ويجب الحجّ بالإِسلام والحرية والتكليف والاستطاعة.
قال القاضي عبد الوهاب 1: الإِسلامُ شرطٌ في الأداء بناءً على أنَّ الكفارَ مخاطَبُون بالفروعِ 2، وهو المشهور 3.
والحريةُ: شرطٌ 1 بلا خلاف.
والصبي والمجنون: لا يخاطبَان بالحج، حتى يحتلم الصبي ويفيقَ المجنونُ 2.
وأما الاستطاعة: فهي مورد النص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 3.
فالاستطاعة سبب الوجوب، وهيَ معتَبَرةٌ بحال المكلَّفُ 4 في صحة = وقيل: هم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر.
وقيل: هم مخاطبون بما دون الجهاد.
(أحكام الآمدي: 1/ 144 - 147، شرح تنقيح الفصول: 162 - 167).
بدنه وماله وعادته وقدرته من غير تحديد، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمسافات في القرب والبعد وكثرة الجَلَدِ وقِلته، فمن قدر على الوصول إِلى مكة إِما راجلًا وإما راكبًا بشراءٍ أو كراءٍ فقد لزمه فرضُ الحجِّ، فإِن كان 1 الرجلُ ممن لا يقدر على المشي أو يقدر عليه بمشقة تفدحه 2 أو كان عيشُه في بلده يتعذر عليه في طريقه كالصناعة التي لا يجدها، والسؤال الذي لا يجد له موضعًا في طريقه، فهذا لا يجب عليه الحج، حتي يجدَ الزادَ والراحلةَ 3، ويلزمه أن يبيع في ذلك ما يبيع عليه السلطان في الدَّيْن 4. وسئل ابن القاسم عن الرجل تكون له قرية ليس له غيرها أيبيعها في حجة الإِسلام ويترك ولدَهُ لا شيء لهم يعيشون به؟ قال: نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة 5. = 4/ 22، التمهيد: 9/ 125 وما بعدها، المحرر الوجيز لابن عطية: 3/ 170، مقدمات ابن رشد: 1/ 380، القبس: 1/ 541).
قال أبو الوليد بن رشد: هذا إِذا أمن عليهم الضيعة ولم يخش عليهم التلف؛ لأن الله تعالى أوجب عليه نفقتهم في ماله، كما أوجب عليه الحج، فهما حقان لله تعالى تعيّنا في ماله، فإِذا ضاق عنهما وجب أن يبدأ بنفقة الولد؛ لأن خشية الهلاك عليهم تُسقط عنه فرض الحج 1.
مسألة: وفي الذخيرة 2 قال مالك: يُقَدِّمُ الحج على زواجه، إِلا أن يخاف العنَت 3 فيتزوج؛ لأن مفاسد الزني عظيمة 4. ولا يجوز له أن يتزوَّجَ الأمةَ مع وجود الطَّوْل لتوفير المال للحج 5.
ويُقَدِّمُه على دَيْن والده 1؛ لأن دَيْن والده لا يجب 2.
مسألة:
إِن وجد النفقة لذهابه فقط وجب عليه الحج.
قال اللخمي: إِلا أن يخشى الضياع هناك فيراعي نفقة العود إِلى أقرب موضع يعيش فيه.
فرع: إِذا لم يكن له مال وبُذِل له مال لم يلزمه قبولُهُ عند الجميعِ؛ لأنَّ أسْبَابَ الوُجُوبِ لا يجبُ تحصيلُهَا على أحد، وكذلك لو بُذل له ذلك على سبيل القرض؛ لأنَّ الدَّيْن يمنع الحج 3.
فصل: في حج الماشي
وله حالاتٌ:
الأولى: إِذا كان ذا حرفة في بلده وهو قادر على المشي بغير مشقة فادحة، وحرفته لا تتعذر عليه في الطريق، سواء كانت صنعة أو كرية، فإِن الحج يجب عليه وإِن لم يجد زادًا ولا مركبًا.
وقيل: لا يلزمه إِذا كانت حرفته السؤال.
الثانية: أن تكون حرفتُه مما تتعذَّرُ عليه في طريقه 1 وهو يقدر على المشي، فالحج واجب عليه إِذا وجد الزاد خاصة.
