في التراجم
1 - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب.
-- طبع أكثر من مرة وهو متداول ولا غنى عنه في تراجم علماء المذهب المالكي
2 - طبقات علماء المغرب -- انفرد بذكره الزركلي ولعل نسبته إِلى ابن فرحون غير صحيحة.
في أصول الفقه
1 - إِقليد الأصول -- اختصار لتنقيح القرافي لم يكمل تأليفه
في الطب
1 - المنتخب في مفردات ابن البيطار -- موضوعه في الطب لا تعرف نسخه
وأما في مجال الفتوى فقد ضرب ابن فرحون بسهم، بعد أن بلغ مستوى ساميًا في الفقه، شهد ببلوغه بعض مترجميه، كما رأينا، وشهدت به مؤلفاته التي تحدثنا عنها.
وقد جرت العادة أن يقصد الناس بأسئلتهم الفقهية أهل الذكر من العلماء وخاصة منهم الذين يذيع صيتهم وتنتشر شهرتهم.
وكان ابن فرحون من الذين يفتون ويرشدون إِلى طريق الله المستقيم.
ولئن لم يشر مترجموه إِلى فتاويه، ولم يعرف له كتاب جامع لها، فإِن الفقيه أبا العباس أحمد الونشريسي ت 914 هـ أتحفنا ببعض فتاويه في "المعيار المعرب" مثل الفتوى المتعلقة بوصية رجل أن تُدفع غلةُ حانوته بعد موتِه إِلى ابنتِه البكر إِلى أن يدخل بها زوجُها، مع وصيته بثلث ماله للمساكين؟ فقد أفتى ابن فرحون بـ (أنها تحاصص الموصَى لهم بقدر ما ينوبها إِلى أن يُدخلَ بها، كما ذكر الموصي، إِلا أن تمتنع، ويعلم أن امتناعها لأجل الوصية فيسقط حقها من وقت امتناعها) 1.
الفصل الثاني
دراسة كتاب "إرشاد السّالك إلى أفعال المناسك"
اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه
:
إِن كتاب "إِرشاد السالك" ثابت النسبة إِلى برهان الدين إِبراهيم بن فرحون، فقد عزاه له شمس الدين السخاوي ت 902 هـ وهو قريب العهد من عصر ابن فرحون، ويربطه به سند علمي عال، إِذ هو تلميذ أبي الفتح المراغي ت 859 هـ 1 الذي رأيناه من طبقة تلاميذ ابن فرحون.
وأفاد السخاوي أن ابن فرحون سمى كتابه هذا بـ "إِرشاد السالك إِلى المناسك" وقال السخاوي عن هذا الكتاب: (منسك حسن) (2).
وتناقل مترجمون آخرون - بعد ذلك - نسبة الكتاب إِلى ابن فرحون ومنهم أحمد بابا التمبكتي الذي سماه "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" وقال عنه: (فيه تنبيهات عزيزة) 2.
وفي النسخ المخطوطة التي ظفرت بها واعتمدتها في التحقيق يصرح الناسخون بنسبة الكتاب إِلى ابن فرحون.
ومما يؤكد نسبة "إِرشاد السالك" إِلى ابن فرحون أن ثلة من المؤلفين نقلوا عنه في مؤلفاتهم، فمنهم من نقل عنه في منسكه، ومنهم من نقل عنه في كتابه الفقهي العام أو في مصنفه الجامع للفتاوي، ومنهم الناقل عنه في كتابه عن الحرم المدني.
ولعل أكثرهم أخذًا من "إِرشاد السالك" أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد الحطاب الرعيني في شرحه على مختصر خليل الموسوم بمواهب الجليل، فقد كان تارةً ينقل عنه ليدعم بنصوصه الأحكام، دون أن يعلق على ذلك، كما فعل في مسألة فضل ماء زمزم 1 وفي مسألة خلوة الكافل بمكفولته وسفره معها 2، وتارة ينقل عنه ويتعقبه بالمخالفة 3 وتارة أخرى يتعقبه ملاحظًا أن ما ذهب إِليه اتفق عليه الفقهاء 4. وممن نقل عنه في مناسكه إِبراهيم السجلماسي المغربي 5. وتجد النقل عنه في "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء إِفريقية والأندلس والمغرب" عند ذكر البدع في مسألة إِخراج شيء من تراب
الحرم أو حجره إِلى غيره، وهي من المسائل التي كان لابن فرحون فيها رأي يخالف غيره (1).
