إرشاد السالك إلى أفعال المناسكصفحات 255-294

الباب الثالث: في أحكام الحج وصفتِه وأركانِه

صفحات 255-294

بشير 1. وفي الذخيرة قال سند: ينعقد بمجرد النية 2. وقال التادلي: وصرح بذلك في الكتاب 3 والمُعلِم 4 والقبس 5 والتلقين 6، وقال به جماعة من الأشياخ.

وقال سند: وهو المحكي عنا في الخلافيات، فلو نوى وأقام بموضعه كان محرمًا.
ولو نوى وهو يجامع أهله انعقد ولزمه التمادي في الحج والقضاء، ولم يحك خلافًا.
وفي التَّبْصِرَة لابن محرز 1 قال أشهب: لو كبر أو هلل أو سبح، يريد بذلك الإِحرام كان محرمًا.
قال ابن يونس: الاتفاق على أنه إِذا قلَّد 2 الهدي أو أشْعَره 3 ينوي به الإِحرام ولم يُلَبِّ، أن إِحرامَه صحيحٌ.

فرع: كره مالك التسميةَ في كتاب ابن المواز.
وروى ابنُ وهب 1 عن مالك: التسمية أحب إِليّ.
ورُوي عنه: ذلك واسع.

فرع: لو أحرم مطلقًا لا ينوي حجًّا ولا عمرة، قال أشهب: هو بالخيار في صرفه إِلى أحدهما، وإِلى الحج أفضل، وقال أيضًا: إِلى القِرَانِ 2 أفضل.

فرع: لو اختلف عقْده ونُطْقُه فالاعتبار بالعقْد 3.

فرع: ولو نسيَ ما أحرم به، قال أشهب: يكون قارنًا 1 غير أنه ينبغي أن يقول الآن: لَبَّيْكَ بحجَّة؛ لاحتمال أن يكون الذي نسيه عمرة.

فرع: ولو شكّ هل أفرد 2 أو قرن تمادى على نية القران وحده؛ وإن شك هل أحرم بعمرة أو بحج مفرد طاف 3 وسعى، لإِمكان أن يكون إِحرامه بعمرة مفردة ولا يحلق لاحتمال أن يكون في حج ويتمادى على عمل الحج، ويهدي لتأخير الحلاق ليس للقران؛ لأنه لم يحدث نية، وإِنما تمادى على النية المتقدمة في شيء واحد، فإِن كانت نيته بعمرة فقد تمت بالطوف والسعي، وتماديه بعد ذلك لا يكون به قارنًا، وإِن كانت نيته بالحج كان مفردًا وكان ذلك الطواف له لا للعمرة؛ لأنه لم يحدث نية العمرة 4.

فرع: لو نوى الحج ولم ينو الفرض، ولا النفل، انصرف إِلى الفرض إِن كان صرورة، لقوته 1.

فرع: ولو نوى النفل قبل حجة الفريضة لزم، ولم ينقلب إِلى الفرض.

فرع: ولو أحرم بما أحرم به فلان، وهو لا يعلمه، جاز عند أشهب والشافعية 2 لقصة 3 علي 4 - رضي الله عنه -.

قال سند: ولو أحرم في الصلاة بما أحرم به إِمامه قال أشهب: يجزيه، من الذخيرة 1.

مسألة 2: رفض النية في الحج لا يضر 3.

فصل: في سنن الإحرام وهي أربعة: الأولى: الغسل 1، فإِذا وصل مريد الحج إِلى الميقات فليغتسل للإِحرام، فإِنه آكد اغتسال الحج، وهو سنة 2 ولا دم في تركه؛ لأنه يفعل قبل التلبس بالإِحرام 3، ولا يترك إِلا من ضرورة مثل قلة الماء وضيق وقت أو سير رفقة أو خوف كشفه أو شبه ذلك.
قال سحنون: ومن تركه 4 فقد أخذ بحظه من الإِساءة ولا شيء عليه 5، وكذلك لو ترك الوضوء وأهلَّ ومضى.

والرجل والمرأة والصغير والحائض والنفساء سواء، يسن لهم الغسل 1. قال سند: ومن عدم الماء سقط عنه الغسل، ولا يتيمم مكانه.
قال ابن خويز منداد 2: وهو عند مالك آكد من غسل الجمعة 3. قال ابن الماجشون: ومن تركه جاهلًا أو ناسيًا فلا إِثم عليه.

