إرشاد السالك إلى أفعال المناسكصفحات 729-769

الباب العشرون: في ذكر آثار شريفة بمكة ينبغي أن تقصد للتبرك بها

صفحات 729-769

واعلم أن بمكة آثارًا ينبغي للحاج أن يقصدها، ويدعو الله فيها:

الموضع الأول: البيت الذي وُلد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

وهو في زقاق  إِن التبرك بالآثار والمشاهد لم يكن من شأن السلف الصالح، وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بقطع شجرة بيعة الرضوان التي كانت بالحديبية لما بلغه أن بعض الناس يتسارعون إِلى الصلاة تحتها.
وقد استنكر الإِمام ابن تيمية تعظيم ما لم يعظمه الشرع، واعتبره أقرب إِلى عبادة الأوثان (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 650). ولم يكن الإِمام مالك يرى مشروعية إِتيان غير المسجد النبوي ومسجد قباء في المدينة، فقد قيل له: هل من هذه المساجد شيء يأتيه؟ قال: مسجد قبا - قيل: فغيره؟ قال: لا أعلمه (الجامع لابن أبي زيد: 142). وقد أوضح أبو بكر بن العربي أن قصد البقاع الكريمة لا يكون إِلا في نوعين: المساجد الإِلهية الثلاثة، والثغور للرباط بها والذب عنها، ففي السفر إِلى هذه البقاع فضل كبير.
كما أوضح أن "النية تقلب الواجب من هذا (يعني السفر) حرامًا والحرام حلالًا بحسب حسن القصد وإِخلاص السر عن الشوائب" (أحكام القرآن: 1/ 486 - 487).

معروف، يقال له: زقاق المولد (1).

الموضع الثاني: منزل خديجة عليها السلام

(2) وهو البيت الذي كان يسكنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع خديجة - رضي الله عنها - وفيه ولدت أولادها منه عليه السلام، وفيه توفيت خديجة - رضي الله عنها - ولم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيمًا به إِلى أن هاجر، وكان معاوية اشتراه فجعله مسجدًا يصلى فيه، وفتح معاوية فيه بابًا من دار أبي سفيان، وهي الدار التي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهْوَ آمن" (3).

الموضع الثالث: مسجد في دار الأرقم التي على الصفا

، ويقال لها: دار الخيزران 4، فله - صلى الله عليه وسلم - فيها تردد وإِقامة.123

الموضع الرابع: مسجد بأعلى مكة يقال له: مسجد الجن

، ويقال له: مسجد البيعة (1)، قيل: إِنَّ الجن بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هناك.

الموضع الخامس: مسجد في عرفة عن يمين الموقف، يقال له: مسجد إِبراهيم،

وهو غير مسجد عرفة الذي يصلي فيه الإِمام (2)، ذكره ابن الجوزي في مثير الغرام الساكن (3) ولا يعرف اليوم، والله تعالى أعلم (4).

الموضوع السادس: مسجد بمنى، يقال له: مسجد الكبش

(5)؛ لأن الكبش الذي نزل فداءً لإِسماعيل عليه السلام نزل هناك.

الموضع السابع: موضع بأجياد، وهو مسجد فيه موضع يقال له المتكى

قيل: إِنه - صلى الله عليه وسلم - اتكأ هناك 6.12345 = وقد تحدث عنها الأزرقي في (أخبار مكة 2/ 200) والقلصادي في (الرحلة: 140)، والبلوي في (تاج المفرق: 1/ 312). وابن الجوزي في (مثير الغرام: 344)

الموضع الثامن: مسجد العقبة

، حيث بايع الأنصار رضي الله عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).

الموضع التاسع: مسجد الجعرانة

(2) حيث أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعمرة (3).

الموضع العاشر: مسجد التنعيم

(4) حيث اعتمرت عائشة - رضي الله عنها - بأمر رسول الله (5) - صلى الله عليه وسلم -.

الموضع الحادي عشر: جبل حراء

6، فإِن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعبد فيه 7.12345

الموضع الثاني عشر: موضع بجبل ثور

1 وهو الذي اختفى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رضي الله عنه.
وفي مكة غير هذا من المساجد التي صلى فيها عليه السلام وآثار مشهورة عند أهل مكة.