الثالثة: أن تكون حرفته في بلده مما لا تتعذر عليه في طريقه، وهو لا يقدر على المشي فيعتبر في حقه وجود المركب خاصة.
الرابعة: إِذا كان عيشُه ببلده من غير السؤال، وهو يقدر أن يتوصل إِلى مكة بالسؤال، فلا خلاف في أنه لا يجب عليه الحج.
واختُلِف هل يباح له ذلك أم يُكْرَهُ؟ فقيل: بالإِباحة، وقيل: بالكراهة، والأولُ قولُ مالك في رواية ابن عبد الحكم.
والثاني قوله في سَماع ابن القاسم
من كتاب البضائع والوكالات (1).
مسألة
: وحكم الأعمى إِذا وجد قائدًا حكمُ البصير 2.
مسألة: أفتى أبو الوليد بنُ رشد بأن فرض الحج ساقط عن أهل الأندلس وأهل المغرب، للمشقة اللاحقة لهم في بلاد المغرب وغيرها 3.1
وقال ابن طلحة الأندلسي 1 في كتابه "المدخل": وقد لقيت في بلاد المغرب وأنا قاصد الحج من المغرب ما اعتقدت معه أن الحج ساقط عن أهل المغرب، بل حرام لما يركبونه من المخاطرات 2. وأفتى الشيخ أبو بكر الطرطوشي 3 بأنه حرام على أهل المغرب، فمن
خاطر وحج فقد سقط فرضه ولكنه أثم بما ارتكب من الغرر (1). وقال القاضي (2) أبو بكر بن العربي: والعجب ممن يقول: إِن الحج ساقط عن أهل المغرب، وهو يسافر من قطر إِلي قطر ويخرق البحار، ويقطع المخاوف في مقاصد دينية ودنيوية، والحال واحد في الخوف والأمن والحلال والحرام وإِنفاق المال وإِعطائه في الطريق وغيره (3) لمن لا يرضى.
فرع
: وفي الذخيرة: ويسقط فرض الحج إِذا كان في الطريق عدوٌّ يطلب النفس أو يطلب من المال مَا لَا يَتَحدَّدُ، أو يتحدد ويجحف 4، وفي غير المُجْحِفِ123
خلافٌ 1. وأفتى الشيخ أبو عِمْرَان الفاسِي 2 جماعةً مشوا للحج فطلب أعرابيٌّ منهم لكل حمل ثُمُنَ درهم، بأن يرجعوا فرجعوا 3.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إِن طلب منه ظالم في الطريق أو في دخول مكة مالًا، فقال بعض الناس: لا يدخل ولا يعطيه وليرجع، والذي أراه أن يعطيه، ولا ينبغي أن يدخل في ذلك خلاف، فإِنه يجوز للرجل أن يصون عرضه ممن يهتكه بمال يدفعه له، وهذا بإِجمَاع الأمة، وقد جاء: "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة" (1) فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إِياه.
ولو أن ظالمًا قال لرجل: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إِلا بجُعْلٍ لوجب عليه أن يعطيه (2).
مسألة
فإِن كان مع الرجل زاد وراحلة إِلا أنه لا يقدر على المشي من اللصوص23
وما أشبه ذلك فكان مالك يقول: هو عذر بَيِّن.
ثم رجع بعدما أفتى به زمانًا، وقال: الحذَر لا يُنْجِي من القَدَر، فإِذا وجد الرجلُ الزادَ المبلِّغ والراحلةَ وصحةَ البدن فالحج واجب عليه.
قال ابنُ المواز: ولم يقل مالك ذلك إِلا في مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأمَّا مَا سواها من الأمصار فهو بالخيار، إِن شاء أجاب وإِن شاء ترك، نقله ابن رشد في كتاب جمل من أصول العلم.
مسألة
: والبحرُ لا يمنعُ وجوب الحج إذا لم يكن له طريق إِلَّا منه، إِذا كان يركب وكان غالبُه السلامةَ، فإِن غلب العطب أو علم تعطيل الصلاة بمَيْدٍ 1 أو ضيق ونحوه فإِنه لا يركبه 2.
