الباب السادس عشر: في نكاح المحرم وحكم الوطء ومقدماته
[منع المحرم من النكاح والإنكاح]
وفي الموطإِ عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: "لا يُنكحَ المحرم ولا يُنكِح ولا يَخطُب" 1.
الجزء: 2 - الصفحة: 655
واتفق المذهبُ أنَّ المحرم بالحج أو العمرة ممنوع من أن يَنكح أو يُنكح غيره.
وإِن نكح المحرم فسخ نكاحه قبل الدخول وبعده، قيل: بطلاق 2، وقيل: بغير طلاق 3 وهذا إِذا نكح قبل طواف الإِفاضة.
فرع:
قال ابن الحاج: وإن سعى المحرم في عقد النكاح بسفارة حلال أو سعى فيه بنفسه وأكمل العقد بعد أن حلّ.
قال الباجي: لم أر فيه نصًّا، وعندي أنه قد أساء، والنكاح لا يفسخ 4.
وبهذا جزم ابن الحاج في مناسكه *.
وكذلك الحكم إِذا تولى خُطبة النكاح - بضم الخاء المعجمة - وتولى العقد غيره.
وكذلك حضوره عقد النكاح، قاله أشهب، وقال أصبغ: لا شيء عليه 5.
الجزء: 2 - الصفحة: 656
فرع: ولا يدخل في ذلك مراجعه المطلقة فله مراجعتها وإن كانا محرمين لأنه إصلاح ذات البين، وليست نكاحًا، والرجعية حكمها حكم الزوجة 6.
فرع: وإِذا فسخ نكاح المحرم في تأبيد التحريم روايتان.
فرع: ولا يجوز للمحرم وطء حرة أو أمة فإِن وطئ قبل الوقوف بعرفة فسد الحج إِجماعًا وعليه القضاء والهدي، وسواء العمد والنسيان 7.
فرع: وإِن وقع بعد الوقوف في ليلة المزدلفة أو في يوم النحر قبل الرمي والإِفاضة أو بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإِفاضة، أو بعد الإِفاضة وقبل رمي جمرة
الجزء: 2 - الصفحة: 657
العقبة، فهذه أربع صور فيها ثلاثة أقوال: يفسد الحج في الجميع، يصح في الجميع، الثالث وهو المشهور إِن وقع 8 يوم النحر قبل الرمي وقبل الإِفاضة فسد الحج.
وإِن وقع (1) بعد أحدهما وقبل الآخر لم يفسد.
فرع:
وإِذا قلنا: لا يفسد، إِما على المشهور وإِما على أحد الأقوال الشاذة، فإِن كان قبل الإِفاضة أو في أثنائها - كما لو نسي شوطًا - أو بعدها وقبل الركعتين وبعد رمي جمرة العقبة، فإِنه يأتي بالطواف وركعتيه ثم يأتي بعد ذلك بعمرة وهدي بعد أيام مِنى لأنها لا تُفعل إِلا بعدها، وقيل: يكفي الهدي، وإِن كان الوطء بعد الإِفاضة وقبل الرمي بحيث إِنه أخطأ بتقديم الطواف على الرمي، في المدونة: عليه الهدي خاصة 9 وهذا على المشهور.
وقيل: يأتي بعمرة مع الهدي.
وهديه بدنة ثم بقرة ثم شاة ثم صيام العجز 10.
الجزء: 2 - الصفحة: 658
فرع: وإِن كان محرمًا بعمرة ووطئ قبل الركوع فسدت ويجب القضاء والهدي، وإِن كان بعد السعي وقبل الحلق فينجبر 11 بالهدي على المشهور، وقيل: يفسد.
فرع: وسواء وطئ في الدبر ذكرًا أو أنثى أو في فرج المرأة أنزل أو لم ينزل، أو عبث بذكره فأنزل، أو كانت امرأة فعبثت بنفسها، فأنزلت أو قبَّل امرأة أو غيرها فأنزل، أو باشر أو لمس فأنزل أو داومَ النظر إِلى المرأة فأنزل، أو كان راكبًا فهزته الدابة فاستدام ذلك حتى أنزل، أو تذكر فأدام ذلك فأنزل، فإِذا فعل شيئًا من هذه الأشياء فقد فسد حجُّه وعليه حج قابل والهدي، وقيل: إِذا تذكر حتى أنزل فهديٌ فقط، ويتقرب إِلى الله تعالى بما استطاع، وقيل: لا شيء عليه 12.
