الباب التاسع عشر: في ذكر حرم مكة شرفها الله تعالى وذكر حرم المدينة النبوية شرفها الله تعالى وحكم الاصطياد في حرميهما وقطع الشجر منهما
*
[تحريم الاصطياد وقطع النبات في الحرم]
وقد منع الاصطياد في حرم مكة - شرفها الله تعالى - وكذلك حرم 1 قطع ما ينبت بنفسه في الحرم، إِلا الإِذخر 2 والسنا 3. * في ر: بياض مكان هذا العنوان.
الجزء: 2 - الصفحة: 701
ويجوز قطع ما يستنبته الآدمي في الحرم، مما جرت العادة باستنباته، ويستوي فيما يحرم الأخضر واليابس.
فرع
: قال الباجي: ولم أر في السنا نصًّا غير أن الحاجة إِليه ماسة 4 ولم يزل ينقل إِلى البلاد للتداوي، ولم ينكر ذلك أحد، فصح أنه مباح 5.
فرع: ويكره له أن يحتش الأخضر لبهائمه لأجل خشية قتل الدواب حالة الاحتشاش 6 وأما رعْي دوابه فلا بأس بذلك، وله أن يطلق دوابه ترعاه 7.
الجزء: 2 - الصفحة: 702
قال ابن عبد السلام: والأقرب أن الكراهة هنا على التحريم.
فرع
:
ولو نبت ما يستنبت بنفسه من غير تسبب آدمي، كالنَّخْل والرمان، جاز قطعه ولو استنبت ما عادته ينبت بنفسه، كشجر الطرفاء وأم غيلان، فلا يجوز قطعه.
وقال الباجي: ما غرس مما ينبت بنفسه جاز قطعه عندي 8.
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن خبط 9 الشجر * وعضده 10 وقال - صلى الله عليه وسلم -: "هُشُّوا
الجزء: 2 - الصفحة: 703
وارْعَوْا" (1).
والهَشُّ: تحريك الشجر ونفضه.
والخبط: ضربه بالعصا.
والعضد: كسره.
فرع
: قال القرافي: إِذا أقلع شجرة من الحرم ردها لمنبتها، فإِن نبتت ذهبت الجناية، وإِلا انتفع بها واستغفر الله تعالى (2).
فرع: قال القرافي: وخفف مالك في قطع (3) العصا والعصاتين من شجر الحرم (4). قال ابن الحاج: ولا بأس بأخذ السواك.
تنبيه
قال التادلي: والمستثنيات سبعة على اختلاف في بعضها: الهش، والعصا، والسواك والإِذخر، والسنا، وقطع الشجر للبناء والسكنى في موضعه،12131415
الجزء: 2 - الصفحة: 704
وقطع الشجر لإِصلاح الحوائط والبساتين.
[إخراج التراب والأحْجَار من الحرم]
تنبيه
:
أدخل ابن المعلى في مناسكه مَسْألةً من كلام النووي ونقلها التادلي منه في مناسكه وهي 17: أنه قال النووي في كتابه الروضة: لا يجوز إِخراج شيء من تراب الحرم وأحجاره إِلى غيره 18، وسواء في ذلك تراب نفس مكة وتراب ما حولها من جميع الحرم وأحجاره، ولا يجوز إِخراج أشجاره ولا أغصانه في الأصح، وقيل: يكره ولا يحرم.
قاله القاضي بدر الدين بن جماعة في منسكه 19 قال: ويكره إِدخال تراب الحل وأحجاره.
وقال النووي في مناسكه أيضًا: ليس للحاج أن يستصحب شيئًا من الأكواز المعمولة من تراب حرم المدينة، ولا الأباريق ولا غير ذلك 20.
الجزء: 2 - الصفحة: 705
ويريد به ما ذكره القاضي بدر الدين بن جماعة من السبح المعمولة من تراب سيدي حمزة رضي الله عنه والأكر، قال: ومن أخذ شيئًا من ذلك وجب رده.
ونَقْل ابن المعلى والتادلي لذلك في منسكيهما يدل على اختيارهما لهذا الحكم، ويوهم أن ذلك يجري على قواعد مذهب مالك، وهذا حكم يحتاج إِلى توقف ودليل؛ ويشكل ما ذكروه بأمور:
منها: أنهم أجمعوا على إِباحة نقل ماء زمزم إِلى سائر البلاد بل استحبُّوا ذلك، وجاء أنه - صلى الله عليه وسلم - استهدى سهيل 21 بن عمرو من ماء زمزم فبعث إِليه براوية من ماء زمزم.
