الباب الخامس عشر: في أحكام الهدي ودماء الحج (*) وذكر أيام الحج, والشعائر في الحج
(* *)
[دماء الحج]
:
ودماء الحج دمان: هَدْيٌ ونُسك.
والهدي هديان: واجبٌ وتَطَوُّعٌ 1.
فالواجب: هدي جزاء الصيد.
وما وجب لنقص في حج أو عمرة كدم القِران والتمتع، وقد سماه الله تعالى هديًا في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 2، وكذلك هدي فساد الحج وفواته.
والهدي عن تعدي الميقات.
وهدي القُبلة وما ضارعها من ناحية الجماع وتلذذه بالنساء أو ترك التلبية كلها.
() دماء الحج: سقطت من (ر).
( *) ب: وشعائر الحج.
الجزء: 2 - الصفحة: 615
أو طواف القدوم.
أو ترك رمي الجمار أو حصاة منها.
أو ترك المبيت بمنى ليالي مني ليلة منها أو جلها.
وما أشبه ذلك من نقصان مناسك الحج وجبر ما انكسر منها، وتقديم الشيء وتأخيره.
وما نوى به الهدْيَ من النسك، فإِنه يلحق بذلك.
[الهدي الواجب وأحكامه]
:
واعلمْ أنَّ ما عدَا فدية الأذى وجزاء الصيد، وهو الواجب لنقص فعل كما تقدم، فالواجب فيه هَدْيٌ، فإِن لم يقدر عليه فصيامٌ 3.
وهو على الترتيب: هدي ثم صيام، ولا يدخل الطعام فيه.
والأصل في ذلك قوله تعالى في التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 4.
الجزء: 2 - الصفحة: 616
فرع
:
والأوْلَى في الهدي الإِبل ثم البقر ثم الغنم 5.
وقال مالك فيمن أخرج شاة مع القدرة على البدنة: إِنها تجزئ عندي وتكره 6.
ولا يجزئه الصوم وهو قادر على الهدي، فمن لم يجد الهدي صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج من حين يحرم بالحج إِلى يوم النحر، فإِن أخرها إِلى يوم النحر، صام أيام التشريق، وإِن فاته صوم أيام التشريق صام ما بعدها قضاء، ويصوم سبعة أيام إِذا رجع من مِنى إِلى مكة أو غيرها 7.
وقيل: إِذا رجع إِلى أهله.
ويجزئه إِن صامها راجعًا في طريقه، فإِن أخرها صام متى شاء 8 والتتابع ليس بلازم لا في الثلاثة ولا في السبعة * وهذا هو المشهور.
الجزء: 2 - الصفحة: 617
وظاهر كلام ابن حبيب: إِن الثلاثة يطلب تتابعها.
وقال ابن الحاجب: إِن كان النقص متقدمًا على الوقوف كالتمتع والقران والفساد والفوات وتعدي الميقات صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع كما تقدم بيانه، وإِن كان عن نقص بعد الوقوف كترك مزدلفة أو رمي أو حلق أو مبيت بمنى أو وطء قبل الإِفاضة أو الحلق صام متى شاء، وكذلك صام هدي العمرة كتعدي الميقات فيها 9 مثلًا لا يتعين له زمان، وكذلك من مشى في نذر إِلى مكة فعجز فإِنه يصوم عند عجزه عن الهدي حيث شاء 10.
قال ابن عبد السلام: وهذا أحد مذهَبي المدونة، وذلك أنه ذكر المسألة فيها في موضعين:
أحدهما قوله: وكلُّ هديٍ وجب على من تعدَّى ميقاتَه أو تمتَّع أو قَرن أو فسدَ حجُّه أو فاته الحج، أو ترك الرمي أو النزول بالمزدلفة أو نذر مشيًا فعجز عنه أو ترك شيئًا من الحج يجبره بالدم، فإِنه إِذا لم يجد هديًا صام ثلاثةَ أيام في الحج وسبعةً بعد ذلك 11.
وهذا خلاف ما ذكره ابن الحاجب، ألا ترى أنه يجمع ما وجب من الهدايا قبل عرفة وبعدها؟
الجزء: 2 - الصفحة: 618
والموضع الثاني: قال فيه: وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج المتمتع والقارن ومن تعدى ميقاته وأفسد حجه أو فاته الحج، وأما من يلزمه (1) ذلك [بعد الوقوف] كترك جمرة أو النزول بالمزدلفة فليصم متى شاء، وكذلك الذي يطأ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإِفاضة؛ لأنه إِنما يصوم إِذَا أهْدَى بعد أيام منى.
وهذا الموضع هو الذي اعتمده ابن الحاجب - رحمه الله - وأضرب عن الأول، ويمكن أن يكون هذا الثاني مفسرًا للأول.
وقال أصبغ: الذي يجب عليه ثلاثة أيام (2) في الحج وسبعةٌ إِذا رجع هو المتمتع والقارن، وغيرهما استحسانًا.
وعن ابن القاسم - رحمه الله - أربعة: المتمتِّعُ والقارِنُ، والذي أفسدَ حجَّه أو فاته.
ورجَّحَ ابنُ عبد السلام مذهبَ أصبغ.
