الباب الثامن: فيما شُرع للحاج فعله، فإذا تركه تمَّ حجه ووجب عليه الدم
فمن ذلك سُنَنُ الحج المؤكدة 1 التي إِذا تركها المحرم متعمدًا أثِمَ، ووجب عليه الهدي.
فأولها: الإِحرام من الميقات، فلو جاوزه وهو يريد الإِحرام ثم أحرم بعد أن تجاوزه كثيرًا فعليه دم، وإِن عاد قبل البعد فلا دم عليه إِن كان جاهلًا، وقيل: سواء جهل أو لا.
وهذا مقيد بما إِذا رجع قبل أن يحرم، وكذا لو لم يرجع فعليه الدم.
فلو عاد بعد إِحرامه لزمه الدم، ولو مع القرب.
تنبيه: هكذا نقله ابن شاس 2 وتبعه ابن الحاجب 3، وفيه نظر؛ لأن في
الجزء: 2 - الصفحة: 523
المدونة: إِذا عاد لا دم عليه مطلقًا إِلا أن يحرم (1). وفي الإِكمال: ومن جاوز الميقات ونيته الحج أو العمرة رجع ما لم يحرم عند مالك ولا دم عليه، وهو ظاهر كلام اللخمي وغيره، ذكره في التوضيح (2).
فرع
:
وإِذا لم يقصد دخول مكة بأحد النسكين وجاوز ميقاته مريدًا دخولها لحاجة ودخلها حلالا، أو بدا له بعد ذلك فدخلها بأحد النسكين محرمًا *، ففي وجوب الدم لتجاوزه الميقات خمسة أقوال:
أحدها: وجوب الدم سواء كان صَرُورَة أو غير صَرُورَة أحرم أم لم يحرم.
الثاني: سقوطه مطلقًا.
الثالث: وهو المشهور، إِن أحرم وهو صَرُورَةٌ وجب الدمُ؛ وإِن لم يكن صرورةً أو لم يحرم فلا دم عليه.
الرابع: يجب الدم، إِن كان صرورةً سواءً أحرم أو لا.45 = الحج أو عمرة فقد أساء، فإِن عاد قبل البعد فلا دم عليه إِن كان جاهلًا، وقيل: مطلقًا، وإِلا فدم".
انظر (التوضيح: 1/ 208 أ، جامع الأمهات: 188).
الجزء: 2 - الصفحة: 524
الخامس: يجب عليه إِن أحرم، كان صرورة أو لا.
وهذه الخمسة بعضها أقوال، وبعضها تأويلات للشيوخ في فهم كلام المدونة وليست كلها أقوالًا منصوصة.
فرع
:
فلو لم يقصد 6 دخول مكة عند تجاوزه الميقات بل قصد ما هو دونها من البلاد، وهو صرورةٌ مستطيعٌ، فهل يلزمه بتجاوز الميقات دم أم لا؟ قولان سواء أراد بعد ذلك مكة أم لا.
الثانية: التلبية، وأقلها مرة، فإِن تركها جملة فعليه الهدي على المشهور.
وقد تقدم في أركان الحج القول بأن التلبية كتكبيرة الإِحرام، ونسب ذلك لابن حبيب.
وكلامه في الواضحة بخلاف ذلك، وأنه يصح الإِحرام ويلبي إِن كان قريبًا، وإِن تباعَد فعليه الدمُ كما في المدونة 7.
قال ابن الحاج: وقيل: إِن ابتدأ بها 8 ثم تركها فعليه دم.
الثالثة: طواف القدوم، فإِن تركه محرم بحج من الحل، وهو غير مراهق،
الجزء: 2 - الصفحة: 525
بل تركه اختيارًا فعليه الدم (1).
وقال أشهب: لا شيء عليه، ولو كان مختارًا.
وقاسه على المراهق.
وفي سقوطه عن الناسي قولان.
الرابعة: السعي بعد طواف القدوم، فإِن تركه محرم بالحج من الحل وهو غير مراهق ولا ناس أو امرأة ليست حائضًا إِلى طواف الإِفاضة، فالدم على المشهور.
فرع
واعلم أن الحيض غير مانع من السعي، وإِنمَا هو مانعٌ من شرطه وهو وقوعه بعد طواف.
فرع: فلو ترك طواف القدوم والسعي لزمه فيهما دم واحد.10
الجزء: 2 - الصفحة: 526
الخامسة: المشي في طواف القدوم، وفي طواف الإِفاضة، فإِن ركب مختارًا ولم يعد وفات برجوعه إِلى بلده أو بالبعد فعليه هدي.
السادسة: المشي في السعي.
وفي الموازية عن ابن القاسم إِن ركب لغير عذر أعاد إِن كان قريبًا، وإِن تطاول أجزأه وأهدى.
نقله الباجي 12 وابن يونس عن ابن القاسم.