فرع: فإِذا فسد حجه وجب عليه المضيُّ في الفاسد حتى يتمه، ويجب عليه القضاء على الفور في قابل تطوعًا كان حجه أو فرضًا 13.
الجزء: 2 - الصفحة: 659
فرع: فلو لم يتم حجه الفاسد ظنًّا منه أن لا يلزمه إِتمام الحج الفاسد، ثم أحرم للقضاء في سنة أخرى فهو باق على حجه الفاسد وعلى إِحرامه الأول؛ لان الحج لا يرتفض، وكل ما يأتي به في السنة الثانية مبني على ذلك الإِحرام الفاسد * فيتم بقية الأركان في السنة الثانية ثم يقضي في السنة الثالثة.
فرع:
ومن أفسد حجه لم يجز له المقام على إِحرامه إِلى قابل ليقضي حجه بذلك الإِحرام، فإِن فعل وحج به كان فاسدًا وعليه قضاؤه، وإِن فسد حجه لم يقدم على القضاء هديه، وإِن قدمه أجزأه والاختيار ما ذكرناه.
= فقهي - نصه: "فإن قلت: لنا صورة يتعين فيها الإِتيان بالحج، سواء قلنا: الحج على الفور أو على التراخي؟
قلت: هو إِذا فسد حجه لزمه قضاؤه في العام القابل على الفور، وسواء كان الأول فرضًا أو نقلًا".
(درة الغواص: 174 رقم 238).
وقد علل الونشريسي وجوب قضاء الحج الفاسد دون وجوب أن يقضي قضاء رمضان بـ "أن الحج لما كانت كلفته شديدة شدد فيه بقضاء القضاء سدًّا للذريعة لئلا يتهاون فيه، وأيضًا القضاء في الحج على الفور، وإِذا كان على الفور صارت حجة القضاء كأنها حجة معينة في زمن معين، فيلزمه القضاء في فاسدها كحجة الإِسلام، وأما زمان قضاء الصوم فليس بمعين، وأيضًا الحج عمل، فإِذا أفسده فعليه قضاؤه، قاله أصبغ).
(عدة البروق: 185 - الفرق: 201).
الجزء: 2 - الصفحة: 660
فرع:
وإِن أكره امرأتَه على الوطءِ أحجها من ماله وأهدى عنها هدي الفساد 14، وسواء بقيت في عصمته أو طلقها وإِن تزوجت غيره 15، وكذلك لو أكره أجنبية لأنه من باب الغرامة، وإِن طاوعته فذلك في مالها خاصة 16.
وأما الأمة يطؤها السيد، فإِن كانت مكرهة فكما تقدم، وإن كانت طائعةً فهل يكون إِكراهًا في الحكم أو طوعًا حقيقة؟ قولان؛ فإِذا قيل: إِنه ليس بإِكراه، كان عليها القضاءُ إِذا عتقت، وإِذا قيل: إِنه إِكراه أو أكرهها ابتداء لزمه إِحجاجها.
وهل يجوز له أن يبيعها قبل أن يحجها؟ فيه قولان، وإذا قلنا بجواز بيعها فلا بد من بيان ذلك وإلا فهو عيب، للمشتري ردها به 17.
وفي السليمانية 18: إِذا لم يحجها فليبعها 19 ممن يحجها.
الجزء: 2 - الصفحة: 661
فرع:
وإِذا قضى فارق من أفسد معه الحج من زوجة أو أمة في مسيرهما، من حين الإِحرام إِلى طواف الإِفاضة، لا يجتمعان في مجلس 20 ولا يتسايران 21.
قال ابن عبد السلام: وظاهر إِطلاقات المذهب أن ذلك على الوجوب، وهو أسعد بالأثر.
وقال ابن القصار: إِنه مستحب.
وفصَّل اللخمي، فقال: إِن صدر ذلك ممن هو جاهل بالتحريم فهو مستحب، وإن صدر من العالم بالتحريم فهو واجب.
فرع: ويراعى الميقات، فإِذا أحرم بالحج الذي أفسده، من الميقات المكاني فكذلك يفعل في القضاء، فإِن لم يحرم منه مثل أن يقيم بمكة حتى يحج
الجزء: 2 - الصفحة: 662
منها فعليه الدم، وكذلك لو مرَّ على الميقات الذي أحرم منه أولًا فتعداه، فعليه دم.