فرع
: ومن أيسر قبل أن يصُوم فصام وترك الهدْيَ 14 أو وجد مسلفًا وهو ملي ببلده فصام ولم يتسلف لم يجزه الصوم، فلو شرع في الصوم قبل اليسر ثم أيسر بعد أن شرع في الصيام أجزأه، ولم يلزمه الهدي، غير أنه يستحب له1213
الجزء: 2 - الصفحة: 619
إِن كان لم يطل صيامه وإِنما صام اليوم أو اليومين، خاصة، أنه يرجع إِلى الأصل، وهو الهدي ليسارة الأمر وخفته.
وعن ابن عبد الحكم، عن مالك: أنه مخيَّر في ذلك.
فرع
:
ولا يلفق الواجب من صنفين، ومعنى ذلك أن هدي التمتع وفديه الأذى، وجزاء الصيد لا يصلح أن يكون الواجب فيها ملفَّقًا من هدي وصيام وإِطعام.
وقال ابن عبد السلام: وهذا ظاهر فيما كان الوجوب فيه على الترتيب * كهدي المتعة، وأما فيما الوجوب فيه على التخيير كفدية الأذى وجزاء الصيد، إِذا وجب عليه إِطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام، فأحب أن يطعم مسكينين ويصوم يومين أو يصوم يومًا ويطعم أربعة مساكين؛ فلا يجزئه ذلك على ما هو الصحيح من المذهب في كفارة الأيمان.
وأما ما حُكي عن ابن القاسم أنه يجزئه أن يلفق كفارة اليمين بالله من طعام وكسوة فينبغي أن يكون الأمر هنا كذلك والله أعلم.
ولا يجزئه أن يخرج عن الهدي أو الإِطعام الواجب على التخيير أو الترتيب قيمته كما في الكفارات، وفي الزكاة خلاف.
وأما هدي التطوع فهو كل هدي ساقه لغير شيء وجب عليه أو يجب في المستقبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 620
ولا يكون الهدي إِلا من بهيمة الأنعام: الإِبل والبقر والغنم، والبدن لا يكون إِلا من الإِبل، وهي داخلة في اسم الهدي، والذكر والأنثى في البدن 15 سواء.
قال مجاهد: وإِنما سُمّيت البُدْن من أجل السمانة.
[النُّسك وأحكامه]
وأما النُّسك: فهو في لبس الثياب واستعمال الطيب وحلق الشعر وتقليم الأظفار، وإِزالة الشعَثِ وإِلقاء التفث.
والتَّفَثُ: الوسخ والقذارة.
ومن القاء التفث: حلق الرأس وأخذ الشارب ونتف الإِبط وحلق العانة وقص الأظافر والأخذ من العارضين ونحو ذلك.
وقد تقدم أن نسك فدية الأذى على التخيير دون الترتيب.
فرع: وموقف 16 الهدي في الحج عرفة ومنحره مِنى حيث شاء منها 17، والأفضل حيث نحر النبي - صلى الله عليه وسلم - 18.
الجزء: 2 - الصفحة: 621
قال مالك: ومِنى كلها منحر إِلا ما خلف العقبة.
وأفضل ذلك عند الجمرة الأولى.
ويشترط في صحة نحو الهدي بمِنى شرطان.
أحدهما: أن يكون ذلك الهدي قد وقف به بعرفة ليلًا، وهذا قول مالك 19.
وقال ابن الماجشون: يجوز أن ينحره بمِنى وإِن لم يقف به بعرفة.
قال اللخمي: وهو أحسن؛ لأن الهدي لم يتعبد به بوقوف ولا تعبد الناس فيه بذلك - وإِنما كان الوقوف بها بعرفة خوفًا عليها إِن تركت بمنى؛ لأن مني لم يكن بها ساكن.
واختاره ابن عبد السلام.
قال: وهو الراجح عندي، وهو قول ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما - وهو مذهب الشافعي 20 رضي الله عنه.
= أبو ذر عن ابن عباس قال: نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منحر إِبراهيم الذي ذبح فيه الكبش فاتخذوه منحرًا، قال: وهو النحر الذي ينحر فيه الخلفاء اليوم" (حجة المصطفى: 57).
الجزء: 2 - الصفحة: 622
وبه قال القاضي أبو إِسحاق من أصحابنا، وهو مذهب عائشة رضي الله عنها.
نقله ابن راشد.
ولا يجزئ ما وقف به الرعاة ولا ما وقف به غيرك إِلا أن تسيره أو يضل منك مقلدًا فيقف به غيرك ثم تجده يوم النحر فإِنك تنحره ويجزئك.
قال بعضهم: يريد 21 ونوى الوقوف به عن صاحبه وإِلا لم يجزه، يعني على المشهور، خلافًا لابن الماجشون.
وإِن نحره الأجنبي عنك قبل أن تجده أجزأك أيضًا 22.
وفي مختصر الواضحة: قيل لمالك فيمن اشترى هديًا بعرفة وقلَّدَه وأشعَرَهُ وأمرَ الباعة أن يوقفوه له مع الناس أيجزئه ذلك؟ قال: نعم.
وقولهم: إِلا أن تسيره، يدخل فيه الباعة * وغيرهم.
والثاني: أن يكون ذلك في أيام مِنى.
وزاد بعضهم شرطًا ثالثًا، وهو أن يكون النحر في حج احترازًا من العمرة.
فمتى اختل أحد هذه الشروط لم ينحر إِلا بمكة.
وفي المدونة: وإِن مات الهدي بالمشعر فحسن.
