فصل: في سنن الطواف
وهي أربع:
الأولى: الرَّمَل، وهو سنة، وقيل: مستحب، وعلى هذا يأتي اختلاف قول مالك - رحمه الله تعالى - في وجوب الإِعادة على من تركه، وفي وجوب الدم على من ترك الإِعادة.
ومعنى الرَّمَل: الإِسراع في الطواف بالخَبب، ولا يَحْسر عن منكبيه ولا يحركهما 1.
قال ابن رشد: والخَبب في طواف القدوم في الحج والعمرة سنة لمن أحرم من الميقات باتفاق، ولمن أحرم من التنعيم أو الجعرانة على اختلاف، ولا يخب في طواف الإِفاضة ولا في التطوع، ولا على أهل مكة خببٌ 2.
فرع:
واختُلِف فيمن قدِم مراهقًا، فلم يطفْ حتى رجع من منى لطواف الإِفاضة.
فروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان لا يرمل.
وفي كتاب ابن المواز: أنه يرمل.
مسألة:
واختلف في أهل مكة إِذا حجوا هل عليهم رمل؟ فكان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يرى عليهم رمَلًا.
وقال ابن وهب: استحب مالك أن يرملوا
وقال الباجي: قال مالك: يرمل المعتمر المكي وغيره؛ لأنه قادم من الحل على وجه يتعقب طوافَه السعيُ 1، ولا رمل في طواف الوداع باتفاق.
مسألة: وفي الرمَل بالصبيِّ يُطاف به قولانِ، وأجراهما اللخمي في المريض 2.
فرع: ولا رمَل على النّساء في طوافٍ ولا سعي 1
مسألة: ومحله الثلاثة أشواط الأول فإِن زُوحِم في الرَّمَل ولم يجد مسلكًا رمل بقدر طاقته 2.
مسألة: وفي الذخيرة: يستحب الدنو من البيت في الطواف 3، إِذ هو المقصود، فإِن لم يجد فرجة فيها يرمل تأخر إِلى حاشية الناس؛ لأن الرمل أفضل من الدنو.
مسألة: فإِن لم يرمل في الطواف الواجب، فإِن بعُد فلا إِعادة عليه، وهل يهدي أم لا؟ قولان 4.
وآخر قولي مالك: أنه ليس عليه دم، وإِن قرب ففي الإِعادة قولان.
وفي المدونة، قال مالك: وإِن ذكر في الشوط الرابع أنه لم يرمل مضى ولا شيء عليه 1.
قال ابن يونس: وهذا مبنيٌّ على أنه لا إِعادة عليه، وأما على قوله: إِن قرب أعاد، فينبغي أن يبتدئ ويلغي ما مضى.
الثانية: أن يطوف 2 ماشيًا، فإِن طاف محمولًا أو راكبًا لعذر أجزأه وإِلا أعاد الطواف إِلا أن يكون رجع إِلى بلده فليهرق دمًا.
الثالثة: الدعاء، وليس بمحدود 3، وقد تقدم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين 4 = في تارك الخبب: إِنه يعيد طوافه، وإِن فات أهدى، وقال عبد الملك: لا يعيد الرمل وعليه دم.
وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن ذلك خفيف ولا شيء عليه.
الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 1. وكان عبد الرحمن بن عوف 2 - رضي الله عنه - يقول في الطواف: ربّ قني شح نفسي 3. وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
قال سنَد: ويُستحب إِذا فرغ من طوافه أن يقف بالملتزَم للدعاء ويعتنق ويلح بالدعاء.
وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يضع صدره ووجهه وذراعيه وكتفيه على الحائط ويبسطهما ثم يقول: هكذا رأيته - صلى الله عليه وسلم - يفعل 1.
فائدة:
وقال الحسن بن أبي الحسن 2: يستحب الدعاء بمكة في خمسة عشر موضعًا: عند الملتزم، وتحت الميزاب، وخلف المقام 3، وفي الطواف، وفي عرفة، وفي جمع وهو المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات، وعند الصفا، وعند المروة، وفي زمزم وفي السعي، وعند المشعر 4. انتهى.
