إرشاد السالك إلى أفعال المناسكصفحات 415-454

الباب الثالث: في أحكام الحج وصفتِه وأركانِه

صفحات 415-454

في بطن محسر هو 1 قدر رمية حجر؛ لأنه ورد ذلك في حديث جابر 2. قال مالك: وأحب للمحرم الماشي إِذا هبط من محسر أن يسعى على قدميه مثل ما يصنع الراكب، ومن ترك الإِسراع فلا شيء عليه - راكبًا كان أو ماشيًا - فإِذا خرجت من بطن محسر رجعت إِلى السكينة والوقار.

فصل واختلف من أين ينبغي له أخذ الجمرات؟ والذهب أن له أخذَهَا من حيث شاء، واستحب الجمهور أن يأخذها من المُزْدَلِفَة ليلةَ مبيته بها 1 ويلتقطها لقطًا وهو أفضل من كسرهَا 2. وفي الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأخذها من وادي محسر 3.

تنبيه 4: والقدر المستحب لقطه من المزدلفة هي السبع التي يرميها في جمرة العقبة، وليس مراده جميع الجمار، قاله ابن حبيب في مختصر الواضحة.
قال: ووجه ذلك أنه مأمور بالمبادرة برميها عند وصوله إِلى مِنى كما سنذكره.
وقدرها قدر البندقة كما قاله ابن جماعة التونسي.

وقال ابن عطاء الله الإِسكندري: ينبغي أن تكون فوق الفستقة ودون البندقة، ولا تكون من حصى المسجد الحرام ولا مما رمي به، فإِن ذلك مكروه، وتكون الجمار طاهرة.
وهي سبعون حصاة لمن لا يتعجل، وتسع وأربعون لمن يتعجل.
قال ابن الحاج: ورمي الجمار بالحجارة، وما عدا الحجارة من حجارة الكُحْل والزرنيخ وشبهها من المعادن أو الذهب.
فإِذا وصلت إِلى مِنى فترمي جمرة العقبة بسبع حصيات على الهيئة التي جئت عليها من ركوب أو مشي، قبل أن تحط رحلك.
قال سند: لأنها تحية الحرم، وذلك ضحى يوم النحر فتكبر مع كل حصاة رافعًا صوتك 1.

فرع: وفي الذخيرة قال سند: اختلف في تحديد أول وقت 2 رميها، هل هو نصف الليل أو طلوع الفجر أو طلوع الشمس 3. قوله: نصف الليل، لم أره، والمعروف في المذهب أن أوله طلوع الفجر.

وقال ابن رشد في البيان: إِنه إِن رمى قبل طلوع الفجر لم يجزه بلا خلاف 1. وفي التهذيب: الشأن أن يرميها ضحوة، فإِن رميت بعد الطلوع 2، وقبل طلوع الشمس أجزأك، وأما قبل الفجر فيلزم الإِعادة، والرجال والنساء سواء 3. قال ابن عطاء الله: قال بعض أصحابنا: ويقول مع كل حصاة: الله أكبر في طاعة الرحمَن وغضب الشيطان 4. وقال ابن الحاج: تكبر ثلاثًا وتقول: على رغم الشيطان وطاعة الرحمن.

تنبيه: وخُصَّ التكبير دون سائر الذكر للسنة 1، فإِن سبح ولم يكبّر فقال ابن القاسم: ما سمعت فيه شيئًا 2. وقال أبو الوليد الباجي: لا شيء عليه عندي؛ لأنه لو ترك التكبير فلا شيء عليه، قاله ابن القاسم 3. وتقف للرمي من أسفل الجمرة من بطن الوادي وأنت مستقبل القبلة والعقبة 4 عن يمينك.
قال مالك: وإن رماها من فوقها أجزأه.
وقال القاضي عياض: ويرمي جمرة العقبة من حيث تيسر عليه من أعلى العقبة أو أسفلها أو وسطها، كل ذلك يجزئ، والمستحب من بطن الوادي من

أسفلها 1 كما جاء في الحديث 2، هذا كله قول كافة العلماء.
وقال الباجي: من رمى جمرة العقبة من أسفلها فليجعل مِنى عن يمينه ومكة عن يساره، ويستقبل العقبة 3.