الجزء: 2 - الصفحة: 623
وسئل عن إِخراج الهدي إِلى منى يوم التروية؟ فقال: لم أسمعه من مالك.
ولو فات وقوف الهدي بعرفة، أو فاتت أيام النحر بمنى، تعينت مكة وما يليها من البيوت، والأفضل المروة، ويجزئ نحوه بمكة ولو كان هديًا واجبًا 23.
هذا هو المشهور، وفيه خلاف 24.
فرع:
فإِن وقف بالهدي 25 بعرفة ونحره بمكة جاهلًا أو ترك مِنى متعمدًا، ففي المدونة عن ابن القاسم أنه يجزئه 26.
وما لم يقف به بعرفة من الهدي فمحله مكة بعد أن يخرج به إِلى الحل من أي جهة كانت.
ولو عطب قبل أن يبلغ مكة لم يجزه؛ لأنه لم يبلغ محله وليس له مِنى بمحل 27.
الجزء: 2 - الصفحة: 624
قال محمَّد بن المواز: ولا يجزئه نحوه في أيام مني بمكة حتى تذهب أيام مِنى، وتحل العمرة.
وقيل: إِن نحره بمكة في أيام مِنى أجزأه 28.
وما أوجبه المحرم بعد عرفة من الهدايا، فإِن أدخله في الحل نحره بمكة ولم يؤمر بإِخراجه ثانية، وإِن كان أوجبه بمكة فلا بد أن يخرج به إِلى الحِل ثم يدخله إِلى مكة 29 وسواء ذهب به بنفسه أو بعثه مع غيره حلالًا كان أم محرمًا؛ لأن المقصود من الهدي أن يُساق من الحل إِلى مكة تعظيمًا لمكة، وذلك يحصل من صاحب الهدي وغيره.
فإِن اشترى جزورًا فنحره 30 للمساكين أو بقرة أو شاة، ولم ينو جعل ذلك هديًا، فإِنه ينحره بمكة ولا يحتاج إِلى إِخراجه؛ أما لو جعله هديًا في مكة فإِنه لا بد من إِخراجه إِلى الحِلِّ *، ولو كان تطوعًا؛ لأن الهدي الواجب والتطوع سواء بالنسبة إِلى اشتراط سَوقه من الحل إِلى الحرم، ولا يفترقان في ذلك.
فرع: وأما من اعتمر وساق هديًا من نذر أو تطوع أو جزاء صيد فإِنه ينحره بعد فراغه من السعي قبل الحلاق عند المروة من باب الأوْلى، ثم يحلق لقوله
الجزء: 2 - الصفحة: 625
تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (1). فإِن خشي المعتمر أنه إِن تشاغل بعمل العمرة ونحر الهدي فاته الحج لأنه مراهق، وكذلك المعتمرة تحيض قبل أن تطوف، وتخشى فوات الحج إِن انتظرت الطهر، فإِنها تُردفُ الحجَّ وتسوقُ الهدْيَ، وقد تقدم ذلك في باب صفة العمرة (2).
فصل
ويؤكل من الهدي كله واجبه وتطوعه، إِلا أربعة أشياء: جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين وهدي التطوع إِذا عطب قبل محله 33، وما سوى ذلك من هدي التمتع والقران ومجاوزة الميقات والفوات والفساد وغير ذلك سوى ما ذكرناه فإِنه يؤكل منه 34، وقيل: إِنه لا يؤكل من هدي الفساد 35. قال ابن عبد السلام: وروي عن مالك - رحمه الله تعالى - أن من أكل من3132
الجزء: 2 - الصفحة: 626
جزاء الصيد أو فدية الأذى يستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه.
وإِنما لم يجز له أن يأكل من هدي جزاء الصيد؛ لأن الله جعله للمساكين 36 لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ * أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ 37 فهو عدل الصدقة إِن اختارها، وكذلك نسك الأذى، وإِن كانت ليست من الهدي - لكن صاحبها لا يأكل منها لقوله - صلى الله عليه وسلم - "أو أطْعِمْ ستَّةَ مَسَاكِينَ" 38.
والنُسُكُ عدل الصدقة 39 ألا ترى أن من ذبح شاة فقد افتدى، ومن تصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين فقد افتدى.
ونذر المساكين هو صدقة منه عليهم، وما سماه للمساكين فقد نذره لهم، فلا يجوز له الرجوع فيه، ولا يأكل من صدقته في الهدي 40، هذا إِذا نواه
الجزء: 2 - الصفحة: 627
صدقة للمساكين بقلبه أو سماه بلسانه، وإن كان نذره هديًا طلبًا للأجر فإِنه يأكل منه؛ لأنَّ جنس الهدي ليس مقصورًا على الفقراء، وكذلك يجوز إِطعام الغني منه 41.
وأما ما عطب من نذر المساكين قبل محلّه فإِنه يأكل منه ويطعم، هذا إِذا كان مضمونًا، وما ما نذره من الهدي المعين فلا يأكل منه سواء بلغ محله أو لم يبلغ.
وإِنما لم يجز له أن يأكل من هدي التطوع إِذا عطب قبل محله؛ لأن يتهم أنه أعطيه ليأكل منه، فإِن أكل منه أبدله لقوة التهمة فيما ذكرناه 42.
قال ابن الحاج: وما عطب من الهدي الواجب جاز له أن يأكل منه وأن يطعم 43 ويبيع إِن شاء لأنه حينئذ ليس بهدي، والهدي عليه بحاله ولا بد أن يبدله.