كما نقل عن "إِرشاد السالك" نور الدين السمهودي في كتابه "وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى" (2).
فاسم الكتاب لا خلاف فيه ونسبته ثابتة لمؤلفه ابن فرحون.
واعتماد المؤلفين بعد عصر ابن فرحون على كتابه هذا يدل على ما كان له من انتشار، بناءً على ما لُوحظ من أهميته وغزارة الفائدة الحاصلة من دراسته.
وبذلك حصلت شهرة نسبة الكتاب إِليه.
الداعي إلى تأليفه
أشار ابن فرحون إِلى الداعي الذي نهزه إِلى تأليف "إِرشاد السالك" في مقدمته، وهو كون المناسك من الدين، وقد حرض على تعلمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "تَعَلَّمُوا المناسِكَ، فإِنَّهَا منْ دِينِكُمْ" 3 وحكم تعلمها لقاصد الحج هو الوجوب لإِجماع العلماء على (أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على فعل12
حتى يعلم حكم الله فيه) 1 وهذه قاعدة عامة تتعلق بكل ما يفعله المكلف من عبادة ومعاملة، فلا يقدم عليها جاهلًا بالحكم, لأن ذلك قد يؤدي به إِلى الخروج عن منهج الصواب شرعًا فلا تبرأ ذمته بأداء الواجب، ويقع في الحرام.
وقد أشار ابن فرحون إِلى الخلاف في حكم من يفعل عبادة على وجه الصحة، دون أن يكون مميزًا فرضها من نفلها 2.
وليكون الحج متفقًا على صحته، يُؤَدِّيه المكلف غير الجاهل بهذا التمييز، وبأن يتعلم أحكامه ويحذقها قبل الشروع فيه.
وإن لم يحصل منه هذا التعلم، فإِن بعض العلماء يخاف عليه الرجوع بلا حج، خاصة وأن تقليد العوام لا يضمن السلامة والفوز بحج صحيح شرعًا.
وهكذا لاحظ ابن فرحون خطر الجهل بالمناسك وتقليد الجاهلين بها وأراد أن يعين على رفع هذا الجهل، ويرشد سالك سبيل الله تعالى إِلى الطريقة الشرعية في أداء أفعال المناسك كلها، فألَّف هذا الكتاب الذي نتحدث عنه.
موضوعاته وتبويبه
:
كتاب "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" ينطق عنوانه أنه من صنف كتب المناسك، وأن موضوعاتِه الأصلية أحكامُ شعيرةِ الحج، فهو يرشد سالك طريق بيت الله الحرام للحج إِلى الأعمال المشروعة لأداء هذا الركن من أركان الدين الإِسلامي الحنيف.
وقد رأى مؤلفه البرهان بن فرحون أن يمهد لهذه الأحكام بموضوعين كبيرين: أحدهما: الترغيب في الحج والعمرة وتوضيح فضلهما؛ وثانيهما: آداب سفر الحج.
وبهذين الموضوعين يحرك وجدان المسلم لأداء النسكين، ويثير حنينه إِلى البيت الحرام، ويرغبه في الثواب الموعود للحاج والمعتمر، كما يعرفه بما يستعد به لرحلة الحج، وما يتأدب به من الآداب الإِسلامية خلال هذه الرحلة.
وأفرد كل موضوع منهما بباب، مدرجًا تحت الباب الأول بابين صغيرين، أولهما: لما جاء في فضل العمرة، وثانيهما: لما جاء في حج الماشي والراكب، وقد ضمَّنه عشرة فصول، جاعلًا تحت الفصل مسألة أو أكثر.
وتحت باب آداب سفر الحج خمسة فصول تتفاوت في طولها، وتدخل تحت بعضها مسائل، أورد كلًا منها تحت عبارة (مسألة) دون ذكر عنوان لها.
وكان هذا شأنه في سائر أبواب كتابه التي ضمنها في الغالب فصولًا، كثيرًا ما تتضمن مسائل وفروعًا وتنبيهات، للفت انتباه القارئ وإبراز الأحكام
بهذا التنظيم الذي يفصل المسائل ويميزها، مع ربطها بالرباط الجامع تحت باب واحد.
وأحيانًا يعطي الفصول والمسائل عناوين، وأحيانًا يغفل ذلك، كما يغفل دومًا عناوين الفروع والتنبيهات.
