إرشاد السالك إلى أفعال المناسكالباب السادس: في صفة العُمْرة المفردة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب السادس: في صفة العُمْرة المفردة

[حكم العمرة]

قال مالك رحمه الله: العُمْرَةُ سنَّةٌ، ولا نعلمُ أحدًا من المسلمين أرخص في تركها.
يريد: أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ 1 وليست بفرض كالحج 2. وقال ابن حبيب وأبو بكر بن الجهم: هي فرض كالحج 3.

الجزء: 2 - الصفحة: 499

وبه قال الشافعي (1) وجماعة من أهل المدينة.
فمن أراد العمرة عمل في غسله وإِحرامه وتلبيته وغير ذلك من اجتناب ما يجتنبه المحرم بالحج، كما يعمل الحاج.

فرع

: قال ابن المواز: فإِن أحرم بالعمرة 5 من الميقات قطع التلبية إِذا دخل أوائل4 = ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].
أما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فإِنما هو أمر بالإِتمام لما دخل فيه، فلا متعلق لأحد بإِيجاب العمرة في هذه الآية، وإِنما هي سنة.
(المقدمات: 1/ 304). وانظر (بداية المجتهد: 1/ 257، طريق الرشد: 1/ 223 - 224، أرقام 692 - 698، القبس: 2/ 560 - 561، المحرر الوجيز: 2/ 109، المنتقى: 2/ 253).

الجزء: 2 - الصفحة: 500

الحرم؛ لأن زمانَه قد طال في التلبية، وإِن أحرم بها من الجعرّانة قطع التلبية إِذا دخل بيوتَ مكة، وإِن أحرم بها من أدنى الحِلِّ، وهو التنعيم، قطعها إِذا رأى البيت أو دخل المسجد، وهو الذي ذكره ابن الجلاب (1). وساوى في المدونة وغيرها بين التنعيم والجِعِرَّانَة (2). ثم لا يعاود التلبية بعد دخوله، ثم يطوف ويركع في غير الحجر والبيت، ويسعى كما يفعله الحاج، ثم يحلق (3) * أو يقصر، وقد كملت عمرته بذلك (4).

فرع

: قال ابن القاسم: قال مالك: ولا بأس أن يلبي الحاج بين الصفا 10 والمروة،6789 = "إِنما صح إِنشاء الحج من مكة ولا يصح إِنشاء العمرة منها؛ لأن كل واحد من النسكين لا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم، وذلك حاصل في الحج بخروجه إِلى عرفة وهو حل ولا كذلك العمرة، فلا بد إِن أراد إِنشاءها من الخروج إِلى الحل" (عدة البروق: 127 - الفرق: 187).

الجزء: 2 - الصفحة: 501

وأما المعتمر فلا، سواء أحرم من ميقاته أو من التنعيم، ولا يلبي في الطواف ولا السعي.

فرع

: فمن كان معه هدي فمِنْ حُكْمِهِ 11 أنْ يسوقَهُ من الحل إِلى الحرم وينحره بمكة، وكل فجاج مكة وطرقها منحر لهذا الهدي، وأفْضَلُ ذلك المَرْوُة.
ومن كان معه هدي أخر الحلاق والتقصير حتى ينحر هديه؛ ثم يحل له ما حرم عليه في الإِحرام.

فرع: فإِن تطيَّبَ المعتمرُ أو لبس بعد السعي والنحر وقبل الحلاق، فلا شيء عليه ويكره له.

مسألة: فإِنْ جَامَع بعد السعْيِ وقبْلَ الحِلاق، فعليه هديٌ وعمرتُه تامَّةٌ على المشهور.
وروي عن مالك: أنها تفسد ويجب قضاؤها مع الهدي.
وعلى هذا القول يكون الحلق ركنًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 502

وإِن جامعَ قبل الركوع فسدت عمرته، ووجب عليه القضاء والهدي، وكذا قبل السعي؛ لأنه ركْنٌ كالطواف.

فرع: [متى تكره العمرة].

لم يكن مالك - رحمه الله - يكره العمرة في شيء من أيام السنة كلها إِلا لأهل مِنى الحُجَّاج، فكان يكره لهم 12 أن يعتمروا في يوم النحر وأيام التشريق، حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق 13، وهو الرابع من يوم النحر، وهذه الكراهة للحاج على المنع 14، فإِن أحرموا في آخر أيام التشريق قبل أن تغرب الشمس بعد الرمي والإِفاضة لزمهم الإِحرام، وسواء في ذلك منْ تعَجَّل في يومين أو تأخر، قاله ابنُ المَوَّاز.
ولا يعمل منْ عَمَلِ العمرة شيئًا حتى تغيبَ الشمسُ، وما عمل من ذلك فعمله باطل، وهو على إِحرامه.
فإِن وطئ بعده 15 أفسد عمرته، ووجب عليه قضاؤها بعد تمامها وأهدى.
وقال ابن القاسم: إِن أحرم المتعجل بالعمرة لم ينعقد إِحرامه.

الجزء: 2 - الصفحة: 503

فرع

: وقال ابن حبيب: تُكرهُ العمرة في شوال وذي القعدة وعشر من 16 ذي الحجة لمن أراد أن يقيم بمكة حتى يحج من فوره ذلك، وقد نهى عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكر الأثر في ذلك في مختصر الواضحة.

