الباب الثالث عشر: فيما يكره للمحرم فعله، فإن فعله فلا شيء عليه
[الأمور التي يكره للمحرم فعلها].
يكره للمحرم شم الطيب، فإِن شمه فلا شيء عليه.
ويكره التمادي في المكث بمكان 1 يعبق فيه ريح الطيب.
ويكره شم الريحان والورد والياسمين وشبهه من غير المؤنث، ولا حدّ فيه، ولا فدية في حمل قارورة مسك مصمتة 2 الرأس ونحوها، ويستحب له أن يضع يده على أنفه إِذا مرَّ بطيب 3، ويكره له التجربة ومباشرة رائحته، فإِن فعل ذلك ولم يمسه فلا شيء عليه، ولا يستديم شم الطيب بين الصفا والمروة.
ورأى مالك أن يُقامَ العطارون من المسعَى في أيام الحج.
ويكره له أن يمر في مواضع العطارين، فإِن فعل فلا شيء عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 589
وقال مالك في الذين يصيبهم خَلوق 4 الكعبة: أرجو أن يكون خفيفًا 5.
وقال ابن القاسم: وأرى أن لا تُخلق الكعبة أيام الحج 6.
ويكره للمحرم أن يغسل يديه بالريحان، ولا يحرم في ثوب فيه مسك أو طيب، فإِن فعل فلا شيء عليه.
قال أشهب: إِلا أن يكون كثيرًا، ويكون كالتطيب فيفتدي.
ويكره له أن ينظر في المرآة لغير شكوى ولا ضرورة, لأن ذلك يؤدي إِلى أن يزيل الشعث، فإِن نظر فيها فلا شيء عليه، وليستغفر الله تعالى 7، وكذلك المرأة.
ويكره غسل يديه بالأُشنان 8 عند وضوئه 9 من الطعام.
كان في
الجزء: 2 - الصفحة: 590
الأشنان طيب أو لم يكن، لأنه ينقي البشرة.
وكان ابن شهاب - رحمه الله تعالى - يدس أصابعه في التراب إِذا توضأ فيذهب ريح الدسم بذلك.
وكان مالك يرخص للمحرم أن يغسل يديه بالدقيق والأشنان غير المطيب.
قال ابن حبيب: وقول ابن شهاب أحوط.
وكذلك لا فدية في غسل اليدين بالأشنان المطيب بالريحان وشبهه من مذكر الطيب بخلاف مؤنث الطيب كالزعفران والورس.
وقد تقدم كراهة الحجامة لغير ضرورة 10.
ويكره له صب الماء على رأسه من حر يجده 11.
ويكره له أن يجفف رأسه بثوب إِذا اغتسل ولكن يحكه بيده حكًّا رفيقًا.
وكره للمحرمة أن تطوف منتقبة أو المحرم مغطى الفم، لأن (الطواف بالبيت صلاة) 12 وذلك يكره في الصلاة، فإِن فعلا فلا شيء عليهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 591
ويكره للمحرم أن يدل على الصيد حلالًا أو محرمًا، فإِن قتله المدلول فلا شيء عليه، أعني على الدال، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو آثم وليستغفر الله تعالى 13.
وقال أشهب: إِن كان المدلول محرمًا فعلى كل واحد منهما الجزاء وإِن كان * حلالًا فليستغفر الله تعالى ولا شيء عليه، وكذلك إِن ناوله السوط.
ويكره للمحرم أن يقلّب الجارية ليشتريها لنفسه أو لبعض ولده.
قال مالك: لا أحب للمحرم أن يقلب جارية للابتياع.
قال ابن الحاج: وهذا يدل على أن له أن ينظر إِلى معصمها وساقها وصدرها، وهو دليل قوله في كتاب بيع الخيار من المدونة لأن الرقيق قد يجرد للشراء 14.
فكره له أن يقلبها خيفة أن تعجبه ليتلذذ بذلك، فربما آل به ذلك إِلى أن ينقص من أجره أو يفسد حجه أو يوجب عليه الهدي.