فرع: قال اللخمي: وتوالي الرمي مع التكبير برفع الصوت، ولا تقف عندها للدعاء ولا لغيره.
قال ابن الحاج: وقل: اللهمّ اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا.

مسألة: ووقت أدائها يوم النحر من طلوع الفجر إِلى الغروب وقيل: الأفضل في أدائها من طلوع الشمس إِلى الزوال وما بعده لأهل الأعذار كالمريض والناسي.
ووقع لابن القاسم في العتبية: إِذا زالت الشمس يوم النحر فقد فات الرمي إِلا لمريض أو ناسٍ 1. وحمل على فوات وقت الفضيلة.
وسيأتي ذكر وقت قضائها في بيان وقت الرمي.
قال ابن المعلى: واستحب بعض المتأخرين من المالكية أن يرجع إِلى مِنى بعد رميه من فوق الجمرة، ولا يرجع على طريقه لئلا يضر الناس بالمزاحمة.

فصل ثم تنزل في منزلك من مِنى، وتقول: الحمد لله الذي بلغنيها 2 سالمًا معافى، اللهمّ هذه مِنى قد أتيتها وأنا

عبدك، وفي قبضتك، أسألك أن تَمُنَّ عليَّ بِمَا مننتَ به على أوليائك، اللهمّ إِني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني، يَا أرحم الراحمين 1.

فصل فإِذا نزلت بمِنًى بعد رمي جمرة العقبة، فإِن كان معك هدي بدأت به قبل الحلق فتنحره؛ لأن سائق الهدي لا يحلّ من شيء حتى ينحر هديه.
وتقول عند نحره: بسم الله، اللهمّ منك وإِليك فأسألك أن تتقبل مني كما تقبلت من إِبراهيم خَليلك ونبيك عليه السلام 2. ولا تذبح حتى ترمي الجمرة، ومن ذبح قبل الرمي أو حلق بعد الرمي وقبل الذبح أجزأه ولا شيء عليه.

فصل ووقت نحر الهدايا وذبحها بعد الفجر، والأفضل ضحوة، ومن ذبح قبل الفجر أعاد.

والهدي: جزاء الصيد، وما وجب لأجل نقص في حج أو عمرة كدم القِران والتمتع والفساد والفوات وغيرهما، ومن ذلك ما نوى به الهدي من النسك، وإِن لم ينو به هديًا فهو نُسك وليس بهدي.
والنُّسُك: ما وجب لإِلقاء التفث وطلب الرفاهية من اللباس، والدهن والطِّيب ونحو ذلك 1، ودم النسك لا يختص بزمان ولا مكان 2.

فرع: وكره مالك أن ينحر هديه أو أضحيته غيره، فإِن استناب أجزأه 3 إِلا أن يكون النائب غير مسلم فلا يجزئه.
وسيأتي بيان أيام النحر.

فصل ثم تحلق رأسك 1، فإِذا نحرت وحلقت فقد حل لك كل شيء إِلا النساء والصيد والطيب 2. فإِن تطيبت قبل طواف الإِفاضة فلا شيء عليك 3 على المشهور.

فرع: قال اللخمي: الناس في الحلق والتقصير على ثلاثة أوجه: حلاق وتقصير، وتخيير بينهما.

فالحِلاق: لمن لا وَفْرة 1 له، وللأقرع ولمن لبّد 2 أو عقص أو ظفر من الرجال، إِذا لم يمكن تقصيره كذلك.
والتقصير: فرض النساء، فلا يجوز لهنّ أن يحلقن إِلا لضرر 3 برؤوسهنّ 4؛ لأن حلْقَهُنَّ مُثلةٌ 5، وكذلك بنت تسع أو عشر تقصر ولا تحلق، وإِن كانت صغيرةً جازَ أن تحلقَ أو تقصرَ.
والخِيَار بينهما: لمن له وَفْرَةٌ من الرَّجَال، ولم يلبِّد ولا ظفر ولا عقص.