ويستحب أيضًا عند الحلاق.
والملتزم: يسمى الحَطِيم، لأنه يدعى فيه على الظالم فيحطم.
الرابعة: استلام 1 الحجر الأسود بفيه في أول كل شوط لمن قدر عليه، فإِن لم يقدر وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل.
وجمهورهم على أنه يقبل يده، إِلا مالكًا في أحد قوليه، والرواية 2 الأخرى عنه أنه يقبل يده 3 فإِن لم يقدر بيده لمسه بعود ووضعه على فيه 4، وفي تقبيله روايتان 5، فإِن لم يقدر قام بحذائه وكبّر ومضى 6 ولا يشير إِليه بيده، ويضعها على فيه، فإِن لم يفعل فلا شيء عليه.
ولا يسجد عليه عند مالك، قال: وهو بدعة 1.
وجمهورهم على جواز فعل ذلك 2.
قال ابن حبيب: وما أرى كراهة مالك للسجود إِلا في الفتوى، ولا بأس به للرجل في خاصة نفسه 3.
ولا يقبل الركن اليماني ولكن يستلمه باليد 4.
واختلف عنه في تقبيل اليد.
وليس ذلك بلازم للنساء عند جميعهم.
فرع: وإِذا فرغ من الطواف فأراد الركوع، فليس عليه أن يعودَ إِلى الاستلام، فإِذا ركع وأراد الخروج إِلى السعي عاد فاستلم، فإِن طاف بعد ذلك تطوعًا ابتدأ بالاستلام.
فرع: وليس عليه أن يستلم الركن في ابتداء طوافه، إِلا في طوافه 1 الواجب، إِلا أن يشاء.
مسألة:
قال ابن وضاح 2: واستلام الحجر الأسود بغير صوت، وإِنما يكون بالصوت في قبلة الشهوة.
قال أبو عمران: وهذا تضييق، ومن قبّل مصحفًا أو خبزًا أو رأس عالم، هل يقال له هذا 3؟ وإنما هو صوت يتولَّدُ 4 مع التقاء الأعضاء 5.
فكأنه يقول: ذلك واسع صوّت في استلامه أم لا؟
مسألة: ولا تستلم الركنين اللذين يليان الحجر ولا يقبلان 1، ولا يكبر إِذا حاذاهما لأنهما ليس بركني البيت، بل هما بعض الجدار.
مسألة:
وأما استلام الركن لغير طوافٍ فلا بأس به، وليس من شأنِ الناس، ومن سُنن 2 استلام الركن: الطهارة.
قال مالك: ولا يستلم الركنَ إِلا طاهرًا.
مسألة: ولا يستلم الركن اليماني عند الخروج، ولكن يستلم الحجر الأسود، ولا يزيد على التكبير عند استلام الحجر والركن اليماني، في قول مالك - رحمه الله -.
وعن مالك في "المجموعة": إِذا استقبل الركن 1 حمد الله وكبر 2.
قال ابن الحاج: وليزاحم على الحجر الأسود ما لم يكن أذى.
ومكروهات الطواف الإحدى عشرة:
السجود على الركن، واستلام الركنين اللذين يليان الحجر، وقراءة القرآن 3 وكثرة الكلام فيه، وإنشاد الشعر 4، وشرب الماء لغير (المضطر والبيع والشراء) 5 مختلطًا بالنساء 6، وتغطية (الرجل فمه وطواف) 7 المرأة متنقبة، والركوب لغير عذر.
وفي بعضها خلاف، من ابن راشد 8.
وزاد غيره الحسر عن المنكبين، والطواف عن صبي قبل أن يطوف عن نفسه.
الركن الثالث: السعي
:
وهو (من الواجبات التي) 1 لا تنجبر بالدم عند مالك - رحمه الله تعالى -.