فرع: فإِن أحرم قبل الغسل، فإِن بُعد تمادي، وإِن قرب فهل يؤمر بإِعادته؟ قولان.

فرع: قال في الكتاب: إِن اغتسل بالمدينة ومضى لذي الحليفة من فوره أجزاه، فإِن تأخر بياضَ النهار أعاد 1. وفي كتاب ابن المواز: إِن اغتسل بكرة فتأخر خروجه إِلى الظهر كرهته.
وهذا طويل.
قال ابن حبيب: واستحب عبد الملك أن يغتسل بالمدينة ثم يخرج مكانه فيحرم بذي الحليفة، وذلك أفضل.
وبالمدينة اغتسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتجرد ولبس ثوبي إِحرامه 2. قال مالك: ولا بأس اذا اغتسل بالمدينة أن يلبس ثيابه إِلى ذي الحليفة، ثم ينزعها إِذا أحرم.
قال سند: وكل من كان منزله عن الميقات بثلاثة أميال جاز أن يغتسل منه، كالمدينة مع ذي الحليفة 3.

ويفهم من هذا أن بين المدينة وذي الحليفة ثلاثة أميال، وهي أزيد من ستة.

فرع: قال ابن حبيب 1: ثم إِذا اغتسلت بالمدينة ولبست ثوبي إِحرامك فأت القبر المكرم فودع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر 2 رضي الله عنهما، ثم اركع ركعتين إِذا كنت في وقت صلاة، تسأل الله تعالى فيهما العون على سفرك وأن يقبلك بالعتق من النار، ثم امض بلا تلبية إِلى الميقات.

فرع: جملة اغتسال الحج المتفق عليها والمختلف فيها في المذهب سبع: للإِحرام، ولدخول مكة، وللطواف، وفي عرفة عند رواحه إِلى الصلاة 3 ولمزدلفة، ولطواف الإِفاضة، ولرمي الجمار.
ويسن أيضًا لزيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - 4.

وآكدها بعد غسل الإِحرام الغسل لدخول مكة 1. قال بعض المتأخرين: يكتفي بالغسل لدخول مكة 2، عن غسل الطواف؛ لأنه إِنما شرع لأجله؛ لأنه أول مبدوء به عند الدخول.
وبعضهم لم يكتف به، وقال: لا بد من غسل الطواف وإِنما ذلك للدخول فقط.

فرع: ويكتفي بالغسل للطواف عن الغسل للسعي؛ لأن أحدهما مرتبط بالآخر وتابع له.
= الحنابلة نص أبو عبد الله محمد السامري على استحبابه لدخول المدينة في كتابه المستوعب.
كما قال السبكي في (شفاء السقام: 65).
ولم يصرحوا بدليل لهذا الحكم.

مسألة: ويغتسل عند مالك - رحمه الله - في الحج 1 في ثلاثة مواضع: للإِحرام 2، ولدخول مكة، ولرواحه إِلى الصلاة بعرفة.

فرع: ولا تغتسل الحائض ولا النفساء 3 لدخول مكة؛ لأنه للطواف ودخول المسجد، وهما ممنوعان منهما 4. ورُوي أن الحائضَ تغتسل لدخول مكة بذي طوَى 5 كغير الحائض، وهذا يُؤَيِّد ما تقدم من القول بعدم الاجتزاء بغسل الدخول عن غسل الطواف.

فرع: ويتدلك ويتنظف في غسل الإِحرام فقط، وفي ما سواه يصب الماء، إِلا أن تصيبه جنابة فيتدلك برفق.

فرع: ولا بأس أن يقص شاربه وأظفاره ويستحد ويكتحل ويلبد 1 شعره بالغسول والصَّمْغ 2 ويظفره ليقل قمله، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم 3. وجعل ابنُ بشير فعلَ ذلك مستحبًّا.

فرع: وتمتشط المرأة قبل إِحرامها بالحناء وما لا طيب فيه وتختضب.