فصل
والمرأة كالرَّجُلِ في الاستطاعة، وتزيد عليه باستصحاب زوج أو مَحْرَمٍ، فإِن لم يكن أو أبى المحرم ووجَدت رُفقة مأمونة من رجال أو نساء لزمَهَا الحجُّ 1.
واعتبار الأمْنِ في رُفْقَةِ النساءِ: أن تتحفَّظ معهم من أهْل الشرِّ من الرجال، وهذا هو المشهور 2.
وقال ابنُ عبد الحكم: لا تخرجُ إِلا مع محْرم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بالله والْيَوْمِ الآخرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا" 3، = بالصلاة ليس بكفر على المعروف، وبضدها تتميز الأشياء، والحج مع الصلاة بالعكس إِذ هي أفضل".
(عدة البروق: 125، الفرق: 181).
وإِن الفساد مع الرُّفقَةِ المأمونةِ لا يتعذَّر بالليلِ (1).
وقال ابن حبيب: إِن كانت صَرُورَةً (2) خرجت وإِلا فلا.
قال ابن رشد: ولو كانت متجالة (3) أو ممن لا يؤبه إِليه لم تمنع من الخروج.
تنبيه
واختلف هل يكون عبدُها محرمًا يخلو بها ويسافر معها؟ فيه قولان، وعلى القول بالجواز، فهل يُشترط أن يكون وغْدًا؟ - وبه قال مالك - أو لا يُشترطُ ذلك؟234 = وقال الشيخ عبد اللطيف آل عبد اللطيف: متفق عليه من حديث ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن عباس رضي الله عنهم بألفاظ مختلفة.
(طريق الرشد: 1/ 222 رقم 690). وانظر: (إِحكام الأحكام: شرح العمدة: 2/ 18 وما بعدها، رقم 4).
مسألة
التاسعة.
مخط.
خاص).
ذهب القاضي إِسماعيل 1 وغيرُه إِلى جواز ذلك.
قال ابن القطّان 2: وهو الصحيح.
وذهب ابنُ القصَّار 3 وابن عبد الحكم إِلى المنع 4 من ذلك.
وللشافعية أيضًا قولان.
قال الأسفراييني 1: والصحيح المنع.
من كتاب النظر في أحكام النظر لابن القطان 2.
وأما الكافل 3 فإِنه يخلو بمكفولته ويسافر معها؛ لأنه لها كالأب، من
كتاب الطرر لابن عات 1، نقله من كتاب الاستغناء لابن عبد الغفور 2 وحكاه عن ابن عيشون 3.
مسألة
:
وفي ركوب البحر والمشي البعيد للقادرة قولان 1.
وكره مالك للنساء ركوب البحر ونهى عنه خشية التكشف.
قال ابن رشد: وهذا إِذا كنَّ في معزَل عن مخالطةِ الرجال عند قضاء الحاجة ويقدرْنَ علي الصلاة، وإِلا فَلَا يَحِلُّ لهُنَّ أنْ يحججن فيه.
من البيان 2.
والذي رجحه القاضي عياض وجزم به: أن الحج لا يلزمها ماشية؛ لأن مشيها عورة، إِلا فيما قرب من مكة 3.
قال اللخمي: وهذا يحسن في المرأة الرائعة الحسنة ومن ينظر مثلها عند مشيها 1، وأمَّا المُتَجَالَّةُ ومن لا يُؤْبَه لها 2 من النساء فيجب عليها، كالرجل 3.
فصل
وشرط صحته الإسلام فلا يصح الكافر ويصح ممّن لا يجب عليه كالصبيّ والعبد 1.
فصل وأما حكم أدائه فهو على الفور 2. والقول بالتراخي للمغاربة 3 مستقرأٌ من مسائل مثل قوله فيمن منعه أبواه من الخروج إِلى الحج، فقال: يترضَّاهما العام والعامين 4، فإِن أذنا له وإِلا خرج وتركهما.
وليس هذا بالقوي؛ لأن طاعة الأبوين واجبة، فالتأخير لأجل تعارض واجبين 1، والكلام حيث لا تعارض، بل فيه دليل علي الفورية؛ لأن استمرار طاعتهما واجب، وقد قال في آخر السؤال: فإِن أذنا له وإِلا خرج وتركهما.