وصفة الخروج إِلى السعى أن يسلّم من ركعتي الطواف ثم يستلم الحجر الأسود، (ثم يخرج إِلى السعي) (1).
ولم يحدد مالك لمن أراد الخروج إِلى الصفا بابًا يخرج منه، غير أن باب الصفا أقرب إِلى الخروج إِليه 2. = وهو محمد بن عبد الله بن راشد البكري نسبًا القفصي بلدًا، نزيل تونس، أبو عبد الله المالكي، له رحلة مشرقية وحج سنة 680، وولي قضاء قفصة.
من تآليفه الشهاب الثاقب في شرح مختصر ابن الحاجب، والفائق في الأحكام والوثائق.
ت 736 بتونس.
وقد حققنا من كتبه "المذهَب في ضبط مسائل المذهب".
(الأعلام: 7/ 111، إِيضاح المكنون: 2/ 399، تاريخ الدولتين: 60، تراجم المؤلفين التونسيين: 2/ 329 رقم 193، درة الحجال: 2/ 112 رقم 558، الديباج: 2/ 328، كحالة: 10/ 213، نيل الابتهاج: 235، وفيات ابن قنفذ: 346).
وقد استحب الدخول إِلى مكة من كَدَاء الثنية 1 ودخول المسجد من باب بني شيبة 2، والخروج من مكة من كُدًى 3؛ لأنه أسمح ولم يقل ذلك في الخروج من باب الصفا للسعي لكونه أسمح.
وله شروط:
الأول: الترتيب، وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف، فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى، انظر الموطأ 4.
فلو طاف ولم يخرج للسعي حتى طاف سبعًا أو سُبُعَيْن تطوعًا، فأحبُّ إِلي أن يعيدَ الطواف ثم يَسعى، وإن لم يعد رجوتُ أن يكونَ في سعةٍ.
قال الباجي: ومن طاف فلا ينصرفُ إِلى بيته حتى يسعى إِلا من ضرورة يخاف فواتها، كخوفه على منزله أو كالحقن 1.
ويبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يبدو له البيت، وإن لم يصعد فلا شيء عليه.
ولا يجب إِلصاق العَقِبَين بالصفا على المذهب، بل مبلغه من غير تحديد، وهذا إِذا لم يصعد.
قال ابن المعلى عن بعض أهل المذهب: والاحتياط أن يصعد؛ للخروج من الخلاف.
قال: واشترط بعض العلماء أن يلصق عقبيه بالصفا، ويلصق أصابع رجليه بالمروة 2. = قال: ليرجع فليطف بالبيت، ثم ليسع بين الصفا والمروة، وإن جهل ذلك حتى يخرج من مكة ويستبعد، فإِنه يرجع إِلى مكة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة".
(كتاب الحج، جامع السعي، من الموطإِ)، (تنوير الحوالك: 1/ 268، الزرقاني على الموطإِ: 2/ 318).
وقال بعض أصحابنا: يجب أن يرقى بقدر قامةٍ.
والصحيح: أنه لا يجب.
وقصدهم استيعاب ما بين الصفا والمروة 1.
تنبيه: قال الشيخ محب الدين الطبري 2 الشافعي - إِمام المقام بمكة، وكان من الأئمة المقتدى بهم وتصانيفه دالّة على تمكنه في العلم وسعة اطلاعه - في منسكه: والمقصود باشتراط الرقي عند من يشترطه ليس إِلا طلبَ حصول استيعاب ما بين الصفا والمروة، وذلك يحصل بغير رقي، فمن دخل بنفسه أو بدايته تحت العقد المشرف على المروة فقد استوعب ما بينهما، وكذا من وقف بنفسه أو بدابته على الأرض ملاصقًا لسفل ما ظهر من الدرج أو قريبًا
من ذلك يصدق عليه أنه راق على الصفا؛ لأن اليوم بعض درج الصفا، وهي خمس أو ست منها، قد اندفن 1 في التراب وربت عليهن الأرض، فلا حاجة إِلى اشتراط الرقي 2.
