إرشاد السالك إلى أفعال المناسكصفحات 117-156

باب ما جاء في فضل العمرة

صفحات 117-156

وفي صحيح مُسْلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "العُمْرَةُ إِلى العُمْرَةِ كَفَّارةٌ لمَا بَيْنَهُمَا، والحجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ له جَزَاءٌ إِلا الجَنَّة" 1. قال العلماء: والمبرور الذي لا يخالطهُ إِثْمٌ.
وقيل: الذي لا رِياء فيه ولا رفَث ولا فُسوق 2. وقيل: المقبول.
ومن علامات القَبول: أن يرجع خيْرًا مما كان، وأن لا يعاوِدَ المعاصيَ.
وقال ابن الجَوْزي 3: ورُوي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -

أنه قال: قيل: يا رسول الله، مَا بِرُّ الحَجِّ؟ قال: "إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وإِفْشَاءُ السَّلَام" 1. وقد رُويَ عن مالك - رحمه الله - أنَّ امرَأةً جاءت إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إِنّي كُنْتُ تَجَهَّزْتُ لِلْحجِّ فاعترض لِي، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اعتَمِرِي فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحَجَّةٍ) 2. وفي الترمذي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" 3، وفي

رواية: "تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي" 1.

وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يعتمر في رجب 1. وروي عن عائشة 2 - رضي الله عنها - أنها كانت تعتمر في رجب 3. قال أبو محمد عبد الحق الأزدي 4 في منسكه: وذكر وهب بن منبه 5

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث طويل: "أنَا الله ذو مكَّة سُكَّانُهَا خيرتِي وجيرَانِي، وعمَّارها وزوَّارُهَا وفدِي وضيفاني في كنفِي، وافدين عليَّ في ذمَّتي وجوَاري، أعمره بأهلِ السمَاء وأهلِ الأرضِ يأتونهُ أفواجًا شُعْثًا غُبْرًا، وعلى كل ضامِرٍ يأتينَ منْ كُلِّ فجًّ عميقٍ، يَعُجُّونَ 1 بالتكبير عجيجًا، ويرجُّونَ 2 بالدُّعَاءِ رجيجًا، وينتَحِبُون بالبُكَاءِ نحيبًا، من اعتمَرَهُ لا يُرِيدُ غيْرَه فقد زَارَني، ووفَدَ عليّ، ومن نزل بي فحُقَّ عليَّ أنْ أتْحِفَهُ بِكَرَامَتِي، وحُقَّ علَى الكريمِ أنْ يُكْرِم ضيفَه ووفْدَهُ، وأن يُسْعِفَ كُلَّا بحَاجَتِهِ" 3. قال عبد الملك بن حبيب 4: وأفضل شهور السنة للعمرة شهر رجب وشهر رمضان.

فصل في التجَرُّدِ في الإحْرَام

وذكر أبو عبد الله بن الحاج عن ابن أبي شيبة من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَا مِنْ مُحْرِمٍ يَضْحَى للشَّمْسِ 1 حتَّى تغْرُبَ إِلَّا غرُبَتْ بِذُنُوبِهِ حتَّى يُصبِحَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ" 2. رواه أحمد 3 وهذا لفظه، ورواه ابن ماجه أيضًا 4. وقال بعضهم 5:

ضَحِيتُ لَهُ كَيْ أسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ... إِذَا الظِّلُّ أضْحَى فِي القِيَامَةِ قَالِصًا 1 فَيَا حَسْرَتَا إِنْ كَانَ حَجُّكَ بَاطِلًا... وَيَا أسَفَا إِنْ كَانَ حَجُّك؛ نَاقِصًا 2 = (الديباج: 1/ 141 رقم 2، الشجرة: 64 رقم 51، المدارك: 4/ 5). والذي دلنا على أن الذي أنشد البيتين هو ابن المعذل ما نقل عن الرياشي أنه رأى ابن المعذل وهو ضاح للشمس، فقال له: يا أبا الفضل هذا أمر قد اختُلِفَ فيه، فلو أخذتَ بالتوْسِعَةِ، فأنشد أبو الفضل البيتين.
(تقييد أبي الحسن على المدونة: 2/ 51 ب، المغني لابن قدامة: 3/ 308، والبيت الثاني فيه كما يلي: فوا أسفًا إِن كان سعيك باطلًا... ويا حسرتا إِن كان حجك ناقصًا)