وكل مسألة استقرئ منها التراخي لا تقوى كقوله فيمن مات زوجها فأرادت الحج: تقعد في بيتها حتى تخرج من عدتها.
فهذه المسألة 2. استقرأ اللخمي منها التراخي 3، وهو غير قوي لتعارض واجبين أيضًا.
= أبي زيد فقد أفتى بالمبادرة للفرض ونصح بالتلطف في رضا الوالدين دون أن يتوقف الخروج على رضاهما.
(المعيار المعرب: 1/ 437). وانظر: (المحرر الوجيز، لابن عطية: 3/ 172).
قال ابن عبد السلام 1: إِذا تأملت المسائل المأخوذ منها التراخي وجدتها أقرب إِلى دلالتها على الفور منه على التراخي.
والذي يحكيه العراقيون عن مالك أنه على الفور 2، وهو الذي ارتضاه ابن بشير 3 وغيره،
وشهَّره ابنُ بَزِيزَة 1 في شرح التلقين، وابن عسكر 2 في شرح العمدة له، والقرافي في الذخيرة 3، ونصره الطرطوشي في تعليقه الخلاف، وهو أقرب إِلى أصول المذهب وإِلي الاحتياط.
ومن قال بالتراخي قال: إِنه مغيى بخوف الفوات 4.
قال القاضي أبو بكر بن بكير 1: هو شبه وقت الصلاة.
ولا يشبهه؛ لأن لخوف فوات الوقت علاماتٍ تَدُل عليه، بخلاف فواته بالموت أو بعوارض الأمراض 2 وغير ذلك.
قال: واحتج القائل بالتراخي بأن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - وغيره من المسلمين حجوا 3 قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مقيم بالمدينة، ونعوذ بالله أن يكون أبو بكر - رضي الله عنه - أدى الفرض أو أحد من المسلمين 4 قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله عز وجل يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ} 1 فأي تقدم أغْلظُ من أن يؤدَّى فرضُ 2 الحج قبل أن يؤديه هو؟ وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ضحّى قبل أن يضحي أن يعيد أضحيته 3، فكيف بالحج 4 الذي هو أحد دعائم الإِسلام؟
هذا ما لا يجوز أن يظنه ظان ولا يتوهمه متوهم.
وكيف وحج أبي بكر - رضي الله عنه - كان والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم، وهو أن المسلمين والمشركين اجتمعوا في الحج، فهذا أدل دليل علي ما قلناه، وإِنما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - أميرًا علي المسلمين 5، وإِنما كان حجهم تبرّرًا - على ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحضر المشاهد والحج قبل أن يهاجر - لا أداء لأداء فريضة.
وقد قال مجاهد وعكرمة: إِنَّ حَجَّ أبي بكر - رضي الله عنه - وقع في
ذي القعدة وحج النبي - صلى الله عليه وسلم - من العام المقبل وقع في ذي الحجة 1.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: "ألَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ 2، وإِن النَّسِيء زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ" 3.
فزال النَّسِيء بحجّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكنْ زائلًا قبل حجَّه، ولسْنَا نشكُّ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفرض عليه الحج حين أمر أبا بكر - رضي الله عنه - ثم أردفه بعلي - رضي الله عنه - معه براءة قبل السَّنَةِ التي حج فيها، ليخلص الحج لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين، ولا يجامعهم في حجهم مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وهذا إِنما كان بسورة براءة التي بعث بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لتُتْلَى على
مَنْ حجَّ بمنى 1. انتهى.
وللقاضي إِسماعيل والقاضي أبي الفرج 2 مثل ما قاله ابن بكير، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خُذُوا عَنِّي مناسككم" 3.
فدل على أن ما وقع قبل ذلك إِنما كان على وجه التبرر، ولم يتلقوا ما فرض الله تعالى عليهم إِلا من فعله - صلى الله عليه وسلم -.
فصل
وأما العمرة فسنة مؤكدة مَرَّةً في العمر، وقيل: واجبة 1.
وحكمها في الاستطاعة حكم الحج 2، ويكره تكرارها في السنة عند مالك.
وقال مطرف وابن الماجشون 3: لا يكره تكرارها 4.
فصل وللحج ميقاتان 5: زماني ومكاني.
فالزماني: شهور الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة (1).