مسألة: ومنع مالك الطيبَ المؤنث 1 عند الإِحرام، فإِن فعل: فالمشهور لا شيء عليه، وهو عند مالك مكروه ولا فدية فيه؛ لأنه لم يستعمل طيبًا بعد الإِحرام، وإِن وجد ريحه؛ قاله في الذخيرة 2. قال ابن بشير: فإِن تطيب بما يبقى ريحه بعد الإِحرام فهل يفتدي أم لا؟ 3 قولان، ولو أحرم في ثوب فيه ريح طيب فقد أتى مكروهًا، ولا فدية عليه.
وفي الذخيرة: وتنزع المحرمة ما صادف الإِحرام من الطيب، ويؤمر المحرم بغسله بصب الماء عليه.
فإِن لم يزل إِلا بالمباشرة باشره بالغسل ولا شيء عليه 4.

الثانية: التجرد من المخيط، ويلبس إِزارًا ورداء ونعلين.
وزاد القاضي عياض في قواعده: مما ليس لهما حارك كنعل التكرور 1 التي لها عقب يستر بعض القدم 2. وثياب الإِحرام: هي 3 الملاحف والأردية والمئزر وما كان مثل ذلك مما لا يخاط، إِلا العمائم فلا يلبسها المحرم.
وقال أبو عمران 4: إِن كان في عنقه كتاب نزعه قبل أن يحرم.
والبياض أفضل ألوان 5 الثياب، فينبغي له أن يلبس ثوبين أبيضين: يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر لم يمسهما زعفران ولا ورس ولا شيء من الطيب.
والمصبوغ بغير طيب مكروه لمن يُقتدى به، وجائز لعوام الناس، والمورس حرام باتفاق.
والورس: نبات باليمن صبغه بين الصفرة والحمرة طيب الرائحة.

ويجوز الثوب الأخضر والأزرق وما أشبه ذلك.

فرع: ولا بأس أن يحرم في ثوب غير جديد وإن لم يغسله، وقد أحرم مالك - رحمه الله - في ثوب حججًا ما غسله 1. وسيأتي في باب ما يوجب الفدية ذكر المصبغات.
الثالثة: الركوع للإِحرام، وأقله ركعتان ولا حد لأكثره.
وذكر ابن القاسم الجزيري 2 أنه يقرأ فيهما بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد.
ومن كان إِحرامه من ذي الحليفة فينبغي له أن يدخل المسجد الذي بها ويصلي فيه ركعتين، يسأل الله فيهما العون على سفره والرجوع بالعتق من النار، والأفضل أن تكون الصلاة التي يحرم بعدها نافلة مختصة بالإِحرام، فإِن

أحرم عقب فرض جاز 1. وفي التنبيهات، قال بعض الشيوخ: مفهوم المذهب أنَّ سنة الإِحرام أن تكون عقب صلاة لا أن من سنته 2 أن يصلي من أجله 3. قال ابن الحاج: وفي ديوان أشهب يُستحب أن يكون بإِثر فريضة.

فرع: ويحرم من أتى الميقات في أي وقت شاء، فإِن كان في غير وقت صلاة انتظر حل النافلة، إِلا أن يكون مراهقًا 4 أو خائفًا وشبه ذلك من العذر، فيجوز أن يحرم، وإِن لم يصل 5، وإِن صلى فريضة لا يتنفل بعدها ولم

يمكنه انتظار وقت النافلة أحرم عقيب الفريضة، وذلك خير من الإِحرام بغير صلاة 1.

فرع: فإِن نسي الركوع حتى أحرم تخرج على نسيان الغسل، وقد تقدم ذكره.

فرع: ولا يحرم دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة، ولكن إِذا خرج منه ركب راحلته، فإِذا استوت به في فناء المسجد لبَّى ولم ينتظر أن تسير، وإِن كان ماشيًا فحين يخرج من المسجد متوجهًا للذهاب 2. وفي مختصر الواضحة: فإِذا خرجت من المسجد فاركب راحلتك وأنت مستقبل الكعبة من فناء المسجد، فإِذا استوت بك قائمة وانبعثت بك سائرة لبِّ، وهذا خلاف لما تقدم من أنه لا ينتظر انبعاثها بالسير.

