إرشاد السالك إلى أفعال المناسكصفحات 167-206

الباب الثاني: في بيان آداب سفر الحج وفيه فصول

صفحات 167-206

:

الفصل الأول: في الاستخارة في سفر الحج

إِذا عزم على السفر صلى ركعتين ينوي بهما الاستخارة 1، ويستحب أن يقرأ في الأولى بقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بقل هو الله أحد، فإِذا سلم صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: استخارة (على وزن استفعال من الخير ضد الشر)، والمعنى: طلب الخيرة في شيء (النهاية لابن الأثير: 2/ 91: خير).

اللَّهُمَّ إِنِّي أستَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ واستَقْدِرُكَ بقدرتك، وأسألُك من فضلك العظيم، فإِنَّكَ تقدِرُ ولَا أقْدِر وتعلم ولا أعلم وأنت علّام الغيوب، اللهمّ إِن كنت تعلم أن لي في سَفَرِي هَذا في هذا الوقت خيرًا لي في ديني ودنيايَ، ومعاشي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي، ويسره في وبارك لي فيه، وإن كنتَ تَعْلَمُ أنَّ لِي في سفري هذا في هذا الوقت شرًّا لي في ديني ودُنياي ومَعَاشي وعَاجِلِ أمري وآجله، فاصْرِفْهُ عنِّي واصرفْنِي عنه، واقدُرْ لي الخير حيث كان، ثم رضِّنِي به، يا أرْحَمَ الراحمين.

الفصل الثاني: فيما يجوز صرفه من المال في الحج

قال ابن معلى السبتي في منسكه: قال العلماء: يجب على مريد الحج أن يحرص على أن تكون نفقته حلالًا لا شبهة فيها، فإِن الله تبارك وتعالى لا يقبل إِلا طيبًا.
وقال ابن عطاء الله 1 في منسكه: وإِنما أُتِيَ على كثير من الناس، في عدم قبول عباداتهم وعدم استجابة دعواتهم، لعدم تصفية أقواتهم عن الحرام والشبهات 2.

مسألة

: وقال سَنَد بن عِنَان 1 المالكي في كتابه الطَّرَازِ 2: إِذا حج بمال مغصوب ضمنه وأجزاه حجه، وهو قول الجمهور 3. وعن الإِمام أحمد بن حنبل: أنه لا يجزئه وحجه باطل 4.

وقال التَّادلي 1 في منسكه وفي شرح الرسالة لعبد الصادق ونقله من كتاب جمل من أصول العلم لابن رشد 2 قال: وسألته: عمن حج بمال حرام أترى ذلك مجزيًا عنه ويغرم المال لأصحابه؟ قال: أما في مذهبنا فلا يجزئه ذلك، وأما في قول الشافعي: فذلك جائز ويرد المال ويطيب له حجه 3؛ وقول الشافعي هذا أقرب إِلى مذهب مالك

ابن أنس (1).

فرع

: فإِذا قلنا بالإِجزاء، فقد أشار جماعة من العلماء المالكية والشافعية إِلى عدم القبول، منهم: القرافي 2 والقرطبي من أصحابنا والغزالي والنووي 3 من الشافعية.1

قلت: ورأيت في بعض الكتب، ولم يحضرني الآن، عن مالك - رحمه الله - عدم الإِجزاء، وأنه وقف في المسجد الحرام في الحاج (1). ونادى: يا أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، من حج بمال حرام فليس له حج، أو كلام هذا معناه (2).

تنبيه

: قال التادلي: وجدت بخط الشيخ الفقيه الصالح أبي إِسحاق إِبراهيم بن يحيى المعروف بابن الأمين القرطبي 3، من تلامذة ابن رشد، على ظهر شرحه لكتاب الموطإِ، ما نصه: قال أحمد بن خالد 4. قال ابن وضاح: يستحب لمن حج بمال فيه شبهة شيء أن ينفقه في سفره وما يريد من حوائجه، ويتحرَّى12

أطيب ما يجد فينفقه من حين يحرم بالحج فيما يأكل ويلبس من ثياب إِحرامه وشبه هذا.
ورأيته يستحب هذا ويعجبه 1 أن يعمل به، وذكره عن بعض السلف 2. ومن هذا المعنى ما نقله ابن المعلى عن الغزالي - رحمه الله - أن من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيِّب، فإِن لم يقدر فمن وقت الإِحرام إِلى التحلل، فإِن لم يقدر فليجتهد يومَ عرفة 3، فإِن لم يقدر فليلزِمْ قلبه مما هو مضطر إِليه من تناول ما ليس بطيب، فعساه سبحانه أن ينظر إِليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهيته 4.