قال: ثم إِنه لا خلاف عندنا في جواز السعي راكبًا، والراكب يتعذر عليه الرقي بمركوبه، لا سيما المحايز 3 والمحامل وشبهها، وتكليفه النزول عن مركوبه كلما وصل إِلى الصفا والمروة لأجل الرقي 4 مشقة شديدة، وقد أجمع الناس على خلافها.
انتهى.
وهو إِمام عظيم يُرجع إِليه في صحة النقل، وما ذكره من دفن درج الصفا صحيح؛ لأن أصحابنا قالوا: يرقى على الصفا حتى يبدو له البيت، والبيت في زماننا يظهر للواقف على الأرض من غير رقي، وارتفاع الأرض ظاهر فاعلمه.
فإِذا رقى على الصفا قام مستقبل البيت وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 1 الآية، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - 2.
وفي الموطإِ 3 عن جابر بنُ عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إِذا وقف على الصفا يكبر ثلاثًا ويقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
لا إِله إِلا الله أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده".
يفعل ذلك ثلاث مرات ويدعو.
واستحسن بعضُهُم أن يقول: الله أكبر، الله أكبر 4 ولله الحمد، الله أكبر على ما هدَانَا، والحمد لله على ما أولانا، لا إِله إِلا الله وحده لا شريك
له، له الملك، وله الحمد، يُحْيِي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير 1، لا إِله إِلا الله، ولا نعبد إِلا إِياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون 2.
وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: اللهم إِنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 3 وإِنك لا تخلف الميعاد، وإِني أسألك كما هديتني للإِسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم 4.
ثم تدعو بما أحببت، ولا تلبِّي، ولا تدع الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن حبيب: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، ثم تقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ثم تدعو بما استطعت، ثم تعيد التكبير والتهليل، ثم تدعو، تفعل ذلك
سبع مرات، فتكون إِحدى وعشرين تكبيرة وسبع تهليلات 1. وتدعو بين ذلك، ثم تفعل على المروة كما فعلت على الصفا، هكذا تفعل في كل وقفة حتى تتم سبعة أشواط فتصير أربع وقفات على الصفا، وأربع على المروة.
مسألة: وتقف النساء أيضًا على الصفا إِلا من بها علّة أو ضعف، وليس عليهن أن يصعدن إِلى أعلاه إِلا أن يخلو فيصعدن 2 وذلك أفضل 3 لهن 4.
مسألة: والسنة: القيامُ على الصَّفَا والمروة، ولا يجلس إِلا من عذر، وإِن جلس في أعلا الصفا فلا شيء عليه.
فرع: قال ابن حبيب: وإن زوحمت على الارتقاء على الصفا إِلى حيث ترى البيت فلا حرج إِن شاء الله تعالى.
فرع
:
وهل يرفع يديه في الدعاء (1) هناك؟ هُنالك قولان، وبالرفع قال ابن حبيب.
قال: يرفعهما إِلى حذو المنكبين وظهورهما إِلى السماء وبطونهما إِلى الأرض (2).
الشرط الثاني: الموالاة
:
فإِن جلس بين ظهراني سعيه 3 جلوسًا خفيفًا، فلا شيء عليه.
وإِن تطاول ذلك حتى صار كالتارك لما كان فيه ابتدأ 4.
قال أَبو محمد بنُ أبي زيد 5: يريد أن يبتدئ الطواف12
والسعي (1). قال ابن القاسم: وكذلك إِن تحدث مع أحد، أو باع أو اشترى أو صلَّى على جنازة: فيبني فيما خف من ذلك (2) ولم يتطاول، بخلاف الطواف، وإِن كثر ذلك ابتدأ سعيه، قاله ابن حبيب.