الباب الحادي والعشرون: في القدوم على ضريح سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآداب السلام عليه، وما يتصل بذلك من ذكر المشاهد الشريفة التي بالبقيع, وذكر فضل المدينة وفضل أهلها، وذكر المزارات الكائنة بها

. وفيه فصول:

الأول في الترغيب في ذلك: واعلم أن زيارة قبر 1 سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أعظم القربات وأرجى الطاعات، وقد رُوي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ زَارَنِي بعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي" 2، و"مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي" 3. عبارة (وذكر المزارات الكائنة بها) مطموسة في (ر).

ومن تمكن من زيارته ولم يزره فقد جفاه، وليس من حقه علينا ذلك.
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من وجد سعةً ولم يفد إِلى فقد جفاني" 1. قال القاضي عياض: وزيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها 2. = العبدي، قال أبو حاتم: مجهول العدالة، وقال العقيلي: لا يصح حديث موسى ولا يتابع عليه، ولا يصح في هذا الباب شيء، وقال أحمد: لا بأس به، وصحح الحديث ابن السكن والتقي السبكي.
(شفاء السقام: 2 وما بعدها، فتح الغفار: 1/ 439). وأورده ابن جماعة، وقال: رواه الدارقطني والبزار وصححه عبد الحق يعني ابن الخراط الإِشبيلي.
(هداية السالك 1/ 113).

وأطلق بعض أصحابنا أن زيارته - صلى الله عليه وسلم - واجبة، ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة 1. ورُوي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ زَارَ قَبْرِي في المَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كانَ في جوارِي، وكنتُ لَهُ شَفِيعًا يومَ القِيَامَةِ" 2. وفي حديث آخر: "مَنْ زَارَنِي بعْدَ مَوْتِي فكَأنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي" 3.

وينبغي لِمَن نوى الزيارة أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف والصلاة فيه 1؛ لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تُشَدُّ الرحال إِلا إِليها 2، وهو أفضلها عند مالك رحمه الله 3. = ضمن الباب الأول من كتابه: (شفاء السقام: 32) مع ذكر طرق أسانيده.
وهو طرف من حديث في (كنز العمال 5/ 135 رقم 16372) وقال: أخرجه البيهقي في شعب الإِيمان عن حاطب بن الحارث.
وقد ضعف ابن تيمية أحاديث زيارة القبر النبوي في كتابه (قاعدة جليلة: 74).

وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه" 1. = وذهب الجمهور إِلى تفضيل مكة.
انظر (إِكمال الإكمال 3/ 478، التمهيد: 6/ 18، حاشية ابن عابدين: 2/ 626، القرى: 627، مكمل إِكمال الإِكمال: 3/ 478، مناسك العدوي: 45).
ومما استدل به مالك على تفضيل المدينة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند خروجه من مكة: "اللهم إِنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إِليَّ، فأسكني أحب البلاد إِليك".
سيأتي تخريجه.
وابن حزم يذهب إِلى تفضيل مكة على المدينة، ويرد ما احتج به المالكية على تفضيل المدينة.
انظر: (المحلى: 7/ 441 - 455). ومثله العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام 1/ 39 وما بعدها).

وذكر ابن حبيب في الواضحة: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصلاة في مسجدي كألفِ صلاة فيما سواه، وجمعة في مسجدي كألف جمعة فيما سواه، ورمضان في مسجدي كألف رمضان فيما سواه" 1. قال مطرف: ذلك في الفرض والنفل.
قال ابن حبيب: ولا تدع زيارة قبره عليه السلام في مسجده، فإِن فيه من الرغبة ما لا غناء لك ولا لأحد عنه 2.

الفصل الثاني: فيما ينبغي للقادم على المدينة من طريق مكة

وقد تقدم ما يقول من الأذكار إِذا قفل من مكة 1، فلا فائدة لإِعادته.
فإِذا وصلتَ المعرَّس، وهي البطحاء التي بذي الحليفة، فلا تجاوزه حتى تنيخ به وتقيم فيه 2 حتى تصلي ركعتين أو ما بدا لك، فإِن ذلك من السنة، فإِن أتيته في وقت لا يصلَّى فيه فأقم فيه حتى تحل النافلة، ثم صل به ثم اِرْحَل 3. وذلك أن ابن عمر 4 - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا

صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، فصلى بها.
قال نافع: وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يفعل ذلك 1. وقال مالك: لا أحب لأحد أن يترك ذلك.
والتعريس به والصلاة فيه من السنة.
ويستحب الغسلُ لدخول المدينة ولبس النظيف من الثياب 2. فإِذا رحلت 3 منه ووقع بصرك على المدينة، فمن الآداب أن تنزل إِذا قارب النزول في المنزلة التي على باب المدينة 4.