مسألة: سئل مالك عن الجمَّال يأتي بالقوم إِلى ذي الحليفة، فينيخ بهم عند غير

المسجد، فيقول: اذهبوا فصلوا وارجعوا إِلى أحمالكم أحملكم، وقال المكترون: بل تنيخ عند باب المسجد حتى نصلي ثم نركب ثم نهل 1، فقال مالك: يُجبر الجمَّال على أن ينيخ بهم عند باب المسجد، حتى يصلوا 2 ثم يركبوا ثم يُهلُّوا.
قال ابن رشد: كان ذلك عرفًا وعليه دخل الكريُّ 3. وعلى هذا لو تغير العرف فهل يجبر الجمَّال على ذلك؟ وظاهر المذهب يقتضي تغير الحكم بتغير العرف، والله أعلم.
الرابعة: التلبية - وهي مسنونة في الحج والعمرة غير مفروضة، قاله ابن الجلاب 4.

قال الباجي 1: ومعنى ذلك عندي أنها ليست من أركان الحج، وإِلا فهي واجبة؛ ولذلك يجب الدم بتركها 2. وفي الموطإِ: إِن تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لبّيك اللهمّ لبيك، لبيك لا = أصحاب الأبهري شيخ المالكية بالعراق، له شرح المدونة وكتاب في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع الذي اشتهر وانتشر، ومنه ينقل ابن فرحون وغيره.
ت 378. (الأعلام: 4/ 193، إِيضاح المكنون: 1/ 301، تاريخ التراث العربي، لسزكين: 3/ 165، دائرة المعارف للبستاني: 2/ 411، الديباج: 1/ 461، طبقات المالكية لمجهول: 172 - 173، الفكر السامي: 3/ 118، كحالة: 3/ 238، هدية العارفين: 1/ 447). وقول ابن الجلاب في التلبية وارد في (التفريع: 1/ 321).

شريك لك لبيك، إِن الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك" 1. وحكى ابن حبيب عن مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة 2 في تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قوله: لا شريك لك، لبيك إِله الحق 3 لبيك، فهذه تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كان يلبي بها في حجه وعمرته.
وزاد فيها عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه -: لبَّيْك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك 4 مرهوبًا منك ومرغوبًا إِليك 5.

وزاد ابن عمر - رضي الله عنهما - لبيك لبيك وسعديك والخير 1 بيديك والرغباء إِليك والعمل 2. قال مالك: وأكره أن يُزاد على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 3. وروي عنه: لا بأس أن يزاد فيها.
وفي الذخيرة: وليس في التلبية دعاء ولا صلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 4. = المرفوع، وزاد: لبيك مرغوبًا مرهوبًا إِليك ذا النعماء والفضل الحسن".
(الزرقاني على الموطإِ: 2/ 243).

قال الباجي: ويُروى إِن الحمد بكسر الهمزة في (إِن) 1 وفتحها.
وقال قوم: إِن كسرة الهمزة أبلغ في المدح 2. وقال الخطابي: الفتح رواية العامة 3. قال ثعلب 4: والاختيار كسر إِنَّ وهو أجود من الفتح؛ لأن الذي يكسر يذهب إِلى أن معنى لبّيك: الحمد والنعمة لك على كل حال، والذي يفتح

يذهب إِلى أن معنى لبّيك لهذا السبب 1. ويجوز النُّعمة بضم التاء وفتحها 2. واختار بعضهم الوقف على قوله: والملك، وليبتدئ: لا شريك لك.
قوله: والرغباء يروى بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر 3، وبفتحها مع القصر 4، ومعناه: الرغبة إِلى من بيده الخير، وهو المقصود بالعمل.
وينبغي للحاج استشعار الخضوع والخشوع لله تعالى عند الأخذ في التلبية، وإِظهار الاستكانة والإِنابة إِليه 5 سبحانه وتعالى.
وقد ذكر مصعب الزُّبَيْرِي 6 عن مالك - رحمه الله تعالى - قال:

اختلفت إِلى جعفر بن محمد الصادق 1 زمانًا، وما كنت أراه إِلا على إِحدى ثلاث خصال: إِما مصل، وإِما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلا على طهارة، وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله تعالى، ولقد حججت معه سنة، فلما أتى الشجرة أحرم، فكلما أراد أن يُهلَّ كان يُغشى عليه، فقلت له: لا بد لك من ذلك؟ فقال: يا ابن أبي عامر إِني أخشى أن أقول: لبّيك اللهمّ، فيقول: لا 2 لبيك ولا سعديك.
قال مالك: ولقد أحرم جده علي بن الحسين زين العابدين 3، فلما أراد أن يقول: لبّيك اللهمّ - أو قالها - غُشي عليه وسقط عن ناقته فهشم وجهه = الزبيري المدني، أبو عبد الله.
سكن بغداد.
وروى عن أبيه وعن مالك وغيرهما.
يقول أحمد: مصعب الزبيرى ثقة.
ت 236 وهو ابن ثمانين سنة.
(تهذيب التهذيب: 10/ 162 - 164 رقم 309، ميزان الاعتدال: 4/ 120 رقم 8564).