وانطلاقًا من الباب الثالث، تبدأ الأحكام الشرعية لأعمال الحج كلها وتتواصل إِلى نهاية الباب التاسع عشر.
وبين أبواب الكتاب تفاوتٌ كبيرٌ في الحجم، فقد كان أطولها الثالث الذي ضمنه ابن فرحون أغلب أحكام المناسك للحج والعمرة، وتفصيل الأركان بشروطها وسننها وأوقاتها، وقد رتبها حسب مشروعية فعلها ابتداء بركن الإِحرام، وبلغت الفصول في هذا الباب ثمانية وعشرين.
والأبواب الثلاثة الأخيرة ضمنها ابن فرحون معلومات وإِفادات ليست من الأحكام الشرعية المتعلقة بمناسك الحج، وإِنما هي متعلقة بالحرمين الشريفين وما بهما من المواقع والمعالم والآثار.
والملاحظ أن ابن فرحون لم يصعد بترقيم الأبواب إِلى الباب الأخير، وتوقف عند الباب الحادي والعشرين، وهذا ما يجعلنا نتصور احتمال إِضافة هذا الباب بعد الانتهاء من تأليف الكتاب، خاصة وأنه لم يذكره مع سائر الأبواب في المقدمة مستقلًا، ولعل عنايته بالمدينة وحبه لها، وتأثره بمؤرخيها عمه أبي محمَّد عبد الله وشيخه الجمال المطري، من الحوافز التي دفعته إِلى أن لا يقتصر على ما ذكره عنها في البابين التاسع عشر والحادي والعشرين، وأن
يختم كتابه بباب خاص بها، يتناول ما أثر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف الصالح وعن بعض المؤرخين من فضلها وفضل أهلها، ويتناول مساجدها وآبارها وجبل أحد المجاور لها.
وهو إِذا يسلك هذا المنهج في الحديث عن آثار الحرمين وأشهر المواضع بهما، وعن الزيارة للحرم النبوي وآدابها، فإِنه يقتفي أثر كثير من المؤلفين في المناسك قبله، ممن تطرقوا إِلى عرض جانب من تاريخ الحرمين وإِلى وصف المواقع والآثار والترجمة لبعض من دفن بالبقيع أو أحد، من أعلام الصحابة وشهداء الغزوات.
وذلك مثل المحب الطبري في منسكه الشهير الموسوم بـ "القرى لقاصد أم القرى" وعبد العزيز بن جماعة في منسكه الكبير "هداية السالك".
منهجه وأسلوبه
: في عصر ابن فرحون كان المؤلفون من فقهاء المالكية يتبعون طريقتين في تآليفهم الفقهية، إِحداهما: طريقة التركيز على كتاب يتناولونه بالشرح أو التهذيب أو التعليق أو التقييد أو الاختصار، كما فعلوا بالنسبة لموطإِ الإِمام مالك بن أنس، ومختصر ابن عبد الحكم، ومدونة الإِمام سحنون ورسالة عبد الله بن أبي زيد القيرواني، وتفريع ابن الجلاب، ومختصر ابن الحاجب الفرعي، ومختصر خليل بن إِسحاق الجندي.
وثانيتهما: التصنيف المستقل عن الارتباط بكتاب معين، كما فعل النجم ابن شاس في كتابه "عقد الجواهر الثمينة".
وابن فرحون اتبع الطريقتين في تآليفه الفقهية، ففي كتابه "تسهيل المهمات" كان يدور حول قطب مختصر ابن الحاجب، يشرحه ويعلق عليه ويتعقب من سبقه إِلى شرحه، وفي "تبصرة الحكام" تحرر من الالتزام بالارتباط بكتاب خاص.
وكتابه "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" كان فيه متبعًا الطريقة الثانية، فألفه مستقلًا، وصمم أبوابه التي رأيناها بفصولها التي تتضمن أهم مسائل الباب، ويتولد عنها من الفروع ما يناسب، وما يمكن أن يصوره العقل من الصور المفترضة التي يحتاج المكلف إِلى معرفة حكمها إِن وقعت.
ويبدو لي أن ابن فرحون في طريقة التفريع كان مقتفيًا أثر ابن شاس في "عقد الجواهر" وكثيرًا ما قلده في التعبير بـ "فرع مرتب".
والتحرر من الدوران حول قطب كتاب آخر يعطي الفرصة للمؤلف كي يختار المخطط الذي يراه مناسبًا لكتابه، وينظم مسائله ومعلوماته تنظيمًا يحقق هدفه من التأليف، وبذلك تظهر شخصيته في التخطيط.