والدليل على ذلك أن وفد عبد القيس لما رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقوا أنفسهم عن الرواحل فلم ينيخوها وسارعوا إِليه 1، فلم ينكر عليهم ذلك - صلى الله عليه وسلم -. قال القاضي عياض 2: وقد حُدثت أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرًا وقرب من بيوتها ترجل، ومشى باكيًا منشدًا: [الطويل]: وَلمَّا رَأيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا... فُؤَادًا لِعِرْفَانِ الرُّسُومِ وَلا لُبَّا نَزَلْنَا عَنِ الأكْوَارِ 3 نَمْشِي كَرَامَةً... لمَنْ بَانَ عَنْهُ أنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبَا 4

قال الإِمام العلامة أبو عبد الله بن رُشَيْدِ: ولما قدمنا المدينة في سنة أربع وثمانين وستمائة كان معي رفيقنا الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم بن الحكم 1، وكان أرمد، فلما وصلنا ذا الحليفة أو نحوها نزَلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار 2 فنزل وبادر إِلى المشي على قدميه احتسابًا لتلك الآثار، وإِعظامًا لمن حل بتلك الديار فأحسن الله وامتن بالشفاء 3 وأنشد لنفسه في وصف الحال: [الطويل] وَلمَّا رَأينَا مِنْ رُبُوعِ حَبيبنَا... بيثرب 4 أعلَامًا أثرنَ له الحبَّا وَبالقُرْبِ منها إِذا كحلنا جُفُوننا... شُفِينَا فلا بأسًا نَخَافُ وَلَا كَرْبَا وحينَ تَبَدَّى للعيونِ جمالُها... ومن بُعْدِهَا عنَّا أُدِيلت لنا قربَا نزلنا عن الأكْوَارِ نمشِى تَكَرُّمًا... لِمَنْ حل فيها أن يلم به رَكْبَا 5 نسح سجال الدمع في عرصاته... ونلثم من حب لموطئه التربا وإِنّ بقائي دونه لخسارةٌ... ولو أنَّ كفي تملك الشرق والغربا

فيا عجبًا 1 ممن يقيم بزعمه... يقيم مع الدعوى ويستعمل الكتبا وزلات مثلي لا تعد كثيرةً... وبُعدي عن المختار أعظمها ذنبا

[آداب الزيارة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -]

ثم تدخل المدينة الشريفة بسكينة ووقار، فإِذا وَصَلْتَ المسجد فقل: اللهم هذا حَرَمُ رسولك، فاجعله لي وقاية من النار، وأمانًا من العذاب وسوء الحساب، وارزُقْنِي من زيارته ما رزقتَه أولياءَك وأهل طاعتك.
وقدِّم رجلك اليمنَى في الدخول 2 وقل: بسم الله، والحمد لله، والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله صلى الله وملائكته عليك يا رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، واحفظني من الشيطان الرجيم 3. ثم اقصد الروضة الشريفة، وهي ما بين القبر والمنبر، تصلي بها ركعتين، قبل وقوفك بالقبر الشريف 4 لأنها تحية المسجد.

فإِن قلت: المسجد إِنما تشرف بإِضافته إِليه - صلى الله عليه وسلم -، فينبغي البداءة بالوقوف عنده - صلى الله عليه وسلم -. قلت: ذكر ابن حبيب في أول كتاب الصلاة: قال ابن حبيب: حدثني مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قدمت من سفر فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو بفناء المسجد، فقال: "أدخلت المسجد فصليت فيه؟ قلت: لا، قال: فاذهب 1 فادخل المسجد وصل فيه، ثم ائت إِليَّ فسَلِّمْ عليَّ" 2. ورخص بعضهم في تقديم الزيارة على الصلاة 3. وقال ابن الحاج: وكل ذلك واسع، ولعل هذا الحديث لم يبلغهم، والله أعلم.

وقال ابن حبيب: وإِن صلَّيْتَ الركعتين في غير الروضة أجزأك، وفي الروضة أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيِاض الجَنَّةِ، ومِنبَرِي عَلَى حَوْضِي" 1. وفي رواية: (ما بين منبري وبيتي) 2. وروي: (ما بين حجرتي ومنبري) 3.