فرع: ويراعي صفة إِحرام الحج الفاسد من إِفراد وتمتع وقران، فيجب كون القضاء بصفة الأداء الفاسد، ويجزئ التمتع عن الإِفراد وعكسه، ويعجل هدي التمتع ويؤخر هدي الفساد إِلى حجة القضاء، وكذلك هدي القران يعجله أيضًا في الحج الفاسد، ولا يؤخره إِلى حجة القضاء، فإِن أفسد حجه وهو مفرد فقضى قارنًا ففيها قولان: الإِجزاء وعدمه 22.
فرع: ومن أفسد عمرته مضى فيها حتى يتمها ثم أبدلها وأهدى هديًا.
فرع:
ولا يرتدف الحج على العمرة الفاسدة على المشهور.
وقال ابن الماجشون: يرتدف الحج عليها.
قال ابن عبد السلام: وهو القياس؛ لأن العمرة الصحيحة إِذا لم يُمنع الإِرداف عليها فأحرى بالفاسدة التي إِحرامها كالعدم، لولا ما قام الدليل عليه من المضي فيها، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 663
فرع:
وإِن وطئ مرة بعد مرة، واحدةً أو نساء، فهدي واحدٌ، لأجل الفساد الواقع بأول وطء (1).
وحقيقة الفساد * واحدة، لا تقبل التعدد في العبادة الواحدة بخلاف جزاء الصيد، وبخلاف الفدية، فإِن الأول يتكرر بحسب تكرر الإِتلاف، وتكرر الفدية لأنها عوض عن الترفه.
لأن الترفه بالطيب غير الترفه بلبس المخيط، اللهم إِلا أن يظن إِباحته أو يعزم على التمادي فيصير كأنه فعل واحد.
فصل
وأما مقدمات الجماع، وهي الاستمتاع بما دون الوطء كالقبلة والمباشرة والغمز للذة والتلذذ بشيء من امرأته ولم تغيب الحشفة، ولم ينزل في شيء من ذلك كله أو نظر ولم يتابع النظر فأنزل، قال ابن الحاج: فعليه في ذلك كله 24 الهدي وحجه تام 25.23
الجزء: 2 - الصفحة: 664
وقيل: لا شيء عليه.
ولا يجوز له أن يتعمد شيئًا من ذلك، ولا يمس كف امرأته ولا ذراعها، ويُكره أن يرى ذراعها 26 لا شعرها؛ لأن الذراع يهيج الشهوة بخلاف الشعر، ويكره أن يحملها على المحْمَل لأنّهُ يحتاج إلى جسها وهو أشد من رؤية الذراع؛ ولذلك اتخذت السلاليم 27 ليصعدن عليها، ولا يحتجن إِلى من يحملهن 28، وقد تركت السلاليم في هذا الزمان.
ولا بأس بالفتيا في أمور النساء؛ لأن ذلك لا يدعو إِليهن غالبا 29 والحكم للغالب 30.
وقال الباجي: كل ما فيه من الالتذاذ بالنساء فيمنع منه المحرم 31. = والقول بوجوب الهدي فقط عليه، رواية أشهب (لباب اللباب: 59).
الجزء: 2 - الصفحة: 665
قال ابن عبد السلام: ويدخل في ذلك الكلام.
وفي وجوب الفدية قولان: أظهرهما وجوب الهدي، وروي: من قَبَّل فليهد، يعني سواء اِلْتَذَّ أو لا؟ ولم نجد خلافًا 32، وعلى هذا فالمداعبة أشد منها، فإِن التذ بغير القبلة مثل: الغمزة والجس فأحب إِلي أن يذبح شاةً، والهدي الذي في القبلة بدنةٌ، فإِن لم يجد فبقرة، فإِن لم يجد فشاة، ولو ذبح الشاة مع وجود البدنة أجزأه، وهو خلاف الأولى.
فرع: قال ابن الجلاب: ومن أمذى في حجه فليهد هديًا 33.
فرع: ومن تذكر أهله وأدام التَّذَكُّر حتى أنزل، فقال مالك: ما أراه إِلا أفسد حجه 34.
الجزء: 2 - الصفحة: 666
وقال أشهب: يلزمه هديٌ، ويتقرب إِلى الله تعالى بما استطاع من الخير 35.
فرع: فإِن أمسك بيده امرأته وهما محرمان لأجل زحمة الناس أو غير ذلك وأمن على نفسه فلا بأس بذلك، قاله ابن رشد 36. = وانظر (البيان والتحصيل: 3/ 475) وصحح ابن رشد هذه الرواية في (البيان: 4/ 19).
الجزء: 2 - الصفحة: 667