الجزء: 2 - الصفحة: 628
فرع: ومن أطعم غنيًّا أو ذميًّا من الجزاء والفدية فعليه البدل - ولو جهلهم - كالزكاة، ولا يطعم منها أبويه ونحوهما كزوجته وولده ومُدَبَّره 44 ومكاتَبَه 45 وأمَّ ولَدِه، والذمّيُّ في غير هذين الدّمين أمره خفيف بالنسبة إِلى البدل، وقد أساء إِن فعل ذلك.
فرع: وأما هدي المتطوع فيؤكلُ منه بعد بلوغِهِ محله، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ 46. وكذلك يُؤكل من هدْي الواجب إِذا بلغ محلَّه، وليس لما يؤكل منه أو يتصدق به شيء معلوم، وما فعلت من ذلك أجزأ، ولا بأس أن تُطعمَ منها جارك الغني أو تهدي لصديقك، ولا بأس أن تدَّخر وتتزود 47. وفي البخاري عن جابر - رضي الله عنه -: "كُنَّا نَتَزَوَّدُ لحُومَ الهدْي 48
الجزء: 2 - الصفحة: 629
على عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى المَدِينَة" 49.
فرع: وللرجل أن يبعث الهدي الواجب عليه في حج أو عمرة، وكذلك في التطوع.
فرع:
ومن بعث هدي تطوع فلا يأمر رسوله أن يأكل منه إِن عطب قبل محله، فإِن أمره فهو ضامن، وليس للرسول أن يأكل منه، فإِن أكل بغير أمره فلا ضمان عليه ولا على مُرسله.
ويُنحر هدي التطوع إِذا عطب قبل محله، ويرمي قلائده في دمه، ويرمي جلالها وخطامها، ويخلي بين الناس وبينها؛ فإِن أمر أحدًا بأخذ شيء منها فعليه * البدل.
فرع: إِذا ساق الهدي في العمرة تطوعًا ثم أردف الحج وأراد أن يجعله هديًا عن قرانِه، فقد اختلف قوله فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 630
والصحيح: أنه لا يجزئه (1)، لأنه قد وجب بالتقليد والإِشعار، ولم يبقَ فيه إِلا النحرُ، فلا ينتقل عن أصله.
فصل: في أسنان الهدي
إِذا كان الهدي من الإِبل أو البقر فلا بد أن يكون ثنيَّا.
والثَّنييُّ من الإِبل: ما له خمس سنين وقد دخل في السادسة، والثني من البقر ما دخل في الرابعة.
وإِن كان من الغنم فأقل ما يجزئ من الضأن، والثني من المعز، وفي الجدي أربعة أقوال: ستة أشهر، وثمانية، وعشرة، وسنة.
قال ابن عبد السلام: والتحاكم في ذلك إِلى أهل اللغة.
وأما الثني فإِنه ما دخل في الثانية.
وفي كتاب محمَّد: لا بأس بالنعجة والتيس في الهدي.
فصل: في عيوب الهدايا
وأكملُ الهدايا: الجيدةُ السالمةُ 51، ولا تجزئ العرجاء البين عرجها، وهي50
الجزء: 2 - الصفحة: 631
التي لا تلحق بالغنم، ولا العوراء البين عورها وهي التي لا تنظر إلا بعين واحدة، وسواء كانت العين التي تنظر بها قائمة أو مفقودة.
وقال محمَّد عن مالك: إِن كان بعينها بياض يسير على الناظر لا يمنعها أن تبصر أو كان على غير الناظر لم يمنع الإِجراء، وإِن منعها كثيرًا لكونه على الناظر فهي العوراء.
وظاهر كلام أشهب: أنه إِن نقص من نظرها شيء لم يجز أن يضحى بها.
ولا تجزئ المريضةُ البينُ مرضُها، وهذا الوصف معلوم بالحس.
والخلاف الذي يوجد في بعض المسائل في المريضة إِنما هو خلاف في تحقيق مناطٍ 52، هل وُجد المرض البين أم لا؟ وكذلك العجفاء التي لا مخ فيها، وقيل: لا شحم.
قال ابن عبد السلام: والأول هو المنقول عن أهل اللغة.
قال سحنون في التي أقعدها الشحم: لا بأس بها.
وكذلك قطع الأذن والذَّنَب ونحوه لا يجزئ على المشهور، ويُغتفر اليسيرُ، وهو ما دون الثلث، وفي الثلث قولان.
الجزء: 2 - الصفحة: 632
والنهيُ عن الخرقاءِ والشَرْقَاءِ والمقابلة والمدابرة بيانٌ للأكمل على الأشهر 53.
قال الجوهري: الخرقاء: التي في أذنها خَرْقٌ وهو ثقب مستدير 54، والشرقاء: المشقوقة الأذن 55.
ويقال: شاة مقابلة إِذا قطعت من أذنها قطعة لم تبن وتركت معَلقة من قدام، فإِن تركت من أُخر فهي مُدَابرة 56.
ويغتفر كسر القرن ما لم يكن مرضًا كالدامي، فإِن كان يدمى وأهداها كذلك أجزاه عند أشهب.
ولو كانت بغير أذن أو ذنب خِلقة وهي السكاء أو البتراء فكقطعهما، والصمعاء جدًّا كالسكاء، والصمعاء هي صغيرة الأذنين بخلاف الجمّاء، فإِنها تجزئ وهي التي لا قرن لها.