وقيل: العشر منه.
وقيل: إِلى آخر أيام الرمي، وسيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى.
فرع
: ويكره الإِحرام بالحج قبل أشهره، ويلزم 2 إِن وقع علي المشهور، ولا ينقلب عمرة 3.1
مسألة
ذكر الونشريسي هذا الفرق: "وإِنما قالوا: إِذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج أنه ينعقد على المشهور، وإِذا أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت لم ينعقد؛ لأن أصل الحج مباين للصلاة في أمور شتى، =
وقيل: لا ينعقد الإِحرام بالحج؛ لأنه بمنزلة من قدّم الظّهر قبل الزّوال ويحل بعمرة، قاله مالك أيضًا.
قال اللخمي: وقوله: ويحل بعمرة، استحسان وهو بمنزلة من دخل في صلاة ثم ذكر صلاة فإِنه يستحب له أن ينصرف عن شفع.
قال ابن القاسم: فإِن قطع فلا شيء عليه (1)؛ من التبصرة.
مسألة
: ولا ميقات للعمرة من الزمان 2، ويصح الإِحرام بها 3 في كل وقت من السنة من غير كراهة إِلا في أيام منى لمن حج 4. والميقات المكاني 5 للمقيم بمكة من أهلها وغيرهم إِذا أرادوا الحج من 61 = قاله عبد الحق، وأيضًا: الحج إِذا أحرم به قبل الوقت لا يمكن أن يفرغ قبله؛ لأن وقته عرفة" (عدة البروق: 126، الفرق: 186).
مكة 1.
وفي تعيين المسجد الحرام قولان: بالاستحباب وعدمه.
وعلى تعيينه، فلا يحرم من باب المسجد 2، بل من عند البيت 3.
وقال ابن حبيب: يهل من باب المسجد.
وأما العمرة لمن كان بمكة، فلا بد لمريدها من الجمع بين الحل والحرم 4، ويكفي الخروج إِلى الحل ولو بخطوة، والأفضل أن يحرم من الجعِرَّانة 5 أو
التنعيم 1.
وأما الآفاقي 2، فأهل المدينة: لهم ذو = وإِلى مكة أقرب.
(مشارق الأنوار: 1/ 168). وهي الآن من قرى الشرائع بمنطقة إِمارة مكة المكرمة.
(المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية: 1/ 251). والإِحرام من الجعرانة مستحب لبعدها ولاعتماره - صلى الله عليه وسلم - منها في ذي القعدة، ويليها التنعيم في الفضل، وقيل: هما متساويان.
(ابن الحاج على ميارة: 1/ 105، شرح العزية للزرقاني: 265).
الحليفة 1، ولأهل نجْد قَرَن 2، والجحفة 3 لأهل الشام ومصر والمغرب، ولأهل اليمن يَلَمْلَم 4، ولأهل العراق وخراسان والمشرق ذات عرق 5. وسواء في ذلك الحج والعمرة.
ومن كان مسكنه بين الميقات ومكة أو بين ميقاتين أحرم من داره أو من مسجده.
فرع
:
ولا يجوز لمريد الإِحرام إِذا مر على بعض هذه المواقيت أن يتجاوزه فيحرم بعده، لا إِلى ميقات سواه ولا إِلى غير ميقات، إِلا أن يتعداه إِلى ميقاتٍ له، كالشَّامي والمصريّ يمر بذي الحليفة فلهم تجاوزُه إِلى الجحفة بشرط أن يمروا بها 1، فإِن لم يمروا بها فليس لهم أن يتجاوزوا ذا الحليفة بغير إِحرام، قاله ابن حبيب في الواضحة.
وقال اللخمي: يريد إِذا لم يكن سيرهم على موضع يحاذي الجحفة.
فرع: والإِحرام من أول الميقات أفضل 2. ويكره تقديم الإِحرام قبل الوصول إِلى الميقات، ويلزم إِن وقع 3.
فرع: قال ابن الحاج: والحج واجب على من كان في الجزائر مثل: الأندلس،
لأنها بحار مأمونة؛ ولأنهم لا يجدون طريقًا من غيره (1).
ونقل أبو عِمران الفاسي عن ابن شعبان، أنه قال: ليس علي أهل الجزائر حجٌّ.