قال الشيخ أبو محمد البلنسي 1 في شرح الرسالة: الحِلاق ثلاثة: فرض وسنة ومكروه.
فالفرض: لمن لبّد أو عقص.
والسنة: لمن لم يلبد ولم يعقص.
والمكروه: للنساء لأنه مثله.
قال ابن حبيب: والتلبيد أن يجعل الصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإِحرام، ليمنعه من الشعث.
والعقص: أن يجمع شعره في قفاه إِذا كان مجممًا لئلا يشعث.
والعقد مثله.
والظفر: أن يظفر رأسه إِذا كان مُجَمَّمًا، لئلا يشعث.

فصل: في موضع الحلاق 1 وصفته ووقته فأما موضعه فقال الباجي: موضع الحلاق في الحج مِنى وفي العمرة مكة وذلك على وجه الاستحباب، فلو حلق في الحج بمكة أو مِنى أو في الحل فلا شيء عليه إِذا حلق في أيام مِنى 2. قال ابن الحاج: قال مالك: موضع الحلاق أو التقصير في الحج عند الجمرة أو حيث شاء من مِنًى.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا ينبغي لأحد أن يحلق خلف العقبة، ذكره في النوادر 3. وأما وقته فبعد طلوع الفجر ورمي جمرة العقبة ونحر الهدي إِن كان، وأما آخر وقته فآخر أيام الرمي، فإِن لم يحلق فيها حلق وأهدى سواء كان بمكة أو رجع إِلى بلده.

فرع: فلو توجه للإِفاضة قبل الحلق فذكر وهو بمكة قبل الطواف، فليرجع حتى يحلق ثم يفيض.

فرع لو قدم الإِفاضة على الرمي والنحر والحلق، فعن مالك: الإِجزاء مع الهدي، وقيل لا يجزئه، وهو كمن لم يفض، وقيل: يعيد الحلق مع الإِفاضة 1. وقال الباجي: ومن أفاض قبل الحلق فاختلف فيه 2. وفي المختصر: أنه يرجع فيحلق ثم يفيض، فإِن لم يفض فلا شيء عليه، وقيل: ينحر ثم يحلق ولا شيء عليه.

فرع: ومن حلق قبل النحر فلا فدية عليه على الأصح 3، ومن نحر قبل الرمي فلا فدية عليه.
وأما من حلق قبل أن يرمي فعليه فدية الأذى 4.

وهذا فيمن أفرد الحج، وسواء كان قدّم السعي أو أخّره كالمراهق أو المحرم بالحج من مكة، وأما القارن فمشهور مذهب مالك أنَّ حكمَه في ذلك حكم المفرد.
وذكر أبو بكر بن الجهم 1 أن القارن لا يحلق بعد الرمي حتى يطوف ويسعى 2.

تنبيه: ومعنى هذه الرواية: أن هذا القارن أخر الطواف الأول والسعي إِلى يوم النحر؛ لأن الذي لم يؤخرهما قد طاف وسعى لعمرته، ولم يبق له إِلا = بعض، إِلا الحلق قبل الرمي، ففيه الدم".
(كليات المقري: 113، الكلية رقم 150).

طواف الإِفاضة، ولا شركة للعمرة فيه، وحكمه أن يحلق كما يحلق الحاج، هكذا فسره اللخمي.

فرع: ومن ضلَّتْ 1 بدنته يوم النحر أخر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإِن وجدها وإِلا حلق وأفاض، وفعل ما يفعله من ليس معه هَدْيٌ، من وطءِ النساءِ وغيره كان ذلك الهدي مما عليه بدلُه أم لا.

فرع: والحِلَاق يجمع أمريْن: كونه نسكًا من مناسك الحج كالرمي، وكونه تحللًا يبيح بعض ما كان ممنوعًا منه.