والبشم والجرب كالمرض.
والبشم: التخمة الممرضة.
الجزء: 2 - الصفحة: 633
والجرباء: التي لا سمن لها 57.
وفي السنن الواحدة والاثنتين 58 قولان، بخلاف الكل والجل، فإِنها لا تجزئ حينئذ على المشهور.
قال محمَّد: ولا تجزئ يابسة الضرع كله، وإِن أرضعت ببعضه فلا بأس 59 * والدبرة والجرح، فإِن كان عنهما مرض فهما كالمرض البين، وفي الهرم كثيرًا قولان.
قال ابن عبد السلام: الخلاف في هذا الفرع ينبغي أن يكون خلافًا في حال 60، فإِن منعها الهرمُ من الحركَةِ، كما يمنع المريضة البين مرضها، كان مانعًا وإِلا لم يكن مانعًا.
ولا نصَّ في المجنونة، ورآه الباجي كالمرض فيكون مانعًا 61.
الجزء: 2 - الصفحة: 634
وفرق بعض الشيوخ بين الدائم منه فيكون مانعًا وما يعتاد أحيانًا فلا يكون مانعًا.
قال ابن عبد السلام: وهو معنى كلام الباجي؛ لأن مطلق المرض لا يكون مانعًا.
فرع:
ويعتبر حصول السّن المجزئ والسلامة من العيوب حين التقليد والإِشعار لا وقت الذبح على المنصوص فلو قلد هديًا سالمًا ثُمَّ تعَّيب أجزأه.
وبالعكس لم يجزه على المشهور فيهما، فلو اطلع قبل نحره أو بعده على أن به من العيوب ما يمنع الإِجزاء فإِن ذلك لا يجزئ عن الهدي الواجب ثم يبقى النظر بعد ذلك فيما يأخذه عوضًا عن العيب وفي ثمن الهدي على تقدير أن لو استحق، وحكمه أن يتعين بالأرش وبثمن الهدي المستحق في الهدي الواجب؛ لأن الذمة مشغولة به فالبدل واجب وإِن لم يوف ذلك بثمن الهدي تيمم من عنده بقيمة الثمن، وأما التطوع إِذا جرى فيه مثل هذا فإِن بلغ قيمة ما يأخذه في العيب أو ثمن المستحق قيمة هدي اشتراه به وإِن لم يبلغ قيمة هدي تصدق به، وقيل: يتملكه ويفعل به ما شاء.
فصل
من سنة الهدي في الإِبل: التقليد والإِشعار 62، وفي البقر التقليد دون
الجزء: 2 - الصفحة: 635
الإِشعار، والغنم لا تقلد ولا تشعر على الأشهر 63، والقول الآخر أنها تُقَلَّدُ.
واختلف المذهب في إِشعار ما لا سنام له من الإِبل والبقر، والأقرب عدمه لأن الأصلَ عدم تعذيبِ الحيوان، فيُقتصر على ما ورد.
وقيل: تشعر؛ لأن ذلك لأجل شهرتها هديًا, ولذلك قلدت.
وأمَّا ماله أسْنِمَةٌ من البقر ففي الجلاب: أنها تشعر 64 لتحقق المشابهة 65 بينها وبين الإِبل.
واتفقوا: أن الغنم لا تُشعُر.
قال مالك في الموازية: ويقلد هديه ثم يشعره ثم يجلله إِن شاء ثم يركع ثم يحرم.
قال ابن حبيب: وليس التجليل بواجب على من أهدى لا في واجب ولا في تطوع، إِلا من أحب.
= دعا ببدنَةٍ، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها بنعلين، ثم أتى براحلته فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج".
أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الإِشعار.
(مختصر سنن أبي داود: 2/ 290 رقم: 1677).
الجزء: 2 - الصفحة: 636
وقال مالك في المبسوط: إِن البقر والغنم لا تجلل.
وأما التقليد والإِشعار في الإِبل فواجب لأنها علم الهدي.
قال ابن حبيب عن مالك: وحسن أن يشق جلال البدن عن الأسمنة، وهو من عمل الناس.
واستحبَّ مالكٌ: إِذا كان ثمنُ الجِلالِ يسيرًا أن تُجَلَّلَ به من حين تشعر الهدي وتشق أوساطها، فإِنَّ ذلك زينةٌ لها، وإن كان لها خطْبٌ وبَالٌ أخرت إِلى أن تغدوَ إِلى عرفَات من مِنى.
قال ابن الحاج: وقد روي أن حكيم بن حزام 66 حج في الإِسلام ومعه مائة بدنَة قد جللها بالحِبَرة 67 وكلها عن أعجازها وأهداها ووقف بعرفة بمائة وصيف في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: عتقاء الله عن حكيم بن حزام وأهدى ألف شاة 68.
الجزء: 2 - الصفحة: 637
والتقليد: تعليق نعل في العُنق، وأقل ما يكفي نعلٌ 69.
واستحب مالك - رحمه الله تعالى - أن يقلدَها نعليْن 70 ومن لم يجدهما قلدها بشيء مما تنبته الأرض.
وقال ابن حبيب *: يقلدها بما شاء.
وقال ابن عبد السلام: والمذهب أن ما تنبته الأرض مستحب على غيره 71.