فرع: وأما غيرُ الحاج فلا تكره له العمرة في أيَّامِ مِنى، وإِن كان يحل منها قبل انقضاء أيام التشريق في أي بلد كان.
وهل له أن يعتمر يوم النحر؟ فحكى القاضي أبو محمد على قواعد المذهب أنه ليس له ذلك؛ لأن يومَ النحرِ يوم الحج الأكبر، ويحتمل أن يكون حكم يوم النحر في ذلك حكم أيام التشريق.

فرع: قال مالك: لا أرى لأحدٍ أن يعتمرَ في السنةِ مرارًا 17 وقد تقدم ذلك 18. وأجاز ذلك مطرف وابن المواز 19.

الجزء: 2 - الصفحة: 504

فرع

: وليس على المعتمر طوافُ قدوم، وإنما عليه طواف العمرة، وكذا من أحرم بالحج من مكة مفردًا كان أو قارنًا.

فرع: [أفضل شهور السنة للعمرة]

قال ابن حبيب: أفضل شهور السنة للعمرة رجب * ورمضان، وقد جاء أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" وقد تقدم ذلك في فضل العمرة 20. واعتمر - صلى الله عليه وسلم - أربع عمر 21 إِحداهن في رجب 22، نقله ابن الحاج.
وكوْنُ = فلم يكره تكرارها في عام واحد كصوم النفل.
أما دليل مالك فهو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إِنما اعتمر مرة في العام، وأفعاله عليه السلام على الوجوب أو الندب، ومن جهة القياس أن هذا نسك له إِحرام وتحلل، فكان من سنته أن يكون مرة في السنة كالحج (المنتقى: 2/ 235 - 236).

الجزء: 2 - الصفحة: 505

إِحداهن في رجب شاذ (1).

فرع: [حيض المعتمرة]

: فإِذا حاضت المعتمرةُ قبلَ أن تطوف وتسعى وقد قاربها وقت الحج وتخاف فواته فإِنها تُحْرِم بالحج وتكون كمن قرن الحج والعمرة، وعليها طواف واحد وسعي واحد وهدي.23
= وعن عروة ابن الزبير أن عمرته الواحدة في شوال، وعن ابن عمر أنه اعتمر في رجب.
وقد ردت عائشة ذلك.
ومن قال: إِنه - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع كان متمتعًا أو قارنًا قال: إِنه اعتمر أربع عمر.
(المقدمات: 1/ 304 - 305). وانظر (مختصر سنن أبي داود وتهذيب ابن القيم: 2/ 423).

الجزء: 2 - الصفحة: 506

قال مالك: عليها أن تعتمر عمرة واحدة أخرى إِذا حلت أحب إِلي كما فعلت عائشة 24 رضي الله عنها، وإن اقتصرت على قرانها أجزأها عن حجها وعمرتها 25. وإِن حاضت بعد أن طافت وصلَّتْ الركعتين فإِنها تسعى وتتم عمرتها، ولو قدمِتْ هذه المعتمرةُ مكة ثم حاضت، والوقتُ واسعٌ لا تخشَى الفوات فإِنها تنتظر حتى تطهر وتطوف وتسعى، وتحلّ من عمرها.
فإِن طافت وسَعَتْ في أشهر الحج، ثم أحرمت بالحج من عامها 26 كانت متمتعة، وعليها الهدي للعمرة تنحره بمنى.

الجزء: 2 - الصفحة: 507

فصول الكتاب · 48 فصل
فصول إرشاد السالك إلى أفعال المناسك
المقدمةمقدمة الطبعة الثانيةمقدمة الكتابالباب الأول: في الترغيب في الحج وفضلهباب ما جاء في فضل العمرةالباب الثاني: في بيان آداب سفر الحج وفيه فصولالباب الثالث: في أحكام الحج وصفتِه وأركانِهالباب الرابع: في التمتعالباب الخامس: في صفة القرآنالباب السادس: في صفة العُمْرة المفردةالباب السابع: في حج الصبي والمرأة والعبد والكافر يسلمالباب الثامن: فيما شُرع للحاج فعله، فإذا تركه تمَّ حجه ووجب عليه الدمالباب التاسع: في محظورات الحجالباب العاشر: في فضائل الحج، وما ندب إلى الإتيان به وإن لم يكن في تركه (1) دمالباب الحادي عشر: في بيان الفدية وأنواعهاالباب الثاني عشر: فيما يُكره للمحرم فعله فإن فعله أطعم شيئًا من طعامالباب الثالث عشر: فيما يكره للمحرم فعله، فإن فعله فلا شيء عليهالباب الرابع عشر: في حكم اصطياد المحرم وجزاء الصيدالباب الخامس عشر: في أحكام الهدي ودماء الحج (*) وذكر أيام الحج, والشعائر في الحجالباب السادس عشر: في نكاح المحرم وحكم الوطء ومقدماتهالباب السابع عشر: في موانع الحج وفوات الوقوف بالإحصار أو بالمرض أو بخطإ الطريقالباب الثامن عشر: في النيابة في الحج والإجارة عليهالباب التاسع عشر: في ذكر حرم مكة شرفها الله تعالى وذكر حرم المدينة النبوية شرفها الله تعالى وحكم الاصطياد في حرميهما وقطع الشجر منهماالباب العشرون: في ذكر آثار شريفة بمكة ينبغي أن تقصد للتبرك (*) بهاردشنمنأددرشسشععفككللممنن
جارٍ التحميل