والماء والتراب شيئان في كونهما من العناصر التي بُني الوجود عليها فلا فرق بينهما، ولا خلاف أن ماء زمزم أعظم حرمة من التراب والأحجار، لجواز الاستجمار بالأحجار دون ماء زمزم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم" 22، ولم يرد أنه لا ينتفع بأحجار الحرم وترابه إِلا فيه،
الجزء: 2 - الصفحة: 706
وكل محذور يتوقع في الأحجار والتراب يُتوقع مثله في ماء زمزم الذي هو أشرف عنصر وأعظم حرمة.
ومنها: أنهم كرهوا إِدخال تراب الحل وأحجاره إِلى الحرم، وهذه الكعبةُ المشرفة أكثر أحجارها من غير الحرم على ما ذكره ابن الجوزي واتفق عليه نقل التاريخيين أن الكعبةَ بنيت من خمسة أجبل * من لبنان وطور سيناء وطور زيتا والجودي وحراء 23.
فليس فيها على هذا من حجارة الحرم غير أحجار جبل حراء، وهذا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأن آدم عليه السلام بناه من أحجار الجبال 24.
وذكر ابن الحاج ذلك أيضًا، وزاد أن ربض البيت من حراء.
والربض: الأساس المستدير بالبيت من الصخر، وكانت لاطية بقرب الأرض.
وكانت في أيام قريش يقتحمها العَناق 25 فلما بناها المشركون والنبي - صلى الله عليه وسلم - = ومعنى طعام طعم: يشبع من شرب منها كما يشبع الطعام.
(مجمع الزوائد: 3/ 286).
الجزء: 2 - الصفحة: 707
غلام يومئذ رفعوها في السماء عشرين ذراعًا وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي 26، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل لها الحجارة معهم من أجياد، والحديث في الصحيح 27.
وأيضًا فإِن الوليد بن عبد الملك أول من نقل إِليه أساطين الرخام 28، وذلك قبل مالك بن أنس، والناس ناس متعاضدون على الحق، لا يظن بهم أنهم يخافون الوليد ويسكتون على مكروه يحدثه الوليد في حرم الله تعالى، وكان من شأن الأئمة الرجوعُ إِلى كلمة الحق.
ولما استشار هارون مالك بن أنس في هدم ما بناه الحجاج في البيت، وإِعادته على ما بناه ابن الزبير رضي الله عنهما، قال له مالك: ناشدتك الله يا
الجزء: 2 - الصفحة: 708
أمير المؤمنين لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحدهم إِلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبتُه من صدور الناس، فتركه الرشيد على حاله 29.
فانظر كيف رجع إِلى مالك فيما أشار به، وكان يرى أن قصده حقٌّ يُثاب عليه وسنة تُحيى، فثبت بهذا أن إِدخال أحجار الحل إِليه غير مكروه.
ومنها: أنه لا فرق بين حرمة الشجر وحرمة الحجر والتراب والكيزان، بل جاء في حرمة الشجر ما لم يرد في أحجارها وترابها، وقد منعوا إِخراج الشجر والأغصان وأجازوا قطع السواك والعصا والعصاتين من شجر الحرم، ولم يشترطوا في ذلك أنه لا يخرج بالسواك من الحرم ولا بالعصا، فأباحوا اليسير، وكان ينبغي لهم أن يفرقوا في الأحجار بين الكثير واليسير، ولم يذكروا ذلك.
وقد تقدم ما ذكره الباجي في نقل السنا وأن نقله يجوز 30 ولا فرق بينه وبين التراب بدليل أنهم ألحقوا كسوة الكعبة بالتراب، وهي منقولة إِلى مكة من غيرها، فإِلحاق السناء بالتراب من باب أولَى.