ويكره التقليد بالأوتار لما يُخشى أن يتعلق بشجرة فتؤذيها لقوتها ورقتها, وله أن يجعل حبال القلائد مما شاء.
وقال مالك - رحمه الله -: تفتل حبال القلائد فتلًا.
وقالت عائشة - رضي الله عنها - كنت أفتل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلائد هديه من عِهن 72، وهو الصوف.
الجزء: 2 - الصفحة: 638
والإِشعار: وهو العلامة.
وصفة إِشعار الهدي: أن تشق في سنامها الأيسر 73 بسكين أو بمبضع.
وقيل: من الأيمن من نحو الرقبة إِلى المؤخر حتى يخرج شيء من دمها 74.
ويقول عند الإِشعار: بسم الله والله أكبر 75. = عندي.- أخرجه البخاري في (الصحيح: 2/ 208، كتاب الحج، باب: القلائد من العهن).
وأخرجه ابن خزيمة عن عائشة بلفظ: "كنت أفتل قلائد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي هاتين" (صحيح ابن خزيمة: 4/ 153 رقم 2573). وعنها أخرجه أبو داود، ولفظه "فتلت قلائد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي هاتين" (صحيح ابن خزيمة: 4/ 153 رقم 2573). وعنها أخرجه أبو داود، ولفظه "فتلت قلائد بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي ... ". قال المنذري: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (مختصر سنن أبي داود: 2/ 293 رقم 1673).
الجزء: 2 - الصفحة: 639
ويكون التقليد والإِشعار في مكان واحد، وهو متوجه إِلى القبلة، ويكون التقليد قبل الإِشعار وقد تقدم.
وقال ابن القاسم: كل ذلك واسع، يعني الترتيب بينهما ليس بواجب.
ثم يجلله بعد ذلك الإِشعار بما أحبّ، وذلك على قدر الجدة والرغبة في الثواب، فمن الناس من يجلل بالوشي والحبر، وبعضهم بالقطن.
فرع:
قال مالك: ولا ينبغي للمرأة أن تُقَلِّد ولا أن تُشْعِرَ ولا أن تَأمَرَ بذلك جاريتها.
وهي تجد رجلًا يقلد لها ويشعر، ولو اضطرت إلى ذلك أجزأها.
فرع:
وخطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها فحيث يكون اللحم مقصورًا على المساكين يكون الجلال والخطام كذلك، وحيث يكون اللحم مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجلال كذلك تحقيقًا للتبعية.
وقال أشهب: إِن أعطى جلال بدنته الواجبة لبعض ولده فلا شيء عليه.
فرع: ولا ينبغي أن يقلد هدي التمتع إِلا بعد الإِحرام بالحج، فإِن قلد قبل ذلك = [البقرة: 185]- (الزرقاني على الموطأ: 2/ 326) وانظر (الجواهر: 1/ 451 - قوانين ابن جزي: 159).
الجزء: 2 - الصفحة: 640
فهل يجزئ عن الهدي الواجب؟
اختلف قول مالك فيه:
فكان أولًا يقول: لا يجزئ؛ لأنه قد وجب بالتقليد قبل التَّمتُّع.
ثم قال: إِن أخره إِلى يوم النحر فنحره عن متعته رجوت أن يجزئه، وقد فعله الصحابة رضي الله عنهم.
قال ابن عبد السلام: وقد أشار غير واحد إِلى الخلاف 76 في ذلك إِنما هو إِذا ساق هذا الهدي في العمرة لينحره عن التمتع فيكون ذلك من باب الكفارة قبل الحنث، وأما لو ساقه على نية التطوع ثم حل من العمرة فأحرم بالحج فإِنه لا يجزؤه، قولًا واحدًا.
والله أعلم.
فرع مرتب:
لو قلد هدي ترك الوقوف نهارًا بعرفة قبل عرفة أو هدي ترك الجمار أو غير ذلك قبل موجبها لم يجزه ذلك، ولم يجز فيه الخلاف المتقدم.
فرع: فإِن أكل مما ليس له الأكل منه وهي الأنواع الأربعة المتقدم ذكرها ففي ذلك أربعة أقوال: الأول: أن عليه البدل بهدي كامل في جميع الأنواع الأربعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 641
والثاني: عليه قدر ما أكل خاصة في جميعها، وهو مذهب ابن الماجشون في جزاء الصيد وفدية الأذى.
والثالث: أن عليه البدل كاملًا في جزاء الصيد وفدية الأذى وهدي التطوع، إِذا عطب قبل محله دون نذر المساكين 77 فإِنه لا يلزم فيه إِلا قدر ما أكل خاصة.
والرابع: الفرق بين المعيّن للمساكين وبين غيره.
فالأول يلزم فيه قدر ما أكل وما كان من نذر المساكين مضمونًا أو كان من الأنواع الثلاثة الباقية فعليه الهدي كاملًا، وقد تقدم ما روي عن مالك أن من أكل من هدي جزاء الصيد أو فدية الأذى فلا شيء عليه إِلا الاستغفار.
انظر ابن عبد السلام.
فرع: وإِذا قلنا بأن الواجب مقدار ما أكل لإِكمال البدل، سواء كان ذلك مطلقًا كما في القول الثاني أو مقيدًا كما في القول الثالث والرابع، فاختلف هل يؤدي مثل ذلك اللحم إِن علم وزنه أو قيمته إِن لم يعلم وزنه أو يؤدي قيمته مطلقًا طعامًا، وهذان القولان للمتقدمين أو يؤدي قيمته عينًا، وهذا القول لبعض المتأخرين.