فرع: لو وطئ قبل الحلق حلق بعد ذلك وأهدى، ولو كان قد طاف طواف الإِفاضة 2، وسواء كان ذلك في أيام مِنى أو بعد أن وصل بلده، وذلك بخلاف الصيد.
فلو صاد 3 بعد طواف الإِفاضة وقبل الحق فلا يلزمه جزاء؛ لأن الصيد

حل له بالإِفاضة، وتأخير الحلق لا يمنع من الصيد.
وأما صفته، فقال الباجي: نقل ابن المواز عن مالك، أن من الشأن أن يغسل رأسه بالخطميّ 1 والغاسول، حين يريد أن يحلق 2. ومعناه: إِن كان قد لبّد رأسه؛ لأن ذلك أيسر عليه ولا يلزمه بما تساقط من شعره وإِزالة الشعث شيء.
وأما المعتمر فيكره أن يغسل رأسه قبل حلقه أو يقتل شيئًا من الدواب أو يقص شاربه أو أظفاره أو يلبس مخيطًا، بعد تمام السعي وقبل الحلق 3. قال ابن حبيب: فإِن فعل فلا شيء عليه.
والفرق بينهما: أن الحاج قد وجد منه قبل الحلاق تحلل وهو الرمي، والمعتمر لم يوجد منه قبل الحلاق تحلل 4. ويبدأ الحالق بالشق الأيمن 5 ويستقبل القبلة، ويستحب أن يكثر من

الدعاء وقت الحلاق، فإِن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، فيما ذكر أهل العلم.
ولتقل في دعائك: اللهمّ لك وضَعْتُ شعري، فحطُّ عني وزري وزكِّ لي عملي، واغفِرْ لي ذُنُوبي، اللَّهمَّ اكتُبْ لِي بكل شعرةٍ حسنة، وامْحُ بها عني سيئةً، وامح عنِّي بها سيئة، وارفع لي بها درجةً، واغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا أرحم الراحمين يا واسع المغفرة 1. فإِذا فرغت من حلاقك كبَّرْتَ وقلتَ: الحمد لله الذي قضى عنا نسكنا، اللهمّ زدْنَا إِيمَانًا وتوفيقًا ويقينًا وعونًا، واغفر لنا ولآبَائِنَا ولأمّهَاتِنَا وللمسلمين أجمعين 2.

فرع: ولا يتم نسك الحلق إِلا بحلاق جميع الرأس والشعر الذي على الأذنين.
= الأيمن، لأنه نسك، اقتداء، فإِن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيمن في أمره كله.
قال المحب الطبري: أخرجه الشافعي.
(القِرى: 415).

قال ابن الحاج: قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن الحاج لا يحلق ما على أذنيه من الشعر.
قال التادلي في منسكه: وينبغي أن يكون النظر في كونها من الرأس أو من الوجه كما ذكر في الوضوء.
قال الباجي: ويبلغ في الحلق إِلى العظمين اللذين في الصدغين 1. قال ابن حبيب: ولا يجزئ حلق بعض الرأس.
حكاه الشيخ أبو بكر وغيره عن مالك 2. قال سند: الخلاف في استيعاب الرأس حلقًا كالخلاف في استيعابه مسحًا في الوضوء 3. وأما التقصير فلا يخلو أن يكون المقصر رجلًا أو امرأة، فإِن كان رجلًا

قصر من جميع شعر رأسه 1 واستوعبه بالتقصير ويجز ذلك جزا من قرب أصوله، فإِن لم يجزه من قرب أصوله وأخذ منه فقد أخطأ ويجزئه.
قاله الباجي 2. قال الطرطوشي: ومعنى ذلك أن يأخذ منه ما يقع عليه اسم التقصير، وليس ذلك بأن يأخذ الشيء اليسير، وهو ممنوع أن يفعل من ذلك ما تفعله المرأة فتأخذ 3 قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا وتجمع أطراف قرونها ليعم التقصير جميع شعرها.
قال مالك: ليس لذلك عندنا حد معلوم، وما أخذَتْهُ منه أجزأها، ولا بد أن تعم الشعر كله طويله وقصيره.
نقله الباجي 4.

تنبيه: قال أبو عمرو 5 بن القطان في كتاب النظر في أحكام النظر: لا

يقصر للمرأة رجل سواء كانت شابة أو عجوزًا، بل هي أو امرأة أو محرم 1.

فرع: ويمر الأقرع الموسى على رأسه 2 لأنها عبادة تتعلق بالشعر، فينتقل إِلى البشرة كالمسح في الوضوء، والدليل فعل عمر رضي الله عنه لذلك.