وقال في جامع البيوع مع العتبية: إِنه لا ينظر عند التقليب إِلا إِلى وجهها وكفيها أو يخبر عنها كما يخبر عن المرأة التي يتزوجها 15.
فهذا القدر مما لا يتعلق به كراهة في حال الإِحرام.
الجزء: 2 - الصفحة: 592
قال ابن الحاج: ولا بأس أن يأخذ السواك من المحرم.
ويكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام، لقوله - صلى الله عليه وسلم - "ولا يُخْتَلَى خَلَاهَا" 16.
والخلا: الحشيش الأخضر، فإِذا يبس فهو حشيش.
وإِنما كره ذلك خيفة قتل الدواب فإِن فعل ذلك أحد وسلم فلا شيء عليه، وليستغفر الله تعالى، وأما رعيه فإِنه جائز غير مكروه 17.
الجزء: 2 - الصفحة: 593
فصل: فيما يجوز للمحرم أن يفعله
وللمحرم صيد حيتان البحر ودوابه وهو حلال له، والطافي منه وغير الطافي سواء 18.
وكذلك صيد ما في الأنهار والسيول والبرك والغدر.
ولا بأس أن يصيد السلحفاة البحرية دون البرية.
ولا بأس أن يطرد طير مكة عن طعامه ورحله.
قاله ابن حبيب وحكاه عن عطاء ومجاهد.
ولا بأس للمحرم أن يذبح الأنعام كلها والدجاج والإِوز لأن أصلها غير طائرة، ولا يذبح شيئًا من الطير المتأنس ولا المتوحش.
قال مالك: ولا بأس أن يذبح أهل مكة الحمام الرومية التي تتخذ للفراخ 19.
الجزء: 2 - الصفحة: 594
ولا بأس للمحرم أن يأكل بيض الدجاج والإِوز.
ولا بأس أن يحرم في الثوب المُعَلَّم بالحرير.
ولا بأس أن ينشد الشعر ما لم يكن فيه خناء 20 أو ذكر النساء، قاله ابن حبيب.
قال: وقد فعله أبو بكر وعمر وابن عباس رضي الله عنهم.
وقال مالك - رحمه الله تعالى -: لا ينشد منه إِلا الشيء الخفيف 21.
ويجوز للمحرم قتل الفأرة والعقرب والحية والغراب والحدأة والكلب العقور 22 وهو الأسد والنمر ونحوهما مما يعدو 23.
الجزء: 2 - الصفحة: 595
واختلف في جواز قتل الغراب والحدأة إِذا لم يؤذيا.
والأشهر: جوازُ قتلهمَا.
وحكى أشهب: أنهما لا يقتلان 24.
وكذلك اختلف المذهب على قولين في صغارهما 25.
والمنصوص في صغار الغربان أنها لا تقتل.
وفي المدونة: ويكره قتل سباع الطير كلها وغير سباعها *، فإِن قتل شيئًا منها فعليه الجزاء، إِلا أن تعدو، ويخافها على نفسه ويقتلها، فلا جزاء عليه 26.
قال ابن القاسم في غير المدونة: ولا بأس أن يبتدئ المحرم بسباع الوحش العادية بالقتل، وإِن لم تؤذه لدخلوها في اسم الكلب العقور، ويقتل صغار = وفي هذا المعنى صاغ المقري القاعدة الفقهية: "كل مؤذ طبعًا فهو مقتول شرعًا، ولا جزاء على المحرم فيه ابتداء، ولا دفعًا".
(القواعد: 2/ 586 رقم 369).
الجزء: 2 - الصفحة: 596
الفأرة والعقرب والحية 27. وفي صغار الكلب العقور قولان 28. ولو صال عليه ظبيٌ أو حمارٌ وحشيٌّ أو ما أشبه ذلك 29 من الصيد جاز له دفعه عن نفسه، وإِن أدى ذلك إِلى قتله، ولا يقتل ضبعًا ولا خنزيرًا ولا قردًا إِلا أن يخاف شيئًا من ذلك على نفسه، فيجوز له حينئذ قتله، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 597