الباب الأول: في الترغيب في الحج وفضله
ذكر أبو الفرج بن الجَوْزي 1 في كتابه "مثير الغرام الساكن إِلى أشرف الأماكن" 2 من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ أرادَ دُنيَا وآخِرَة فَلْيَؤُمَّ هَذَا الْبَيْتَ، مَا أتَاهُ عَبْدٌ سَألَ الله دُنْيَا إِلَّا أعْطَاهُ الله منْهَا وَلا آخِرَة إِلا ادَّخَرَ الله لَهُ مِنْهَا" 3.
الجزء: 1 - الصفحة: 95
وفي البخاري من حديث أبي هريرة 4 رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَنْ حجَّ لله هَذَا الْبَيْتَ 5 فَلَم يَرْفُثْ ولم يفْسُقْ خرج من ذنوبه كيوم ولدَتْهُ أمُّهُ" 6. تفسير الرَّفَث 7: قال أبو عمر بن عبد البَرِّ 8:
الجزء: 1 - الصفحة: 96
الرَّفَث هنا السباب 9 وقبيح الكلام، والتعريض للنساء.
قال القرطبي 10 في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ 11. قال ابن عبَّاس 12 وابن جُبير 13،
الجزء: 1 - الصفحة: 97
والسُّدِّي 14، وقتادة 15، والحسن 16 وعِكْرِمة 17، = (إِسعاف المبطإِ: 12، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: 136، طبقات الفقهاء للشيرازي: 82، مشاهير علماء الأمصار: 82 رقم 591).
الجزء: 1 - الصفحة: 98
والزُّهْرِي 18 ومالك - رحمهم الله تعالى - الرفَث: الجماع، أي فلا جماع لأنه يفسده 19. وقال ابن عمر 20 وطاووس 21 وعطاء وغيرهم -
الجزء: 1 - الصفحة: 99
رحمهم الله - الرَّفثُ: الإِفْحاشُ للمرأة بالكلام 22. قال القاضي أبو بكر بن العَرَبي 23: المراد بقوله عز وجل: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ 24 نفيه مشروعًا لا موجودًا، فإِنا نجد الرفث فيه ونشاهده، وخبر الله تعالى ليس في خُلف، وإِنما يرجع النفي إِلى وجوده مشروعًا لا وجوده محسوسًا 25 كقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 26.
الجزء: 1 - الصفحة: 100
وأما الفسوق فالمراد به جميع المعاصي كلها، قاله ابن عباس وعطاء والحسن 27. وقال ابن زيد ومالك: الفسوق: الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ 28. وقيل 29: التنابز بالألقاب، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ 30. وقيل 31: المراد به السباب 32 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" 33.
الجزء: 1 - الصفحة: 101
قال القرطبي: والقول 34 الأول أصح، لأنه يتناول جميع الأقوال 35. وأما الجِدَالُ في الحج فرُوِيَ عن ابن عباس 36 - رضي الله عنهما - أنه قال: المِرَاءُ والمُلاحَاة حتى تُغضبَ أخاك وصاحبك فنهى الله تبارك عن ذلك.
مسألة: قال بعض العلماء 37: وعلى هذا فالجدال معصية؛ وهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ 38 على ما فسره به ابن عباس رضي الله عنهما.
تنبيه: قال القرطبي - رحمه الله -: فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها 39.
الجزء: 1 - الصفحة: 102
وقال مالك بن أنس - رحمة الله عليه -: الجِدَالُ هنا أن يختلف الناس أيهم أصاب موقفَ إِبراهيم الخليل 40 - صلى الله عليه وسلم -, كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فالمعنى على هذا التأويل: لا جدال في مواضعه 41، والله تعالى أعلم.
وقال النووي 42 - رحمه الله: قال العلماء: الرفَث اسم لكل لغو وخنا 43 وفجور وزور ومجون بغير حق، والفسوق: الخروج عن طاع الله تعالى 44.
الجزء: 1 - الصفحة: 103
وروى ابن حِبّان 45 عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الحَاجَّ اذا قضى آخر طوافِهِ بالبيتِ خرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّه" 46. قال ابن الجوزي: ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "دعوة الحاج لا تُردّ حتى يرجع" 47. قال ابنُ الحاج في منسكه: ومن حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "وَفْدُ الله ثَلاثَةٌ: الحاجُّ والمعتمرُ والغازِي، دَعَاهُمُ الله تَعَالى فأجَابُوهُ وسَألُوهُ فأعْطَاهُمْ" 48.
