الباب الثامن عشر: في النيابة في الحج والإجارة عليه
والمشهور: المنع من النيابة في الحج 1، والشاذ: الجواز، قاله ابن بشير، ولعله يريد في فرض الحج.
الجزء: 2 - الصفحة: 681
فرع 2. قال سند: اتفق أرباب المذاهب 3 على أن الصحيح أنه لا يجوز استنابته في فرض الحج، والمذهب كراهتها في التطوع، وإِن وقعت صحت الإِجارةُ، قاله القرافي 4.
فرع: قال القرافي: وأما الشيخ الضعيف، فقال الأئمة: إِن كان ذا مال وجب عليه 5 الاستيجار، واستحبه 6 ابن حبيب.
فرع:
والمذهب: أن حج النائب لا يُسقط فرض المنيب.
وقال الحنيفة: يقع الحج تطوعًا عن النائب، وللمستنيب أجر النفقة 7.
الجزء: 2 - الصفحة: 682
وهو قريب من قول مالك 8. قاله القرافي.
وقال ابن حبيب: يجزئ عن الكبير العاجز والميت الموصي 9.
فرع: إِذا أحرم عن أبويه جميعًا لم ينعقد إِحرامه وإِن أحرم عن أحدهما ولم يعينه لم يقع إِلا عن نفسه.
فرع: فلو أحرم عن الميت ثم صرفه إِلى نفسه لم يجز عنهما، وإِن كان أجيرًا رد الأجرة؛ قاله في الذخيرة 10.
فرع: [استنابة العاجز]
ولا تصح استنابة العاجز ولا تجوز.
= أبيه أو أمه حجة الإِسلام من غير وصية، يجزيه إِن شاء الله تعالى.
ومن شروط جواز الإِحجاج عند الحنفية عدم اشتراط الأجرة على الصحيح، فإِن شرط ذلك وقع الحج عن الحاج دون الآمر وهذا الشرط منصوص عليه في عامة كتبهم كالهداية ومختصر القدوري والكنز.
(المسلك المتقسط، وإِرشاد الساري إِلى مناسك الملا علي القاري: 288).
الجزء: 2 - الصفحة: 683
وقيل: تصح، وهو 11 مروي عن مالك.
وفي التبصرة: وقيل لمالك: إِن رجلًا أمرني - وهو حيٌّ - أن أحج عنه؟ فقال: افعل ما أمرك به، وأرى الموت والحياة في ذلك سواء والابن والأجنبي والشيخ والشاب، كل ذلك جائز وكلها أعمال أبدان إِلا أن يكون حيًّا قادرًا على الحج، فلا يصح أن يحج عنه كما لا يجوز ذلك في الصلاة والصوم.
وقيل: تصح من الولد دون غيره قاله ابن وهب؛ لأن الرخصة وردت فيه 12 سواء كان ذلك بوصية أو لا، كان الأب شيخًا أو غير ذلك، قاله اللخمي وابن حبيب أيضًا 13.
الجزء: 2 - الصفحة: 684
وقال صاحب التوضيح: قولهم: لا يجوز استنابه العاجز، بمعنى: أنها تكره، وظاهر كلام اللخمي وابن الحاجب وابن عبد السلام: المنع 14 *.
فرع: قال مالك: ومن مات وهو صرورة ولم يوص أن يحج عنه فأراد أن يتطوع عنه بذلك ولد أو والد أو زوجة أو أجنبي فليتطوع عنه بغير هذا، يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق 15 لأن التطوع عنه بهذه الأشياء أولى لوصولها إِليه، وثواب الحج هو للحاج وإِنما للمحجوج عنه ثواب المساعدة على المباشرة 16.
الجزء: 2 - الصفحة: 685
قال في التقريب على التهذيب: وكذلك من استأجر قارئًا.
يعني يقرأ ويهدي ثواب القراءة له.
تنبيه:
وفي آخر فتاوى ابن رشد، في السؤال عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
17 قال: وإِن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك وحصل للميت أجره، ووصل إِليه نفعه إِن شاء الله تعالى 18.