وليس بين هذه الروايات اختلاف؛ لأن قبره - صلى الله عليه وسلم - في بيته، والبيت هو الحجرة، قاله الطبري 1. فإِذا اختار الصلاة في الروضة فقال مالك: أفضل مواضع صلاة النافلة محرابه - صلى الله عليه وسلم -, وأفضل مواضع الفرض الصف الأول 2. وقال في تحفة الزائر 3 لابن عساكر 4: يصلي إِلى جنب الروضة، انتهى.
= حجرتي روضة من رياض الجنة".
قال الهيثمي: وفيه علي بن زيد وفيه كلام، وقد وثق.
(مجمع الزوائد: 4/ 8 - 9) قال القرطبي: الرواية الصحيحة (بيتي) ويُروى (قبري) وكأنه بالمعنى لأنه دفن في بيت سكناه.
(فتح الباري: 3/ 70).

ووجه ذلك الجمع بين فضيلتي الروضة عند المنبر؛ لأنهم قالوا: معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رَوْضَةٌ مِن رَيَاضِ الجَنَّةِ" أي العمل فيها يُوصل إِلى روضة من رياض الجنة، كقولهم: الجنة تحت ظلال السيوف، والجنة تحت أقدام الأمهات 1. ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -. "ومنبري على حوضي" أن الحضور عنده وملازمة الأعمال الصالحة عنده تورد الحوض وتوجب الشرب منه، قاله الباجي 2 وذكره القاضي عياض.
ولما كانت اليمين الفاجرة عنده توجب النار 3 كان فعل الطاعة عنده يوجب الجنة، بفضل الله تعالى.

واختار بعضهم أن يصلي عند الإِسطوانة المخلقة، وتعرف باسطوانة المهاجرين 1؛ لأن أكابر الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يصلون إِليها، ويجلسون حولها، وتسمى أسطوانة عائشة - رضي الله عنها - للحديث الذي روت فيها "أنها لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسُّهمان" وهي التي أسرَّتْ بها إِلى ابن أختها عبد الله بن الزبير رضي عنه فكان أكثر نوافله إِليها 2. ويقال: إِن الدعاء عندها مستجاب، وهي التي صلى إِليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المكتوبة بعد تحويل القبلة 3 بضعة عشر يومًا ثم تقدم إِلى مصلاه المعروف اليوم.

وهذه الأسطوانة هي الثالثة من المنبر والثالثة من القبلة، والثالثة من الأسطوانة التي في شباك الحجرة، وهي الرابعة من الأسطوانة التي في الصندوق عند رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" حمله مالك - رحمه الله - على ظاهره، فنقل عنه ابن الجوزي وغيره أنها روضة من رياض الجنة تنقل إِلى الجنة وأنها ليست كسائر الأرض تذهب وتفنى 1 ووافقه على ذلك جماعة من العلماء.
ثم تقدم إِلى القبر الشريف من ناحية القبلة، وإِن جعلت طريقك إِلى ذلك من جهة رجلي الصحابة - رضي الله عنهم - فهو أبلغ في الأدب من الإِتيان من جهة رأسه المكرم 2، وتقف قبالة وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك بأن تقف مقابل المسمار الفضة 3 الذي في الحائط، وذلك على نحو ثلاثة أذرع من السارية التي عند رأس القبر، وفي أصلها الصندوق، وإِن شئت وقفت داخل الشباك، وهو أولى من الوقوف خارجه، بدليل عمل السلف الصالح 4.

وقد قال ابن حبيب في الواضحة: واقصد القبر الشريف من تجاه القبلة، وادن منه.
فهذا نص في الأمر بالدنو منه، وإِذا وقف الزائر تحت القنديل المقابل للمسمار كان بينه وبين القبر الشريف الحائط الرخام الذي بناه عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - لما خافوا على حائط بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشرقي، فحفروا الأساس فظهرت قدم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فبنى على الحجرة حاجزًا ومن خلفه جدار، ومن خلفه بيته - صلى الله عليه وسلم -، فليس في الوقوف هناك سوء أدب، بل هو موقف الزائرين المشار إِليه في كتب الزيارة.
ففي تحفة الزائر لابن عساكر أنَّ الزائرَ يقف تحت القنديل الكبير الذي من ناحية القبلة، وكذا في تاريخ جمال الدين المطري 1 وكذا قاله بدر الدين ابن جماعة.