الجزء: 1 - الصفحة: 104
قال ابن الجوزي: ومن حديث جابر 49 - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ جَاءَ هَذَا البيتَ حاجًّا فطافَ به أسبُوعًا، ثم أتَى مقامَ 50 إِبراهيم عليه السلام فصَلَّى عنده ركعتين، ثم أتى زَمْزَمَ 51 فشرَب من مائها أخرجه الله من ذنوبه، كيْوم وَلَدَتْهُ أمُّهُ" 52. = وخرج النسائي عن أبي هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر".
(السنن 3/ 113، مناسك الحج، فضل الحج).
وخرجه البزّار عن جابر بلفظ: "الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألهم فأعطوه".
قال الهيثمي: رجاله ثقات.
(مجمع الزوائد: 3/ 211). وانظر: (موارد الظمآن: 240 رقم 964 - 965. باب في الحجاج والعمار والغزاة).
الجزء: 1 - الصفحة: 105
ومنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أرْبَعَةٌ حَقٌّ عَلَى الله عَزَّ وجَلَّ عونُهم: الغَازِي، والمتَزَوِّج، والمكاتب، والحاجُّ" 53. ومنه من حديث عمرو 54 بن شعيب 55 عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال 56: "الحاجُّ وفْدُ الله، إِن سألُوا أُعْطُوا، وإِن أنْفَقُوا أخلف عليهم، والذي نفس أبي القاسِم بيدِهِ مَا أهَلَّ مُهلٌّ ولا كَبّر مُكَبرٌ على شَرَفٍ 57 إِلا أهَلّ بيْنَ
الجزء: 1 - الصفحة: 106
يَدَيْهِ وهلَّلَ بتَهْلِيلِه وتَكبِيرِه حتَّى يَبْلُغَ مُنقَطِعَ الترابِ" 58. وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يستجاب للحاج من حين يدخل مكة إِلى أن يرجع إِلى أهله وفضل أربعين يومًا" 59. وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إِذا لقيت الحاج فصافحه وسلم عليه * ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته، فإِنه مغفور له" رواه أحمد بن حنبل 60. وعن أبي سعيد الخدري 61 - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 1 - الصفحة: 107
قال: "إِنَّ الله تَبَارَكَ وتعَالى قال: إِنَّ عَبْدًا صحَّحْتُ له جسْمَهُ ووَسَّعْتُ عَلَيْه في المعيشة يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أعْوَامٍ لَا يَفدُ إِليَّ لمَحْرُومٌ" 62 رواه ابن أبي شيبة وابن حِبَّان في صحيحه.
تنبيه:
قال العلماء: وهو محمول على الاستحباب، والتأكيد في هذه المدة.
قال الإِمام الحافظ أبو محمد عبد الحق الأزدي 63 في منسكه: ذكر أبو جعفر العقيلي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حجُّوا قبْل أنْ لا تحجُّوا، قالوا: وما شأن الحجِّ يا رسول الله؟ قال:
الجزء: 1 - الصفحة: 108
تقعُدْ عُربانهما على أذْناب شعابها فلا يصل إِلى الحجّ أحدٌ" 64. وروى عبد الرزاق من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حْجُّوا تَسْتَغْنُوا" 65. ذكره 66 ابن جماعة 67.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
قال ابن الحاج: وذكر النضر بن شميل 68 من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لعمرو 69 بن العاص - رضي الله عنه - في حديث مبايعته له: "أوَ مَا عَلِمْتَ أنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قبلَه وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما قَبْلَهَا، وأن الحَجَّ يَهدمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ " 70. ومنه عن النضر بن شميل عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: بلغنا عن أبي ذر 71
الجزء: 1 - الصفحة: 110
وعثمان - رضي الله عنهما - أنهما قالا: مَنْ حَجَّ اسْتَأنَفَ العَمَل 72. وقال أبو إِسحاق بن شعبان المالكي 73: كان الصدر الأول يقولون لمن حج: استأنف 74 العمل 75.
الجزء: 1 - الصفحة: 111
وعن أبي موسى 76 - رضي الله عنه -: "الحاجُّ يشفَعُ في أربعمائة من أهْلِ بيتِه، ويُبَاركُ في أربعين بعيرًا من أمَهات البَعير الذي حمله، ويخرج من ذُنُوبه كيومِ وَلَدَتْه أمُّهُ".