فرع
:
وإِن أقيمت عليه الصلاة في السعي فليتماد، إِلا أن يضيق وقت تلك الصلاة، فليصل ثم يبني على ما مضى له، وإِن أصابه حقْنٌ في سعيه توضأ ولا يستأنف 3 بخلاف الطواف، وكذلك لو رعف غسل الدم وبنى.12 = النوادر والزيادات، والرسالة الفقهية، وتهذيب العتبية، ومختصر المدونة، والمناسك.
ولد بالقيروان سنة 310 على الراجح وبها نشأ وتوفي 386. (الأعلام: 4/ 230، تراجم المؤلفين التونسيين: 2/ 443 رقم 228، شذرات الذهب: 3/ 131، طبقات الفقهاء للشيرازي: 160، عنوان الأريب: 1/ 34، الفكر السامي: 3/ 120، مرآة الجنان: 2/ 441، مقدمتنا لكتاب الجامع في السنن لابن أبي زيد: 15 وما بعدها، هدية العارفين: 1/ 447، وفيات ابن القنفذ: 33).
فرع
:
وأما الجلوس لغير علّة فممنوع، فإِن فعل وكان شيئًا خفيفًا فلا شيء عليه وبئس ما صنع.
وإِن طال استأنف، فإِن لم يستأنف وأتم سعيه على ما تقدم منه، فقال أشهب: لا شيء عليه.
ووجهه: أن اتصاله ليس بشرط في صحته، وإِنما هو من فضائله.
الشرط الثالث: إكمال العدد
:
فإِن ترك شوطًا منه في حجة (1) أو عمرة صحيحة أو فاسدة فليرجع لذلك من بلده (2).
ومن ترك من السعي ذراعًا لم يُجزِه.
ومن ابتدأ بالمروة ألغي ذلك الشوط وزاد شوطًا، ليكون باديًا بالصفا.
الشرط الرابع: أن يتقدمه طوافٌ صحيحٌ
3.12
ويسعى الحاج عقيب طواف القدوم، فإِن كان مراهقًا فعقيب طواف الإِفاضة.
وإِن أخَّره غير المراهق حتى فعله عقيب طواف الإِفاضة لزمه الدم عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب (1).
ولو أخّره حتى فعله عقيب طواف الوداع أجزأه عند مالك؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
فرع
:
ولو دخل مكة فطاف ولم ينو الفرض فلا أحب له أن يسعى إِلا بعد طواف ينوي به الفرض.
وقد تقدم أن مالكًا - رحمه الله - أطلق على طواف القدوم أنه واجب، ومعناه وجوب السنن المؤكدة.
وأما سننه فخمس:
الأولى: اتصاله بالطواف
2 إِلا الشيء اليسير، وله أن يطوف بعد الصبح1
ويسعى بعد طلوع الشمس، وكذلك بعد العصر، فإِن طاف ليلًا وأخّر السعي حتى أصبح أجزأه إِذا كان بوضوء واحد، وإِلا أعاد الطواف والسعي والحلاق، فإِن خرج من مكة أهدى وأجزأه (1).
الثانية: الطهارة
:
قال الحفيد 2 في "البداية": اتفقوا على أن من شروطه الطهارة من الحيض كما في الطواف.
وما قاله الحفيد مخالف لنصوص المذهب 3.
ولا خلاف بينهم أن الطهارة من الحدث ليست من شرطه إِلا الحسَن، فإِنه اشترطها 4.1
فإِن احتاج إِلى قضاء الحاجة وهو يسعى قطع وقضى حاجته وبنى، قاله مالك، يريد: ويستحب له أن يجدّد الوضوء (1).
قال مالك: وإِن انتقض وضوؤه في السعي أو ذكر أنه على غير وضوء فأحب إِليّ أن يقطع ويتوضأ ويبني، وإِن أتمه على غير وضوء أجزأه.
قال مالك: ولا أحب لأحد أن يفعله، من مختصر الواضحة (2).