ومنها: أن مسجد عرفة الذي يصلي فيه الإِمام اِخْتُلِفَ فيه: هل هو في الحل أو في الحرم؟ وتوقف مالك في حكم من وقف فيه 31، ولأصحابه فيه قولان:
الجزء: 2 - الصفحة: 709
قال ابن المواز: ويقال: إِن الحائط القبلي منه على حد عُرنة، وعرنة من الحرم وعرفة من الحل 32، ولو سقط لسقط في عرنة 33، وهذا المسجد أحدثه السلف الصالح من قبل مالك بن أنس، وحائطه على حد الحرم، بحيث أنه لو سقط سقط في الحل * أفترى أنهم تحرزوا من إِدْخَال شيء في هذا الحائط من الحرم أو وقوع شيء من تراب الحل في الحرم، ولو كان هذا مما هو ممنوع لبعدوا به عن الحرم، واتبعوا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حام حول الحمى يوشك أنْ يقع فيه" 34.
وكذا أنصاب حدود الحرم من هذا الباب، وإِذا تتبعت ذلك وجدته كثيرًا، وهذا مجال ضيق حرج.
ومنها: أنهم أجروا مجرى الأحجار والتراب كسوةَ الكعبة، فقال الإِمام أبو الفضل بن عدلان 35: لا يجوز قطعُ شيءٍ من ستور الكعبة ولا نقلُه ولا بيعُه
الجزء: 2 - الصفحة: 710
ولا شراؤُه ولا وضعُه بين أوراق المصحف، ومن حمل شيئًا من ذلك لزمه رده 36.
وهذا على وجه الاستحسان منه لذلك، والنصوص تخالف ذلك.
قال الباجي: وقد استخَفَّ 37 مالك شراء كسوة الكعبة.
وقال ابن الصلاح من فقهاء الشافعية: أمر ذلك إِلى الإِمام يصرفه في بعض مصارف بيت المال بيعًا وإِعطاءً، واحتج بما رواه الأزرقي في تاريخ مكة: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج 38 وتبعه النووي على ذلك واستحسنه 39.
وروى الأزرقي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما قالا: لا بأس أن تُباع كسوة الكعبة ويجعل ثمنها في سبيل الله تعالى والمساكين وابن السبيل 40. = الكامنة 3/ 423 رقم 3410، شذرات الذهب 6/ 164 - كحالة 8/ 288 - كشف الظنون: 931).
الجزء: 2 - الصفحة: 711
قال ابن عباس وعائشة 41 وأم سلمة 42 - رضي الله عنهم -: لا بأس أن يلبس كسوتَها من صارت إِليه من حائض وجنب وغيرهما.
وقد أجراها ابن عدلان مجرى الأحجار والتراب، ولا فرق بينهما في الحرمة، بل حرمة الكسوة أعظم لحرمة البيت الشريف، وقد انتقض ذلك عليه بالنصوص، ويلزمه ذلك في الأحجار والتراب.
ومنها: أن الإِمام العالم أبا محمد عبد السلام بن إِبراهيم بن رحال الحاجي قال: نقلت من كتاب الشيخ العالم أبي محمد صالح الهزميري - نفع الله به - قال: قال صالح بن عبد الحكم: سمعت أبا محمد عبد السلام بن يزيد الصنهاجي، يقول: سألت أحمد بن بكوت 43 عن تراب المقابر الذي كان
الجزء: 2 - الصفحة: 712
الناس يحملونه للتبرك: هل يجوز أو يُمنع؟ فقال: هو جائز، ما زال الناس يتبركون 44 بقبور العلماء والشهداء والصالحين، وكان الناس يحملون تراب قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في القديم من الزمان.
فإِذا ثبت أن تراب قبر سيدنا حمزة - رضي الله عنه - يُحمل من قديم الزمان، فكيف يتمالأ أهل العلم بالمدينة على السكوت عن هذه البدعة المحرَّمة؟ ! هذا من الأمر البعيد 45.
والناس اليوم يأخذون من تربة قريبة من مشهد سيدنا حمزة رضي الله عنه ويعملون منها خرزًا شبه 46 السبح، وهي المشار إِليها في كلام القاضي بدر الدين بن حماعة - رحمه الله تعالى * -
ومنها: أن مالكًا - رضي الله عنه - سُئل عن الرجل يخرج من المسجد،
الجزء: 2 - الصفحة: 713
أعني مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيجد شيئًا من حَصَى المسجد قد تعلق بوجهه أيلزمه رده إِلى المسجد؟ فقال: لا يلزمه ذلك، وأرخص له في طرحه 47 فقال السائل: يا أبا عبد الله إِنهم يقولون: إِذا خرجت الحصاة من المسجد تصيح حتى ترد إِلى المسجد؟ فقال له مالكٌ: دعها تصيح حتى ينشَقَّ حلقُها، فقال له: أولها حلْق يا أبا عبد الله؟ قال: ومن أين تصيح؟ فألزمه بهذا الكلام إِبطال ما ذكر من صياحها، ولم يفرق بين وجوده لذلك في الحرم أو بعد خروجه منه 48.