وقد كان ابن فرحون مستفيدًا من عدة أصول ومراجع، وكان جامعًا للمسائل مرتبًا لها وموزعًا إِياها على الأبواب الكبرى التي اختارها لكتابه، وبالإِضافة إِلى ذلك فإِنه يتدخل تدخلًا يتجلى خاصة في:
- شرح الغريب من الألفاظ 1، وبيان المراد من النص المنقول 2.
- الترجيح بين الآراء المختلفة في المسألة 3.
- الاستطراد بتقديم بعض الإِفادات عن الأعلام 4 الوارد ذكرهم أو المواضع في الحرمين المقدسين 5.
- تعقب بعض الأقوال ومناقشة أصحابها 6.
- ملاحظة بعض البدع واستنكارها 1.
- ذكر بعض العادات المألوفة الجارية 2.
وابن فرحون في هذا الكتاب يكتب بأسلوب واضح، ويستعمل العبارات الاصطلاحية، متجنبًا الاختصار المؤدي إِلى الإِخلال، وهو يخرج أحيانًا لبيان معنى أصولي، وتقديم ملحظ مفيد للقارئ 3.
وكان في بعض المواضع يتوخى أسلوب مخاطبة القارئ 4 مبيِّنًا له ما يفعله من المناسك، سالكًا في ذلك طريقة ابن حبيب التي عرفناها من خلال نقل ابن فرحون من الواضحة.
وهو في بعض المناسبات يقدم قواعد فقهية 5 ونظائر 6 فقهية، ولكنه لم يكثر من ذلك، لقلة اهتمامه بجانب التقعيد فيما يبدو لي.
وأسلوب الفقيه الذي همه تفصيل المسائل تفصيلًا شافيًا وبيان أحكام الفروع بيَانًا واضحًا، يتجلى عنده في الأبواب الفقهية (من 3 إِلى 19) وفي غيرها يتجلى أسلوب الواعظ المرشد إِلى الفضائل والآداب مع مزج بالمعلومات التاريخية في بعض المواطن.
وهذه الأبواب الفقهية لم يكثر فيها ابن فرحون من الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما فعل في غيرها، فكان بذلك منتهجًا مسلك أغلب فقهاء المذهب المالكي الذين ينصرفون عن دعم الأحكام بأدلتها وربطها بمداركها ويقتصرون على نقل أقوال إِمامهم وأصحابه فيها بتقدير بالغ لهذه الأقوال المعتمدة.
وقد كانت هذه الكتب بصبغتها المذكورة تلقى قبول الطلبة فيدرسونها دون أن يتطلع أكثرهم إِلى حجج الأحكام، والذين يشتاقون منهم إِلى ربط المسائل بأدلتها يجدون بغيتهم في تفسير آيات الأحكام وشرح أحاديث الأحكام، وفي بعض الكتب التي اهتم أصحابها بدعم المسائل بأدلتها ومداركها 1.
هذا وقد كانت الإِفادات التاريخية التي قدمها ابن فرحون في أبوابه الأخيرة من الكتاب يحتاج بعضها إِلى تدقيق وتمحيص، وقد كان صاحبنا يشير أحيانًا إِلى الثابت منها 2.
وأحيانًا يشير إِلى ما يقال دون ورود شيء معتمد في الموضوع (1).
وهكذا كان منهج ابن فرحون في "إِرشاد السالك" منهج الفقيه المهتم بجانب الأحكام يوضحها ويفصلها ويدعمها بالنقول عن أعلام المذهب غالبًا.
دون تركيز على استدلال بالأصول إِلا في النادر منها، وكان الاستطراد واضحًا في بعض المواطن (2)، وكانت له محاولة إِلى سلوك طريق المؤرخين للحرمين جعلته يزود الكتاب ببعض الموضوعات التاريخية دون أن يخرجه ذلك عن هدفه الفقهي الأصلي.
أصوله ومصادره
:
إِن ابن فرحون فقيه مالكي واسع الاطلاع على مذهبه، مع مشاركة في المذاهب الأخرى وفي التاريخ والتراجم، وفي الحديث وعلومه.