تنبيه: وإِنما أشاروا إِلى القنديل الذي تجاه القبر الشريف مما يلي القبلة، لأنه لم يكن هناك قبل احتراق المسجد 2 إِلا قنديل واحد يقابل وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

ولما جدد المسجد جُعِل هناك عدة قناديل، قاله جمال الدين المطري، ثم قال: إِن علامة الوقوف مقابل الوجه الكريم اليوم مسمار فضة مضروب في رخامة حمراء، إِذا قابلها الإِنسان ونظر إِلى أساس ما قابلته من الأساس كان مواجهًا للوجه الكريم، وموقف الزائرين اليوم هو عرصة بيت حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وكان موقف الزائرين قبل أن تدخل حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد عند السارية التي أسفلها الصندوق، ويستدبرون الروضة ويجعلون إِسطوانة التوبة 1 وراء ظهورهم، وهي التي فيها الشباك في هذا الوقت، وهناك، كان موقف الصحابة والتابعين للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإِذا استدبر الواقف أسطوانة التوبة المذكورة كان موقفه داخل = وتسرَّبتِ النيران إِلى أمتعة بالمخزن وتعذر التغلب عليها، وقد استولى الحريق على سقف المسجد وتلف ما احتوى عليه.
(نزهة الناظرين: 16 نقلًا عن القطب القسطلاني).
وانظر (طبقات الشافعية، للسبكي: 5/ 113).

الشباك قطعًا؛ لأن مالكًا - رحمه الله تعالى - نقل في العتبية أنها الثانية من القبر.
قال جمال الدين المطري: وروي عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب 1 - رضي الله عنه - أنه كان إِذا جاء يسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف عند الإِسطوانة التي تلي الروضة ويستقبل السارية التي فيها الصندوق اليوم.
والشباك الذي حول الحجرة اليوم أحدثه الملك الظاهر 2 في سنة تسع 3 وستين وستمائة.
وقد أنكر ذلك العلماء، لأنه أدخل فيه قطعة من الروضة مما يلي بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان ارتفاعه نحو قامتين، ثم رفعه الملك العادل زين الدين 4

كتبغا 1 حتى أوصله السقف، فالشباك ليس له سلف قديم، ولا عبرة بقول من يحض على أن الزيارة تكون خارجًا عن الشباك، مع نص ابن حبيب وغيره من أئمة المذهب على الأمر بالدنو منه.
فإِذا وقف للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فليقف وعليه الخشية والسكينة والتواضع، غاض البصر في مقام الهيبة، كما تفعل بين يديه في حياته، وتستحضر علمه بوقوفك بين يديه وسماعه لسلامك، وتمثل وجهه الكريم في ذهنك، وتحضر قلبك جلال هيبته 2 وعلو منزلته وعظيم حرمته، وأن أكابر الصحابة ما كانوا يخاطبونه إِلا كأخي 3 السرار 4، تعظيمًا لما عظم الله من شأنه 5. قال ابن حبيب: وقد روينا عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من أحد يسلمُ عليَّ إِلا ردَّ الله عليَّ رُوحِي، حتَّى أرد عليه السلامَ" 6.

وتقول - بحضور قلب وغض صوت 1 وسكون جوارح وإِطراق هيبة -: السلامُ عليكَ أيُّهَا النبي، ورحمة الله وبركاته.

تنبيه: ويقتصر على هذه الكلمة عند بعض العلماء.
قال ابن وهب عن مالك: ويدنو منه - صلى الله عليه وسلم - فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
قال مالك: ولا يمس القبر بيده 2، ويدعو للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ الصلاة.
= قال المنذري: في إِسناده أبو صخر حميد بن زياد، وقد أخرج له مسلم في صحيحه وقد أنكر عليه شيء من حديثه، وضعفه يحيى بن معين مرة ووثقه أخرى.
(مختصر سنن أبي داود: 2/ 447 رقم 1958). كما أخرجه أحمد في (مسنده: 2/ 527) والبيهقي في (السنن الكبرى: 5/ 245).