والأول أصح، وهو عن مالك.
فرع
: ومن لم يكن مروره على الميقات، فيلزمه أن يتحرى محاذاة الميقات الذي يليه، ويُحرم إِذا حاذاه سواء سار في البر أو البحر (2).
تنبيه
:
قولهم: سواء حاذاه في البر أو البحر، أما البر فظاهر، وأما البحر فهذا حكمه مع غلبة الظن أنه يسلم من عوارض التعويق بالريح، وأما إِن خشي فلا ينبغي أن يكون الحكم كما ذكروا، لأنّه يؤدي إِلى التغرير والخطر بفوات الحج وبقائه محرِمًا، وهذا من المشقة.
فيؤخر إِحرامه حتى يصل إِلى البر، هذا حكم12
بحر القُلْزُم (1)؛ لأنه يأتي علي ساحل الجحفة ويمكنه النزول إِلى البر، والإِحرام من نفس الجحفة.
قال سند: وواسع أن يؤخر إِحرامه حتَّى يصل إِلى جُدة، لما يلحقه من المضرة إِن نزل إِلى البر (2) وفارق رحله، وكذا إِن أحرم في البحر للتغرير، فيؤخر إِحرامه حتى يأمن ويهدي، ويحرم إِذا نزل جدة (3)، وقيل: إِذا رحل منها، وهو الأظهر.
وأما بحر عَيذاب (4)، فلا يلزمه أن يحرم فيه إِذا حاذى الجحفة للتغرير، ولا دم عليه للتأخير، قاله سند.
فرع
: لو أخر المدني الإِحرام من ذي الحليفة إِلى الجحفة من غير مرض ففي الدم قولان، من مناسك التادلي.1234
باب: أركان الحج التي لا بد للمحرم من الإتيان بها ولا يجزئ في تركها هدي ولا غيره
وهي: الإِحرام وطواف الإِفاضة والسَّعْيُ والوقوف بعرفة جُزْءًا من ليلة النحر.
زاد ابن الماجشون: ورمي جمرة العقبة 1.
تنبيه: ومراد ابن الماجشون (2) أنه إِذا ترك رمي جمرة العقبة في جميع أيام الرمي حتى انقضت أيام الرمي ولم يرمها، فإِنه يبطل حجه، وليس مراده رمي جمرة العقبة يوم النحر؛ لأن المنقول عنه أنه إِذا لم يرمها يوم النحر حتى أمسى فليرمها وعليه دم، وإِن ذكرها قبل انقضاء أيام منى رماها وعليه بَدَنة، ذكره عنه ابن حبيب.2
وزاد ابن الماجشون: الوقوف بالمشعر الحرام مع جمرة العقبة 1.
ونقل ابن الحاج عن أبي عُبيد (1) من أصحابنا أنه يقول بذلك أيضًا، واحتج بأن الله تعالى ذكره في القرآن (2).
الركن الأول: الإحرام
أما الإِحرام 3: فهو الدخول في حرمة الشيء، وحرمة الشيء: ما لا يحل انتهاكه، وبهذا التفسير يزول الإِشكال عن قول ابن الحاجب: الإِحرام وينعقد بالنية 4، فظاهر كلامه أن الإِحرام مبايِنٌ للنية، ذكره الجزولي 5.12
وقال القاضي عبد الوهاب: هو الاعتقاد 1 بالقلب الدخول في الحج أو العمرة 2.
يعني أن تكون له نية تميز ما دخل فيه عن غيره؛ لأن الإِحرام يكون بالحج الفرض والنفل، ويكون بالعمرة، فلا بد من النية التي تخلص الإِحرام لشيء معين.
وقال ابن شاس: الإِحرام ينعقد بالنيةِ المقترنة بقولٍ أو فعلٍ كالتلبية والتوجه على الطريق، فجعل مالك - رحمه الله - أحَدَ هذين شرطًا في الانعقاد.
واشترط ابن حبيب التلبية عند الإِحرام 3.
وأما مجرد النية فالمنصوصُ أنه لا ينعقد بها.
وخرَّج اللخميُّ الانعقاد على القول بانعقاد الطلاق بالنية 4، وضعّفه ابن