فرع: ولا بأس للحاج بعد رمي جمرة العقبة أن يحلق عانته ويقص أظفاره ويأخذ من شاربه 3 ولحيته قبل أن يحلق رأسه 4 بخلاف المعتمر، وقد تقدم

الفرق بينهما 1. قاله الباجي.
ومراده بالأخذ من اللحية: أن يأخذ من طولها 2. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقصر ما زاد على القبضة 3. وقال ابن حبيب في الواضحة: وبالغ في الأخْذِ من اللحية عند حلاقك رأسك، فإِنه مستحب في ذلك الوقت، ما لا يستحب في غيره 4.

فرع: والحلاق بالموسى؛ فمن حلق بالنورة، فقال ابن القاسم في المدونة: يجزئه 1. وقال أشهب: لا يجزئه، ورآه تعبدًا فيقتصر 2 فيه على السنة.

فرع: ومن حل من عمرته في أشهر الحج فالحلاق له 3 أفضل إِلا أن تقرب 4 أيام الحج، ويريد الحج، فليقصر لمكان حلاقه في الحج قاله ابن المواز 5.

فصل: في طواف الإفاضة وينبغي أن لا يؤخر طواف الإِفاضة بعد الحلق إِلا بقدر ما يقضي حوائجه التي لا بد له منها، فيذهب إِلى مكة فيطوف طواف الإِفاضة.
ويُسمَّى طوافَ الزيارةِ، وطواف الصَّدَر (بفتح الصاد والدال) وطواف الفرض، وطواف الركن 1، قاله النووي في منسكه 2. وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، أو يقال: زرنا قبره عليه الصلاة والسلام 3.

قال ابن رشد في جامعه: قيل: إِنما كره ذلك لما للزائر من فضل على المزور في صلته 1 بزيارته إِياه، وإِنما تفعل الزيارة تأدية لما يلزم من فعله 2 ورغبته في الثواب عليه 3. وهذا الطواف ركن من أركان الحج بالإِجماع 4. قال القرافي في الذخيرة: وتحديد أول وقته مبني على تحديد أول وقت = الصلاة والسلام: "اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعبَدُ".
(شرح الشفا، للقاري: 3/ 843 - 847). وعند ابن رشد: أن الكراهة من وجه أن كلمة أعلى من كلمة، فعبارة الزيارة تستعمل في الموتى.
فكره أن يذكر مثلها في النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأورد ابن رشد قولًا آخر، وهو ما تدل عليه الزيارة من الفضل على المزور في صلته بالزيارة، بينما لا يكون في زيارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلة ولا نفع.
(البيان والتحصيل: 18/ 118 - 119). أما الإِمام ابن تيمية فقد علل هذه الكراهة بأن لفظ زيارة الرسول عليه السلام لم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن معروفًا عند علماء المدينة.
(مجموع الفتاوي: 27/ 35).

الرمي هل هو بعد طلوع الشمس يوم النحر أو طلوع الفجر أو نصف الليل 1. ولعله يريد بعد نصف الليل على مذهب الشافعي 2. ولا يجوز قبل يوم عرفة إِجماعًا.

تنبيه: قال القاضي عياض: واختلف فيمن طاف غيرَه من طواف قدوم أو وداع أو تطوع ونسي طواف الإِفاضة حتى رجع إِلى بلده؟ وعن مالك وأصحابه: في إِجزاء طواف القدوم عنه روايتان.
وأكثر العلماء ومشهور قولي مالك: أنه لا يجزئه 3. واختلف أيضًا عندنا: هل يجزئ طواف الوداع عن طواف 4 الإِفاضة؟ والأشهر أنه يجزئ 5.

وكذلك طواف التطوع.
يريد: إِذا تطوع يوم النحر وأما قبله فلا يجزئه 1. وأما تحديد آخر وقته، فالمشهور تمام الشهر، وعليه دم بدخول المحرَّم.
والخلاف في آخر وقته مبني على الخلاف في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وقيل: العشر منه.
وقيل: إِن أشهر الحج تنقضي بفراغ أيام الرَّمْي.
وفائدة هذا الخلاف تظهر في تأخير طواف الإِفاضة، فعلى المشهور: لا يلزم الدم إِلا من أخره إِلى المحرم 2. وعلى القول الثاني: من أخره إِلى الحادي عشر لزمه الدم.
ذكره أبو بكر الطرطوشي في تعليقه الخلاف.
وعلى القول الثالث: إِن أوقعه في اليوم الرابع عشر لزمه الدم.
وفي المدونة: إِن أخره حتى مضت أيام التشريق، فانصرف من مِنى إِلى مكة فلا بأس 3. وإِن أخره أيامًا حتى تطاول طاف وأهدى.
وهذ اخارج عن الأقوال الثلاثة، فيكون رابعًا.
قاله ابن عبد السلام.