وقال ابن سعيد الهندي 1 - من أئمة المالكية - فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به ولا يَمسه ولا يقف عنده طويلًا 2. وصح من رواية نافع أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان إِذا قدِم من سفر دخل المسجد ثم أتى القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت 3. فهذه طريقة ابن عمر- رضي الله عنهما - وتبعه مالك - رحمه الله - في ترك تطويل القيام هناك.
واختار بعضهم التطويل في السلام، وعلى ذلك الأكثرون 4. قال جمال الدين المَطَري: ومن أكمل 5 ما يُسلم به المسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول:

السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا شفيع المذنبين، السلام عليك يا إِمام المتقين، السلام عليك يا قائد الغُرّ المحجلين، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا مِنَّة الله على المؤمنين، السلام عليك يا طه، السلام عليك يا ياسين، السلام عليك وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل الجزاء، وصلَّى عليك أفضل الصلوات.
وقال ابن حبيب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك يا رسول الله أفضل وأزكى وأعلى وأنمى صلاةٍ صلاها على أحدٍ من أنبيائه وأصفيائه، أشهد يا رسول الله أنك قد بلَّغت ما أُرسلت به، ونصحت لأمتك وعبدت ربك حتى أتاك اليقين 1 وكنت كما نعتك الله في كتابه حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 2 فصلوات الله وملائكته وجميع خلقه في سماواته وأرضه عليك يا رسول الله، والسلام عليكما يا صاحبي رسول الله يا أبا بكر ويا عمر، جزاكم الله عن الإِسلام وأهله أفضل ما جزى وزيري نبي على وزارته في حياته

وعلى حسن خلافته إِياه في أمته بعد وفاته، فقد كنتما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزيري صدق في حياته وخلفتماه بالعدل والإِحسان في أمته بعد وفاته، فجزاكما الله عن ذلك بمرافقته في جنته وإِيانا معكم برحمته 1. قال جمال الدين المطري: إِن كان الوقت مُتَّسِعًا فمن أحسن السلام أن تقول: الصلاة والسلام 2 عليك يا من سفرت لوامع مجده، الصلاة والسلام عليك يا من همرت هوامع رفده، الصلاة والسلام عليك يا من ظهرت أنوار علائه، الصلاة والسلام عليك يا من بهرت أنوار أسنائه، الصلاة والسلام عليك يا نتيجة الشرف الباذخ، الصلاة والسلام عليك يا سلالة المجد الراسخ، الصلاة والسلام عليك يا جوهرة الشرف الأعلى، الصلاة والسلام عليك يا واسطة العقد المحلَّى، الصلاة والسلام عليك يا إِمام الأنبياء، الصلاة والسلام عليك يا صفوة الأصفياء، الصلاة والسلام عليك يا معنى الجود، الصلاة والسلام عليك يا منبع الكرم والجود، الصلاة والسلام عليك يا ذا المحامد، الصلاة والسلام عليك يا أبا القاسم، الصلاة والسلام عليك يا من عظمت هباته، الصلاة والسلام عليك يا من بهرت آياته، الصلاة والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أقر عيني برؤيتك، وأحلني بشريف

روضتك، وقضى لي أن أفوز بحضرتك، وأحرز سابق السعادة بحلول بلدتك.
وقال بعضهم: وصفة السلام أن يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنك قد بلغت 1 الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده، وعبدت ربك حتى أتاك اليقين، وأنزل عليك كتابه النور المبين، وجمع لك فيه علم الأولين والآخرين، ووصفك فيه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 2 وقال عز من قائل وقوله الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ 3. وإِني يا رسول الله قد ظلمت نفسي وجئت مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إِلى ربِّي، راجيًا منه المغفرة بشفاعتك، والممات على ملتك وشريعتك ومحبتك والنجاةَ من النار والفوزَ بالجنة والسلامةَ من كلِّ هول دونها، والمغفرةَ لوالدي 4 وأولادي وأهلي وأئمتنا وإِخواننا ومن سبقنا بالإِيمان مغفرة عزمًا، وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم

والأموات، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد 1 كما صليت على إِبراهيم وبارك على سيدنا محمد وآل محمد كما باركت على إِبراهيم في العالمين إِنك حميد مجيد 2، اللهم وَأجزِهِ عنا أفضل ما جازيت نبيًّا عن أمته، ورسولًا عن قومه، ولا تجعله آخر العهد به، وانفعنا بمحبته والوقوف ببابه ولا تصرفني إِلا بالفوز بالمغفرة وقضاء الطلبة.
وتدعو بما تحب من خير الدنيا والآخرة، ثم تتيامن قليلًا نحو ذراع فتسلم على سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه فتقول: السلام عليك يا صاحب رسول الله، السلام عليك يا خليفة رسول الله السلام عليك يا سيدي أبا بكر الصديق، أشهد أنك أخلصت في صحبتك، ونصحت في خلافتك، وعدلت في رعيتك، فرضي الله عنك وجزاك عن المسلمين أفضل ما جزى به الأئمة المقسطين، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، نفعنا الله بمحبتك، وحشرنا في زمرتك مع سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم تتيامن قليلًا نحو ذراع فتسلم على أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتقول.
السلام عليك يا أبا حفص الفاروق، السلام عليك يا صاحب رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين، لقد أخلصت في صحبتك ونصحتَ في

خلافتك وعدلت في رعيتك، فرضي الله تعالى عنك، وجزاك عن المسلمين أفضل ما جزى به الأئمة المقسطين، اللهم ارض عن أصحاب رسول الله أجمعين، وعن أهل بيته وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وصل وسلم عليهم أجمعين، وانفعنا بمحبتهم، واحشرنا في زمرتهم، ولا تخالف بنا عن طريقهم، بفضلك ورحمتك ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 1 ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ 2 والحمد لله رب العالمين.
وفي مختصر الواضحة قال ابن حبيب: واجعل أكثر شغلك ما كنت بالمدينة الوقوفَ بالقبر والسلام على من فيه، كلما دخلت المسجد وخرجت منه، وأكثر من الصلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل والنهار المكتوبة والنافلة، ما أقمت بالمدينة لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ من ألف صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ" وقد تقدم الحديث بطوله أول الباب 3. ومن أحسن ما تقوله في آخر سلامك: صلى الله عليك في الأولين والآخرين أفضل وأطيب وأزكى وأكمل ما صلى على أحد من خلقه، كما أنقذنا بك من الضلالة، وبصرنا بك من العماية، وهدانا بك من الجهالة، أشهد أن لا إِله إِلا الله وأشهد أنك عبده

ورسوله وأمينه وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة، كما تقدم.
ثم تقول: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وآته الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقامًا محمودًا كما وعدته وأسعدنا بزيارته، وأدخلنا في شفاعته يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

تنبيه 1: فإِن كان أحد أوصاه بالسلام، قال: السلام عليك يا رسول الله من فلان، ويدعو له كما تقدم، فقد روي أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - كان يوصي بذلك 2. وفي الشفا للقاضي عياض: إِنَّه كان يُبْرِدُ البريد من الشام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - 3.

قال القاضي بدر الدين بن جماعة: ثم ترجع إِلى موقفك الأول قبالة وجهه - صلى الله عليه وسلم - بعد السلام على الأئمة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فتحمد الله وتمجده وتصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وتتوسل به وتشفع به في حق نفسك ووالديك وأولادك ومن أحببت 1. وينبغي أن تنشد هناك قول الأعرابي 2: = ويذكر نور الدين القاري أن قائل ذلك هو حاتم بن وردان كما رواه البيهقي في شعب الإِيمان.
وقال السبكي: "استفاض عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كان يبرد البريد من الشام، يقول: "سلم لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" وذكر جماعة ممن رووا ذلك؛ انظر (شفاء السقام: 55 - 56) وانظر (القرى 583).

[البسيط] يا خير من دُفنت في القاع أعظُمُه... فطاب مِنْ طيبهن القاع والأكم نفسي الفداءُ لقبر أنت ساكنه... فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكرمُ قال ابن عساكر: ثم تتقدم إِلى الصندوق قبالة رأسه الكريم، فتقف يمين الصندوق، وبين الأسطوانة التي من غربيه وتستقبل القبلة بحيث يكون الصندوق عن يسارك والأسطوانة عن يمينك واقفًا في الروضة.
قال: وتسمى الإِسطوانة التي عن يمينك أسطوانة التوبة؛ وهذا موافق لما نقله مالك في العتبية.
وقال بعضهم: هي التي تليها في الروضة.
ومالك رحمه الله إِمام دار الهجرة وهو أعلم بذلك من أهل السير.
واختلف أصحابنا في محل الوقوف للدعاء، ففي الشفاء قال مالك في رواية ابن وهب: إِذا سلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - يقف للدعاء ووجهه إِلى القبر الشريف لا إِلى القبلة 1. = (الأحكام السلطانية للماوردي: 109، الإيضاح للنووي 159 - 160، رحلة القلصادي: 145، القرى: 581 وفيه قال الطبري: أخرجه أبو أحمد بن عساكر - مثير الغرام: 233، المجموع: 8/ 274، المغني: 3/ 557) وهذه الرواية مخالفة لرأي مالك أنه يمضي بعد السلام، وردها المانعون للزيارة بضعف سندها وعدم احتجاج مالك بالآية المذكورة فيها.