وما قاله ابن رشد - رحمه الله تعالى - يؤيده 19 ما رواه النسائي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من دخل مقبرة فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إِحدى عشرة مرة وأهدى
الجزء: 2 - الصفحة: 686
ثواب ذلك لمن بها كتب الله له بعددهم حسنات" 20. وفي أحكام ابن سهل 21 في باب الوصايا في امرأة أوصت أن يقرأ على قبرها القرآن 22 بأجرة ذكرتها فقال أبو عبد الله بن عتاب 23 في الجواب: وما عهدت به لقارئ يقرأ على قبرها فهو نافذ في ثُلُثِها، كالاستئجار للحج، وهو رأي شيوخنا، وذلك بخلاف ما لو أوصت بمال لمن يصلي عنها أو يصوم 24.
الجزء: 2 - الصفحة: 687
فرع: وتنفذ الوصية بالحج عن الميت على المشهور مراعاة للخلاف، والشاذ: لا تنفذ؛ لأن الوصية لا تبيح الممنوع، ويصرف القدر الموصى به في وجوه الخير.
فرع مرتب:
وإِذا قلنا بإِنفاذها عن الميت، فهل يكون الحج على وجه النيابة عن الميت؟ وعليه نزلت رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة؛ لأنه قال: لا يحج عن الموصي لا صرورة ولا عبدٌ ولا مكاتَبٌ ولا معتق بعضُهُ ولا مدبر ولا أم ولد 25.
فاعتباره صفة المباشر للحج يدل على أنه على وجه النيابة عن الموصي.
وقيل: لا تصح النيابة في ذلك، وإِنما للمحجوج عنه أجر النفقة، وإِن تطوع عنه أحد فله أجر الدعاء، حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار.
فرع مرتب: وإِذا فرعنَا على ظاهر المدونة، فقال مالك: أحب إِلي أن ينفذ الوصية من قد حج عن نفسه 26.
الجزء: 2 - الصفحة: 688
قال عبد الوهاب: لأنه يُكره أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه 27.
فرع: فإِن لم يوص الميت الصرورة بأن يحج عنه لم يلزم الورثة أن يستأجروا من ماله من يحج عنه على الأصح.
تنبيه:
هكذا نقله ابن الحاجب 28 وظاهره أن في المذهب قولًا بلزوم الورثة أن يستأجروا عنه إِذا كان صرورةً، وهو خلاف ما ذكره ابن شاس 29 وابن بشير وغيرهما، والخلاف إِنما هو في جواز الإِقدام على الاستئجار عنه وفي منع ذلك 30 فينبغي حمل كلام ابن الحاجب على ذلك.
هكذا نبه عليه شراح كلامه 31 *
الجزء: 2 - الصفحة: 689
وفي الذخيرة: وقيل يحج عنه وإِن لم يوص إِن كان صرورة 32. وهذا موافق لنقل المؤلف، ولعل القرافي أخذه منه؛ لأن وفاته بعد ابن الحاجب باثنتين وأربعين سنة 33.
فرع: والعمرة كالحج فيما ذكر 34 من الخلاف في الإِجارة، وفيما يجوز ويمنع.
فرع:
قال اللخمي: وفي السليمانية قال: لا ينبغي لمؤاجر بالحج أن يركب من الجمال والدواب إِلا ما كان الميت يركبه؛ لأنه كان كذلك أراد أن يوصي ولا يقضي به دينه ويسأل الناس، وهذا خيانة منه وإِنما أراد الميت أن يحج عنه بماله، قال: والعادة اليوم خلاف ذلك، وأنه يصنع به ما أحب ويحج ماشيًا 35 وكيف تيسر.
= كان ميتًا فإِما أن يوصي أو لا يوصي فإِن لم يوص فلا يحج عنه على المشهور سواء كان صرورة أو غير صرورة" (التوضيح: 1/ 201 أ).
الجزء: 2 - الصفحة: 690
وقد قال مالك في السليمانية: لا ينبغي للأجير أن يركب الحمار والدواب.
قال الشيخ عبد الله المنوفي - رحمه الله -: ومثل هذا المساجد ونحوها يأخذها الوجيه بوجاهته ثم يدفع منها شيئًا قليلًا لمن ينوب عنه، فأرى الذي أبقاه لنفسه حرامًا؛ لأنه اتخذ عبادة الله متجرًا ولم يوف صاحبها 36 مراده 37، إِذ مراده التوسعة ليأتي الأجير بذلك منشرح الصدر، قال: وأما من اضطر إِلى الإِجارة على ذلك فإِني أعذره لضرورته.