  • رضي الله عنهم أجمعين 1 -.

فرع: وليرفع المحرم صوته بالتلبية ولا يسرف ولا يلح ولا يسكت، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا 2. ولا ترفع المحرمة صوتها بالتلبية كرفع الرجل، ولكن تسمع نفسها 3. قال مالك: والعجمي يُلبِّي بلسانِه.
ومن سنَّتِهَا: المُوَالاة.
قال مالك: ولا يرد سلامًا حتى يفرغَ، ويكررها بإِثر الصلوات المكتوبات والنوافل، وحين يلقى الرفاق، وعند انضمام الرفاق، وعلى كل شرَف من

الأرض يشرف عليه 1 أو يهبط منه وفي بطون الأودية 2، وفيما بين ذلك راكبًا كنت أو نازلًا أو قائمًا أو قاعدًا 3. ولا ترفع صوتك بالتلبية في مسجد الجماعات، فأما في المسجد الحرام أو مسجد منى فارفع ما استطعت 4. وإِذا قلنا: لا يرفع صوته في المساجد، فإِنه يسمع نفسه ومن يليه.
قال سند: وروي عنه الرفع في المساجد التي بين مكة والمدينة؛ لأنها غير معمورة.

فرع: ولا تُكرهُ التلبية للجُنُب والحائض 5.

مسألة: ومن أراد الإِحرام ومعه هديٌ فليقلده ثم يشعره ثم يجلله 1، وكل ذلك واسع، ثم يدخل المسجد ويركع ويحرم.
والسنَّة اتصال ذلك كله.

مسألة: اختلف في زمن قطع التلبية الأولى، وفي معاودتها بعده، وفي قطعها بعد معاودتها.
الموضوع الأول: قطعها الأول.

قال مالك: وإذا دخل المحرم المسجد الحرام أول ما يدخل، وهو مفرد بالحج أو قارن، فلا يلبي، ويقطع التلبية من حين يبتدئ الطواف إِلى أن يفرغ من سعيه بين الصفا والمروة، فإِن لبَّى في الطواف فهو في سعة، وكذلك بين الصفا والمروة.
وروى ابن الموَّاز أن المحرم بالحج من الميقات يقطعها عند دخول الحرم 1. والأول مذهب المدونة 2. الموضوع الثاني: معاودتها بعد القطع الأول.

فروى أشهب عن مالك: يعاودها بَعْد الطواف.
وروى ابن المواز: يعاودها بعد السعي.
الوضع الثالث: قطعها بعد معاوتها.
فقيل: يقطعها إِذا زالت الشمس وراح إِلى الصلاة، وهو المشهور.
وقيل: إِذا زالت الشمس.
وقيل: إِذا راح إِلى الموقف.
وعلى القول الآخر: يلبي بين ظهراني خطبته؛ لأن رواحه إِلى الموقف بعد الصلاة 1. وفرَّق ابن الجلاب 2 بين من يأتي عرفة محرمًا فيقطع يوم عرفة، وبين من يحرم بعرفة فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة 3. وإِذا قطع التلبية بعرفة لم يعاودها 4.

مسألة: وسئل سحنون عن المحرم: هل له أن يسافر اليوم واليومين والثلاثة؟ قال: نعم، لا بأس بذلك، وليس هو مثل المعتكف، ذكره ابن رشد في البيان 1.

