4. 13 - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الحسيني الإِيجي صفي الدين، ت 864 هـ. كان إِمامًا عالمًا صالحًا زاهدًا ورعًا 5. أما في مجال التأليف فكان لابن فرحون جهدٌ مبذول، قال ابن حجر:

(تفقه وبرع، وصنف وجمع) 1 ووصف أحمد بابا تآليفه بأنها (في غاية الإِفادة لاتساع علمه) 2، وقال عنه مترجم آخر: (فريد وقته ونسيج وحده، ذو التصانيف المفيدة) 3. ولم يطبع من كتبه ويشتهر إِلا أربعة ويتلوها هذا الكتاب "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" فيكون خامس كتاب منشور.
وأملنا أن ينفض الغبار عن كتبه الأخرى وتظهر للناس فينتفعوا بها.

وهذا جدول للتعريف بمؤلفاته في الفقه -- ملاحظات 1 - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام.
-- موضوعه: فقه القضاء طبع عدة مرات 2 - درة الغواص في محاضرة الخواص.
-- موضوعه: ألغاز فقهية وقع تحقيقه وصدر في طبعتين.
3 - إِرشاد السالك في أفعال المناسك.
-- موضوع هذا التقديم والتحقيق.
4 - تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات.
-- في معلمة الفقه المالكي لعبد العزيز بن عبد الله أن منه نسخة بالمتحف البريطاني في لندن برقم 872، وقد شددت الرحلة إِليها للاطلاع عليها، فإِذا بها نسخة من كتابه (كشف النقاب الحاجب)، المطبوع.
5 - بروق الأنوار في سماع الدعوى.
-- لم يكمل - ولا تعرف نسخه 6 - كتاب في الحسبة.
-- لم يكمل - ولا تعرف نسخه 7 - كشف النقاب الحاجب عن مختصر ابن الحاجب.
-- موضوعه: بيان مصطلحات مختصر ابن الحاجب الفرعي.
منه نسخة بدار الكتب الوطنية بتونس: 15429. حققة الصديقان: الأستاذان عبد السلام الشريف وحمزة أبو فارس من ليبيا، ونشرته دار الغرب الإِسلامي بيروت.

جارٍ التحميل