يريد - والله أعلم - كالسفر والمرض أو شغل يعرض.
فرع: ويُكره للمرءِ إِجارة نفسهِ في الحج ونحوه من أعمالِ القُرَب على المشهور 38.
الجزء: 2 - الصفحة: 691
وقيل: ذلك غير مكروه 39 لجواز الإِجارة على الأذان وتعليم 40 القرآن.
فرع:
وعقد الإِجارة بالحج لازم، وإِن قلنا بالكراهة، لتعلق حق الغير، فلو أراد نقضها لما بلغه أن أحدًا لا يحج عن أحد لم يكن له ذلك، قاله ابن القاسم.
والإِجارة على ثلاثة أقسام: بأجرة معلومة 41؛ وبالنفقة وتسمى البلاغ 42 في النفقة، وعلى وجه الجعالة وهو أن لا يلزم نفسه شيئًا ولكن إِن حج كان له كذا وإِلا فلا وتسمى البلاغ في الحج، قاله اللخمي.
فإِذا وقعت الإِجارة بشيء معين فيملك الأجير الأجرة بنفس العقد ويتولى
الجزء: 2 - الصفحة: 692
النفقة بنفسه فما زاد فله وما نقص فعليه، ولو ضاع المال كان ضامنًا للحج أحرم أو لا.
وأما البلاغُ في النفقة فهو إِعطاء الأجير مالًا يحج منه، فله الإِنفاق بالمعروف من غير إِسراف ولا تقتير، ويشتري من المال حاجته من الثياب والوطاء واللحاف والكعك والزيت والخل واللحم المرة بعد المرة، ويخرج من المال ما لزمه من هدايا وفدية 43 غير مُتعمِّد لموجبها 44، فإِذا رجع رد ما فضل.
قال محمد: وإِنا لنكره ذلك 45.
قال اللخمي: يريد إِلا بشيء 46 معلوم.
فرع: قال اللخمي: والإِجارةُ من بلدِ المُوصِي إِن وَصَّى مِنْهُ ثم مات.
قال ابن القاسم: ويحرم من ميقات الميت وإِن لم يشترطوا ذلك عليه.
وقال أشهب في كتاب محمد: يحج عنه من الموضع الذي أوصى منه 47 * يريد إِذا كان يغير بلده.
الجزء: 2 - الصفحة: 693
قال محمد بن عبد الحكم: إِن كان من أهل مصر فمات 48 بخراسان ووصى بالحج عنه من خراسان فهذا أحسن، وإِنما يحج عنه من بلد الميت إِذا مات به إِلا أن لا يجد من يستأجر بتلك الوصية من موضع وصى به.
قال مالك: ومن أراد أن يحج عن رجل من مكة فأحب إِلي أن يهل من ميقات ذلك الرجل، وإِن أهل مِن مكة أجزأه 49.
فرع: قال مالك في كتاب محمد فيمن عليه مشي فأوصى أن يمشي عنه: لا يمشي عنه ويهدي عنه هديين للحج وصفته بالمشي، فإِن لم يجد فواحد يجزئه 50.
فرع:
متى لم يعيِّن المستأجرُ السنةَ التي يحج فيها الأجير بطلت الإِجارة، للجهل بالزمان، كما لو باعه سلعة بثمن إِلى أجل غير معين وقيل: تصح.
والقول بالبطلان غير صحيح، وهو لابن العطار 51.
الجزء: 2 - الصفحة: 694
وقد أجاز في سماع أبي زيد 52 من العتبية الاستئجار على حجة مقاطعةً في غير سنة 53 معينة 54. قال في البيان: وإن استؤجر على أن يحج في ذلك العام فلا يتعين في ذلك العام، وإن استأجره على الحج وسكت فهو على أول سنة، فيلزمه أن يحج فيما بعدها 55.
فرع:
وعلى القول بالبطلان 56: فلو استؤجر على عام معين، فنوى فيه عن = بالشروط.
ألف فيها كتابًا كان عليه المعول، أخذ عن أبي عيسى الليثي، وناظر ابن أبي زيد بالقيروان وذاكره، ولقي في رحلة حجِّه سنة 383 أعلامًا وأخذ عنهم، وأخذ عنه ابن الفرضي وغيره ولد سنة 330 ت 399. (الديباج: 12/ 231 - شجرة النور: 101 رقم 354 - المدارك: 7/ 148).