الثالثة: المشي
:
قال مالك: ولا يسعى أحد بين الصفا والمروة راكبًا إِلا من عذر، ونهى عن ذلك أشد النهي 3.
قال عنه ابن المواز: وإن ركب من غير عذر أعاد سعيه إِن كان قريبًا، وإِن بعد ذلك وطال أجزأه وأهدى 4.12 = - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة: افعلي كل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تسعي بن الصفا والمروة.
انفرد بهذه الزيادة يحيى عن مالك دون من روى عنه هذا الحديث، ولا خلاف بينهم أن الطهارة ليست من شرطه إِلا الحسن فإِنه شبهه بالطواف".
(بداية المجتهد: 1/ 275).
الرابعة: أن يتقدمه طواف واجب
(1).
الخامسة: الرَّمَل:
والرَّمَل في السبعة الأشواط (2) كلها في بطن المسيل خاصة، وهو ما بين الميلين الأخضرين (3).
وفي مناسك التادلي مما نقله من كتاب التدريب (4) لابن القاسم الحريري (5) ما نصه: ويبدأ بالصفا ويختم المروة ثلاثة خببًا وأربعة مشيًا.
وهو نقل غريب.
فرع
: والرَّمل في السعي أشد من الرَّمل حول البيت، ولا رَمَلَ على النساء 6،12345
ومن رمَل في جميع سعيه بين الصفا والمروة أجزأه، وقد أساء 1.
قال مالك: وإِن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه 2.
وفي كتاب أبي إِسحاق التونسي 3: الرَّمل في السعي واجب على من حج أو اعتمر من المواقيت أو من مكة أو من دون المواقيت.
وإِن ترك الرَّمل فقد اختلف في ذلك.
فقال مرة: لا شيء عليه من إِعادة ولا دم.
وقال مرة 4: يعيد، فإِن طال، فلا شيء عليه.
فرع
: زاد ابن الحاجب في سنن السعي: تقبيل الحجر عند الخروج إِلى السعي والرقي في الصفا والدعاء (1). وغيرُه ذكره في الفضائل.
الركن الرابع: الوقوف بعرفة
فإِذا كان اليوم السابع من ذي الحجة وهو اليوم 4 المسمى يوم الزينة أتى الناس الذين وصلوا إِلى مكة وغيرهم وقت الظهر إِلى المسجد الحرام، ويخطب الإِمام بعد صلاة الظهر خطبة واحدة لا يجلس فيها على المشهور.
وهذه الخطبة هي الأولى من خُطبِ الحج 5 يذكر فيها فضل الحج ويعلم الناس فيها مناسكهم وما يصنعون من خروجهم إِلى مِنى يوم التروية 6،2
ويلبي في أثناء خطبته هذه، وحسن أن يفتتحها 1 بالتلبية، ولا يلبي في الخطبتين اللتين بعدها في يوم عرفة وفي ثاني يوم النحر، ولكنه يكبر فيهما، ويفتتحهما بالتكبير كسائر الخطب 2.
مسألة:
فإِذا زالت الشمس من يوم التروية فطف بالبيت سبعًا، واركع واخرج إِلى مِنى، فإِن خرجت قبل ذلك لا حرج.
وروى ابن المواز عن مالك: يخرج من مكة يوم التروية إِلى مِنى، قدر ما يصلون بها الظهر، فإِذا وصل إِلى منى صلى بها الصلوات لوقتها قصرًا 3 ويبيت بها، إِلى أن يصبح، فيصلي بها الصبح، وكذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 4.
وسيأتي وقت السير منها إِلى عرفة قريبًا.
فرع:
وكره مالك المقام بمكة يوم التروية حتى يمسي إِلا من شغل أو يدركه وقت الجمعة قبل أن يخرج إِلى منى، فإِنه يصلي الجمعة قبل أن يخرج.
وقال في موضع آخر: من 1 أقام بها أربعة أيام فهؤلاء عليهم حضور الجمعة 2.