الجزء: 2 - الصفحة: 642
والظاهر من الأقوال الأربعة هو الثاني، وهو أنه ليس عليه إِلا قدر ما أكل؛ لأن القربة حصلت بالنحر، والأكل إِنما أتلف على المساكين أو من في معناهم مقدارًا من اللحم، فوجب أن يغرم لهم مقداره، وهو الظاهر من الأقوال الثلاثة، غرم مقدار اللحم لحمًا ولا حاجة للعدول إِلى الطعام والثمن.
فرع: إِذا ولدت البدنة بعد تقليدها وإِشعارها فولدها بمنزلتها يحمل معها فإِن كان له محمل حمله على غيرها وإِلّا فعلى أمه 78 فإِن لم يكن يمكن حمله على غيرها ولا تركه ليشتد، فكهدي تطوع عطب فينحره مكانه ويتصدق به ولا يأكل منه ولا يبدله 79، وإِذا حمله على غيرها فعليه أن ينفق عليه في حمله أو إِبقائه، فإِن أضاعه حتى هلك كان عليه بدله 80. قال أشهب: فإِن باعه أو ذبحه لغير ضرورة فعليه بدله.
الجزء: 2 - الصفحة: 643
وما ولدت بعد نية الهدي وقبل التقليد والإِشعار، فقال ابن المواز عن مالك: أحب إِلي أن ينحر ولدها معها.
واستحسن أن لا يركب بدنته إِلا إِن احتاج، ولا يلزم النزول بعد الراحة على المشهور 81.
وكذلك إِذا احتاج لحمل متاعه عليها فإِن وجد غيرها نقله عنها, ولا يشرب من لبنها ولا شيء عليه إِن فعل ما لم يضرَّ بها 82 أو بولدها، فيغرم موجب فعله، وإِن خيف عليها الضرر والمرض بترك الحلاب فيحلب قدر ما يزيل عنها الضرر 83.
ومن أضر بفصيل بدنته في لبنه 84 حتى قتله، فعليه بدله هديًا ممن يجوز في الهدي.
الجزء: 2 - الصفحة: 644
فصل: في نحر الهدي
والشأن أن تُنحر الإِبل قائمة قد صفت يداها بالقيد وعطفت رؤسها ولويت أعناقها لكي تظهر لبتها وهي المنحر، ويستقبل بها القبلة.
والبقرة والغنم تضجع وتذبح 85، ولا يجوز في الإِبل الذبح، وإِن نحرت البقر فلا بأس بذلك.
والنحر فيها بالسنة 86 والذبح فيها 87 بالكتاب في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ 88، وقوله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ
الجزء: 2 - الصفحة: 645
وَانْحَرْ} (1)، وإِن نحرت الغنم لغير ضرورة أو ذبحت الإِبل لغير ضرورة، فالمشهور التحريم.
فرع:
والسنة نحو الهدي كله واجبه وتطوعه يوم النحر بعد طلوع الشمس (2) بمنى وبعد رمي جمرة العقبة *، فإِن نحر (3) قبل الرمي أو قبل طلوع الشمس بمنى (4) فقد أساء وأجزأه في الوجهين.
ولو نحر هديه قبل الإِمام أجزأه (5) وهو ذلك بخلاف الأضحية لأنه يشترط فيها أن تذبح بعد طلوع الشمس وبعد ذبح الإِمام، ولا يجزئ نحو شيء من الهدايا ولا الضحايا ليلًا.
فصل
ويوم الحج الأكبر، قيل: هو يوم عرفة 94 والأصح أنه يوم النحر 95 والأيام8990919293
الجزء: 2 - الصفحة: 646
المعلومات ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده.
قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ 96.
فهي أيام الذبح، اذبح في أيها شئت وأفضلها أولها، وليس في اليوم الرابع ذبح.
والأيام المعدودات: أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر: وهي أيام مِنى 97 وسُمِّيت أيام التشريق لتشريق الناس فيها للحوم الأضاحي أي تعليقهم اللحم فيها ليصير قديدًا، الشروق: طلوع الشمس.
تنبيه:
قال عبد الحق: كره مالك أن يقال: أيام التشريق، واستحب أن تسمى الأيام المعدودات، قال: قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ 98. = وانظر (البيان والتحصيل: 3/ 458 - 459 - 17/ 164، إِرشاد الساري للقسطلاني: 3/ 244). وهذا ما ذهب إليه ابن قدامة، وقال: سمي بذلك لكثيرة أفعال الحج فيه.
(المغني 3/ 446).
الجزء: 2 - الصفحة: 647
ووَقع (1) لمالك في الموطإِ تسمية أيام التشريق في عدة مواضع وقال: الأيام المعدودات أيام التشريق (2). فيوم النحر معلوم في النحر، والذبح غير معدود في الرمي، واليومان بعده معلومان في الذبح معدودان في الرمي، واليوم الرابع وهو آخر أيام مِنى معدود في الرّمي غير معلوم في النحر.
فصل: أيام الحج سبعة
يوم الزينة: وهو اليوم السابع، كانوا يبرزُون فيه زينة المحامل وجلالات الهدْي.
ويومُ التْروِيَة: وهو اليوم الثامن كانوا يحملون الماء يتروَّوْن به 101 لقلة الماء بمِنى.