[حكم قطع شجر المدينة]
واعلم أن النووي ومن تبعه لم يفرقوا بين شجر مكة وشجر المدينة.
قال ابن الجوزي في مناسكه: إِن المدينة تفارق مكة في أنه يجوز أن يؤخذَ من شجر المدينة ما تدعو الضرورة إِليه للرحل (بالحاء المهملة) وشبه ذلك، فأجاز قطع ما تدعو الضرورة إِليه 49.
وحرم أصحابُنَا قطع أشجارها، وأن من قطع شجرة من منبتها ردها، فإِن
الجزء: 2 - الصفحة: 714
نبتت وإِلا انتفع بها، قاله القرافي في الذخيرة 50.
وانتفاعه بها من جملته إِخراجه من الحرم إِلى غيره من الحل، وقد أجاز بعضهم قطع الشجر ليغرس في موضعه شجرًا أو يبني بيتًا؛ وإِذا قطعه فله تملكه ملكًا تامًا يتصرف فيه بما يريد.
وقال القاضي عياض: قال المهلب 51: قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - النخل من المدينة حين بنى مسجده، وذلك يدل على أن النهي 52 لا يتوجه لقطع شجرها للعمارة وجهة الإِصلاح، وأن يقطع شجرها وشوكها ليتخذ موضعه 53 جنانًا وعمارة، وإن توجه النهي إِنما هو لقطع الإِفساد استبقاءً لبهجة المدينة وخضرتها في عين الوارد والمهاجر إِليها 54.
الجزء: 2 - الصفحة: 715
قال القرافي: والكلام في شجر المدينة كالكلام في شجر حرم مكة 55.
فإِذا تقرر هذا فقد ظهر بما قدمناه أن قواعد مذهبنا وفتاوى الفقهاء ونصوص المذهب شاهدة بمخالفة ما ذكره النووي وغيره.
ومما يؤيد ذلك أن العمارات التي بوادي القرى 56 فيها 57 من أحجار المدينة ما هو باق مشاهد إِلى الآن، والظاهر أنها محمولة من مقطع أحجار المدينة وهو بيِّن، فإِن تلك الأراضي ليس فيها مقطع يشبه مقطع أحجار المدينة، بل جبالها كلها 58 بين الحمرة والصفرة 59.
ومما يؤيد ذلك أنه لو كان إِدخال حجارة الحل مكروهًا ما كانت الكعبة المشرفة والحجرة النبوية فيهما من أحجار الرخام ما لا خفاء به، وذلك من زمن عمر بن عبد العزيز، بل من قبله، من زمن الوليد بن عبد الملك، فلا وجه للقول بالكراهة وليس في مسائل المذهب ما يدل على المنع من إِخراج كيزان الحرمين.
وقد قال النووي - رحمه الله -: لا يجوز الأكل في الأواني المعمولة من تراب الحرم، ولعل مراده الأواني التي أُخرجت من الحرم * وجعل الخارج بها بمنزلة المعتدي والغاصب.
الجزء: 2 - الصفحة: 716
فرع: فإِذا أقدم على قطع شجرة لا يجوز له قطعها فليستغفر الله عز وجل ولا شيء عليه، وبئس ما صنع.
فرع: ويكره للمحرم قطع ما يُستنبت من النخل والرمان، وكذلك يكره له احتشاش الكراث والسلق والخس، ونحو ذلك من البقول خشية قتل الدواب 60 قاله مالك في الواضحة.
فرع:
ويكره للمحرم أن يحتش في الحل خيفة قتل الدواب، وما يفعله الحاج من الاحتشاش في طريق مكة بعد الإِحرام ينبغي الاحتراز منه، لمن عز عليه دينه.
والظاهر أن الكراهية في هذه وما قبلها على التحريم، وليست على بابها، للتعليل بخيفة قتل الدواب، قاله ابن عبد السلام.