وقد سأل الخليفة المنصور مالكًا - رحمه الله - فقال: يا أبا عبد الله أأستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه الصلاة والسلام إِلى الله يوم القيامة؟ 1. وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند القبر يدعو، ولكن يسلم ويمضي.
ولعل ذلك ليس اختلاف قول، وإِنما أمر المنصور بذلك لأن يعلم بما يدعو ويعلم آداب الدعاء بين يديه - صلى الله عليه وسلم -، فأمِنَ عليه من سوء الأدب فأفتاه بذلك، وَأفتَى العامةَ أن يُسلِّموا وينصرفوا، لئلا يدعوا تلقاء وجهه الكريم ويتوسلوا به في حضرته إِلى الله العظيم، فيما لا ينبغي الدعاء وفيمَا يكره أو يحرم، فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة وأكثرهم لا يقوم بآداب الدعاء ولا يعرفها 2، وقد = ورواية ابن وهب عن مالك هذه يعارضها قوله في كتاب المبسوط للقاضي إِسماعيل البغدادي بعدم الوقوف عند القبر للدعاء وبالمضي بعد السلام مباشرة وسيأتي قوله هذا وشيكًا وهذا ما درج عليه ابن قدامة في (المغني: 3/ 558).

ذكرها القاضي عياض 1، وذكرنا منها في آخر الدعاء يوم عرفة 2 طرفًا، فلذلك أمرهم بالسلام والانصراف.
ويظهر لك من ها هنا أمر مالك 3 أيضًا أن لا يطول السلام عنده ولا الوقوف بين يديه - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عساكر: والذي بلغنا عن ابن عمر- رضي الله عنهما - وغيره من السلف الأولين الاختصار والإِيجاز في السلام جدًّا.
فعن مالك إِمام أهل المدينة - وناهيك به خبرة بهذا الشأن - أنه قال في رواية ابن وهب عنه: يقول المُسَلِّم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقد تقدم ذلك 4. وقال ابن حبيب في الواضحة بعد ذكر السلام: ثم تتحاشى عن القبر وتستقبل القبلة فتدعو لنفسك ومن أردت بما استطعت من خيري الدارين، ثم اركع على إِثر ذلك ركعتين أو ما بدا لك.
ويستحب للزائر الإِكثار من الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحضرته الشريفة حيث يسمعه ويرد عليه.

قال ابن عساكر: وروينا عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ صَلَّى عليَّ عند قَبْرِي سمعتُه، ومنْ صلَّى عليَّ نائيًا أُبلغتُه" 1 - صلى الله عليه وسلم -. وذكر أيضًا بسنده أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صلى علي عند قبري وكل الله عز وجل بها ملكًا يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدًا أو شفيعًا" 2.

مسألة: والصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - كالصلاة والسلام عليه في الصلاة في

التشهد الأخير، والأحاديث الواردة في روايات الصلاة مشهورة، وقد تقدم ذكر طبقة منها (1) في السلام عليه - صلى الله عليه وسلم -.

تنبيهات: [تتعلق ببعض البدع]

الأول: قال في التحفة: وليس من السنة أن يمس جدار القبر بيده، ولا يقبله، ولا يقبل الصندوق، ويبعد عن ذلك كله، ويقف في موقف الزائر كما تقدم بيانه 2 وهذا يقتضي المنع جملة، وهو ظاهر كلام الجميع 3. وعن نافع ان ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يكره أنْ يكثر من مسِّ قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، رواه ابن عساكر بسنده.
وهذا تقييد لما تقدم، وهو عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في القبر نفسه.
فالجدار الظاهر أخف إِذا لم يكثر مسه، وهذا يدل عن قرب موقف الزائر، ويفسر معنى الدنو الذي أمر به مالك - رحمه الله تعالى -. الثاني: لا يدور بحجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - 4. وأطلق النووي على ذلك: أنه لا يجوز 5.1

جارٍ التحميل