فرع: فإِذا طفت طواف الإِفاضة فلا تسع بعده إِن كنت قد سعيت عقيب طواف القدوم، وإِن كنت لم تسع سعيت عقيب طواف الإِفاضة 1. هذا 2 حكم المفرد والقارن، وأما المتمتع الذي طاف وسعى قبل عرفة ثم أحرم بالحج فإِنه يطوف طواف الإِفاضة ويسعى.

فرع: فلو أخر غير المتمتع طواف القدوم والسعي عامدًا، حتى خرج إِلى مِنى، فليطف وليسع إِذا رجع من مِنى ويهدي.
وإِن كان ناسيًا أو مراهقًا فلا دم عليه.
قال ابن الجلاب: والقياس عندي في الناسي أن عليه الدم بخلاف المراهق 3.

وقاله الأبهري 1.

فرع: فإِذا طفت طواف الإِفاضة فقد حل لك 2 النساء والصيد والطيب، بشرط تقدم الحلاق.

فرع: فإِن حاضت المرأة أو نفست قبل طواف الإِفاضة لم تبرح حتى تفيض، ويحبس عليها كريُّها 3 أقصى جلوس النساء في الحيض والاستظهار 4، ويحبس في النفاس ستين يومًا 5.

واستحسن في سماع أشهب أن تعينه في العلف 1. قال القرافي: وحيث قلنا بحبسه فلا يزاد على الكراء الأول.
وأما المحْرَم فيحبس عليها حتى يمكنها النفر.
وأما الرفقة فإِن كان حبسها لهم اليومين والثلاثة حبسوا مع الكري، وإِن كان أكثر من ذلك لم يُحبسْ إِلا الكري والمحرم.

تنبيه: قال القرافي وغيره: إِنما يُحبَسُ عليها كَرِيُّها إِذا كان يمكنه الانفراد في السفر، كالقرى التي حول مكة شرفها الله تعالى.
وأما أهل الآفاق البعيدة الذين لا يسيرون إِلا جملة فلا يحبس عليها الكري، ويفسخ الكراء بينهما، وكراؤه محمول على زمن الحج 2 عادة؛ لأنها لو صرحت له بذلك عند العقد لم يرض، وهي كالمحصر بالعدو، وللكري عليها حق الفسخ 3. = النفساء أكثر ما يحبس النساء دمها.
قال الباجي: يحبس الكري في مذهب مالك سواء علم بحملها أو لم يعلم، وليس عليها أن تخبره بذلك.
(المنتقى: 3/ 63).

فرع: ولا يلزمها إِذا فاسخها 1 الكري جميع الأجرة، ويحتمل أن يقال بلزومها، لأن الامتناع منها، قاله في الذخيرة 2.

فرع: وفي الذخيرة: وروي عن سحنون أن من حبسها الحيض عن طواف الإِفاضة فإِنها تطوف، للخلاف في اشتراط الطهارة في الطواف؛ ولأنه يستباح للضرورة كقراءة القرآن للحائض لضرورة النسيان 3 وما هنا أعظم 4. قال التادلي: وعلى ما قاله سحنون من أنها تطوف كذلك فتؤخر الركوع حتى تطهر وتهدي.
قال التادلي: وخرّج بعض فضلاء الشافعية من أهل عصرنا على أحد قولي مالك، فيمن نسي طواف الإِفاضة، وقد كان طاف للقدوم ولم يذكر حتى رجع إِلى بلده: أنه يجزئه عن طواف الإِفاضة، فكذلك 5 ينبغي قضاء

الصلاة بالحيض بخلاف النسيان، فإِذا طافت للقدوم ثم طرأ عليها الحيض قبل الإِفاضة انصرفت وتركت الطواف للضرورة، وكانت بمنزلة من رجع إِلى بلده ناسيًا للطواف وقد كان طاف للقدوم.
قال: وهو تخريج لا بأس به.
انتهى.