مسألة

: ونقل ابن الحاج عن كتاب ابن المواز 1 والعتبية 2 قال ابن القاسم: قال مالك - رحمه الله -: لا بأس أن يحج بثمن ولد الزنى.

الفصل الثالث: فيما يفعله عند إرادة الخروج إلى الحج من منزله

قال عز الدين بن جماعة في منسكه عن بعض العلماء: إِنه يُستحب أن يتصدق بشيء عند سفره وأن يصل رحمه بما أمكن 1. قال النووي: وإِذا أراد الخروج من منزله صلى ركعتين، لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما خلف أحدٌ عند أهْله أفْضل من ركْعتين يْركعُهُما عنْدهُمْ حين يُريدُ سفرًا" رواه الطبراني 2.

وقال بعض الشافعية: إِنه يستحب أن يقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية قل هو الله أحد 1. وقال النووي: ويستحب أن يقرأ بعد سلامه آية الكرسي ولإِيلاف قريش لآثار فيها عن بعض السلف 2. ومن الآثار: أن من قرأ آية الكرسي قبل خروجه من منزله لم يصبه شيء يكرهه حتى يرجع 3. واستحب بعضهم أن يقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ 4. قال: فإِذا فرغ من هذه القراءة يستحب له أن يدعو بإِخلاص ونيه.
ومن أحسن ما يقول: "اللَّهُمَّ بك أسْتَعِينُ وعليك أتَوَكَّلُ، اللَّهُمَّ ذلِّلْ لي صعوبةَ أمرِي وسهِّلْ = وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال، وعثمان ضعيف ما احتج به البخاري.
(التلخيص: 1/ 446).

علَيَّ مشقَّةَ سَفَري، وارزُقْنِي من الخيْرِ أكْثَر ممَّا أطْلُب، واصرف عنّي كل شرّ، ربّ اشرح لي صدري ونوّر قلبي ويسّر لي أمري، اللهمّ إِنّي أستحفظك وأستودعك نفسي وديني وأهلي وأقاربي، وكل ما أنعمتَ به عليّ وعليهم من آخرة ودنيا، فاحفظنا أجمعين من كل سوء يا كريم" 1. ويفتتح دعاءه ويختتمه بالتحميد لله تعالى.
والصلاة على سيّدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2. ورُوي أيضًا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا أراد أن يخرج إِلى سفر قال: "اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إِنِّي أعُوذ بك من الضيعَةِ في السَّفَر، والكآبةِ في المُنْقَلَب، اللهمّ اقبض لنا الأمرض وهوِّنْ علينا السفر" 3. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ أراد سفَرًا

فليقل لمن يخلف: أستوْدِعُكُم الله الذِي لا يُضَيِّعُ وَدَائِعَه" 1. رواه ابن السِّنِّي.
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: لم يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفرًا إِلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهمّ بك انتشرتُ، وإِليك توجَّهْتُ، وبك اعتَصَمْتُ، أنت ثقتِي ورجائي، اللهمّ اكْفِنِي مَا أهَمَّنِي وَمَا لَا أهْتَمُّ به، ومَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ منِّي، اللهُمّ زَوَّدْنِي التقْوَى واغْفِرْ لِي ذَنْبِي، ووَجِّهْنِي إِلَى الخَيْرِ حيْثُما تَوَجَّهْتُ" 2. فإِذا خرج من منزله وودع أهله فليقل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك 3.