فصل: في دخول مكة وإِذا وصلتَ إِلى حرم مكة فيستحبُّ لك أن تقول: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا 1 حَرَمُكَ وأمْنُكَ، فحرِّمْنِي علَى النَّارِ، وأمِّنِّي مِنْ عَذَابِكَ يومَ تبعثُ عِبَادَكَ، واجْعَلْنِي منْ أوْلِيَائِكَ وَأهْلِ طَاعَتِكَ 2، وتدعو بما تحبّ.
ويستحبّ لمن كان حاجًّا أو معتمرًا أن لا يدخل مكة حتى يغتسل بذي طوى ويأمر من معه بذلك، وإِن اغتسل بعد دخوله فواسع، وقد تقدم ذكر هذا عند ذكر الغسل للإِحرام 3. وذو طوى: هو الوادي الذي بعد الثّنية التي يصعد إِليها من الوادي المعروف الآن بالزّاهر، على يسارك وأنت قادم إِلى مكة من طريق التّنعيم، فهناك بات النّبي - صلى الله عليه وسلم - 4 واغتسل لدخولها 5.

وطَوى بفتح الطّاء مقصورة.
والذي بطريق الطائف طَواء بالمدّ.

فرع: واستحب مالك أن يدخل مكة نهارًا 1، ومن أتاها ليلًا فواسع أن يدخل 2. ويستحب لمن أتى من طريق المدينة أن يدخل مكة من كَدَاء الثنية 3 التي بأعلى مكة 4، ومن دخل من غيرها فذلك واسع، ثم يهبط من الثنية = ثم بيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك.
أخرجه البخاري (الصحيح: 2/ 154)، كتاب الحج، باب الاغتسال عند دخول مكة).

العليا 1 المذكورة على الأبطح والمقبرة على يساره وهو نازل منها، ثم يأخذ كما هو إِلى المسجد الحرام، ولا يعرج على شيء دونه إِلا لحطِّ رحله.
ويستحبّ له أن يدخل من باب بني شيبة 2، وهو باب بني عبد مناف؛ لأنه قبالة البيت، ويقدم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.
فإِذا رأى البيت المكرَّم كبّر ثلاث تكبيرات ورفع يديه وقال: اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام فحيّنا ربّنا بالسّلام 3، اللهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممّن حجّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا، الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلَّغني بيته ورآني لذلك أهلًا، اللهمّ إِنك دعوت إِلى حجّ بيتك وقد جئت لذلك، اللهمّ تقبل مني واعف عنّي وأصلح لي شأني كله، لا إِله إِلا أنت، اللهمّ إِني جئتك من شقة بعيدة مؤمّلًا لمعروفك فأنلني 4 معروفًا من معروفك يغنني عن معروف من سواك يا أرحم الراحمين.

ثم تدعو بما شئت من خيري الدّنيا والآخرة، فإِذا وقع بصرك على البيت في انحدارك من العقبة فارفع يديك، وقل ما تقدم.
وأول ما تبدأ به بعد دخول المسجد الحرام استلام الحجر (1) الأسود بعد أن تنوي الطّواف، وهذا هو طواف القدوم، ولا تبدأ بالركوع، بل بالطواف كفعله - صلى الله عليه وسلم - (2)، إِلا أن تجد الإِمام في فرض فتصلي معه، ثم تطوف، أو تخاف فوات مكتوبة فتقدمها حينئذ على الطواف.

الركن الثاني: الطواف

فأمَّا طوافُ القدوم فإِنه سنة لغير المكي، وأوقع عليه مالك اسم الوجوب.
قالوا: معناه وجوب السنن، ولا رجوع لتركه.
واختلف: هل على تاركه دم أم لا؟ قال مالك مرة: إِن كان غير مراهق 3 فعليه الدم.12

وقال أيضًا: إِنه يجزئ عنه طواف الإِفاضة.
وهو ساقط عن المراهق 1. والمراهق: هو الذي يضيق وقته عن إِيقاع طواف القدوم والسعي وما لا بدّ له من أحواله، ويخشى فوات الحج إِن تشاغل بذلك كله، فله تأخير الطواف.
ولمالك في المختصر: إِن قدم يوم عرفة فليؤخر، إِن شاء طاف وسعى، وإِن قدم يوم التروية 2 ومعه أهله فليؤخر إِن شاء، وإِن لم يكن معه أهله فليطف ويسع، يريد: لأنه بأهله في شغل، وحال المنفرد أخف.

فرع: خمسةٌ يسقط عنهم الطواف الأول والسعي؛ وهم: المراهق، والمكي المحرم بالحج من مكة، والمتمتع، والقارن من أهل 3 مكة على اختلاف فيه، والمردف في أثناء طوافه.
فهؤلاء الخمسة لا يطوفون ويسعون، إِلا في يوم النحر.