وقد رأينا أن كتابه "إِرشاد السالك" تناول ثلاثة موضوعات طغى أحدها على قسيميه، وهو أحكام المناسك للحج والعمرة، فقد كان لها الحظ الأوفر من أبواب الكتاب وفصوله، بينما نالت الرقائق المرغبة في الحج والعمرة حظًا قليلًا باعتبارها مدخلًا للموضوع الأصلي المقصود بتأليف الكتاب، وكذلك الأمر بالنسبة للمحات التاريخية المتعلقة بالحرمين والتعريف ببعض أماكن بهما والحث على زيارتها، وقد أرادها المؤلف خاتمة مفيدة للحاج، وما كانت من المناسك المشروعة في شيء.12
وعلى هذا فإِن أصول ابن فرحون ومصادره في تأليفى هذا الكتاب جاءت من فنون متنوعة، وأغلبها فقهي من المؤلفات التي صنفها أعلام المالكية وضمنوها ما رُوي عن مؤسس المذهب وكبار أصحابه، ومنها ما ينتمي إِلى صنف الكتب الفقهية العامة، ومنها ما ينضم إِلى مجموعة المؤلفات والرسائل الخاصة بموضوع فقهي، وفي مقدمة هذه المجموعة كتب المناسك التي اقتضت طبيعة موضوع "إِرشاد السالك" أن يكون اعتمادها كثيرًا.
على أن مؤلفنا رجع في بعض المسائل إِلى كتب لفقهاء غير مالكيين واستشهد بأقوالهم، وأحال على كتبهم، وكان ذلك نادرًا في الكتاب,.
ويمكننا أن نعتبر مصادره الفقهية أساسية, لأنها ثرية بالنسبة لأحكام أفعال المناسك، وأن نعتبر غيرها مصادر ثانوية مساعدة، وهذه الأخيرة تشمل التفسير والحديث واللغة والتاريخ والرحلات والتراجم.
أهميته
:
تبرز أهمية كتاب "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" في موضوعاته التي تحدثنا عنها، وخاصة موضوع أحكام مناسك الحج والعمرة، فقد قدمها وفصلها بما يحقق غاية الحاج الذي يحتاج إِلى ملء وطابه من معرفة المناسك، وحتى بما يحقق غاية العالم، حيث تساعده "مناسك ابن فرحون" على التذكر والاستيعاب والاستعداد للإِرشاد والفتوى في الموسم.
وبالنسبة إِلى مسائله الخارجة عن إِطار المناسك، فهذا الكتاب يعد
ملخصًا لها تلخيصًا كافيًا قد يُغني عن غيره مما ألف فيها، وذلك إِذا كان القارئ من غير الباحثين والمتخصصين: فقد أحسن تلخيص الرقائق المتصلة بالحج والعمرة ودعمها بالأحاديث والآثار المناسبة، وأجاد تلخيص آداب السفر في باب واحد، ولخص معلومات عن الحرمين وجمعها من كتب تاريخية عديدة، وقدم بعض مشاهداته وملاحظاته كشاهد عيان أمين.
وبذل المؤلف جهدًا ملحوظًا في توزيع المسائل على أبوابها المناسبة، كما حاول أن يقسم المادة في كل باب على فصول ومسائل مناسبة، ومحمد في بعض الأبواب إِلى وضع ترجمة مطولة لها, ليساعد القارئ على معرفة الموضوعات الجزئية المندرجة تحت الباب 1.
كما زود الكتاب بمجموعة من الفتاوى الصادرة عن الإِمام مالك 2 وبعض أعلام مذهبه فيما سئلوا عنه 3.
وقد كان ابن فرحون حريصًا على تزويد الحاج بما يحتاج إِلى معرفته -
زيادة على أحكام المناسك - مثل: الأدعية 1 التي ساق منها كثيرًا في مناسباتها، ومثل: التعريف بالمواقيت 2 والمشاعر 3. وهكذا تظهر قيمة هذا الكتاب العلمية، وتتضح فيه ميزة تنظيم المسائل المتشعبة وحسن ترتيبها وتيسير تناولها, وليس هذا بالأمر الهيِّن، فقد لاحظ الأقدمون من علماء المذهب المالكي صعوبة هذه المسائل، وعسر ضبطها بدقة، ومن ذلك أن الشيخ "أبا عبد الله القوري 4 - رحمه الله - يقول حاكيًا عن غيره: إِن أحكام الحج على مذهب مالك لا تكاد تنضبط لزمام 5 ". وقد استطاع برهان الدين بن فرحون أن يضبطها بزمام، ويحسن عرضها بتنظيم تجلت فيه شخصيته الفقهية، ومدى اطلاعه على المصادر والأمهات المعتمدة.