يوم عرفة: وهو يوم الحج الأكبر، على أحد القولين.
ويوم العيد: ويسمّى يوم النحر ويوم الحج الأكبر 102 على الأصح.99100
الجزء: 2 - الصفحة: 648
ويوم القَرِّ 103، ويسمى يوم الرؤوس 104 ومعنى القر أنه ليس فيه رحيل ولا نزول بخلاف ما قبله وما بعده، ومعنى الرؤوس - والله أعلم - أنهم كانوا يكتفون يوم النحر باللَّحم، ويأكلون الرؤوس في يوم القر.
ويوم النفر الأول، والنفر عند العرب: الافتراق.
ويوم النفر الثاني، ويسمى يوم الانجفال.
ويوم الصدر من مِنى إِلى مكة.
ملخص من مناسك الحج 105.
الجزء: 2 - الصفحة: 649
فصل: شعائر الحج
في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ (1) الآية عشرة: الركن والمقام والصفا والمروة وعرفة والمزدلفة والجمار الثلاث، والبدن والوقوف بالمشعر داخل في النزول بالمزْدَلِفة.
ذكره ابن حبيب في مختصر الواضحة عن زيد بن أسلم (2).
فرع
: والأفضل أن يُباشرَ الرجلُ ذلك كلَّه بنفسه - إِن أمكنه - اقْتِدَاءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتواضعًا لله تعالى 108. وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - نحر بيده الكريمة سبع بدن قيامًا، رواه البخاري 109.106107
الجزء: 2 - الصفحة: 650
وكره مالك أن ينحر هديَه 110 أو أُضحيتَه غيره 111 ويجزئه، إِلا أن يكون غير مسلم فلا يجزئه * وحسنٌ أن يقول مع التسمية:
الله أكبر، اللهم تقبل من فلان،
فإِن نحره مسلم غير مالكه وبغير إِذنه لكنه عن مالكه، وكان ذلك بعد أن تعيَّن الهدي بالتقليد، فإِنه يجزئ مالكه بخلاف الأضحية، فإِنه لو وقع مثل ذلك فيها لم يجز مالكها؛ لأن الهدي تعين بالتقليد والإِشعار والأضحية لا تتعين بالشراء، ألا ترى أنه يجوز بدلها بخير منها ولو تعينت لما جاز بدلها.
فإِن نحر هذا الهدي عن نفسه تعديًا أو غلطًا ففيه ثلاثةُ أقوالٍ:
الإِجزاء عن صاحبه.
ونفي الإِجزاء.
والثالث وهو المشهور 112: يجزئ في الغلط دون التعدِّي.
وإِذا قلنا: لا يجزئ عن ربه فهل يجزئ عن الذابح؟ المشهور عدم الإِجزاء.
وروى أبو قرة 113 أنَّه يجزئه وعليه قيمته وبدله لصاحبه.
الجزء: 2 - الصفحة: 651
فرع
:
فلو دفع الهدي إِلى المساكين حيًّا فنحروه، أجزأه ذلك، على أن الذي ينْبَغِي أن لا يدفعه إِليهم إِلا بعد نحره، فإِن استحبوه لم يجزه (1) وعليه البدل.
أمَّا في الواجب فظاهر، لأنَّ الذمةَ لا تبرأ إِلا بعد نحره.
وأما في التطوع فلأنه سبب في إِتلافه، فصار كمن أفسد تطوعًا بعد الدخول فيه فوجب أن يفضيه.
فرع: [الاشتراك في الهدي]
اتفق العلماء على أنه لا يشترك في الهدي إِذا كان من الغنم، واختلفوا في الإِبل والبقر، والمشهور عن مالك أنه لا يجوز فيهما سواء كان الهدي واجبًا أو تطوعًا 115، وروي أيضًا أن ذلك يجوز في التطوع 116.114 = مالك، له كتابه الكبير وكتابه المبسوط.
قرأ على نافع وروى عن موسى عقبة وابن جريج وابن عيينة، وروى عنه أحمد بن حنبل وأثنى عليه خيرًا، وقال عنه أبو حاتم الرازي: محمله الصدق.
ت 203. (تهذيب التهذيب 10/ 249 - الجرح والتعديل: 4/ 148. المدارك 3/ 196).
الجزء: 2 - الصفحة: 652
قال ابن عبد السلام: وقال أكثر العلماء بجواز ذلك في الواجب والتطوع (1) وهو الصحيح، واستدل بما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة (2).
فرع: [متى يجب بدل الهدي]
ولو هلك الهدي أو ضل أو قتل أو سرق قبل نحره وجب بدله في الواجب دون التطوع، فلو سرق الهدي الواجب فأبدله صاحبه ونحر البدل ثم وجد المسروق، فإِن كان سرق بعد تقليده وجب نحر المسروق أيضًا؛ لأنه تعين بالتقليد، وذلك يمنع من عوده إِلى ملك ربه، وإِن كان سرق قبل التقليد جاز بيعه لعدم تعيينه بالتقليد، ولبراءة الذمة ينحر البدل، وإِن وجد المسروق بعد أن أبدله 119 وقبل نحر البدل، فإِن كانا مقلدين نحرهما وإِلا بيع الآخر، ولو سرق بعد نحوه أجزأه، والله أعلم.117118
الجزء: 2 - الصفحة: 653