السابعة: أن يقف بعرفة نهارًا قبل الدفع مع الإِمام، فإِن ترك الوقوف نهارًا، ووقف ليلًا وهو غير مراهق، فعليه الهدي.
الثامنة: أن ينزل بالمزدلفة عقيب النفر من عرفة ويبيت بها، ويقف مع الإِمام في المشعر الحرام، فلو لم ينزل بها وذهب إِلى مِنى أو حبسه عن الوصول إِليها مرض أو غيره، حتى فاته النزول بها تلك الليلة فعليه الدم على الأشهر 13.
والقول بالسقوط منقول عن ابن الماجشون وقد تقدم هذا 14.
الجزء: 2 - الصفحة: 527
فائدة:
الوقوف بالمشعر أخفض رتبة من البيت بالمزدلفة * فقد نقل اللخمي عن مالك وابن القاسم أنه إِذا نزل بالمزدلفة ولم يقف بالمشعر فلا دم عليه، وإِن وقف بالمشعر ولم ينزل بالمزدلفة كان عليه الدم.
قال: وجعلوا النزول بالمزدلفة آكد من: الوقوف بالمشعر.
التاسعة: رمي الجمار.
فإِن تركها في أيامها أو جمرة منها أو حصاة حتى انقضت أيام الرمي فعليه الهدي، وكذلك لو فعلها في وقت القضاء.
والهدي في ترك الجمار كلها بدنةٌ، فإِن لم يجد فبقرة فإِن لم يجدها فشاة، فأما في حصاة أو حصاتين فعليه شاة.
العاشرة: ترك المبيت بمنى يوجب الدم 15 وقد تقدم بيانه 16.
الحادية عشرة: أن يحلق بمِنى في أيام منى، فلو 17 ترك الحلاق حتى خرج شهر ذي الحجة.
قال بعضهم: لو خرجت أيامَ الرمْي فإِنه يحلق ويهدي، وقولهم: إِن أخر الحلاق حتى بلغ بلده، هذا ليس بشرط.
الثانية عشرة: أن يطوف طواف الإِفاضة في يوم النحر، فلو طاف بعده وجب الدم على أن آخر أشهر الحج اليوم العاشر، ولو أخر طواف الإِفاضة حتى
الجزء: 2 - الصفحة: 528
انقضت أيام الرمي وتباعد ذلك أيامًا حلق وأهدى.
قاله في المدونة 18.
قال ابن عبد السلام: وإِذا تأملت ما في المدونة وجدته خارجًا عن الأقوال الثلاثة التي ذكروها في آخر أشهر الحج، وقد تقدم تعيين المشهور في المسألة، وكذلك لو أخره هو والسعي جميعًا فإِنما عليه هدي واحد.
الثالثة عشرة: رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر، فإِن تركها 19 حتى غابت الشمس فعليه الدم على المشهور.
الرابعة عشرة: من لم يحضر الصلاة بعرفة مع الإِمام فليجمع بين الصلاتين ولا يفرقهما، فإِن ترك الجمع بينهما وفرقهما مختارًا فعليه الدم، وقيل: لا دم عليه، وهو المشهور.
الخامسة عشرة: أن لا يؤخر ركعتي طواف القدوم أو ركعتي طواف الإِفاضة حتى يتباعد، فإِن نسيهما حتى تباعد عن مكة أو رجع إِلى بلده ركعهما وأهدى، سواء وطئ أو لم يطأ، وكذا لو نسيهما حتى فرغ من حجه وهو بمكة أو قريب منها رجع وركع وسعى وأهدى، وهذا حكم الطواف الواجب.
فإِن كان الطواف تطوعًا فلا شيء عليه إِذا بعد أو انتقضت طهارته، وإِنما عليه فعلهما فقط.
ذكره ابن حبيب عن مالك فيمن نسي ركعتي طواف الوداع.
انظره في مختصر الواضحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 529
السادسة عشرة: من أنشأ الحج 20 من مكة فلا يسعى إِلا بعد طواف الإِفاضة 21، فإِن طاف وسعى قبل عرفات أعاد السعي بعد طواف الإِفاضة، فإِن لم يسع بعده ورجع إِلى بلده فعليه الهدي، وكذلك لو أخر السعي عن طواف الإِفاضة وأوقعه بعد طواف الوداع، ورجع إِلى بلده، فعليه الدم.
السابعة عشرة: إِذا طاف محمولًا من غير عذر، ثم لم يرجع لطوافه حتى رجع إِلى بلده، فعليه دم.
الثامنة عشرة: إِذا عجز عن حلق رأسه * فلم يقدر عليه ولا على التقصير من وجع به، فعليه هدي.
والأولى أن تكون بدنة، فإِن لم يجد فبقرة، فإِن لم يجد فشاة، فإِن لم يجد صام عشرة أيام.
ومحل هذه الدماء يأتي بيانه في ذكر دماء الحج 22.
الجزء: 2 - الصفحة: 530