وهو ما روته أم سلمة 1 - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إِذا خرج من بيته قال: "بسم الله، توكلت على الله، اللهمّ إِنّا نعوذ بك من أن نزلّ أو نضلَّ، أو نَظلم أو نجهَل أو يُجهَل علينا" 2. رواه الأربعة.
وما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِذَا خَرجَ الرَّجُلُ منْ بيتِهِ فقال: بسم الله، توكَّلْتُ على الله، لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا بالله،

قال: يقالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وكُفِيتَ ووُقِيتَ 1، فَيَتَنَحَّى له الشيْطانُ، قال: فيقول له شيْطانٌ آخَر: كيف لكَ برجُلٍ قد هُدِيَ وكُفَي ووُقَي".
رواه أبو داود 2 والترمذي 3 والنسائي وابن حبان وابن ماجه 4. وما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قالَ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا خرج من منزله يقول: "بسم الله لَا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بالله العَليِّ العَظيمِ، التكْلَانُ عَلَى الله" 5، رواه الحاكم.

ثم يقصد أقاربه وأصدقاءه فيودعهم ويسْتَحِل منهم، ويسألهم الدعاء.
قال النووي: فقد روي أن الله تعالى جاعل له في دعائهم خيرًا.
= (السنن: 2/ 1278 رقم 3885، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إِذا خرج من بيته).
ونقل محمد فؤاد عبد الباقي عن الزوائد أن في إِسناده عبد الله بن حسين، ضعفه أبو زرعة والبخاري وابن حبان.

تنبيه: فإِن كان في مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - فليجعل آخر عهده بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - 1 والابتهال عنده والاستمداد فيما يقصده من خيري الدارين، وإن كان في غير المدينة وفي بلده من تُرجى بركتُه، فليقصده ويسأله الدعاء.
وينبغي لقرابة المسافر وأصدقائه أن يُشَيِّعُوه.
وكذلك إِن كان المسافر رجلًا عالمًا أو من الصالحين أن يُشَيَّعَ عند خروجه بالمشي معه والدعاء له.
ويدل على مَشْرُوعية ذلك ذكرُ ثَنِيَّات الوداع.
قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: هذا الموضع بالمدينة سُمِّي بذلك لأن الحاج من المدينة يُودِّع بها مشيّعه.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودع فيها بعض المسلمين.

فائدة: وثنيات الوداع: خارج المدينة النبوية في طريق الركب الشامي 2 قريبًا من قبر النفس الزكية 3، وهي كذا على يمين الذاهب إِلى طريق الشام، وعلى

يسار الطريق متصل بجبل سَلْع 1 وهو موضع مشهور.
قال القاضي عياض في "المدارك" 2: ولما انصرف عيسى بن دينار 3 من عند ابن القاسم 4 شيّعه ثلاثة فراسخ، وهي تسعة أميال.

فرع: وصفة الموادعة على ما رواه الترمذي 1 والنسائي 2 وابن خزيمة 3 أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يقول للرجل إِذا أراد سفرًا: ادن منِّي أودعك، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يودعنا فيقول: "أسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وأمَانَتَكَ وخوَاتِيمَ عمَلِكَ".
وفي كتاب ابن السني عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ودع غلامًا فقال له: "زَوَّدَكَ الله التَّقْوَى 4 وَوَجَّهَكَ فِي الخَيْرِ وَكَفَاكَ الهَمَّ".
ويستحب أن يقول 5 للمسافر إِذا ولّى: "اللَّهمّ اطو له البَعِيدَ، وهَوِّنْ عليه السَّفرَ"، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المروي في ذلك 6.

فصل: فيما جاء في المصافحة والمعانقة وتقبيل الرأس واليد وغيرهما والسلام عند الانصراف

ولم أقف على مشروعية المصافحة عند الوداع بخلاف القدوم، والظاهر الجواز؛ لأن المصافحة جائزة بل مستحَبَّةٌ، كلما لقي الرجل أخاه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تَصَافَحُوا يذْهَبِ الغِلُّ" 1 وكرهها مالك في حكاية أشهب 2. حكاه ابن

شاس 1 وغيره.
قال 2 ابن يونس 3، وسئل مالك عن المصافحة؟ فقال: إِن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فلا أفعله 4. وروي عن مالك في المصافحة غير هذا، وأنه صافح سفيان بن عيينة 5

وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجعفر رضي الله عنه 1، حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: ذلك خاص بجعفر، ورآه سفيان عامًا 2. وأجاز مالك في رسالته 3 لهارون الرشيد 4 أن يعانق قريبه، إِذا قدم من سفره 5. = (تاريخ بغداد: 9/ 174، تهذيب التهذيب: 4/ 117 رقم 205، العقد الثمين: 4/ 591، مشاهير علماء الأمصار: 149 رقم 1181، وفيات الأعيان: 2/ 391 رقم 267).