كما أنَّهُ أولى عنايتَه لبعض البدع السائدة في عصره، مما يتشبث به الجاهلون من الزائرين، فنبه إِلى ضلالها وفسادها، حرصًا على إِرجاعهم إِلى جادة الصواب (1).
ملاحظات ومآخذ
:
ويمكننا أن نلاحظ أمورًا تتعلق بالمنهج والأسلوب، وأخرى تتعلق بالجانب العلمي والتربوي.
فأمَّا ما يعود إِلى المنهج والأسلوب فنجمله في ما يلي:
- تكرار بعض المسائل.
- الأبواب المتوجة بعناوين أعطاها أرقامًا رتبية متصاعدةً وجعلها لموضوعات كبرى في الكتاب، ولكنه خالف منهجه بحشر بابين صغيرين ضمن الباب الأول 2. وبعدم ترقيم الباب الأخير خاتم الكتاب 3. وقد يكون سبب ذلك أنه أضافه بعد الانتهاء من التأليف.
- عدم المبادرة بشرح الألفاظ الغريبة التي تستدعي الشرح، عند ورودها أول مرة، ثم شرحها بعد ذلك 4 والأفضل أن يقع الشرح عند ذكرها أولًا.1
- عدم تعيين صاحب القول، والاقتصار على الإِشارة إِليه بـ (بعض العلماء) 1 أو (بعض أصحابنا) 2.
- عدم التزامه بوضع العناوين للفصول، فقد صاغ عناوين لبعضها وأهمل البعض الآخر.
- قطع النص المنقول بالتعقيب عليه، ثم مواصلته، وقد وقع هذا في بعض المواطن؛ وهو قد لا يشعر القارئ بنهاية النص المنقول.
وهذا يلبس على القارئ ويشوش ذهنه.
وأما ما يتصل بالجانب العلمي والتربوي من ملاحظاتنا فنجمله في: - قلة الاهتمام ببيان الحِكم والأسرار التي شرع لها الحج، والتي ترتبط ببعض المناسك وتظهر ما توصلت العقول إِلى إِدراكه من سر اشتراعها.
- ضعف العناية بجانب تهذيب السلوك وإصلاح الأخلاق وتربية الوجدان بما يستشعره الحاج عند أداء كل منسك، وقد كان لابن فرحون توجه في مواضع قليلة إِلى هذا الجانب، كما في قوله: "ينبغي للحاج استشعار الخضوع والخشوع لله تعالى عند الأخذ في التلبية وإِظهار الاستكانة والإِنابة
إِليه سبحانه وتعالى" 1 وكما في بيانه لآداب الدعاء وحرصه على مراعاتها 2. وإِن تركيز الفقهاء على تفصيل الأحكام كان يصرفهم في الغالب عن هذه الناحية التي توجه إِلى تطهير الباطن واستشعار ما يصلح النفس.
- عدم الاهتمام الكلي بدعم الأحكام بأدلتها الشرعية وربطها بالنصوص القرآنية والسنية، فالأحكام التي ساق لها أدلتها قليلة إِذا قورنت بغيرها في هذا الكتاب الثري بأحكام المناسك.
وهذا المنهج يساير فيه ابن فرحون أغلب المؤلفين في مذهبه. - عدم اتجاهه إِلى تخريج كل الأحاديث التي أوردها، وعدم نقدها بما يعرف القارئ بقيمتها ودرجة صحتها، وكثيرًا ما كان ينقلها من كتب مناسك لم يهتم أصحابها بتخريجها, ولم يكن لهم سند فيها.
وهذا ما أدى به إِلى الاستشهاد بأحاديث ضعيفة 3.
- اكتفائه بالإِشارة إِلى معنى الحديث أحيانًا وعدم حرصه على تقديم متنه بدقة 1.
- اعتباره كل المساجد والآثار الموجودة بالمدينة مما ينبغي زيارته والتبرك به دون أن يقتصر على المسجد النبوي ومسجد قباء كما جاء به النص 2. مخالفًا بذلك منهج إِمام مذهبه مالك بن أنس الذي لم يقر زيارة مساجد المدينة غير قباء 3. كما يتحدث عن واقع ملحوظ دون أن ينبه عما يتسم به من انحراف عن الصواب، كما في وصفه للمتبركين بتراب وادي صعيب واستشفائهم به 4. أما قوله عن حجر مسجد بني ظفر: "قلَّ أن جلست عليه امرأة تريد الحمل إِلا حملت" 5، فهو غريب، إِذ قاله مسلِّمًا ببركة الحجر، ومثل ذلك في الغرابة والانحراف عن الصراط الشرعي المستقيم ربطه ما حصل في خلافة عثمان من الفتنة الكبرى بضياع بركة الخاتم الذي سقط في بئر أريس بقباء 6.