الجزء: 2 - الصفحة: 695
نفسه انفسخت، وكذا لو اعتمر عن نفسه في العام المعين ثم حج عن الميت انفسخت، ولا يجوز له أن يُشرك معه غيره في وجهته.
فرع: وفي الذخيرة، قال سند: يجب اتصال العمل بالعقد في الإِجارة المعينة كسائر الإِجارات، وإِن كانت بالحجاز فالأحسن أن تكون في الأشهر الحرم، فيشرع فيها عقيب العقد، ويجوز التأخير في المضمونة السنتين 57.
فرع: ولو شرط على الأجير الإِفراد بسبب أن الميت رضي بذلك، فقرن انفسخت؛ لأنه أتى بغير ما قصده المُوصي، فلو تمتَّع لم تنفسخ وأعاد الحج، لأن القِرانَ أمرٌ يخفى، وهو راجع إِلى النية، وقد يعود إِلى القران لو أمرناه بالإِعادة 58 فلذلك انفسخت، والتمتع لا يخفى 59.
فرع: ولو شرط عليه الإِفراد بغير وصية من الميت فخالف إِلى القِران أو التمتع، فقيل: يُجزئ لأن الحج حصل، وقيل: لا يجزئ ويرد ما قبض؛ لأن الوارث كالموصي.
الجزء: 2 - الصفحة: 696
وفي المسألة خلاف 60 مذكور في الأمهات.
فرع: وفي تعيين من عيَّن الميتُ قولان: أما إِن فُهم قصدُ الموصي في رجل لصلاحه أو لعلمه فلا خلاف أنهُ يعمل على قصده.
الجزء: 2 - الصفحة: 697
وإِذا قلنا: يتعين بتعيينه وليس ثمَّ قصدٌ لمعنى معين فأبى ذلك الرجل، فإِن الوصية تبطل.
ولو استأجر الموصي غيره بطل العقد.
وإِن قلنا: إِنه لا يتعين، لم تبطل ويستأجر غيره.
فرع:
وإِذا سمَّى الوصِي قدرًا فوجد من يحج بدونه، فالفاضل ميراث، وكذا ما فضل عن حج البلاغ، فهو ميراث 61 وهذا إِذا لم يعين الوصِي الأجير * وأمَّا إِن عيَّن الأجيرَ وفُهم منه إِعطاء الجميع له عُمِل بقوله أو بما يفهم من قصده.
وقيل: إِذا عين القدر ولم يعين الأجير لم يرجع الفاضل ميراثًا، بل يحج به عنه حجج.
فرع: ولو لم يوجد من يحج عنه بجميع القدر الذي سمى من موضع الميت ومحل إِقامته فقيل: تبطل الوصية ويرجع ذلك 62 ميراثًا، قاله ابن القاسم 63. وقيل: يحج عنه مما يقرب ولو من الميقات أو من مكة، قاله أشهب.
الجزء: 2 - الصفحة: 698
والثالث: إِن كان صرورةً يحج عنه من الميقات أو من مكة؛ وإِن كان غير صرورة رجع ذلك ميراثًا، قاله محمد.
فرع:
وهل يلزم أجير الحج أن يُشهد على إِحرامه عن الميت إِذا لم يجر العرف بالإِشهاد على ذلك أو لا يلزمه؟ أجراه أبو عمران على القولين في المستأجر على تبليغ كتاب إِلى بلد فادَّعى أنَّه أوصله، فحكم له ابن القاسم بالأجرة.
وقال غيره: لا يستحق إِلا بعد إِقامة البينة على إِيصاله.
وأما لو جرى العرف بالإِشهاد على الإِحرام، فلا خلاف أنه يلزمه الإِشهاد.
فرع:
قال عبد الحق في تهذيب الطالب: رأيت في مسائل سئل عنها ابن أبي زيد، قيل له في رجل استؤجر بمال ليحج به، وشرطوا عليه الزيارة، فلم يستطع تلك السنة أن يزور، لعذر منعه من ذلك؟ قال: يرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة.
وقال غيره: يلزمه أن يرجع ثانية 64 حتى يزور، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 699