وقيل: إِن هذه الرسالة لم تثبت لمالك 1. قال الشارمساحي 2: وفي المصافحة عن مالك ثلاث روايات: إِحداها: أنها مكروهة دون كراهة المعانقة، والأخرى: جوازها.
والثالثة: استحبابها، وهو مقتضى مذهبه في الموطإِ بإِدخاله حديث الأمر بها 3.

ونقل القاضي عياض في "المدارك" قال مصعب (1): لما قدم أمير المؤمنين المهدي (2) المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك انحرف المهدي إِليه، فعانقه وسلم عليه (3).

تنبيه

: وفي تلقِّي مالكٍ وأشراف المدينة المهديَّ على أميال دليل على أن العمل عندهم على ذلك، وأنه لا بأس بذلك لأهل الفضل.
وكره مالك معانقةَ الرجلِ الرجلَ، وتلا قوله تعالى 4: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ 5. وأمَّا تقبيل اليد والرأس وغيرهما فقال ابن يونس: سُئل مالك - رحمه123

الله - عن الرجل يُقبل يدَ الوالي أو رأسَه، أو المولى يفعل ذلك بسيده 1؟ فقال: ليس ذلك من عمل الناس هو من عمل الأعاجم 2. وأرخص لابنه القادم من سفر أن يتلقاه ويقبله.
قال: ولا ينبغي إِن قدم من سفر أن تعانقه أم زوجته.
قيل: فتقبيل رأس أبيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا 3. وسئل في رواية أخرى: هل يقبل يد أبيه 4 أو عمه؟ قال: لا أرى أن يفعل، وإِن من العبرة أن من مضى لم يكن يفعل ذلك 5. وقيل: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - إِذا قدم من سفر قبّل ابنَه سالمًا 6، وقال: شيخ يقبل شيخًا 7.

وقيل لمالك: أرأيت من قدم من سفر فتلقاه ابنته أو أخته فتقبله؟ قال: لا بأس بذلك.
وقال أيضًا: لا بأس أن يقبل خدّ ابنته 1. قيل: أفترى أن تُقَبِّله خَتَنَتُه 2 أو تعتنقه وهي متجالة؟ 3 فكره ذلك 4.

الفصل الرابع: فيما يقال عند الركوب والنزول ودخول القرى

فإِذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فإِذا استوى على ظهر دابته فليقل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ 1. ثم يقولُ: الحمد لله، ثلاث مرات، ثم يكبر، ثلاث مرات، ثم يقول: سبحانك إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، فإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنْتَ.
لحديث علي - رضي الله عنه - في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه أبو داود 2 والترمذي 3. وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إِذا استوى

على بعيره - خارجًا إِلى سفر - يكبِّرُ ثلاثًا ثم قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللهمّ إِنَّا نَسألُكَ في سَفَرِنَا هذا البِرَّ والتَّقْوَى ومن العمَلِ مَا تَرْضَى.
اللهمّ هوِّنْ 1 علَيْنَا سَفَرنَا هذا، واطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهمّ أنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ والخليفةُ في الأهْلِ.
اللهمّ إِنِّي أعُوذُ بكَ من وَعْثَاءِ السَّفرِ 2 وكآبَةِ المنظر وسوءِ المنقلَبِ في المال والأهْلِ والوَلَدِ 3 "، وإِذا رجع قالهنّ وزاد فيهنّ: "آيِبُونَ تَائِبُون عَابدُون لربِّنَا حَامِدُون".
رواه مسلم 4. وفي رواية له: وكآبة المنقلب وسوء المنظر 5. وإِن كان في سفينة قال عند ركوبها: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي

لَغَفُورٌ رحِيمٌ} 1، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 2 لمَا رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ذلك لأمَّتِي أمَانٌ مِنَ الغَرَق" رواه ابن السنّي 3. ويقول أيضًا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، إِذا ركب السفينة، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا﴾ 4، الآية.
فهي صريحة في استعمال هذا الذكر في السفينة والبعير.
ومنها: التكبير، إِذا صعد الثنايا وشبهها، والتسبيح إِذا هبط الأودية، وذلك مروي في البخاري 5 وفي

مسلم 1 نحوه، غير أنه لم يذكر التسبيح وذكر عوض التسبيح التهليل والتكبير.
ومنها: إِذا نزل منزلًا فليقل: أعوذ بكلمات الله التَّامّات منْ شرِّ ما خلق، فإِنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله، رواه مالك في الموطإِ 2، وخرجه = الحلبي، مصر).
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: "كنا إِذا صعدنا كبرنا وإِذا نزلنا سبحنا".
(صحيح البخاري: 4/ 69، الجهاد، باب التسبيح إِذا هبط واديًا).

مسلم 1 والترمذي 2 عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومنها: أنه يكره النزول في قارعة الطريق لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فإِنها طريق الدواب ومأوى الهوام بالليل، رواه مسلم 3. ومنها: أنه ينبغي إذا نزل منزلًا أن يودِّعه بركعتين، لحديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لَا ينزلُ منزلًا إِلَّا ودَّعَهُ بركْعَتَيْن.
رواه الحاكم وصححه 4. ومنها: إِذا أقبل الليلُ فليقل ما روي في سنن أبي داود وغيره عن

عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سَافَرَ فَأقْبَلَ اللَّيْلُ قال: "يا أرْضُ: ربّي وربُّك الله، أعوذُ بالله من شَرِّك وشرِّ مَا فِيك وشَرِّ ما خُلق فيك وشرِّ ما يَدِبُّ علَيْك، أعوذُ بكَ من أسَد رأسْوَدَ، ومن الحيَّةِ والعَقْرَب، ومن سَاكِنِ البَلَدِ ومنْ وَالِدٍ ومَا وَلَد" 1. قال الخطابي 2: ساكن البلد: هم الجن الذين هم سكان الأرض، والبلد

من الأرض ما كان مأوى لحيوان، وإِن لم يكن فيه بناء ومنازل.
قال: ويحتمل أن المراد بالوالد إِبليس، وما ولد: الشياطين 1. الأسود: الشخص، وكل شخص يسمى أسود.
ومنها إِذا أراد دخول قرية فليقل ما رواه النَّسائي في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير قرية يريد دخولها إِلا قال حين يراها: "اللهمّ ربّ السماوات السبع وما أظْلَلْنَ، والأرَضِينَ السَّبْع وما أقْلَلْنَ، ورب الشياطين وما أظْلَلْنَ، وربّ الرياح وما ذَرَيْن، أسألُكَ خيرَ هذهِ القريَةِ وخيرَ أهْلِها، ونعوذُ بكَ منْ شَرِّها وشرِّ أهْلِها وشرِّ مَا فيها" 2. قال النووي: وروينا في كتاب ابن السني عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا أشْرَفَ على أرضٍ يريد دخولها قال: "اللهمّ إِنِّي أسألُكَ من خَيْر هذهِ وخيْرِ ما جمعْتَ فيها، وأعوذ بكَ مِنْ

شَرَّهَا وشَّر ما جمَعْتَ فيها.
اللهمّ ارزقْنَا حياها 1، وأعذنا من وَبَاها، وحببنا إِلى أهلها، وأحْبِبْ صالحي أهلها إِلينا" 2.

الفصل الخامس: في آداب سفره في نفسه ومع رفقائه

قال تاج الدين بن عطاء الله في "منسكه": وينبغي لمريد الحج أن يقدم النية في امتثال أمر الله عز وجل عند شروعه في سفره لتكون حركاتُه في سفره كلُّها طاعةً، والأوْلي أن تكون نيتهُ خالصةً، لا يُخالطها شيء مِن المقاصد الدنيوية.