وقد كانت هذه الأوهام مصدرًا لعادات سيئة انتشرت في عالمنا الإِسلامي واستشرى خطرها، وحجبت الفهم السليم للشريعة الإِسلامية.
نسخه المعتمدة
:
الأولى
:
نسخة دار الكتب الوطنية بتونس، رقم 20051 أصلها من المكتبة النورية، ثم آلت إِلى متحف الجلولي بصفاقس برقم 8244، ثم انتقلت إِلى دار الكتب الوطنية سنة 1969 بعد صدور قانون جمع المخطوطات بهذه الدار.
في صدر ورقتها الأولى (أ)، عنوان الكتاب واسم مؤلفه ونص تمليكه النسخة وأدعية وتصلية وأبيات شعر، بخطوط مختلفة.
العنوان جاء بالنص التالي:
"إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك: تأليف الشيخ الإِمام العالم العلامة قاضي القضاة برهان الدين الشيخ (كذا، والصواب: ابن الشيخ) الإِمام العلامة المحدث نور الدين أبي الحسن علي بن الشيخ العلامة شمس الدين محمَّد أبي القاسم ابن فرحون اليعمري المدني المالكي تغمده الله تعالى برحمته آمين، آمين، آمين".
والتمليك، هذا نصه:
"هذا كتاب من فوائد الله تعالى لعبده علي النوري 1 عامله الله بحلمه وفضله".
ولا يبعد أن يكون هذا النص بخط المالك نفسه.
والشيخ النوري كان جمَّاعًا للكتب، قال عنه معاصره الوزير السراج المؤرخ:
"ما أعلم أحدًا اليومَ جمعَ ما جمعَ هو، بحيث أطلق يد شركائه في بر المشرق مهما رأوا كتابًا بلغت الكراسة منه أربعة نواصر يأخذونه، ولو كان مكررًا، فيمسك الطيب من المكررين" 2.
وتحتفظ دار الكتب الوطنية بتونس اليوم بالكثير من مخطوطاته التي جمعها.
وهذه النسخة خالية من تاريخ النسخ واسم ناسخها.
عدد الأوراق: 127.
الخط: مشرقي نسخي واضح سريع حسن.
المداد: أسود والعناوين بعضها بمداد أحمر.
المسطرة: تتراوح بين 24 و 28.
المقاس: 12.5 × 20.5.
وأوراق هذه النسخة مترهلة، ولم تسلم أغلبها من آثار الأرضة والثقوب.
كما لم تسلم كتابتها من الأخطاء.
وقد اخترت الرمز لها بالحرف الأول من اسم المدينة التي كانت بها، مدينة العالم الذي ملكها: ص.
الثانية
:
نسخة الخزانة العامة بالرباط (المغرب) رقم: 470 ك. نص في ورقتها الأولى على مالكها: محمَّد عبد الحي الكتاني.
بدايتها في أول الصفحة الثانية بما يلي:
"ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا... (طمس).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
قال الشيخ الإِمام العالم العلامة برهان الدين إِبراهيم بن علي بن محمَّد بن فرحون اليعمري رحمه الله تعالى".
وفي الصفحة 174 هذه الخاتمة التي لا تتعلق بنص مناسك ابن فرحون، وهي تفيدنا في معرفة اسم الناسخ ونصها:
"الحمد لله وحده، اللهم صل على عبدك ورسولك سيدنا ومولانا محمَّد وعلى آله وأصحابه وذريته، والمقصود أيها السيد المبارك أن تسلم لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا وصلك الله تعالى إلى المدينة الشريفة، وتقول: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته من العبد الفقير الحقير راجي شفاعتك محمَّد بن محمَّد المختار، السلام على خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي يكر الصديق، السلام على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عن الشيخين أبي بكر وعمر، وعن الصحابة أجمعين، وعن تابعيهم بإِحسان إِلى يوم الدين، وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين".