قال أصبغ 3: فأما المسافر فإِن شاء خرج وإِن شاء حضرها، وأحبُّ إِليّ أن = بشيء عقلته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمِنى" أخرجه البخاري.
(الصحيح: 2/ 173) كتاب الحج، باب أين يصلي الظهر يوم التروية.
يصليها لفضيلة المسجد الحرام.
وقال محمد: وأحب إِليّ خروجُه إِلى مِنى ليصلِّي بها الظهر 1.
وإِنما تكلم مالك على من غفل حتى أخذه الوقت.
وفي مَنْسَكِ ابنِ الحاج، قال مالك: وإذا 2 كان يوم التروية يوم الجمعة فليصلِّ 3 الإِمام بمِنى ركعتين بغير خطبة ويسرّ القراءة.
فرع:
وكره مالك أن يتقدم الناس إِلى مِنى قبل يوم التروية 4، وإلى عرفة قبل يوم عرفة.
واختلف في تقديم الأثقال.
فكره مالك ذلك حماية أن يتقدم الناس بأنفسهم؛ ولأنه لا بد أن يكون معها من يصونها.
وأجازه أشهب.
مسألة: ثم يغدو الإِمام والناس إِلى عرفة بعد طلوع الشمس، ومن غدا قبل ذلك فلا شيء عليه، ولا يجاوز بطنَ مُحَسِّر حتى تطلع الشمس على ثبير 1؛ وهو جبل بمِنى؛ لأن ما قبل محسر 2 في حكم مِنى، وتقول في مسيرك إِلى عرفة: اللهمّ إِليك توجهت ووجهك الكريم أردت، ونحوك قصدت، وما عندك طلبت، وإِياك رجوت، وبك وثقت، أسألك أن تبارك لي في سفري، وأن تغفر لي ذنوبي، وأن تقضي حوائجي، وأن تجعلني ممَّنْ تُباهِي به من هُوَ أفضلُ مني، إِنك على كل شيء قدير، اللهمّ اجعلْ ذنبي مغفورًا، وحجّي مبرورًا، وارحمني ولا تخيبني، إِنك على كل شيء قدير 3. وتلبي وتقرأ القرآن وتكثر من سائر الأذكار والدعوات وتكثر من قوله عزّ وجلّ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 4.
فرع: وكره مالك أن يمر إِلى عرفة من غير طريق المأزمين 1 فإِن فعل فلا شيء عليه 2، والاختيار لذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه 3 وسلم، وليس ذلك من المناسك، ذكره ابن زرقون 4 في شرح الموطإِ، وإِنما يذكر أهل المذهب ذلك في الدفع من عرفات ولم أره لغيره فانظره.
فرع: وفي الذخيرة قال مالك: ويُستَحب الذهاب راكبًا 1 لفعله - صلى الله عليه وسلم - 2
مسألة: فإِذا وصل الإِمام إِلى عرفة فلينزل بنَمِرة 3 وهو الموضع الذي يُقال له: الأراك 4 وهو أفضل منازل عرفة، وفيه نزل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - 1.
وينزل الناسُ حيث شاؤُوا من عرَفَة، وما قرب من مواضع منافعهم وكان أخف وأسهل.
فإِذا قرب الزوال، فيُستحب 2 أن تغتسل كغسلك عند دخول مكة، وكذلك تفعل المرأة وإِن كانت حائضًا أو نفساء.
فإِذا زالت الشمس رُحْتَ مع الناس إِلى مسجد عرفة غير ملب على المشهور 3 ثم صليت مع الإِمام الظهر والعصر جمعًا وقصرًا بأذان وإِقامة لكل صلاة 4. = ونقل نصوصًا ونظمًا متعلقا به.
وانظر (ملء العيبة: 5/ 89 - 91، اللسان: الل، الصحاح: 4/ 1672، النهاية: 1/ 62، معالم مكة: 31).
وسنة خطبة عرفة قبل الصلاة، ويبدأ بالخطبة إِذا زالت الشمس 1.