تنبيه: واعلم أن التخريج ليس بقول، ولا يجوز أن ينسب لمن خُرِّج على قوله أنه يقول به.
نقله التادلي في شرح الرسالة عن الشيخ أبي إِسحاق الشيرازي 1. وقال ابن عبد السلام من أصحابنا: القول المُخَرَّجُ لا يقلده العامي ولا ينصره الفقيه ولا يختاره المجتهد.
يريد: ولا يجوز الحكم ولا الفتيا به.
فهذا التخريج، وإِن كان ظاهرًا، لا بأس به كما قاله التادلي فلا يجوز أن يقلده العامي ولا يفتي به الفقيه، ولا يخرج عن المذهب بمثل 2 هذا التخريج.

تنبيه: وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر، وإن علمت أنه إِنما يقطع الدم اليوم ونحوه، فلا يجوز لها ذلك، وحكمها حكم الحائض.
وإِن استدام انقطاعه نحو ثمانية أيام أو عشرة فقد صَحَّ طوافها إِذا طافت في ذلك الطهر، وإِن عاودها الدم في اليومين والثلاثة إِلى الخمسة فقد طافت وهي محكوم بها حكم 1 الحيض، فكأنها طافت مع وجود الدم.
ولم أر نصًا في جواز الإِقدام على ذلك، إِذا كانت جاهلة بتأثيره في الدوام.
وقد سئل الشيخ الإِمام أبو محمد عبد الله المنوفي 2 عن امرأة عالجت استعجال دم الحيض لقصد الخروج من العدة فجاءتها الحيضة فهل تخرج من العدة؟ فقال: الظاهر أنها لا تخرج من العدة بذلك.
وتوقف عن ترك الصلاة والصيام.
قال صاحب التوضيح 3: وإِنما قال: الظاهر، لاحتمال أن استعجاله لا

يخرجه عن الحيض، فعلى بحثه في أن استعجاله لا يؤثر فينبغي أن رفعه لا يؤثر، لا سيما إِذا عاودها بقرب ذلك، والله أعلم.
وقال ابن رشد: وسئل مالك عن المرأة تخاف تعجيل الحيض فيوصف لها شراب تشربه لتأخير الحيض؟ قال: ليس ذلك بصواب وكرهه.
قال ابن رشد: إِنما كرهه مخافة أن تدخل على نفسها الضرر 1 في جسمها 2. انتهى.
فانظر هل هذا مثل 3 الأدوية التي تقطع الدم بعد وجوده أم لا؟ وهو الظاهر فإِن المرأة بعد إِتيان الدم محكوم عليها بأنها حائض ولا يزول حكمه إِلا بدوام انقطاعه 4 أقل مدة ما بين الدمين، فتأمله.
= (التوضيح) شرح جامع الأمهات لابن الحاجب، وهو صاحب (المختصر الفقهي) الذي لقي إِقبالًا، وألف منسكًا، اختلف في تاريخ وفاته والراجح أنه 776. (حسن المحاضرة: 1/ 460، درة الحجال: 1/ 257، الدرر الكامنة: 2/ 86، الديباج: 1/ 357، نيل الابتهاج: 112).

فصل فإِذا فرغت من الإِفاضة فينبغي التعجيل بالعود إِلى مِنى 1، ولا تقيم بمكة للتنفل بالطواف، وخفف 2 أن تقيم لأجل الصلاة إِذا أذن وأنت بمكة.
فإِذا رجعت إِلى مِنى فصل الظهر ثم كبّر، فإِنه يُستحب التكبير عقب خمس عشرة مكتوبة أولها ظهر يوم النحر وآخرها صلاة الصبح من اليوم الرابع وهو آخر أيام التشريق.
ويفعل ذلك أهل سائر 3 الآفاق تشبهًا بأهل مِنى، وبيان ذلك: أن أول صلاة يكبر بعدها أهل مِنى هي صلاة الظهر من يوم النحر؛ وآخر ذلك صلاة الصبح يوم الرابع.
وأما صلاة الظهر فإِنهم ينفرون بعد الزوال وقبل الصلاة فيصلون الظهر في المحصب، بهذا وردت السنة 4.