فرع: وشجر الحرم سواء فيه الأخضر واليابس؛ لأن الأخضر بهجة وأبهة واليابس له حرمة، وربما انتفع الطيور بالمبيت عليه والتوقف عليه بالنهار.
الجزء: 2 - الصفحة: 717
فصل
()
والمدينة ملحقة في تحريم شجرها وصيدها، غير أن الشجر لا جزاء فيه 61. وأما الصيد فالمشهور أنه لا جزاء فيه، قاله ابن الحاجب 62.
وقال القاضي عبد الوهاب: مقتضى مذهب مالك أن الجزاء فيه واجب 63.
وقال ابن نافع: فيه الجزاء وقاسه على حرم مكة.
وحكى ابن القصار أيضًا عن بعض أصحابنا: أنه الأشبه بمذهب مالك.
وقال ابن القصار أيضًا 64: الصيد في حرم المدينة مكروه.
وقال القرافي: الأشبه التحريم 65. () فصل: سقطت من ر، ب.
الجزء: 2 - الصفحة: 718
فرع:
وإِذَا قلنا: إِن فيه الجزاء، فيحرم أكله، وعلى المشهور: أكله مكروه.
قال مالك: وليس كالذي يصاد بمكة.
فتحصل في ذلك: هل يحرم صيد المدينة أو يكره؟
قولان: المشهور: حرامٌ، وهل يؤديه أم لا؟ المشهور: لا جزاء؛ وعلى الشاذ فهل يحرم أكله أو يكره؟ المشهور: الكراهة.
فصل
وأما تحديد حرم مكة 66 فحده ما يلي المدينة النبوية إِلى منتهى التنعيم نحو أربعة أميال.
ومما يلي العراق ثمانية أميال إِلى موضع يقال له: المُقَطَّع 67.
ومن عرفة تسعة أميال.
ومن طريق اليمن تسعة أميال إِلى موضع يقال له: أضاءة 68، بالمدِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 719
وممَّا يلي جُدة عشر أميال 69 إِلى منتهى الحديبية 70. قال مالك في العتبية: والحديبية في الحرم 71. وهناك أعلام مبنية تدل على حدود الحرم.
فائدة: وأول من نصب حدود الحرم إِبراهيم الخليل عليه السلام، ثم إِن قريشًا قلعوها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتدَّ ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأى رجال من قريش في المنام قائلًا يقول: حرمٌ أعزكم الله به قلعتم أنصابَه! الآن تخطفكم العرب؛ فأصبحوا يتحدثون بذلك فأعادوها، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريلَ عليه السلام: هل أصابوا في ردها؟ قال جبريل: ما وضعوا منها نصبًا إِلا بيد ملَك 72. ثم جددها * النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك في عام الفتح، ثم جددها عمر بن
الجزء: 2 - الصفحة: 720
الخطاب 73 - رضي الله عنه - ثم جددها معاوية - رضي الله عنه - ثم جدَّدها عبد الملك بن مروان 74.
فإِن قلت: ما السر 75 في أن بعض حدود الحرم قريب من مكة كالتنعيم، وبعضها بعيد كناحية جدة وبعضها متوسط كناحية اليمن؟
قلت: فيه أقوال:
أحدها أنه لما وضع إِبراهيم عليه السلام الحجر الأسود في موضعه أضاء نورُه يمينًا وشمالًا، ومن كل ناحية 76 فمنتهى الحرم حيث انتهى نوره.
وقيل: إِنه منتهى ضوء الخيمة التي أُنزلت في موضع البيت قبل بناء آدم عليه السلام 77 له 78.
وقيل: إِن آدم - صلى الله عليه وسلم - لما هبطت له تلك الخيمة جاءت الجنُّ والشياطينُ ليقربوا منها، فاستعاذ آدم عليه السلام منهم بالله تعالى وخاف على نفسه
الجزء: 2 - الصفحة: 721
منهم، فبعث الله عز وجل ملائكة حفوا بمكة من كل ناحية، فحدود الحرم موضع وقوف (1) الملائكة.
وهذا أظهر (2).
وقيل غير ذلك (3).
فصل
*
وأما حدود حرم المدينة، فقد قال ابن رشد: حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابتي المدينة بريدًا في بريد 82.