فصل: التلبية

جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَا عن يَمِيِنهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ أوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرضُ مِنْ هَا هُنَا وَمِنْ هَا هُنَا" أخرجه الترمذي 1. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَا أهَلَّ مُهِلّ 2 قَطُّ إِلا بُشِّر، وَلَا كبَّر مُكَبِّر قَطٌّ إِلَّا بُشِّر، قيل: يا نَبي الله، بِالجنّة؟ قال: نَعَم" 3. التلبية: الإجابة بعد الإِجابة ولزوم الطاعة.
لبيك: ثني للتكثير والمبالغة، (النووي على مسلم: 8/ 87).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أتَانِي جِبْرِيلُ فَأمَرَنِي أنْ آمُرَ أصْحَابِي أنْ يَرْفَعْوا أصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ".
رواه مالك 1 والأربعة 2 وابن حِبَّان 3 والحاكم 4. وهذا اللفظ للنسائي.

وكان أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأتون الرَّوْحَاء 1 حتى تَبَحَّ حلوقُهم من التلبية 2. وعن بكر بن عبد الله 3 قال: سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يرفع صوته بالتلبية حتى أني لأسمع دَوِيَّ صَوْتِهِ بين الجبال، رواه ابن المنذر 4.

فصل: من مات في حجّ أو عمرة أو بعد قدومه

1 روى الدارقطني عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مَاتَ فِي هَذَا الوجْهِ مِنْ حَاجٍّ أوْ مُعْتَمِرٍ لَمْ يُعرَضْ ولَمْ يُحَاسَبْ، وقيلَ لَهُ: ادخُل الجنّةَ" 2. ورُوي عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هَذَا البَيْتُ دِعَامَةُ 3 الإِسْلامِ، فمنْ خرَجَ يَؤُمُّ هَذَا البَيْتَ مِنْ حَاجٍّ أوْ مُعْتَمِرٍ زائرًا،

كَان مَضْمُونًا عَلَى الله إِنْ قَبضَهُ أن يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ وإِنْ رَدّهُ رَدَّهُ بأجْرٍ وَغَنِيمَةٍ" 1. أخرجه الأزرقي 2. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا، فَمَات، كتَبَ الله لَهُ أجرَهُ إِلَى يومِ القيامة؛ ومن خَرَج معتمرًا.
فماتَ كتبَ الله لهُ أجْرَهُ إِلَى يومِ القِيَامَةِ".
أخرجه أبُو داود 3. وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ أوْ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، بُعِثَ مِنَ الآمِنِينَ" 4.

وعن سلمان 1 - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ مَاتَ في أحَدِ 2 الحَرَمَيْنِ، وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي، وكانَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الآمِنين" 3. قال بعضُ السلَف: كنا نحدث أنَّ "مَنْ خُتِمَ لَهُ بإِحْدَى ثَلاثٍ - إِما قال: وجَبَتْ له الجنّةُ، وإِما قال: بَرِئ منَ النَّارِ -: مَنْ صَامَ شهرَ رمضانَ، فإِذا انقضى الشهْرُ مَاتَ، ومن خرج حَاجًّا، فإِذا رَجَعَ من حجِّهِ مات، ومن خرجَ معتمرًا فإِذا رَجَعَ مِنْ عُمْرَتِهِ مَاتَ" 4.

باب: ما جاء في حج الماشي والرَّاكب

يُرْوَى أنَّ آدَمَ 1 - عليه السلام - حجَّ على رجليه سبعين حجةً، أخرجه الأزرقي 2. وعن ابنِ عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّ آدمَ عليه السلام حجَّ من الهِنْدِ أربعينَ حجةً على رجليْهِ 3. أخرجه ابن الجوزي 4. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ما آسَى على شيءٍ مَا آسَى عَلَى أنِّي لم أحجَّ مَاشيًا.

ولقد حج الحَسَنُ بن علي 1 - رضي الله عنهما - خمس عشرة حجة ماشيًا، وإن النجائب 2 لتقاد معه، ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات، حتى إِنه ليعطي الخفَّ ويمسك النعلَ.
رواه البيهقي 3. ورُوي أن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرض، فجمع بنيه وأهلَه، فقال لهم: يا بَنيَّ إِنِّي سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّة ماشيًا، حتَّى يرجِعَ إِليهَا، كتب الله لهُ بكلِّ خطوةٍ سبعمائة حسنة من حسنات الحرم".
فقال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ فقال: "كلُّ حَسَنَةٍ بِمَائَةِ ألفِ

حسنةٍ" 1 رواه الحاكم وصحح إِسناده.
وروى الطبراني في معجمه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال لبنيه: يا بني، أخرُجُوا من مكّةَ حاجِّين مشاةً، فإِني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إِنّ للحاجِّ الراكبِ بكُلِّ خطوةٍ تخطُوهَا رَاحلتُه سبعينَ حسنةً، وللماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة" 2. قال عز الدين بن جماعة: رجال إِسناده ثقات 3.

