إرشاد السالك إلى أفعال المناسكصفحات 157-165

باب ما جاء في فضل العمرة

صفحات 157-165

يدخلها (1). وذكر ابن الجوزي عن مجاهد أنه قال: دخول البيت دخولٌ في حسنة، وخروج منه خروج من سيئة (2)، ويعني: أنه يخرج من سيئاته عند خروجه منه.

مسألة

: قال ابن حبيب: وأخبرني مطرِّف عن مالك - رحمه الله - أنه سُئل عن الصلاة في البيت وعن دخوله كلَّمَا قدَر عليه؟ فقال: ذلك واسع حسن 3. قال: وقد سئل مالك عن دخول البيت المرتين والثلاث في اليوم؟ فقال: لا بأس به 4.12

مسألة

: ومن صلَّى في البيت الحرامِ، واستقبل أيَّ نواحيه 1 شاء شرقًا أو غربًا، فلا بأس بذلك 2. قال مالك - رحمه الله -: وأحبُّ إِليَّ أنْ يَجعلَ البابَ خلف ظهره، وهو الوجه الذي صلَّى إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - 3.

مسألة: قال ابن حبيب: واخلع نعلَيْك إِذا دخلتَ الكعبة 4، واجتنب أن

تبصقَ فيها أو تمخط، ونزهها ما استطعت، فإِنها بقعة مكرمة شرفها تعالى على بقاع الأرض، وألح في الدعاء والرغبة إِذا دخلتها فإِنه مقام عظيم.

تنبيه

: قوله: "شرفها الله على بقاع الأرض" مستثنى من ذلك ما ضمَّ أعضاءَه الكريمة - صلى الله عليه وسلم -، فقد أجمعوا على أفضليته على ما سواه 1. قال ابن حبيب: وكان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، - فيما أخبرني ابن عبد الحكم - 2 إِذ دخل الكعبة قال: اللهم إِنك وعدتَ الأمان داخلَ بيتك وأنت خير منزول به، اللهم اكفني مؤونة الدنيا وكلَّ هولٍ دونَ الجنة، حتَّى تُبلغنيها برحمتك 3. = وقال المحب الطبري أخرجه سعيد بن منصور عن عطاء وطاوس وداود أنهم كانوا يقولون: "لا يدخل أحد الكعبة في خف ولا نعل".
(القِرى: 459).

مسألة

: قال مالك: ولا يعتنق شيئًا من أساطينه.
وقد دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم أسمع أنه اعتنق من أساطينه شيئًا (1).

مسألة: قال أبو عبد الله بن الحاج: وأجمع العلماء على أن من حج واعتمر ولم يدخل الكعبة، أنَّ نسكه تام ولا شيء عليه.

تنبيه

: من أراد دخول البيت فتعذَّر عليه فليدخل الحِجْر، فإِنه لا فرق بينهما، لأنه بعضُ البيت وإِنما أُخرج منه.
قالت عائشة - رضي الله عنها - كنت أحبُّ أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدي وأدخلني الحِجْر وقال: "صلِّي في الحِجر، إِن أردتِ دخولَ البيتِ، فإِنّهُ قطعةٌ منه، وإِن قومكِ اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت"، خرجه أبو داود 2 والترمذي 3.1

ولذلك ترك مُحَجَّرًا ومنع من صلاةِ الفريضة في الحِجْر، كما منع من إيقاع الفريضة في البيت (1)، والأخبار متواترة في أنه من البيت، والقدر الذي قُطع من البيت نحو ستة أذرع والباقي في المسجد (2) والله أعلم.

فصل: يوم عرفة

روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَا رُئِيَ الشيطَان فِي يَوْمٍ هوَ أصغر ولا أدْحَرَ 3 ولا أحْقَرَ منهُ يومَ عرَفة، وما ذاكَ إِلَّا لمِا يُرَى من تنزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ12

الله عنِ الذنُوبِ العظامِ" 1. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الله يُبَاهِي بأهْلِ عَرَفَات وأهْلِ المَشْعَر ملائكته 2 فيقول: انظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاؤُوا شُعْثًا غُبْرًا، أشْهِدُكُمْ أني قَدْ غَفَرتُ لَهُمْ" 3. وذكر قاسم بن أصبغ 4 من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفة ينزلُ الله تعالى إِلَى سماءِ الدّنْيَا، فيقول: انظروا إِلَى عبادِي أتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا منْ كُلِّ فجٍّ عميق، أشهدُكُمْ أنِّي قدْ غَفَرْتُ لَهُمْ.
قال: فتقول الملائكة: يا رب فيهم فُلان وفلان،

قال: فيقول عزّ وجلّ: قد غَفَرْتُ لَهُمْ أجْمَعِينَ 1، ومَا مِنْ يومٍ أكثَرَ عِتْقًا من النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَة" 2. وقال أبو محمد عبد الحق الأزدي في منسكه: ذكر ابن المبارك 3 من = بصيرًا بالحديث ورجاله، وكان مشاورًا في الأحكام.
له مؤلفات في الحديث وغيره.
ت 340 وقد تجاوز تسعين سنة.
(الأعلام: 6/ 7، بغية الملتمس: 433 رقم 1298، تاريخ ابن الفرضي: 364 رقم 1070، جذوة المقتبس: 311، الديباج: 2/ 145 رقم 2، شجرة النور: 88 رقم 191، كحالة: 8/ 95، لسان الميزان: 4/ 458 رقم 1415، نفح الطيب: 2/ 47 رقم 14 و 3/ 395).

حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "وَقَفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفَاتٍ، وقدْ كادت الشمس أن تغرب، فقال: يا بلال! أنصت لِي النَّاسَ، فقام بلال - رضي الله عنه - فقال: أنصتوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنصت الناس فقال: يا معشر الناس! أتاني جبريل آنفًا فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنَّ الله عزّ وجل غَفَرَ لأهْلِ عَرَفَاتٍ وأهْلِ المَشْعَرِ وضمِنَ عنهمُ التَّبِعَات، فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله، لنا خاصَّةً؟ فقال: هَذا لكمْ، ولِمَنْ أتَى بعدَكُمْ إِلَى يْومِ القيَامَةِ" فقال عمر - رضي الله عنه - كَثُر خيرُ الله وَطاب 1. وروى ابن جُريج 2. = المدارك: 3/ 36، مرآة الجنان: 1/ 378، المعارف لابن قتيبة: 174، النجوم الزاهرة: 1/ 503، هدية العارفين: 483).

عن محمد بن المنكدر 1 عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المَغْفِرَةُ تَنْزِلُ مع الحَرَكَةِ الأولَى، فإِذا كانتِ الدّفْعَةُ العُظْمَى فَعِنْدَ ذَلِك يضعُ إِبليس التُّرَابَ علَى رَأسِهِ ويدْعُو بالوَيْلِ والثُّبُور فتجتَمِعُ إِليه شَيَاطِينُه فيقُولُون: مَالَكَ؟ فيقول: قومٌ فَتَنْتُهم منذ ستين وسبعين سنة غُفِرَ لهُم في طَرفَةِ عيْن" 2.

جارٍ التحميل