قال القاضي عياض: قال ابن حبيب: وتحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما بين لابَتي المدينة، إِنما ذلك في الصيد خاصة، وأما في قطع الشجر فبريد في بريد في دور المدينة كلها بذلك، أخبرني مطرف عن مالك - وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب.
وذكر مسلم في بعض طرقه: "إِني أحرم ما بين جبليها" 83.798081
الجزء: 2 - الصفحة: 722
وفي حديث أبي هريرة: وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمّى لها 84.
وهذا تفسير لما ذكره ابن وهب.
ورواه مطرف عن مالك.
وقال ابن الجوزي في مناسكه 85: وفي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "المدينَةُ حَرَامٌ ما بينَ عير إِلى ثَور، من أحدثَ فِيهَا حَدَثًا أوْ آوَى مُحْدِثًا فعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ، لا يقبلُ الله منهُ صرفًا ولَا عَدْلًا يومَ القِيَامَةِ" 86.
الجزء: 2 - الصفحة: 723
قال أبو عُبيد القاسم بن سلام 87: عير وثور اسمان لجبلين بالمدينة غير أن أهل المدينة لا يعرفون جبلًا بها يقال له: ثور، وإِنما ثور بمكة فيرى 88 أن الحديث أصله: ما بين عير إِلى أحُد 89، انتهى.
وقد ذكر غيره أن ثورًا جبل صغير خلف أحد، مما يلي المشرق، فعلى هذا يكون أحد داخل الحرم، وعلى ما قاله أبو عبيد يكون أُحُد خارج الحرم.
ويؤيد هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - أتى بني حارثة 90، وكانت منازلهم غربي مشهد
الجزء: 2 - الصفحة: 724
سيدي حمزة رضي الله عنه في موضع يقال له أثارب، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أرَاكُمْ يا بني حَارِثَةَ قدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ"، ثم التفت فقال: "بلْ أنتُمْ فِيهِ" 91.
كونه - صلى الله عليه وسلم - شك في تلك البقعة: هل هي من الحرم أمْ لا؟ فبالضرورة أن أُحُدًا يكون على حد الحرم * لأن أثاربَ دونه بكثير - والله أعلم -.
وقال أبو يحيى بن جماعة في مناسكه 92: وجرم المدينة اثنا عشر ميلًا من كل جهة 93.
وفي سنن أبي داود من حديث عدي بن زيد رضي الله عنه قال: حمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ناحية من المدينة بريدا بريدًا، لا يخبط شجرها، ولا يُعضد إِلا ما يساق به الجمل 94. = بينهم حرب، فانهزمت بنو حارثة وسكنت خيبر، ثم اصطلحوا وسكنت بنو حارثة في دارهم غربي مشهد حمزة.
(فتح الباري: 4/ 85).
الجزء: 2 - الصفحة: 725
وهذه النصوص تدل على أن الاثني عشر ميلًا من كل ناحية من نواحي المدينة، لا كما يتوهم أن قوله: بريدًا في بريد.
فما ذكره ابن رشد وغيره أن ذلك في طولها وعرضها، فيكون ستة أميال من كل ناحية.
تنبيه:
واعلم أن ذلك يشكل في شامي المدينة لأن الذي بين المدينة وأُحُد نحو أربعة أميال، وإِن قلنا: إِن حده ثور، فما يصل ذلك اثني عشر ميلًا أيضًا، والعينان تشهدان بأن ما بين عير وثور لا يزيد على بريد.
وهذه حرم الشجر كما تقدم عن ابن حبيب 95، وأما حرم الصيد فما بين حرارها، وقاله مالك أيضًا.
ودليله:
ما في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حُرم مَا بين لَابَتْي المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي" 96. = ولم يذكره البخاري في تاريخه، وفي إِسناده عبد الله بن أبي سفيان، وهو في معنى المجهول.
الجزء: 2 - الصفحة: 726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = واللابة: هي الحرة أي الأرض ذات الحجارة السود.
والمدينة بين حرتين عظيمتين إِحداهما شرقية والأخرى غربية.
(هداية الباري: 1/ 328).
وقيل: إِن اللابة خاصة بالمدينة، فلا يقال في غيرها.
(مكمل إِكمال الإِكمال: 3/ 458).
الجزء: 2 - الصفحة: 727