تاريخ نسخها مسجل بالهامش الأسفل من الصفحة 173 وهو العام الخامس عشر بعد الألف من الهجرة.
عدد الأوراق: 87 عليها ترقيم يشمل كل صفحة، ويصل إِلى 174.
وعليها آثار رطوبة وثقوب قليلة.
الخط: تونسي سريع، لا بأس به.
المداد: أسود والعناوين ملونة بالأحمر.
المسطرة: 24.
المقاس: 15.5 × 11.5.
وبهذه النسخة نقص مقداره ست صفحات، وهي: 88 - 89 - 92 - 93 - 108 - 109.
وقد اخترت الرمز لها بالحرف الأول من اسم المدينة التي توجد بها "ر".
الثالثة
:
نسخة مكتبة اللغات الشرقية الكائنة بشارع "ليل" باريس رقمها 1888، ولعلها من المخطوطات التي تسربت إِلى فرنسا في عهد احتلالها للمغرب العربي.
وفي صدر الورقة الأولى عنوان الكتاب واسم مؤلفه، وعلى يساره نص ملكية، وتحته يمينًا دعاء، وتحت ذلك أبيات شعر.
أما العنوان فجاء كما يلي:
"كتاب إِرشاد السالك، إِلى أفعال المناسك، في مذهب مالك؛ تأليف الإِمام العالم العلامة أبي الحسن علي بن أبي عبد الله محمَّد بن أبي القاسم بن فرحون اليعمري المدني نزيل طيبة المشرفة على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى السلام رحمه الله رحمة واسعة ونفعنا به في الدنيا والآخرة.
آمين والحمد لله رب العالمين.
هـ".
وأما التمليك فنصه:
"مما من الله به على كاتبه قاسم بن علي بن محمَّد بزيرو التونسي، عفي عنه".
فالمالك هو الناسخ، وقد عرف بنفسه أكثر آخر النسخة حيث قال: "انتهى على يد العبد الحقير، المقر بذنبه الراجي عفو ربه قاسم بن علي بن محمَّد التونسي المنشأ والمولد الأندلسي، ثم الغرناطي الأصل والمحتد، عفا الله عنه وغفر ذنبه ووالديه وأولاده ومشائخه وأحبابه وكل المسلمين أجمعين".
ولم نظفر بترجمة لهذا الناسخ:
ولا يبعد أن تكون أسرته من الأسر الموريسكية التي عاشت فترة بغرناطة بعد سقوطها - وهي آخر المعاقل المفقودة من أيدي المسلمين - ثم هاجرت تحت الظلم القاهر وانتشرت في ربوع الشمال الإِفريقي.
يدلنا على ذلك صيغة لقبه (بزيرو) البعيدة عن العربية، القريبة من صيغ الألقاب الموريسكية التي ما زالت موجودة إِلى الآن ببعض مدن شمال الجمهورية التونسية.
أما تاريخ انتهاء النسخ ومكانه فقد عينهما بقوله الذي ختم به المخطوطة، وهو: "أذان العصر يوم الخميس السابع من شهر رمضان سنة اثنين ومائتين وألف، بطيبة الميمونة، على مطيبها أفضل الصلاة وأكمل التسليم، وعلى آله الأخيار وأصحابه الأبرار رضي الله عنهم أجمعين والحمد لله رب العالمين".
عدد الأوراق: 70 وينتهي نص "المناسك" في منتصف الورقة 69 ب.
الخط: مشرقي نسخي دقيق متقن مليح.
المداد: أسود.
المسطرة: 27.
وهذه النسخة قليلة الأخطاء، ولا يبعد أن يكون ناسخها من نبهاء الطلبة.
وقد اخترت الرمز لها بالحروف الأول من اسم المدينة التي توجد بها: (ب).
صفحة العنوان من مخطوطة تونس (ص)
صفحة من نسخة تونس (ص)
الصفحتان الأولى والثانية من مخطوطة باريس (ب)
الصفحة الأخيرة من مخطوط باريس: ب
الصفحة الأولى من نسخة الرباط: ر
الصفحة الأخيرة من نسخة الرباط (ر)
القسم الثاني: التحقيق إرشَادُ السَّالك إلى أفعال المناسك لبرهان الدين بن فرحون
بِسْمِ (1) اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا رب يسر وأعن يا كريم (2) قال الشيخ الإِمام العالم العلامة برهان الدين إِبراهيم بن علي بن محمَّد بن فرحون اليَعمري رحمه الله تعالى (3).