ويُروى: "أنَّ المَلَائِكَةَ تَعْتَنِقُ المُشَاةَ وتُصَافِحُ الركْبَانَ" 1 وسيأتي اختلاف الفقهاء في 2 أيهما أفضل 3.

فصل: النفقة في الحج

وعن بريدة 1 - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "النَّفَقَةُ فِي الحَجِّ كالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ الله، الدّرْهَمُ 2 بسبعمائة ضِعْفٍ".
قال ابنُ جماعة: رواه أحمد 3 وابن المنذر 4. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عام حجة الوداع بمكة: "الحَاجُّ والعُمَّارُ وفْدُ الله، يُعطِيهِمْ مَا سَألُوا، ويَستَجِيبُ لَهُمْ فِيمَا دَعَوْا، ويُخلِفُ عَنْهُم مَا أنْفَقُوا، ويضَاعِفُ لهُم الدرْهَمَ ألْفَ ألْفِ دِرْهم 5، والذي بَعَثَنِي بالحقّ الدرهَمُ منهَا أثْقَلُ مِنْ جَبَلِكُمْ" 6.

وأشار إِلى أبي قُبَيس 1 رواه الفاكهي.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا خَرَجَ الحَاجُّ مِنْ بَيْتِهِ كَانَ فِي حِرْزِ الله، فَإِنْ مَاتَ قبلَ أنْ يَقْضِيَ نُسْكَهُ وَقَعَ أجْرُهُ 2 عَلَى الله، وإِنْ بَقِيَ حَتَّى يَقْضِيَ نُسْكَهُ غُفِرَ لَهُ.
وَإِنْفَاق الدِّرْهَمِ الوَاحِدِ في ذَلِكَ الْوَجْهِ يَعْدِلُ أرْبَعِينَ ألفًا".
رواه الحافظ زكي الدين المنذري 3 رحمه الله تعالى 4. = في سنده صالح بن عبد الله مولى بني عامر بن لؤي، وقال عنه: منكر الحديث.
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر" وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.
(المستدرك: 1/ 441، كتاب المناسك).

فصل: الطواف بالبيت

ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُنزلُ الله - عزّ وجلّ - كلَّ يَوْمٍ علَى هَذَا البيتِ عشرينَ ومائة رحْمَةٍ: ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين" 1. وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الله - عزّ وجلّ - يُبَاهِي بالطائفين" 2. = جاء في فضل النفقة في الحج).
وأورده الشوكاني في (الفوائد المجموعة: 109 رقم 19) وفيه: يعدل أربعين ألف ألف درهم فيما سواه، ونقل عن ابن حجر أنه موضوع.

وفي رواية أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: سمعته - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا ولا وضعها، إِلا كَتَبَ الله لهُ عشْرَ حَسَنَاتٍ وحطّ عنْهُ عشرَ سيِّئات ورُفِعَ له عشرُ دَرَجاتٍ" 1. وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ طَافَ بالبيتِ سبعًا، وصلَّى خلْفَ المَقَامِ ركعتين وشَرِبَ مَاءَ زمْزَم، غُفرتْ له ذنوبه بالغة ما بلغتْ" 2 أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري 3.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا خَرَجَ المَرْءُ يُريدُ الطَّوَافَ بالبَيْتِ أقْبَلَ يَخُوضُ في الرحْمَةِ، فإِذَا دَخَلَهُ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، ثمَّ لَا يَرْفَعُ قَدَمًا ولَا يَضَعُهَا إِلا كَتَبَ الله بكُلِّ قَدَمٍ خمسمائة حسنة، وحطَّ عَنْهُ خمسمائة سيّئَةٍ، ورُفِعَتْ لهُ خمسمَائة درَجَةٍ، فإِذا فَرَغَ منَ الطَّواف وصلَّى ركعتَيْن دُبُرَ المَقَامِ، خرج منْ ذُنُوبِهِ كيومِ وَلَدَتْهُ أمُّه وكتَبَ له أجْرَ عشْر رِقَابٍ منْ ولد إِسماعيل، واستقبلَهُ ملَكٌ علَى الرُّكْنِ، وقال له: استَأنف العمَلَ فيمَا يستقبل فقد كُفِيتَ ما مضَى، وشفع 1 في سبعين من أهْلِ بَيِتِه" 2. أخرجه الفاكهي والأزرقي 3. وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وحشر يوم القيامة من الآمنين" 4 ذكره القاضي عياض في الشفا 5. وقد روى سعيد بن منصور عن سعيد بن جبير أنه قال: "من حَجَّ البيتَ فطافَ خمسينَ أسْبُوعًا قبل أن يَرْجِعَ، كَانَ كَمَنْ وَلَدَتْهُ أمُّهُ" 6.