فصل فإِذا تقدمت للطواف فاستقبل الحجر والركن اليماني على يسارك وكبر، ثم قبّله بفيك من غير صوت إِن قدرتَ، وإِلّا فضع يدك عليه وضعها على فيك من غير تقبيل، فإِن لم تدركه بيدك لازدحام الناس فكبر عند محاذاتك له ولا تشر إِليه بيدك.
قال في المدونة: وليس عليه أن يستلم الحجر في ابتداء الطواف إِلّا في الواجب 1، يعني: إِلّا في الطواف الواجب، وهذا يدل على أنه واجب في الطواف الواجب.
وللطواف شروط: الأوّل: طهارة الحدث: وهي معتبرة في جميع الطواف.
وفي الذخيرة 2: قال أبو حنيفة والمغيرة 3 من أصحابنا: لا تشترط

الطهارة قياسًا على الوقوف، بل هي سنة 1، فإِن طاف محدثًا فعليه شاة، أو جُنبًا فعليه بَدنة 2. وفي الجواهر: إِن طاف غير متطهر أعاد، فإِن رجع إِلى بلده قبل أن يعيد رجع من بلده على إِحرامه فطاف 3. وقال المغيرة: يعيد ما دام بمكة، فإِن أصاب النساء وخرج إِلى بلده أجزأه 4. وهذا في طواف الإِفاضة.
= بعد مالك.
ولد 124. ت 188 وقيل 186. (الانتقاء: 53، تهذيب التهذيب: 10/ 264، الديباج: 3/ 343 رقم 163، شجرة النور: 56 رقم 5، شذرات الذهب: 1/ 310، لسان الميزان: 6/ 726، المدارك: 3/ 2، وفيات ابن قنفذ: 148).

فإِن كان قد طاف بعده تطوعًا لم يعد من بلده؛ لأن طواف التطوع هنا يجزؤه عن الواجب، وهذا قوله في المدونة.
ولا دم عليه عند ابن القاسم.
وإِن لم يكن طاف بعده تطوعًا فيرجع حلالًا، إِلا من النساء والصيّد والطيب؛ لأن حكمه باق على ما كان في منى، وقد كان بمنى قبل طواف الإِفاضة ممنوعًا من ذلك، ثم يعتمر ويهدي.
وقيل: لا عمرة عليه إِلا أن يطأ.
وجل الناس يقولون: لا عمرة عليه، وإِنما عليه الهدي، ولا حلق عليه، لأنه حلق بمنى.
وأما لو كان هذ الطواف طواف القدوم لم يركع له من بلده إِلا أن يكون سعى بعده، فهو حينئذ بمنزلة طواف الإِفاضة في جميع ذلك، إِلا أن يكون سعى بعد طواف الإِفاضة؛ لأن السعي ركن، ومن شرط صحته أن يكون بعد طواف صحيح، فإِذا بطل الطواف لعدم الوضوء صار سعيًا بغير طواف.

فرع: ونسيان بعض الطواف كجميعه 1.

قال في المدونة: إِن كان قريبًا بنى وطاف شوطًا وركع وأعاد السعي، وإِن ذكره بعد أن انتقض وضوؤه أو في طريق بلده رجع فابتدأ الطواف وركع وسعى 1، ولو انتقض وضوؤه في أثنائه تطهر واستأنف الطواف إِن كان واجبًا، ولو أحدث بعد فراغه من الطواف وقبل أن يركع فتوضأ وركع ولم يعد الطواف جهلًا حتى رجع إِلى بلده، فليركع بموضعه، ويبعث بهدي.
قال ابن المواز: ولا تجزئه الركعتان الأوليان ولو بنى بعد وضوئه على ما مضى من طوافه لم يجزه كالصلاة.
وروى ابن حبيب أنه يُجزئه ولا وجه لهذه الرواية.
الثاني: طهارة الخبث 2: ومن طاف بنجاسة طرحها حين ذكر، وبنى 3، فإِن ذكر بعد ركعتي الطواف ففي استحباب إِعادتهما قولان.
فإِن ذكر قبل الركوع أجزأه الطواف 4 عند ابن القاسم، وأعاد عند أشهب.

جارٍ التحميل