وصفة التكبير 1: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إِله إِلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، الحمد لله على ما هدانا، اللهمّ اجعلنا لك من الشاكرين.

فرع: قال ابن حبيب: ينبغي لأهل مِنى وغيرهم أن يكبروا أول النهار، ثم إِذا ارتفع، ثم إِذا زالت الشمس بعد الصلاة والرمي، ثم بالعشي، وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه 2. يريد: ويجهرون 3 بالتكبير.
= أقرب من منى، ويقال له: الأبطح والبطحاء.
(الزرقاني على الموطإِ: 2/ 367). وقد سمي النفر من مِنى إِلى مكة للتوديع والإِقامة بالشِّعب الذي يخرجه إِلى الأبطح للهجوع ساعة من الليل قبل الدخول إِلى مكة، سمي بالتحصيب كما قال الخطابي (مختصر سنن أبي داود: 2/ 431). وانظر (إِكمال الإِكمال: 3/ 406).

فرع: ومن نسي التكبير عقيب الصلاة كبّر إِن كان قريبًا، فإِن تباعد فلا شيء عليه.
وقد قال مالك: يكبر ما دام في مجلسه، فإِذا قام فلا شيء عليه 1.

فرع: وإن نسي الإِمام التكبير فإِن كان قريبًا قعد وكبر، وإِن تباعد فلا شيء عليه، فإِن 2 ذهب ولم يكبر والقوم جلوس كبروا.

فرع: ويكبر النساء والمسافرون وأهل البوادي ومن صلى وحده والعبيد وغيرهم.
وفي المختصر: لا تكبر النساء دبر الصلوات.

فرع: قال الباجي: وأهل الآفاق لا يجهرون بالتكبير في خروجهم إِلى المصلى ولا دبر الصلوات، والحجاج يجهرون به.
في كل الساعات إِلى الزوال من

اليوم الرابع، فيرمون ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلوا الظهر والعصر في المحصب 1.

فرع: وفي التكبير خلف النوافل قولان: المشهور عدم التكبير 2.

فصل: في أحكام الرمي 1 فإِذا زالت الشمس في ثاني يوم النحر فيسن للحاج أن يتوضأ، ويذهب قبل الصلاة ماشيًا، فيرمي الجمار الثلاث يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد 2 مِنى فيرميها من فوقها 3 مما يلي مسجد مِنى بسبع حصيات متواليات 4 مع التكبير، يرفع به صوته، ثم يتقدم أمامها مما يلي الجمرة الوسطى ويجعلها خلف ظهره فيدعو ويهلل ويكبر، ويصلِّي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدر إِسراع سورة البقرة 5.

وفي رفع يديه في الدعاء قولان.
قال ابن حبيب: وإِذا دعا راغبًا بسط يديه فجعل بطونهما إِلى السماء، وإِذا دعا راهبًا جعل بطونهما مما يلي الأرض، وذلك في كل دعاء.
فإِن رمى عن غيره وقف ودعا عنه.
ثم يُثَنِّي بالجمرة الوسطى فيرميها من فوقها كما تقدم، ويتقدم للدعاء 1 أمامها، إِلا أنّه لا يجعلها خلف ظهره، بل يقف يسارها، وهو السنة في ذلك.
ولعل ذلك توسعة على الناس في المرور إِلى الجمرة الثالثة.
ويستقبل الكعبة في وقوفه للدعاء كالأولى 2 ومن ترك الوقوف للدعاء 3 فلا شيء عليه.
ثم يثلث برمي جمرة العقبة فيرميها من أسفلها، وقد تقدم بيان ذلك 4 في رمي جمرة العقبة يوم النحر.
ولا يقف للدعاء عندها فتلك السنة.
ثم يذهب الإِمام إِلى مسجد مِنى في هذا اليوم بعد تمام الرمي، فيصلي الظهر بالناس، ثم يخطب خطبة واحدة لا يجلس فيها على المشهور.

جارٍ التحميل