وَفي الترمذي: "مَنْ طافَ بِالبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً" (1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: "استَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ أثقل شَيءٍ تَجِدُونَهُ في صَحَائِفِكُمْ، وأرْجَى عَمَلٍ تَجِدُونَهُ" (2).

مسألة

: قال القرافي في الذَّخيرة: وأفضلُ أركانِ الحجِّ الطوافُ؛ لأنه مشتَمل على الصلاة وهو في نفسه مشبه بها، والصلاة أفضل من الحج 3، فيكون أفضل الأركان 4.12 = وكذلك روى ابن عباس، ومثل هذا ألا يكون إِلا توقيفا.
وأخرجه ابن زنجويه عن ابن عباس بلفظ: من طاف بالبيت خمسين أسبوعًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كما في (كنز العمال: 5/ 170 - رقم 12495).

ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الحَجُّ عَرَفَةٌ" 1 أى إِدراك الحج عرفة.
وفي رسالة الحسن البصري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ القبلةِ سَاعَةً واحِدَةً محْتَسِبًا لله عزَّ وجلَّ تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ، كَانَ لَهُ كَأجْرِ الحَاجِّ والمُعْتَمِرِ والمُرَابِطِ القَائِمِ" 2. وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "طَوَافَانِ لَا يُوَافِقُهُمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلا خَرَجَ من ذنُوبِهِ كيومِ وَلَدَتْهُ أمّه، وغفرت له ذنوبه بالغة ما بلغت: طواف بعد الصبح يكون فراغه عند طلوع الشمس، وطواف بعد العصر يكون فراغه عند غروب الشمس 3 فقال رجل: يا رسول الله،

فإِن كان بعده أو قبله؟ قال: يلحق به"، رواه الفاكهي والأزرقي (1) وغيرهما (2). وفي رواية الفاكهي أن رجلًا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ولمَ تُستحب هاتان الساعتان؟ قال: "لأنّهما ساعتان لا تعدوهما الملائكة".
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كان أحب الأعمال إِلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إِذا قدم مكة الطواف بالبيت (3).

مسألة

: مذهب مالك - رحمه الله - أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، بخلاف أهل مكة 4.123

وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يطوف سبعة أسابيع بالليل وخمسة بالنهار 1. ذكره الأزرقي، وقال: إِن آدم عليه الصلاة والسلام كان يطوف كذلك.
الحسن البصري في رسالته: إِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ طَافَ حَوْلَ البَيْتِ أسْبُوعًا في يَوْمِ صَائفٍ شَديدِ الحَرِّ واسْتَلَمَ الحَجَرَ في كلِّ طَوَافٍ من غيْرِ أن يُؤْذِي أحَدًا وقلَّ كلَامُهُ إِلَّا بذكْرِ الله، كان لَهُ بكلِّ قَدَم يَرْفَعُهَا ويَضَعُهَا سَبْعُونَ ألْف حَسَنَةٍ، وتمحى عنْهُ سبْعُونَ ألْف سَيِّئَةٍ، وتُرْفَعُ لَهُ سَبْعُونَ ألْف دَرَجَةٍ" 2. وذكر ابن أبى شَيْبَة عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: قلت لابن عمر: يا أيا عبد الرحمن إِنك لتزاحم على هذين الركنين 3 زحامًا ما رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله! قال: ان أفعل، فإِني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَسْحُهُمَا يَحُطُّ الخَطَايَا" 4 وسمعته يقول: "مَنْ