قال ابن حبيب: أو قبل الزوال بيسير قدر ما يفرغ من الخطبة وقد زالت الشمس، فإِن عجزت فصلها في رحلك جمعًا وقصرًا بإِقامة لكل صلاة، ومع الإِمام أفضل.
قال ابن حبيب: ولا أحب لأحد أن يترك جمع الصلاتين بعرفة مع الإِمام، فإِن صليت وحدك فلا تتنفل بينهما، فإِذا سلّم الإِمام من صلاة العصر وكنت معه أو وحدك، فاذهب مع الإِمام إِلى موقف عرفات وهي جبال الرحمة.
وعرفة كلها وجبالها وسهلها وطرقها كلها موقف، وليس لموضع منها فضل على غيره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عَرَفة كلُّهَا مَوْقِفٌ" 2.
وإِن وقفت عند الصخرات من سفح 3 الجبل حيث يقف الإِمام فهو أفضل 4؛ لأنه موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - 5 [في جبال] عرفة، ولكنى مع الناس، ولم
يصب من وقف بمسجد عرفة 1.
وقال أصبغ: لا يجزئ الوقوف فيه 2.
واتفقوا أنه لا يجزئ الوقوف ببطن عُرَنَة 3. (الصحيح: 1/ 890 كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، رقم 147). والصخرات: مفترشات في أسفل جبل الرحمة الواقع بوسط أرض عرفات.
(تعليق محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم: 1/ 890).
وتأخذ في التهليل والتكبير في مسيرك إِلى الموقف 1.
فرع: فإِذا وقفت فاستقبل البيت راكبًا كنت أو ماشيًا ولا تقف على الأرض إِلا أن تكون بك علة تمنعك الركوب أو تكون بدابّتك علة فلا بأس بذلك 2. قال مالك: الوقوف على ظهور الدواب سنة، والوقوف على الأرض رخصة 3. ووقوفك طاهرًا متوضئًا أفضل 4، وإِن كنت جُنُبًا من احتلام أو على غير وضوء فقد أسأت ولا شيء عليك 5، ولا تجلسْ إِلا لكلالٍ.
فصل
وليكن وقوفك بسكينة ووقار، وأكثر من الدعاء لوالديك وأقاربك ومشائخك وأصحابك وأصدقائك وسائر من أحسن إِليك وجميع المسلمين، وأخلص التوبة واترك الإِصرار، وأكثر من الاستغفار والزم الندمَ على سالف الذنوب، والتزم 1 الإِقلاع عنها والعزم على أن لا تعود إِليها، والاستعانة بالله تعالى على ذلك، واجتهد في ذلك الزمن في الذكر والدعاء والابتهال، فهو أفضل أيام السنة للدعاء، وهو معظم الحج ومقصوده والمعول عليه، فينبغي أن تستفرغ جهدك في ذلك واحذر كل الحذر من التقصير في ذلك كله، فإِن ذلك اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره، ويكون للمسلمين من دعائك نصيب وافر، فإِن ذلك يزيدك ولا ينقصك، ولا تتكلف السجع في الدعاء، فإِنه يذهب الانكسار والخضوع والافتقار والمسكنة والذلة والخشوع، إِلا أن يَدعُوَ بدعوات محفوظة له أو لغيره مسجوعة لا يشغل قلبه بترتيبها.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إِذا دعا أحدكم فليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإِن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مقبولة، والله تعالى أكرم من أن يقبل 2 بعض دعائك ويرد بعضه 3.
وهذه أدعية القرآن الكريم، والبداية بها أحسن:
ويبدأ بالفاتحة لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ 1، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ 2، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 3، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 4، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 5، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ = الصلاة على رسول الله، وكذلك يختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة معروفة.
وقد أورد منها حديثًا أخرجه الترمذي: وقال: حسن صحيح وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه سبحانه والثناء عليه ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يدعو بما شاء".
(الأذكار: 108).