فرع: قال القرافي في "قواعده": فلو حج وخلط في نيته قصد التجارة، أو كانت متمحضة للتجارة ونية الحج تابعة، صح حجه، ولم يكن آثمًا 1. وينبغي له أن ينظر في الرفيق، فيجتهد في اختيار من لا بد له منه من المكارية 2 والتجارة: فليكن مع من يصلي ومن الغالب علي حاله اجتناب

المنكر، ولو كان ذلك بزيادة أجرة.

مسألة

: قال ابن الحاج في منسكه: وفي كتاب ابن المواز: ولا بأس أن يحج ومعه النصراني يخدمه 1 وقد يكري الحاج مع النصراني للرخص وحسن الصحبة.
قلت: وعلي هذا فلا يكره الكراء مع أهل البدع واستخدامهم، وإِن كان يؤدي إِلي مخالطتهم، إِذا كان له بهم رفق أكثر من غيرهم والله أعلم.
وينبغي له أن يعتمد مع رفقائه بسط الوجه وحسن الخلق والإِيثار بما لا

يضره فقده وحمل ما بدر إِليه منهم من أمر مؤلم أو تقصير في حقه، فبذلك ينشرح له صدره ويطيب له سفره.
وذكر ابنُ رُشْدٍ في "البيان والتحصيل" أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يخدم أصحابه في سفر الحج ويدور بإِبلهم وهم نيام، وذلك من كرم طباعه 1 - رضي الله عنه -. وينبغي له إِذا كان قادرًا علي المشي أن يُريح دابته بما لا يضره من المشي 2. قال عز الدين بن جماعة: ويجب ذلك في الدابة المستأجرة، حيث جرت العادة، إِلا إِذا كانت مطيقةً، ورضيَ به المالك 3. وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا صلَّى الفجر في السفر مشى قليلًا وناقته تُقَاد"، رواه البيهقي 4.

وقال الغزالي: وفي المشي عن الدابة صدقتان: أحدهما: ترويحُ الدابة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ" 1. والأخرى: إِدخالُ السرور على مالكها.
قال: وفيه أيضًا راحةٌ للراكب وصحةٌ لبدنه ورياضة، وفي ذلك آثار عن السلف 2. وقال ابن عطاء الله في "منسكه": في المشي عن الدابة فوائد؛ منها: أن المشي إِلى العبادات أفضل، فليقصد ذلك لعظيم أجره 3. قال ابن معلّى: قالوا: ويحرم عليه أن يُحمِّل دابته فوق طاقتها وأن يُجوِّعها من غير ضرورة، فإِن حمّلها الجمال فوق طاقتها لزم المستأجر الامتناع من ذلك.

قال سحنون 1 - رحمه الله -: وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إِذا رأى دابة مثقلة خفف عنها مخافة أن يسأله الله تعالى عما تقلده منها.
ويكره ضرب الدابة في الوجه، لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك 2. قال ابن معلّى: أمّا ضرب الدابة في غير الوجه فمباح؛ لأنها لا تتأدب بالكلام.
وقد أجازوا ركوبها بالمهاميز 3 وقد حرك النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيره بالمحجن،

لكن يكون ذلك برفق، لا كما يفعله أصحاب القلوب القاسية والأيدي الخاطئة من المبالغة في ضربها، فإِن ذلك تعذيبٌ لها، وهو حرام لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن تعذيب الحيوان 1. ولا ينبغي للمسافر اتخاذ الأجراس 2، ولا يعلقها علي دابته، ولا يقلدها بالأوْتَار 3 فإِنه مكروه، فإِن وقع ذلك من الرفقة ولم يقدر علي إِزالته فلينكره علي قدر استطاعته، ويبرأ إِلى الله تعالى من ذلك.
قال النووي: ويجتنب النّوم علي الدابة 4، لأنه يثقل بالنوم.
قال ابن معلّى: ويحمل كلامه على كثرة النوم، فإِن في صحيح مسلم أن

جارٍ التحميل