طَافَ بهذَا البيتِ لم يَرْفَعْ قدَمًا، ولم يَضَعْ قَدَمًا إِلا كَتَبَ الله له بها حسنة وحطت عنه خطيئة، ورفعت له درجة".
حتى سمعته يقول: "من أحصى أسبوعًا كان له بعدل رقبة" 1. قال ابن وضَّاح 2: قوله: أحصى أسبوعًا، أي طاف أسبوعًا، وتحفظ فيه أن 3 لا يغلط.
وذكر الإِمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد له عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: مَنْ طَافَ بهذا البيتِ سبعًا وصلَّى ركعتيْنِ كانَ كمَنْ أعتَقَ رقبَةً 4.

الطواف في المطر

عن أبي عِقال 1 قال: طفت مع أنس بن مالك - رضي الله عنه - في مطر، فلما قضينا الطواف أتينا المقام فصلينا ركعتين، فقال أنس - رضي الله عنه - "ائْتَنِفُوا 2، العمَلَ، فقَدْ غُفِر لَكُمْ" هكذا قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطفنا معه في مطر 3. رواه ابن ماجه 4. وذكر النضر بن شُميل بروايته عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه أنه كان مع ابن عمر - رضي الله عنهما - عند البيت فطاف ابن عمر وصلى ركعتين، وقال: "هَاتَانِ يُكفِّرَانِ ما أمَامَهُمَا" 5.

وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ طَافَ بالكَعْبَةِ فِي يَوْم مَطَرٍ كتَب الله لهُ بكلِّ قَطْرَةٍ تُصِيبُهُ حَسَنَةً، ومُحِيَ عنْهُ بالأخْرَى سَيِّئَةٌ" (1).

الدعاء عند محاذاة الميزاب

ومما ذكره ابنُ الجوزي 2 عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إِذا حاذَى الميزابَ، وهو في الطواف، يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ المَوْتِ، والعفوَ عندَ الحِسَابِ" 3. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: صَلُّوا فِي مُصَلَّى الأخْيَار.
قيل: وما مُصَلَّى الأخيَار؟ قال: تحتَ المِيزَابِ 4.1

فصل: الملتزم والدعاء فيه

قال أبو عبد الله بن الحاج: روى عكرمةُ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَا بَيْنَ الرُّكْنِ والبَاب مُلْتَزَمٌ، مَنْ 1 دعَا الله عندَهُ، مِنْ ذِي حَاجَةٍ أو ذِي كُرْبَةٍ أو ذِي غَمٍّ فرَّجَ الله عَنْهُ" 2. وروى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كَانَ يلصق وجهَهُ وصَدرَهُ 3 بالملتَزَم" 4. وقال ابن حبيب: الملتزَمُ الموْضِعُ الذي يُعْتَنَقُ ويلجّ الدَّاعِي فيه بالدُّعاءِ، كذا فسره مطرف 5.

وقلت له: ترى أن تعتنق؟ قال: نعم، وقد سمعت مالكًا يستحب ذلك.
قال مالك: وهو المتعوَّذُ أيضًا 1. وروى أبو الزبير 2 عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الملتزَم والمدَّعَى والمتعَوَّذ: ما بين الحِجْر إِلى البَاب 3. ورُوي عن القاسم بن محمد 4 وعمر بن عبد العزيز 5 وجعفر بن

محمد 1 وأيوب السختياني 2 وحميد الطويل 3، أنهم كانوا يلتزمون ظهر البيت بين الركن اليماني والباب المؤخر.
وقال بعضهم: إِن ذلك ملتزَم، وهو خلاف ما تقدم.
ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ذلك الملتزَم، وهنا المتعوَّذ.
فكأنه جعل ذلك موضعَ رغبةٍ، وهذا موضع استعاذة.
وكذلك تدل ألفاظ الأخبار عن القاسم بن محمد، ومن ذكرنا معه، على أنه موضع استعاذة، والله أعلم.

فصل: الدعاء عند الركن اليماني

روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "عَلَى الرُّكْنِ اليَمَانِيّ ملَكٌ مُوكَلٌ به منذُ خلَقَ الله السماواتِ والأرضَ، فإِذا مَرَرْتُمْ به فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية 1 فإِنه يقول آمين 2 ". وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "أنَّه وُكِلَ بِهِ سبْعُون ألف ملَك يؤمِّنونَ علَى الدُّعَاءِ عندَهُ" 3. = الأمصار: 93 رقم 684).