ذكره ابن جماعة 77.
قال أبو محمد عبد الحق: وذكر عبد الرزاق: أن رجلًا قال لأبي موسى - رضي الله عنه -: يا أبا موسى، إِني كنت أعالج الحجَّ 78، وقد ضعفت وكبرت فهل من شيء يَعْدل الحج؟ فقال: هل تستطيع أن تعتق سبعين رقبة من ولد 79 إِسماعيل؟ وأما الحل والرحيل فلا أعلم له عدلًا 80.
وقال سعيد بن جبير: ما أتى هذا البيت طالب حاجة قط دنيا ولا آخرة إِلا
الجزء: 1 - الصفحة: 112
رجع بحاجته 81.
وحكى القاضي عياض 82 في كتاب الشفا عن بعض شيوخ 83 المغرب: أن قومًا أتوه فأعلموه أن كتامة 84 قتلوا رجلًا وأضرموا عليه النار فلم تعمل فيه، وبقي أبيض البدن، فقال: لعله حج ثلاث حجج؟ فقالوا: نعم.
فقال:
الجزء: 1 - الصفحة: 113
حُدّثت أن من حج حجة أدى فرضه، ومن حج ثانية دايَنَ ربّه، ومن حج ثالثة حرم الله شعره وبشره 85 على النار 86.
قال أبو عبد الله بن الحاج: وذكر عبد الرزاق عن مجاهد 87 عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - * قال لرجل من الأنصار: "سَلْ حَاجَتَكَ وإِنْ شِئْتَ أخْبَرْتُكَ.
قال الأنصاري: فذلك أعجبُ إِليَّ.
قال - صلى الله عليه وسلم -: فإِنك جئت تسأل عن خروجك من بيتك تؤم البيت ماذا لي فيه؟ وجئت تسأل عن وقوفِكَ بعَرَفَةَ وتقولُ: ماذا لي فيه؟ وعن رميكَ الجمارَ، وتقول: مَاذا
الجزء: 1 - الصفحة: 114
لِي فيه؟ وعن طَوَافِكَ بالبيتِ، وتقول: ماذا لي فيه؟ وعن حلقِ رأسِكَ، وتقول ماذا لي فيهِ؟ وجئتَ تسأل عن وقوفِكَ بعَرَفَةَ وتقولُ: ماذا لي فيه؟ وعن حلق رأسِكَ؟ ، وتقول: ماذا لِي فيهِ؟ قال: أي والذي بعثَكَ بالحَقِّ نبيًّا.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: أمَّا خروجُكَ من بيتِكَ تؤُمُّ البيتَ الحرامَ، فإِن لك بكل وطأةٍ تطأهَا راحِلَتُكَ حسنةً وتمحى عنكَ بهَا سيئةٌ، وأما طَوافُكَ - يعني الإِفاضة - فإِنَّكَ تطوفُ ولا ذنْبَ لكَ 88، ويأتيكَ ملَكٌ حتى يضع يدهُ بين كتفيكَ فيقول: اعملْ لما بقي، فقد غُفِرَ لك ما مضَى.
وأما طوافُكَ بينَ الصفَا والمروةِ فكَعِتْقِ سبعينَ رقبةً، وأما وُقُوفُكَ بعرفةَ فإِن الله تعالى ينزلُ إِلى السَّماء الدّنيا فيباهي بهم الملائكَةَ فيقول: هؤلاءِ عبيدي جَاؤوني شعْثًا 89 غبرًا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكَيْفَ لوْ رَأوْنِي؟ ! فلوْ كَانَ عليْكَ مِثلُ رَمْلِ عالج 90 أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوبًا غسلَهَا الله عنكَ، وأمَّا رمْيُك الجِمَارَ فإِنَّهُ مدَّخر لك.
وأمَّا حَلْقك 91 رأسَك
الجزء: 1 - الصفحة: 115
فإِنَّ لكَ بكلِّ شَعْرةٍ تسقُطُ حَسَنَة، فإِذا طُفْتَ بالبيتِ خرجْتَ من ذُنُوبكَ كَيَوْمِ ولدتْكَ أمُّك" 92. واستقصاءُ مَا وَرد في فضائل الحج يُخرجنا عن المقصود.
الجزء: 1 - الصفحة: 116