فصل: استلام الحجر الأسود

عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "استقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت فإِذا هو بعمر - رضي الله عنه - يبكي، فقال: يا عُمر، هَا هُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ".
رواه ابن ماجه 1 والحاكم وصحح إِسناده 2. وذكر ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لَيُبْعَثَنَّ الحَجَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبصِر بهمَا ولسَانٌ ينطقُ به يشهَدُ علَى منِ استلَمَهُ بحقٍّ" 3. = الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: آمين".
(مثير الغرام: 265، باب ذكر الركن اليماني).
وقال محققه: أخرجه ابن ماجه بلفظ: "سبعون ملكًا" رقم 2957.

قال ابن الجوزي 1: ورُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: الحجرُ يَمِينُ الله في الأرضِ، فمنْ لم يُدركْ بيعةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمسح الحجرَ؛ فقد بايعَ الله ورسولَه 2. وفي لفظ آخر: يمين الله في الأرض يصافح بها عباده 3 كما يصافح أحدُكم أخاه 4. وقيل: إِن الله تعالى لمّا أخذ الميثاق كتب كتابًا على الذرية، فألقمه الحجر الأسود.
قال العلماءُ: ولهذه العلة يقول لامسه: اللَّهُمَّ إِيمَانًا بكَ، وتصديقًا بِكتَابِكَ، ووفاء بعَهْدِكَ 5.

فصل: الشرب من ماء زمزم

قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "مَاء زمْزَمَ لِمَا شُرِبَ له 1، إِن شربتَهُ تريدُ به الشفاءَ شفَاك الله، وإنْ شَرِبْتَه لظمإِ أرواك الله، وإن شَرِبْتَهُ لجُوعٍ أشْبَعَكَ الله".
ورُوي عنه أيضًا أنه قال: "اشْرَبُوا مِنْ شَرَابِ الأبْرَارِ، وصَلُّوا في مُصَلَّى الأخْيَار، قيل: وما شرابُ الأبْرَار؟ قال: زمزم.
قيل: وما مُصَلَّى الأخيارِ؟ قال: تحت الميزاب" 2. وجاء أنه لا يعمد إِليها امرؤٌ يتضلَّع 3 منها ريًّا ابتغاء بركَتِهَا إِلَّا أخرجَتْ

منه مثل ما شرب من الداء، وأحدثت له شفاء (1). ورُوي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "النَّظَرُ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ، والطَّهُورُ منها يَحْبِطُ الخَطَايَا، ومَا امتَلأ جوفُ عبدٍ من زَمْزَم إِلَّا ملأهُ الله عِلْمًا وَبِرًّا".
ومن ها هنا كان عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - إِذا دعا قومًا عنده سقَاهم منها.

تنبيه

: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "والطَّهُورُ منها يحبطُ الخَطايَا" يريد: الوضوء خاصة 2 إِذا كانت أعضاءُ الوضوء طاهرةً 3. وأما الاستنجاء به فقد شُدِّد في الكراهة فيه، وجاء أنه يُحدث البواسير، وكذلك غسل النجاسات التي على البدن أو غيره.
قال ابن شعبان - من أصحابنا -: ولا يغسل به نجس 4، وهو طعام1

طعم 1 وشفاء سقم 2، وهو لما شرب له، وهي مباركة 3. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يتضلع منها منافق" 4. وروى الحميدي: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استهدى سهيل بن عمرو 5 من

ماء زمزم، فبعث إِليه بَراوِيَة من ماء زمزم وجعل عليها كرًّا غَوْطيًّا" (1).

مسألة

: قال ابن الحاج: يُستحب لمن حج أن يكثر من ماء زمزم، تبركًا ببركته.
فيكون منه شربه ووضوؤه ما أقام بمكة، ويستكثر من الدعاء عند شربه.
وروى مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إِذا شربتَ من ماء زمزم فقل: اللهم اجعله لي علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داءٍ 2، واغسل به قلبي، واملأه من خَشْيَتِك 3.1

مسألة

: قال ابن حبيب: يُستحب لمن حجّ أن يتزوَّد منه إِلى بلده، فإِنه شفاءٌ لمن استشفى به (1).

الترغيب في دخول الكعبة

ثبت في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة وصلى فيها 2. وذكر البخاري أنَّ عُمر - رضي الله عنه - كان كثيرًا ما يحج ولا1

جارٍ التحميل